خمسة دروس تعلمتها من الاعتداء على غزة
التاريخ: 
22/07/2014

 أولاً، إن الذريعة الأمنية للهجوم على غزة ملفقة بالكامل

لو ظن أي منّا أن الاعتداءات الدورية على غزة، في السنوات 2006، و 2008-2009، و 2012، والآن في سنة 2014، لها أي علاقة بأمن إسرائيل بالمفهوم الضيق، لكشفت الأحداث الأخيرة أن لا أساس لهذا الظن من الصحة.  فقد أظهرت الهجمات المتتالية على قطاع غزة بوضوح أن بعد كل ضربة "قاضية”" على المقاومة الفلسطينية، تعيد هذه المقاومة بناء قدراتها العسكرية على شكل أتم وأكمل من ذي قبل. وبالإضافة إلى ذلك، لو افترض أحد أن الأنفاق التي يمكن أن تدمرها إسرائيل خلال هذه الهجمة لن يعاد حفرها وتطويرها في غضون أشهر، إنْ لم نقل أسابيع، فهو بلا شك يعيش في عالم الأوهام. فهذه الأنفاق التي ستُحفر مرة أُخرى في اتجاه مصر ستُستخدم لتأمين حاجات المقاومة القتالية، وأمّا التي ستُحفر مرة أُخرى في اتجاه إسرائيل ستُستخدم لإجراء أي عملية تختارها المقاومة هناك. غير أن الأمر الوحيد الذي يحدد موعد هذه العمليات وشكلها هو القرار السياسي، لا أي إجراء أمني تتخذه إسرائيل.  وبالمناسبة، تدل هذه المعطيات البديهية أيضاً على أن جدار الفصل التي شيدته إسرائيل لتخنق الضفة الغربية وتفصلها عن مدينة القدس لا علاقة له بالاعتبارات الأمنية أبداً. إذ لا يستطيع أي جدار أن يوقف عمليات المقاومة، لأن المقاومين يستطيعون تسلق الجدار والقفز فوقه، وحفر الأنفاق تحته، والالتفاف عليه بطرق متعددة.

ثانياً، إن خطة فك الارتباط كانت مجرد

طريقة لجعل الاحتلال مستديماً بوسائل أُخرى

لم تكن خطة "فك الارتباط"” التي نفذها أريئيل شارون في سنة 2005 إلاّ خطة لمواصلة احتلال غزة على نحو ملائم أكثر للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد نصت الخطة في الأساس على ضرورة السيطرة الكاملة على المجال الجوي والمياه الإقليمية والممرات البرية على طول القطاع، وقد حرصت على إبقاء شبكتي الكهرباء والمياه في يد إسرائيل، بالإضافة إلى البنى التحتية الأُخرى. لقد سمح الانسحاب العسكري للجيش الإسرائيلي بأن يستغني عن تمركز وحدات عسكرية ضخمة لحراسة عدد قليل من المستوطنات الإسرائيلية الحصينة.  وبما أن هذا الجيش اليوم معفى من هذا الواجب فهو حر في ممارسة الاحتلال عبر التحكم عن بعد: يقطع الماء والكهرباء حين يشاء، ويمنع الناس من الدخول والخروج (حتى على الحدود المصرية نفسها)، ويقتل المسلحين والعزل على حد سواء.  ومن حين إلى آخر يطلق ترسانته العسكرية بأكملها على السكان الأبرياء، تاركاً الآلاف من القتلى والجرحى. وبالتالي، فإن إجلاء المستوطنين الإسرائيليين من قطاع غزة، قد سمح لإسرائيل بأن تحكم قبضتها العسكرية على غزة بشكل أتم.  والهجوم الشامل على غزة الذي نشاهده اليوم (وشاهدناه عدة مرات منذ فك الارتباط)، لم يكن وارداً لو بقي مستوطن إسرائيلي واحد على أرض قطاع غزة.

ثالثاً، إن "عقيدة الضاحية"” حية في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ويتم تطبيقها بحذافيرها على قطاع غزة

في إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان في سنة 2006، عبّر بعض القادة العسكريين الإسرائيليين عما لقبوه بـ"عقيدة الضاحية"”، نسبة إلى ضاحية بيروت الجنوبية التي دمرتها الغارات الجوية الإسرائيلية.  فصرح الجنرال غادي أيزنكوت، الذي كان آنذاك رئيس القيادة الشمالية للجيش الاسرائيلي، لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في آذار/مارس 2008 قائلاً: "ما حدث في محلة الضاحية في بيروت في سنة 2006 سيحدث في كل قرية يُطلق منها النار على إسرائيل."” وتابع: "سنوجّه إليها قوة غير متكافئة ونلحق بها ضرراً ودماراً هائلاً.  من وجهة نظرنا، هذه ليست قرى مدنية، بل قواعد عسكرية.”" وأوضح أيزنكوت: "تلك ليست توصيات،  هذه خطة.  وقد تم الموافقة عليها."”  ويشغل أيزنكوت الآن منصب نائب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، وهو أحد مرشحيَن لمنصب رئيس الأركان. إذاً، تستهدف إسرائيل المدنيين بتمعن وعن سابق تصميم، وذلك باعتراف كبار قادتها العسكريين. وتفعل ذلك بناء على اعتقاد خطأ أن قتل وجرح عدد كبير من المدنيين سيؤدي إلى الضغط على حركات المقاومة في لبنان وفلسطين ويدفعها إلى الاستسلام ووقف القتال. بكلمات أُخرى: يعتدي الجيش الإسرائيلي على المدنيين عمداً من أجل تحقيق أهداف سياسية.  وبالمناسبة، هذا هو التعريف الحرفي للإرهاب.

رابعاً، إن اسرائيل بحاجة كل سنتين أو ثلاث

سنوات إلى حرب لاختبار ترسانتها العسكرية

يقال عن سمك القرش إنه لا يمكن أن يبقى في قيد الحياة لو توقف عن السباحة، وعلى غراره هي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية المدججة بالأسلحة والمعنية بتطوير أنظمة أسلحة جديدة باستمرار، إذ إنها تحتاج إلى حروب دورية لاختبار قدراتها العسكرية المتطورة. فالتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية يتم تصديرها اليوم إلى شتى أنحاء العالم، ولا سيما إلى الولايات المتحدة وأوروبا، على نطاق واسع. ويضم قطاع الصناعة العسكرية الإسرائيلية أكثر من 150 شركة، وتشكل الإيرادات العسكرية الإسرائيلية مبلغاً مقداره نحو 5,3 مليارات دولار سنوياً. وهذا القطاع الاقتصادي الإسرائيلي ضخم ومتنامٍ، إذ سجلت الصادرات العسكرية الإسرائيلية زيادة بنسبة 20% في الفترة 2011 - 2012.  ويمثل اليوم قطاع غزة ساحة اختبار للمعدات العسكرية الإسرائيلية الحديثة، بما فيها أحدث منتوجاتها، نظام "القبة الحديدية”" لصد الصواريخ.  وتؤكد التغطية الإعلامية لـ"القبة الحديدية" في وسائل الإعلام الغربية  هذه النظرية، بحيث تكاد تكون أشبه بالحملة الدعائية لمنتوج تكنولوجي منها بالتحقيق الصحافي. وحتى المصادر الإخبارية المحترمة كهيئة الإذاعة البريطانية لم تتورع عن إنتاج رسومات بيانية تصوّر الأداء الممتاز (المزعوم) لنظام "القبة الحديدية". ولذلك يشعر سكان غزة بأنهم أهداف في حلبة لتعليم الرماية، أو كما قالت إحدى الأمهات اللاجئات في مدرسة في غزة لصحافية غربية: إن الشعب الفلسطيني في غزة لن يقبل أن يكون جزءاً من لعبة فيديو للجيش الإسرائيلي.

خامساً، لا يمكن أن تسمح إسرائيل بالوحدة الوطنية الفلسطينية

عبّرت إسرائيل عن امتعاضها تجاه حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية حتى قبل ولادة هذه الحكومة، وحاولت أن تمارس ضغوطاً للحلول دون ولادتها. فالوحدة الوطنية الفلسطينية تعني مزيداً من التماسك والتصدي، الأمر الذي يربك السلطات الإسرائيلية ويولّد لها المشكلات. علاوة على ذلك، في الخطاب الرسمي الإسرائيلي ثمة فارق ما بين الفلسطيني "الجيد"” والفلسطيني "السيىء"”، وتوحيد الصفوف من شأنه أن يوحي للعالم بأن على الرغم من الفوارق السياسية هناك وحدة حال ما بين الفصائل الفلسطينية وقضية مشتركة متفّق عليها. وما دام الصف الفلسطيني كان غير موحّد استطاعت الحكومة الإسرائيلية أن تقنع العالم بأنها ليست قادرة على التكلم مع الخصم الفلسطيني لأنه غير موحّد ويجب أن يصحح وضعه الداخلي قبل الاتفاق معه. أمّا الوحدة الفلسطينية فمن شأنها أن تزيد الضغط على الجهات الرسمية الإسرائيلية. ولا بد من أن أحد الحسابات الإسرائيلية الكامنة وراء الاعتداء على الفلسطينيين في غزة أنه سيزيد التوتر ما بين الفصائل والأحزاب الفلسطينية، ويؤدي إلى انقسام جديد بين "فتح" و"حماس". الأسابيع والأشهر المقبلة ستبين إذا كانت حسابات إسرائيل دقيقة.

 

عن المؤلف: 

محمد علي الخالدي: عضو مجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية، أستاذ مشارك في الفلسفة في جامعة يورك، تورنتو، كندا.