متلازمة درويش (1): النصر، الهزيمة، المنفى
In Remembrance
1941 - 2008
نبذة مختصرة: 

شكلت مساهمة محمود درويش في صوغ الوعي بالقضية الفلسطينية متلازمة نادرة في الفكر والممارسة، تقرأها هذه الدراسة، تنافذياً، على مستويي السياسات والأخلاقيات، متوسلة كتاباته النثرية كنصوص موازية لمشروعه الشعري. ولعل ثنائية السياسات والجماليات في الحياة الثقافية الفلسطينية لا تتضح من دون الوقوف على خوارزمية "الفروق الصغيرة" التي نظمت أدوار الشعر والنثر في الدفاع عن القضية الفلسطينية، والتي بلورت، كذلك، علاقة فلسطين بالواقع والتاريخ والأسطورة.

النص الكامل: 

 أمضى محمود درويش حياته، كشاعر وسياسي، مدافعاً عن هذه "الفروق الصغيرة"، اقتبس الفلسطينيون منه لقول مأساتهم التاريخية بعد أن وقعوا ضحية واحد من أقسى الشروط الاستعمارية في التاريخ. فطروادة والأندلس والمنفى لم تعد محض استعارات كونية في البلاغة السياسية لدرويش، وإنما دخلت حيز التداول في ال الثقافي العام. وهنا، صارت مفاهيم النصر والهزيمة والمنفى، استعارات كبرى لمشهديات متغايرة جعلت من مصير طروادة مجازاً للانتصار الأخلاقي والهزيمة العسكرية، ومن سقوط الأندلس مجازاً لغياب الأرض وحضور القصيدة، ومن تجربة المنفى مجازاً لفكرة سارة وحضور هاجر. 

درويش: الشاعر والسياسي

لقد رسم درويش، الشاعر - المثقف، خطوطاً دقيقة بين شعره وفعله الثقافي، أي بين مشروعه الجمالي ومشروعه السياسي الذي هو مشروع الفلسطينيين في التحرر. وفي هذا السياق، يقتبس درويش وليام بتلر ييتس: "أنا لا أحب الذين أدافع عنهم، كما أنني لا أعادي الذين أحاربهم"،[1] مع أنه لم يكن هيِّناً عليه استخدام مفردات، نحو: "حب" و"كره" كمقولات سياسية. فقد أحب ما كُتب من نقد للجمالي في شعره، ومقت المجاملة، كما كره الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والمنفى، وربما لن يروقه بعض ما سيرد في هذه الدراسة، على الرغم من توافقها مع مقولته اللافتة وفحواها أن "الشعر الوطني الصحيح، هو الشعر القبيح."[2] غير أن درويش لم يمقت أكثر من ترجمة شعره إلى مقولات سياسية، مع أنه كان مسكوناً بتمرين الترسيم الدائم لـ "الفروق الصغيرة" بين الشعر والنثر، وبين فلسطين وغيرها من الأماكن المتغايرة في مدوَّنة الزمن الدائري للنصر والهزيمة.

إن قراءة درويش، الشاعر - السياسي، تستدعي فهماً عميقاً لما يصفه من توتر بين الشعر والنثر؛ وخصوصية الشاعر الفلسطيني؛ ومسؤوليات المثقف؛ ودور الشعر في هزيمة الموت؛ والمساهمة في تشكيل السردية التاريخية للقضية الفلسطينية. ولعل الاهتمام بقراءة درويش لا من خلال شعره، بل عبر نصوصه النثرية الموازية، هو مساهمة هذه الدراسة في حل التوتر الاستيهامي بين الثقافي والسياسي الذي أنتجته تموُّضيَّة (من كلمة موضة) القراءة وتطفُّل النقد. وهي إذ تذكّر بمركزية درويش في الثقافة الفلسطينية، فإنها تتقمص وصف فوكو لمركزية ماركس في الفلسفة، باستبدال الاسم فقط، فأنا عادة ما أقتبس مفاهيم ونصوصاً وعبارات من درويش، من دون أن أشعر بأنني ملزم بأن أضيف إحالة هامشية إلى التوثيق مشفوعة بعبارة مديح ترافق الاقتباس. وما دام المرء يفعل ذلك، فإنه ينظر إليه كمَن يعرف درويش ويوقِّره، وسوف يتم، بالتالي، تقديره فيما يسمى المجلات - الأدبية. لكنني أقتبس درويش من دون أن أفصح عن ذلك، بلا علامتَي تنصيص. ولأن الناس غير قادرين على تمييز نصوص درويش، فإنني لا أبدو كمَن يقتبسه. "وهل يشعر أي فيزيائي بأن ثمة ضرورة لاقتباس نيوتن أو أينشتاين كي يكتب في الفيزياء؟"[3] ولعل هذا المنطق لا يمنح حصانة للمتخصص بدرويش في أن تكون له يد على غيره، إلّا إنه يتيح لصاحبه حرية الانضمام إلى درويش في الدفاع عن بقية الفروق.

في رائعته "ذاكرة للنسيان"، يعلن درويش: "حياتي فضيحة شعري، وشعري فضيحة حياتي"،[4] بينما يدشّن، في كتابات لاحقة، عتبة سائلة بين الشعر والنثر، شعر يتطلع إلى أرستقراطية النثر، ونثر يحلم برعوية الشعر.[5] لكنه يؤكد أن "على الشعر أن يحاذر قول ما يمكن قوله بغير الشعر. تلك هي حكمتي إذا جاز لي أن أدعي الحكمة. ولكن كيف ندرك ذاك الهامش؟ كيف نعرف الفارق الصغير بين ما هو شاعري وما ليس بشاعري؟"[6] فـ "النثر جار الشعر ونزهة الشاعر. الشاعر هو الحائر بين النثر والشعر. والشعر إخفاء الزوال عن الزائل."[7] وبالتالي، فإن النثر خيار جمالي، كالشعر، لكن مهارة استدعاء كل منهما هي فعل واعٍ على مستوى الاقتصاد السياسي للغة، إذ لا ضير من أن "يسرق النثر شيئاً من الشعر"، ما دام النص نصك، وما دامت الشاعرية قابلة للتحقق في النثر بقدر تحققها في القصيدة. ولعل هذا ما يؤكد مقولة أن "الشعر لا يسقط في النثر، بل يولد معه."[8] وعليه، فإن قراءة نثر درويش، تماماً كقراءة شعره، قد لا تفضي إلى نتائج قطعية في استقصاء مواقفه السياسية.

وعلى الرغم من وضوح المفهمة الدرويشية لثنائية الشعر والنثر، فإنه أضاف إلى شقّها الشعري تحديداً آخر في الحالة الفلسطينية، وخصوصاً بعد توقيع اتفاق أوسلو في سنة 1993، حين تساءل: لماذا لا يواجه شعراء من بلاد أُخرى الأسئلة ذاتها؟ "أَلأنّ شرط الإبداع الفلسطيني هو العبودية، أم لأن الحرية لا تليق بإيقاعاتنا؟ وما معنى أن يكون الفلسطيني شاعراً، وما معنى أن يكون الشاعر فلسطينياً؟ الأول: أن يكون نتاجاً لتاريخ، موجوداً باللغة. والثاني: أن يكون ضحية لتاريخ، منتصراً باللغة. لكن الأول والثاني واحد لا ينقسم ولا يلتئم في آن واحد."[9] ولذا، فإن الشعر والنثر ليسا محض خيارَين تحكمهما غاية سياسية، بل إنهما، أكثر من ذلك، وسائل مقاومة لتسييس الجمالي، أو لـ "تثبيت المكان في اللغة"، و"حماية الواقعي من الأسطورة."[10] فالجماليات يجب ألّا تبقى أسيرة في المأساة، والفلسطينيون أنفسهم يجب ألّا يفنوا أعمارهم لتحقيق انفكاك اللغة عن الواقع؛ والشعر لديه القدرة لاستبدال الحقيقة بالحدس، كما أن لديه القدرة على التساؤل: "هل حُكم علينا إلى ما لا نهاية بتقديم البراهين على أننا نحن؟ وعلى أننا كائنات بشرية لا أشباح؟ وعلى أن لنا بلاداً هي أرض بلا بطاقة بريدية؟ ربما.. ربما. ولكن في وسع الفن أن يستبدل البرهان بالبديهة، وأن يتساءل: إلى متى يظل الوطن في حاجة إلى براهين جمالية؟ وإلى متى يظل الفن في حاجة إلى براهين وطنية؟ قال رسام فرنسي: 'إن البراهين تضجر الحقيقة'، ومن سوء حظنا التاريخي أن هذا القول قد لا يخصنا."[11]

غير أن هذا الانفكاك، المنشود والمتحرَّز منه، في آن معاً، له محدِّداته، ذلك بأن درويش يرى "أن الشعر يقول نظريته أكثر ممّا تقول نظريته عنه. أي إن الشعر يقول عن الشعر أكثر ممّا تقول النظرية عن الشعر. الشعر هو الذي يقول ذاته، وعلى المنظِّر أو الناقد أن يستنبط المفهوم الشعري عند الشاعر من خلال قراءته النقدية لشعره"،[12] الأمر الذي أكده حسين البرغوثي الذي كان يعتبر درويش "جسمه الأثيري" و"مغناطيس هويته" ومصدر إلهامه في إدراك التنافذ بين الشعر ونظرية الشعر.[13] فالمثقف يمكن أن يؤسس لعلاقة تناقضية بين الشعر والسياسة والنظرية، كما يمكنه أن يتنقل بينها، وإن على مضض، إذ "الشاعر، حُكماً، هو سياسي في حالة طوارىء"،[14] على الرغم من أن "القصيدة السياسية استنفذت أغراضها [....] إلّا في حالات الطوارىء الكبرى."[15] وعليه، فإن القراءة المنصفة للنص يجب ألّا تتورط في حشد النظرية للعثور عن ندبة سياسية في قلب الجمالي، كما يجب ألّا تفعل العكس لتنفي الجمالي من النصوص التسجيلية لـ "حالات الطوارىء".

إن مثقف درويش هو "الإنسان الذي يحمل آلافاً من 'قرون الاستشعار' التي ترى البرق البعيد، وتحس في العاصفة البعيدة، وتلمس الزمن القادم الذي لا زمن فيه.. وهو.. هو المهووس بأن يصدق أحلامه."[16] إنه مثقف مشابه لمثقف إيميل شارتييه الذي يقسم حياته بين عالمِي المثقَّفيَّة كغاية في ذاتها، والفعل الثقافي كترسيمة لجينيالوجيا الشر، واقتراح لآليات المقاومة التي من شأنها أن تصحح أخطاء التاريخ، وإن لم تتمكن من وقف خطاياه.[17] وبأقل من ذلك، فإن مثقف درويش يلتبس بمثقف فوكو "الذي يشعر بالذنب لأي شيء، سواء تكلم أو صمت، وسواء لم يفعل شيئاً أو استغرق في كل شيء. فالمثقف، باختصار، هو مادة خام لتهمة أو حكم أو استنكار أو استثناء."[18] ولعل المشابهة مع هذين النمطين من المثقفين تظهر في مرثيات درويش لرفاقه الذين ارتقوا خلال مسيرة منظمة التحرير الفلسطينية، مسجلاً شعوراً من الأسى لما لم يقترفه، حين يقول: "أنا أيضاً يعضني ضميري... نحن مسؤولون، بما يعنيه الشعر في جدل الأخضر والخنجر، عن موت الشعراء والأنبياء. نحن مسؤولون عن طلوع القمر على قصور القتلة. نحن مسؤولون عن مصرع فريدريكو غارثيا لوركا، وراشد حسين. كان علينا أن نفعل شيئاً لإنقاذ رأس الحلاج، ولكن ماذا سيصيب سؤالنا لو أدركنا أننا عاجزون عن اللقاء في حيفا لمنع راشد حسين من الرحيل إلى نيويورك، ولمنعي من السفر إلى المجهول؟ مزيد من الخلوة في الحمام لحجب الدموع عن الأصدقاء والأعداء. تلك المسافة، لا القطيعة، بين ما نريد وما نستطيع."[19]

وبذا، فإن مثقف درويش العام يبدو مثقلاً بالذنوب، بينما يبدو الشاعر أكثر تحللاً منها، مع أن مسؤولية الشاعر تبدو أعظم تجاه قضايا الشأن العام والمطالب الوطنية، وإن لم يلتزم دوماً بالإشارة " إلى نار القبيلة المشتعلة في أعالي القافية!"[20] لقد أدرك درويش أنه ليس ثمة "ما هو أسوأ من الشعر السياسي، بمعناه المباشر، إلّا الإفراط في تعالي الشعر عن قضاياه السياسية، بمعناها العميق، أي الإصغاء إلى حركة التاريخ والمشاركة في اقتراحات المستقبل. فتلك هي سياسة مضادة تغيِّب الشاعر عن فضائه الجيو - سياسي، وتعزله عن الكينونة المشتركة والمجتمع"،[21] وكان هذا الإدراك باعثاً على التصادي مع كل من ثيودور أدورنو وبول سيلان بشأن مسؤولية الشاعر. وقد أجاب درويش عن تساؤل أدورنو، في منتصف القرن المنصرم، عن إمكان كتابة قصيدة بعد أوشفيتس، بتعاطف كبير، مبرراً موقفه بالقول: "صحيح أننا في زمن وحشي جداً، في زمن استبداد كوني، في زمن مضاد للشعر، في زمن اللاشعر بالمعنى الشمولي، لكنني أعتقد أن الشعر لا يُعرف إلّا بنقيضه. من فرط ما هو العالم غير شعري، هناك ضرورة للشعر. لكن الشعر لا يحارب الحرب – على سبيل المثال - بأسلحتها، فهو أكثر مكراً، ويستطيع أن يستمد قوته من هشاشة الأشياء ومن هشاشته هو. الشعر بطبيعته هش، وإذا حمّلناه من الطاقات لحل مشاكل الكون نكسره. ما يستطيعه الشعر هو أن يتلصص على الضوء. يستطيع أن يتعلم من قوة العشب أكثر من قوة الطائرة، ويستطيع أن يجدد دهشة الإنسان، لأن الكلمات في الشعر تبقى دائماً في حياتها الأولى. كيف نعود إلى طفولة الأشياء، وإلى طفولتنا داخل هذه الأشياء ونجددها.. هذه أفضل طريقة للدفاع عن وجودنا الإنساني. إن الشعر لا يستطيع أن يغير العالم. ما يستطيعه هو أن يمنح الإنسان قيمة الإحساس بجدواه، بل ويعطيه إحساساً بمعنى ما لهذا الوجود. الشعر متواضع جداً، ويجب أن يكون متواضعاً لكي لا ينكسر في مواجهة الأثقال التي قد يحملها لنفسه. إنه التحلل من وهم القدرة على تغيير الواقع. إنه صراع ضد الموت، الموت بكل الأسباب والأشكال. وبهذا المعنى، يعيد للحياة الإنسانية شيئاً من ألقها، ومعناها. إنه يدافع عن الإنساني بما هو يعادي الموت."[22] وعليه، فإن الشعر لا يمكنه وقف هول الحرب، وربما يمكنه بالكاد وصف هذا الهول، لكنه، مع ذلك، قادر على تشكيل واقع موازٍ يهزم به الموت: بوصف طقوسه، والسخرية منه، وتأمُّل ما فيه من حمق، وتوسيع مساحات جدوى الوجود لمَن نجوا منه عبر كتابة حكايته.

إن في استدعاء درويش الرهيف للمعضلة التاريخية لمكانة الشاعر وفضيلته، ما يشكّل محاولة لإنقاذ "جوهر" الشعر من موضوع "وجوده"، كما أن فيه إحالة على تعقيبات لافتة على مقولة أدورنو: "بعد أوشفيتس، فإن كتابة قصيدة ما هي [فعل] بربري" (Nach Auschwitz ein gedicht zu schreiben, ist barbarisch)، وذلك على غرار مقولات روبرت كوفمان في شعر ما بعد الحرب الأميركية، والذي أكد الأطروحة الشهيرة لفالتر بنيامين وفحواها أن "الحداثة"، ربما، وليست "القصيدة"، هي مدونة جميع البربريات، والقصيدة لا "يمكن" أن تُكتب فقط، بل "يجب" أن تُكتب.[23] وبحسب كوفمان، فإن "أدورنو في حقيقة الأمر، وربما بسذاجة، تصوّر أن مقولته المأثورة، الشائكة والقابلة للتأويل، والمستفزة بالتأكيد، ستشترك بصورة مباشرة، مع الجهود التي بُذلت بُعيد انتهاء الحرب، لجعل الفكر والكتابة يشتبكان مع، ويتيحان إمكان، مساءلة معاني الإنسانية "بعد - الحياة"، بعد النجاة من الرايخ الثالث 1933 - 1945، أو ما سيدعوه شعر بول سيلان، لاحقاً، "ما حدث"... فما حدث هو ليس لضحايا الإبادة أنفسهم فحسب، بل للعالم نفسه أيضاً، ولما بعد التجربة الإنسانية."[24] وبالتالي، فإن القصيدة، حتى إن انتمت تحقيبياً، إلى الحداثة أو إلى ما بعدها، إلّا إنها تسجل ما فيهما من قبح وجمال، ولا تشترك في آثامهما، إلّا لماماً. وبالتالي، يجب أن يضاف تعديل صَوغي إلى مقولة أدورنو، إذ لم تعد "المشكلة" محصورة في "كتابة" القصيدة، بل، أكثر من ذلك، في كيفية "قراءتها" أيضاً. هنا، تبرز الجدوى ليس في كتابة سيلان لشعره فحسب، بل في قراءتنا له، وقراءة بُنى العنف التي حفّزت كتابته، أي أن نقرأ "حياة الشعر" ونحن نقرأ "شعر الحياة".

إن تماهي درويش مع التزام سيلان بالتأمل الجمالي النقدي في أوج الواقع الوحشي للحداثة، يفصح عن رغبته في تحدى وحشية الشرط الاستعماري الذي يعيشه الفلسطينيون، وذلك بمنح الشعر صوتاً يجعله أحد أفعال "الروح المعنوية".[25] ولعل تجربة درويش الفلسطينية، مثلما عبّر عنها سياسياً وجمالياً، سواء في فترة إقامته في حيفا، أو في المنافي، أو حين رجوعه إلى رام الله، تستدعي مقولة سيلان: "ليس على وجه الأرض ما يمنع الشاعر من الكتابة، حتى إن كان يهودياً، والألمانية هي لغة قصائده."[26] ولعل استدعاء سيلان، هنا، ليس رغبة في مقارنة المعاناة، بقدر ما هو إبراز للحاجة إلى التأمل في إرث العنف الذي خلّفته حروب الحداثة المتمركزة أوروبياً في العالم، نحو فهم أفضل لأخلاقيات البقاء. ومثلما أنه لا يمكننا مقارنة المعاناة، فإنه لا يمكننا أيضاً، مقارنة ادعاءات العنف الذي سبّبها، وكل ما نستطيعه هو أن نستقصي تشكيلات العنف، ونسترجع حقنا في سرد ما حل بضحاياه والناجين منه، للحيلولة دون تكرار المأساة.

لذا، لم يكن مفاجئاً أن يقول درويش، وفي مرحلة مبكرة، إن الشعر يمكن أن يكون ثورياً، لكنه لا يخلق الثورة، ذلك بأنه "يقول الحقيقة، ولا يعلنها"،[27] وإنه لا يمكن أن يغير الكثير، إذ "لا يغير الشعر إلّا الشاعر"،[28] أو يكاد. وحين سئل إن كان في وسع الشعر أن يهزم الموت، رد بـ "لا" مدوية، إذ "لا شعر يهزم الموت في ساعة اللقاء، لكنه يرجئه، يرجئه إلى وقت ضروري لاختبار جدوى الغناء في حفلة طويلة إلى أن تكتمل الأغنية، ويقع المغني في قبضة قنَّاصه الواقف خلف الباب، وقد لا ينتبه أحد إلى موت المغني، ما دامت الأغنية قد صارت جماعية، يغنِّيها الساهرون."[29] ومع ذلك، لا بد من الاستدراك بالقول إن كتابات درويش الشعرية، في ذلك الوقت، تشير إلى تعديل رهيف في وصف المواجهة مع الموت، ذلك بأنه بعد خضوعه لجراحة في الشريان الأبهر في باريس في سنة 1998، أكد أن الموت قد ينتصر على الفيزيائي في الإنسان، أمّا الجمالي، فلا سبيل للموت أن ينتصر عليه. ولذا، خاطب درويش الموتَ مستنكراً: "ألديك وقت كي تزور قصيدتي؟ لا. ليس هذا الشأن شأنك. أنت مسؤول عن الطيني في البشري، لا عن فعلِه أو قوله. هزمَتكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها."[30] ولهذا، كان تسليم درويش بالنصر الفيزيائي للموت، من دون الجمالي، موضع دراسات فلسطينية جدية،[31] فضلاً عن أن ثيمة الموت، في حدّ ذاتها، وسياسات الموت والحياة في سياقات الاستعمار والاستعمار الاستيطاني، غدت حقلاً أكاديمياً مستقلاً اليوم.

النصر: الواقع والأسطورة

وإذا كان الانتصار الفردي على الموت ممكناً بالقصيدة، فإن فيها، كذلك، متسعاً للنصر الجماعي بـ "امتلاك أرض الكلام" حين يكتب شاعرها "حكايته، ويملك المعنى تماما."[32] ومع أن "بيتاً واحداً من خشب أو قصب أو حجر" خير لدرويش "من مباني هوميروس ودانتي وأبي تمام"،[33] إلّا إن ذلك لم يمنعه من الصراخ في المرآة: "آن للشاعر أن يقتل نفسه. لا لينتحر كما يظن الصحافي الباحث في القصيدة عن خبر، بل ليكفّ الإنسان فيه عن تحويل الدم إلى ورد، وعن تجميل الرماد... وليفضح السعادة المضللة الناتجة عن شرط لا فكاك منه بإبداع عالم موازٍ ومضادٍ بعالم ينهار فينا وفيه. ولنوقف الاتهام الذاتي: أتموت الناس لتحيا اللغة؟ ولتتوقف الجثة فينا، جثتنا، عن الرقص الاحتفالي."[34] لم يتوقف درويش يوماً عن إيجاد ملجأ له في القصيدة، وكان دائم التأمل بإمكان النصر بالسرد، ولم يتردد في القول: "لا أعرف إلى أي حد أنا مهزوم أو منتصر. ربما أنا منتصر باللغة الشعرية، ربما انتصاري هو الشعر، وهذا، إن كان صحيحاً، فهو تفوّق حضاري وثقافي مهم. الإسرائيلي منتصر بالسلاح النووي والطائرات... أنا أعتبر نفسي منتصراً بالقصيدة. الطائرة تسقط، أمّا القصيدة فلا تسقط إن كانت جميلة. الخطر هو أن يُكتب شعر جميل، لكن الشعراء الذين يكتبون شعراً جميلاً ليسوا مع الحرب."[35]

وعلى ذلك، فإن درويش، وقد أعلن نفسه "شاعراً طروادياً"، يقرأ النصر كلحظة موت ولحظة حياة في آن معاً من خلال الشعر، لحظة تحويل لسرديّة تاريخية، إذ لا يغدو الشعر وسيلة لهزيمة الموت فحسب، بل، وأهمّ من ذلك، وسيلة لهزيمة ذاكرة الهزيمة نفسها. ولذا، فإن التوتر القائم بين التاريخ "الفعلي" لحروب البليبونيز، مثلاً، وقوة الأسطورة الطروادية، لم يَفُت درويش، ذلك بأن مداخلته الشعرية تعيد تأطير استعارة النصر كي تكون، حتى بعد الهزيمة، أمثولة للحالة الفلسطينية:

 

لم أكن واقعياً. ولكنني لا

أصدق تاريخ "إلياذة" العسكريَّ،

هو الشعر أسطورة خلقت واقعاً...

وتساءلتُ: لو كانت الكاميرا والصحافةُ

شاهدةً فوق أسوار طروادةَ الآسيويةَ،

هل كان "هومير" يكتب غير الأوديسة؟[36]

 

يقرأ درويش في هذا المقطع الشعري ماذا في وسع الشعر أن يفعل بحصار طروادة، وسقوطها، وتدميرها،[37] تلك القلعة - الأمَّة التي شكلت إحدى أبلغ الاستعارات الكونية، لسرديات النصر والهزيمة في التاريخ، على الرغم من الفوارق الكبيرة بين طروادة وفلسطين، إذ لم يخطف الفلسطينيون هيلين، ولم يكونوا سبباً في الحرب، وإنما كانوا ضحاياها.[38] ولذا، فإن درويش يجيب، بلا تردد، أنه، شخصياً، ليس معصوماً من "التورط" في متاهات "السؤال الهومري"، بين حدَّي الشفاهة والكتابة،[39] غير أن التورط الذي صاغه على نحو بالغ الأناقة لم ينفِ فيه تعدد إمكانات التأريخ لتاريخٍ لا - حدثي فحسب، بل أكد فيه ضرورة كتابة الشعر في جميع الأحوال، أكان التأريخ هو لواقع، أم لأسطورة خلقت واقعاً عبر فعل القصيدة في التاريخ، وفعله فيها.

في فيلم جان - لوك غودار "موسيقانا" (2004)، تطلب سارة آدلر، المراسلة والمنتجة الإسرائيلية - الفرنسية، من درويش أن يوضح موقفه من "الحق" الإسرائيلي في أرض فلسطين التاريخية، وأن يناقش تعقيدات العلائق التاريخية لمأساة طروادة، الموضوعَين المتجذرين في مسيرته الجمالية والسياسية، واللذين سبق أن ناقشهما، على نحو موجز، مع الفيلسوف الراحل جيل دولوز.[40] فيرد درويش أنه شاعر يطمح إلى أن يروي تاريخ الغياب والغائبين في التاريخ الذي مضى وانقضى، وأنه أيضاً، شاعر يروي مأساة معاصرة شبيهة، هي مأساة الفلسطينيين التي ساهمت المركزانية الأوروبية، وما نشأ عنها من "مسألة يهودية"، في إعادة إنتاج تاريخٍ طروادي حديث للشعب الفلسطيني.

تستغرب آدلر من قدرة درويش على "امتلاك أرض القصيدة" على الرغم من إقامته في المنفى مع ستة ملايين من أبناء شعبه، وتغمز من قناته بالقول: "تبدو يهودياً، منتظراً في المنفى!" فيرد درويش: "آمل ذلك، فهذا أمر حسن، حسن الصيت في هذه الأيام. ولكن الحقيقة لها وجهان. لقد استمعنا إلى الرواية الإغريقية، وسمعنا أحياناً صوت الضحية الطروادية على لسان يوربيديس. أمّا أنا، فإنني أبحث عن شاعر طروادة، لأن طروادة لم تروِ حكايتها. وأتساءل: هل الشعب أو البلد الذي له شعراء كبار يملك الحق في السيطرة على شعب آخر لا شعراء له؟ وهل غياب الشعر عند شعب يشكّل سبباً كافياً لهزيمته؟ هل الشعر إيماء أم هو أحد أدوات السلطة؟ هل بإمكان شعب أن يكون قوياً دون أن يكتب شعراً؟ أنا ابن شعب غير معترف به بما فيه الكفاية حتى الآن. أريد أن أتكلم باسم الغائب، باسم شاعر طروادة، فالوحي الشعري والمشاعر الإنسانية قد تظهر أكبر في الهزيمة ممّا هي في النصر. في الخسارة أيضاً شاعرية عميقة، وقد تكون هناك شاعرية أعمق في الخسارة، ولو كنت أنتمي إلى معسكر المنتصرين، لشاركت في مظاهرات التضامن مع الضحايا. هل تعلمين لماذا نحن الفلسطينيين مشهورون؟ لأنكم أنتم أعداؤنا. إن الاهتمام بنا نابع من الاهتمام بالمسألة اليهودية، نعم الاهتمام بك أنت،ِ وليس بي أنا. إذن: نحن قليلو الحظ في أن تكون إسرائيل هي عدونا، لأنها تحظى بمؤيدين لا حدّ لهم في العالم. ونحن، أيضاً، محظوظون لأن تكون إسرائيل عدونا، لأن اليهود هم مركز اهتمام العالم. لذلك، فقد ألحقتم بنا الهزيمة وأعطيتمونا الشهرة. لقد ألحقتم بنا الهزيمة، ولكن منحتمونا الشهرة. نعم، أنتم وزارة دعايتنا، لأن العالم يهتم بكم أكثر ممّا يهتم بنا، وليست لدي أيَّة أوهام حول هذا الأمر. لا أعتقد أن هناك نهاية لشعبنا أو لشعرنا... ولكن هناك معنى آخر، هو أنه لا الضحية ولا الهزيمة تقاس بعبارات عسكرية... أحمل اللغة المطيعة كالسحابة. إن شعباً بلا شعر هو شعب مهزوم."[41]

في هذه المقابلة، يستعيد درويش مقولة إدوارد سعيد التي دشّنها في "القضية الفلسطينية" والتي عرَّف من خلالها الصراع على فلسطين كصراع بين الفلسطينيين والصهيونيين على "فكرة"، ذلك بأن "فلسطين [كفكرة] نفسها هي موضع السجال، بل وموضع المنافسة."[42] لقد أوجد سعيد رباطاً مشيمياً بين مشروع الاستشراق ومشروع الصهيونية، وخصوصاً في عالم "الأفكار" الذي مهّد الطريق لتأسيس دولة الاستعمار الاستيطاني - إسرائيل. ذلك بأن الفكرة الاستشراقية عن فلسطين، بالنسبة إلى الصهيونية، شكّلت حاضنة للغة قومية، ووسيلة للوحدة والأصالة التي لا أصلانية فيها إلّا في البلاغة السياسية للصهيونيين، ومكّنت من نفي وعي المنفى اليهودي.[43] وقد التقط درويش هذه الفكرة، وسار بالتماهي بين المشروع الاستشراقي الأوروبي والمشروع الاستعماري الصهيوني، خطوة إضافية عبر العودة إلى تاريخ سقوط طروادة الذي أطّره كلحظة بدئية لقيام المركزانية الأوروبية، مؤكداً أن إحدى مآسي طروادة المتراكمة هي أن أحداً لم يبحث عن الألواح التي دوَّن عليها شاعرُها سيرَتها. ولذا يقول درويش، بلا تحفّظ: "من حسن حظي، أو من سوئه، أنني لست طروادياً، ومن حسن حظي أنني ما زلت أعبّر عن إنسانية تدافع عن خلاصها الشعري. وهي إنسانية تكثّف، وتتعرف على ذاتها الثقافية والتاريخية تعرفاً سلبياً، ولا بأس، من خلال علاقتها بأثينا التي أصبحت رومانية. ففي شعرنا العربي، إذن، ما زال هناك الكثير ممّا لا يقال… لقد آن للغتنا ذات الجماليات الفذة أن تتهيأ لاستقبال حداثة لا نشارك في صوغ منظومتها الكونية، ونكتفي باستهلاكها كسائر المواد الأُخرى. وسوء حظي [في أنني لست طروادياً] هو أنني، لو كنت كذلك، فسأكون موضوعاً أنثروبولوجياً، لا لشيء إلّا لأن علماء الإغريق قد ارتاحوا إلى انتصارهم، فأحبّوا أن يضفوا مزايا إنسانية على ضحاياهم."[44]

ولأن درويش كان يؤمن بأن التاريخ ليس قاضياً، بل هو موظف في التاريخ العالمي للمظالم الكبرى،[45] فإنه كان مهجوساً بتاريخ الأميركيين الأصلانيين الذين يصفهم التعبير الشائع بـ "الهنود الحمر"، والأرمن، والجنوب - أفريقيين... ذلك بأن التاريخ، وإن لم يُعِدْ نفسه، إلّا إن مأساته تتولى المهمة عبر استنساخ سياسات النسيان، والغفران، وإعادة – الانسجام (reconciliation) الذي غالباً ما يُترجَم خطأ بـ "المصالحة التاريخية".[46] وبما أن حروب المأساة تُخاض بجميع تناقضاتها، مثلما تُخاض المآسي التاريخية الكبرى، فقد قارب مارك نشينيان هذه المشهدية الإشكالية منطلقاً من الإبادة الأرمنية كأنموذج أمثولي (archetype) للمظلمة التاريخية. وعوضاً عن بساطة استدعاء الحقائق الحَدثية لتلك المأساة، يتساءل نشينيان عمَّا يمكن أن يشكل "حقيقة تاريخية" ابتداءً، ليكون، فيما بعد، "واقعاً تاريخياً".[47] وعليه، فإنه، ومن خلال سياق المحكمة الفرنسية بشأن هذه الإبادة الجماعية، يتقصى المفهومَين القضائيين للضحية والجلاد، وكيف يؤثر كل منهما في الإرادة الجماعية لتشكيل الذاكرة، ليخلص إلى التساؤل عن الكيفية التي ندشّن من خلالها ذاكرة المآسي الكبرى في إطار التاريخ.

لم يسخر درويش من سرقة فلسطين في رابعة النهار فحسب، بل سخر أيضاً، من سياسات النسيان والغفران: "ليس شعار  'لن ننسى ولن نغفر' من ابتكارنا، نحن ضحايا مَن احتكر دور الضحية، وخوّله حادثٌ، كان فيه الضحية، بأن يتحول إلى قاتلنا الذي لا يُحاكَم. ليس ذلك الشعار من صياغتنا، وإلّا لانهالت علينا التهمة الكونية بالرغبة المكبوتة في الانتقام. فما زال هناك دم رخيص ودم ثمين. وهنالك قاتل عادل وقاتل ظالم. وهناك ضحية ممتازة وضحية بخسة، تحصل فيها الأولى على تعويض بدولة مسيجة 'بحق النقض' الأخلاقي، وتحصل الثانية على قبر لا شاهدة له وتكافأ بالنسيان."[48] وبينما أسس نشينيان بحثه ابتداءً في حالة المحكمة الفعلية، وسخر درويش من فكرة المحكمة ما دام الضحايا يتم تجريمهم، فقد حاول جاك دريدا، باقتدار، استكناه التناقض الكامن في مقولة "الغفران الحقيقي".

ففي السياق المباشر لجنوب أفريقيا ما بعد الأبارتهايد، فحص جاك دريدا الجوانب العملية والمثالية لمواجهة المآسي التاريخية، والتوتر القائم بين "المصالحة" عبر التوسط و"المصالحة" المشروطة، و"الغفران الخالص" غير المشروط. وانطلاقاً من وعيه للأبعاد المتعددة لهذه العملية، بما فيها العلماني في مقابل الديني، والوطني في مقابل العالمي، يحاجج دريدا بأن "الغفران يجب أن يشتمل على 'طرفين: الضحية والجلاد."[49] وعليه، فإن الغفران لا يمكن تحقيقه إلّا على مستوى "طرفين"، وإذا تدخّل طرف ثالث، كجسم قضائي، فإن الهدف لا يغدو الغفران، بل المصالحة. وحين تبدأ هذه العملية، فإنها تتضمن ضرورة فهم "الآخر"، أي فهم "الضحية" لـ "الجلاد". كما أضاف دريدا أن ثمة جرائم لا يمكن غفرانها ضمن أي من الأطر الثلاثة الآنفة، وهي الجرائم التي تُفقد الإنسان قدرته على المغفرة جرَّاء الوحشية المفرطة التي تمتع بها الجلاد. إن عملية المصالحة هذه، حكماً، هي عملية عقلانية، بينما الغفران الخالص، استناداً إلى دريدا، ليس فعلاً عقلانياً. لم يجادل دريدا، إذاً، ضد جدوى المصالحة لتيسير الشفاء الوطني الذي لم يتورط أي من طرفيه في أن يكون مطية لمشروع استعماري، لكنه حاول، عوضاً عن ذلك، أن يخلّي بين المصالحة والغفران، وذلك من خلال وصفه للغفران الخالص العصي على التحقق حين يتم تأطيره في المأساة الوطنية.

ليست كتابات درويش وحدها ما يزودنا بنقيض ساخر لثنائية دريدا، نقيض مفتوح من خلال قراءته، على الرغم من مقولات ملتبسة لدرويش أحياناً، تشكّل تجلياً للكيفية التي يستطيع الضحية، عبرها، تقديم معونة أخلاقية لجلادها.[50] ففي 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008، وبعد شهرين على رحيل درويش، شهدت مدن عدة في العالم إطلاق مشروع هائل بعنوان: "هوية الروح". وقد قُدّم العرض على خمس شاشات سينمائية استناداً إلى قصيدة "تيري فيغن" للكاتب النرويجي هنريك إبسن، وقصيدة درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء"، واللتين تشتركان في كونهما قصيدتين تتمحوران حول مقولتَي الثأر والانتقام، وقد شارك درويش شخصياً في أدائهما. في قصيدة درويش، كان البطل النقيض لدرويش، و"البطل [ونقيضه] هو آخر مَن يعرف أنه بطل"،[51] على الرغم من عدم معرفة الجمهور الفلسطيني والعالمي به إلّا ما ندر، شخصاً حقيقياً هو: شلومو ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، والذي أثارت ثلاثيته عن تاريخ "إسرائيل، والإسرائيليين، والأسرلة" سجالات هائلة في الأكاديميا الإسرائيلية والمشهد الثقافي بأسره.[52]

لقد كان درويش من المنافحين عن فكرة أن الضحايا يجب ألّا يقدموا معونة أخلاقية لجلاديهم، حتى إن استطاعوا ذلك. وفي رد لاذع على الروائي الصهيوني أ. ب. يهوشواع، الذي دعا الفلسطينيين إلى أن يساعدوا الإسرائيليين على تطبيع العلاقة مع أنفسهم، أوضح درويش أن تلك العملية لا يمكن أن تتم إلّا "حين تتمكن الضحية من إبداع حياتها الطبيعية. ولا يحدث ذلك إلّا بعد الاعتراف بحقها في الوجود، والاعتذار عمّا لحق لها من ظلم، وما يستتبع هذا الاعتذار من إجراءات."[53] في هذه المقولة، ينفي درويش إمكان الكينونة الطبيعية في واقع غير طبيعي، مؤكداً أنه "صحيح أن الحرب تبدو وكأنها انتهت، ولكن السلام لم يبدأ. فليس من أسماء السلام الجميلة أن يُضرَب الحصار العسكري على مجتمع اختار السلام جواباً على سؤاله الوجودي والوطني بعدما أنقذ هويته من خطر التلاشي في الآخر من جهة، ومن خطر الانغلاق من جهة ثانية. وليس من أسماء التعايش الجميلة ألّا يُسمح للشعب الفلسطيني بتحقيق 'التعايش الجغرافي' بين مدنه وقراه وريفه، بالتعايش مع ذاته، عقاباً له على قراءة تاريخ بلاده المعاصر بطريقة صاغت مشروع حياة مشتركة مع الآخر على أرض مشتركة ولغدٍ مشترك. لا حاجة بنا للوقوف طويلاً أمام المفارقة التي تدفع الضحية إلى البحث عن حل لمشكلتها يتوازى مع البحث، في الوقت ذاته، عن حل لمشكلة ضحية أُخرى تحولت دولتها إلى جلادها، فذلك متروك لكتّاب التراجيديات الكبرى، إذا كان لها مكان في هذا الزمان. لكن الضحية فينا، وقد ضاقت ذرعاً بمكانتها وبحاجتها إلى البطولة، تدرك أنها لن تنتقل إلى سجالها مع نفسها ومع الآخر لإنجاز مكانة العادي إلّا بفضل التاريخ، على الرغم من أنها ضحية التاريخ."[54]

في لقاء شخصي أخير مع درويش، قبل بضعة أسابيع من رحيله في 8 آب / أغسطس 2008، تساجلنا على نحو لا يخلو من الحدة.[55] وقد دار الحوار، حينئذ، حول مقالة كتبتُها خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز / يوليو 2006، وانتقدت فيها ردة فعله المتأخرة على الحرب، وتوقيع بيان صاغه مثقفون فلسطينيون وازَوا فيه بين إسرائيل وحزب الله كـ "أصوليتين متناحرتين".[56] في تلك المقالة التي رفض الصديق غسان زقطان محرر ملحق "أيام الثقافة" في صحيفة "الأيام" الفلسطينية نشرها، على غير العادة، بدعوى أن فيها "تحاملاً على درويش"، أجريتُ مقارنة بين بيان المثقفين المذكور، وبيان آخر أصدره بيت الشعر الفلسطيني ممتدحاً فيه المقاومة اللبنانية بلا تحفّظ، الأمر الذي كان، ولا يزال، شائعاً في مواقف فواعل ثقافية وسياسية تجاه "الصراع". لقد دان بيان بيت الشعر الوحشية الإسرائيلية التي كانت مدعومة، عسكرياً وسياسياً على نحو مباشر، من الولايات المتحدة الأميركية، والتي تعززت بالتصويت الأميركي بالفيتو على قرار وقف إطلاق النار، وإعاقة المفاوضات الدولية لتحقيقه على الرغم ممّا ارتكبته إسرائيل من مجازر وتدمير في لبنان.

وزاد في حدة النقاش استدعائي خطابَ درويش نفسه الذي ألقاه في احتفالية جامعة بير زيت بانتهاء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني في 25 أيار / مايو 2000. وقد عنون درويش خطابه آنذاك بـ "في تحرير الجنوب"، وقال في النصر والهزيمة ما لم يقله غيره من قبل: "ليس هنالك نصر نهائي ولا هزيمة نهائية، فهذان المفهومان يتقنان لعبة التناوب والاحترام المتبادل، لكي يكمل السيد التاريخ حركته اللانهائية، المهم هو: ماذا يفعل المنتصر بالنصر، وماذا يصنع المهزوم بالهزيمة؟ ولعل بعض الهزائم صالح لبلوغ البشر مرحلة النضج المعنوي والأخلاقي، ولعل بعض الانتصارات أخطر على البعض من الهزيمة، لأنه يعفيه من ضرورة الإصغاء إلى صوت الزمن. لقد انتصرت إسرائيل على العرب أكثر من طاقتها على تحمّل تبعات نصرها، إذ صار دماغها العسكري أكبر من جسدها، فأصبحت أسيرة لفائض قوة جشعة، دون أن تحسب أي حساب لقدرة المقاومة الشعبية على تحييد هذه القوة… وأمّا السؤال عمّا سيفعل الإسرائيليون بما أصابهم في جنوب لبنان، فإنه منوط بنوعية استخلاص العبرة. فإذا كانوا يعتبرون الانسحاب نصراً، فلينتصروا إذاً في سائر الجبهات… فلينسحبوا من الضفة الغربية ومن القدس العربية ومن الجولان. فلينسحبوا منتصرين، أو فلينتصروا منسحبين، فلا مشكلة لنا مع التسمية. وماذا لو انتصر الكائن البشري على حماقته؟ إنه بداية الرشد، ومقدمة واعدة بعقد السلام الطبيعي مع الذات."[57]

وعلى ما يبدو، فإن درويش كثّف في هذا الخطاب مقولته التراكمية بشأن النصر والهزيمة التي كان مهجوساً بها منذ نكسة 1967، كترجيع فظّ للهزيمة الكبرى في نكبة 1948.[58] فالشك لم يراود درويش يوماً في أن هزيمة العدو كامنة في انتصاره الذي سيودي به إلى القبر، ذلك بأنه كان نصراً بلا جدارة، عطّل العقل الجمعي للصهيونيين، بفعل الثقة الزائدة بالنفس، عن إدراك قوانين التطور السوية. فالإسرائيليون الذين "استبدلوا الواقع بالخرافة، والتاريخ بالسحر"، واعتزّوا بـ "إعادة روح إسبارطة" لتحقيق معجزة الردع، لم يتعلموا الدرس من التاريخ، ممّن لم يعتبروا أن عدم القدرة على التوقف هي بداية الهزيمة. كان درويش واثقاً بأنه "ليس بوسع دولة أن تنام على الحراب"، وأن "القوة لا تخلق الحق"، لكنه في مقابل "هزيمة النصر" الصهيونية، اعتاد على تقديم تشخيص يساري متداول لـ "هزيمة النصر" العربية، إذ تقاطعت أجندات الرجعية العربية بطابعها "الصحراوي المملوكي الفاشي"، إلى حدّ التوافق مع جنون التفوق الصهيوني الذي أراد إلغاء فلسطين والفلسطينيين والفلسطنة، متسلحاً بنزوعه الإسبارطي، والتواطؤ الرسمي العربي، والدعم الإمبريالي اللامحدود. وبالتالي، فإن النظر إلى الوراء، بالنسبة إلى الشخصية الفلسطينية المقاتلة، كان يفصح دوماً عن أن عجز العرب عن توظيف انتصارات الفلسطينيين، منح النصرَ الصهيوني صفته الحقيقية بأنه "هزيمة الانتصار"، بينما "انتصرت الهزيمة" على الحكام العرب، لا على شعوبهم، ووجهة قلوبهم: فلسطين.

وبالعودة إلى اللقاء المذكور آنفاً، فإن درويش تجنّب المقارنة بين البيانَين، كما تجنَّب نقاش فكرة أنه على العكس من السائد في السياسات الثقافية لحقبة ما بعد أوسلو، والتي استبدلت سياسات الذاكرة بسياسات النسيان على نحو فجّ، كان على المثقفين الذين لديهم التزام أخلاقي في أزمنة المعارك الوطنية، وما وراءها، ألّا يتورعوا عن عقد المقارنات بين نسابيات (genealogies) الشر الاستعماري، والتي تزول فيها الفوارق بين سعيد وأدورنو، وقانا وأوشفيتس. لقد سلك درويش مساراً آخر، وكان معجباً بثلاثية شلومو ساند، التي كانت لا تزال في طور التخلُّق، وخصوصاً نقده على شرور النزعة القومية التي بذّت، في حقبة ما بعد الاستعمار، شرور الكولونيالية نفسها، وما جلبته من دمار.

وعلى الرغم من إعجاب درويش بتجربة ساند، فإن قراءة منظومته السياسية والثقافية قابلة للتعدد، ذلك بأن الصهيونية إنما تحفر قبرها بيديها، ليس لتناقضها الداخلي الناشىء عن التوزع بين الديننة والعلمنة، بل، أكثر من ذلك، لكونها حركة حصرية بذّت ما سبقها من الفاشيات الأوروبية، لكنها، في الآن نفسه، مشروع استعماري استيطاني تماهى مع استعمارية المركز الأوروبي. لقد أجرمت الصهيونية بحق الفلسطينيين إجراماً أفقدهم القدرة على الغفران، لكنها أجرمت، كذلك، بحق اليهود، إسرائيليين وغير إسرائيليين على حدّ سواء، بحشرهم في المشروع الاستعماري الاستيطاني الوحشي لدولة إسرائيل. ومع أن ساند يكشف علاقته الخاصة مع موقعيّته كضحية، وهي علاقة يشوبها قلق الاستباحة (precarity) الذي لا يفارقه، بدءاً من ذاكرته الممتدة كضحية للهولوكوست، إذ كان والداه من الناجين البولنديين، مروراً بـ "معاناته" جرّاء خدمته كـ "أيخمان صغير" في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وانتهاء بوجوده في مرمى نيران الأكاديميا الإسرائيلية... إلّا إنه بقي على نحو دائم تحت مهداف الإعلام الصهيوني، لا لشيء إلّا لأنه تمكّن من نفي أسطورة الحق الإلهي لليهود، واختيارهم واختيار أرضهم واختيار حكايتهم، عبر "تطبيع" تخلُّق "الشعب" اليهودي، وجعلهم ينبذون "وعي المنفى" والخصوصية والعيش كشعب "طبيعي" "مثل" غيرهم من الشعوب في القرن التاسع عشر.

في مواجهة مقولات "التكافؤ الأخلاقي" بين الضحية والجلاد، كتب درويش: "وسيسألونك: إذا دخل لص بيتاً، وفوجىء بقبعة صاحب البيت معلقة على المشجب، فمات من الخوف، فمَن سوف يكون المتهم بالقتل؟ هل هي القبعة… أم صاحب البيت الذي علّق القبعة؟ سيكون اللص بريئاً كالمعتاد! ولكن، إذا قتل جندي إسرائيلي طفلاً فلسطينياً، فمَن هو القاتل؟ هل هو الجندي، أم الطفل الذي هيّج أعصاب الجندي بلعبة الحجر، فأرغمه على قتله، ثم عالج عذاب ضميره بالبكاء؟ ما دام القاتل يبكي فإنه بريء. وما دامت الضحية عاجزة عن البكاء، فإنها متهمة بالتسبب بالقتل وموت الضمير."[59] وعلى ذلك، فإن جزءاً أساسياً من التأريخ لـ "الصراع" العربي الصهيوني، وخصوصاً في مركزه الفلسطيني، تمثّل في المهمة الأخلاقية بملاحقة مروجي مقولة "التكافؤ الأخلاقي" بين الضحية والجلاد، وفضحهم، ومحاسبتهم. لقد كان جزءاً من مهمة درويش أن يصرخ في وجه هذا النفاق السياسي والثقافي كي يعطي صوتاً وفاعلية للضحية الفلسطينية من خلال رفض لغة الجلاد ولفظها عبر إعادة تعريف ما هو "أخلاقي" في المقام الأول.

الهزيمة: الأرض والقصيدة

لم تكن طروادة وحدها استعارة كونية للنصر والهزيمة في فكر درويش وغيره، ذلك بأن العديد من منظّري ما بعد الاستعمار والفلسفة القارّية (continental philosophy)، الذين يكتبون عن القضية الفلسطينية، توسّلوا الأدب والنتاجات الثقافية بجميع أنواعها، لكنهم غالباً ما حاولوا تجريد الأدب من حمولته السياسية لـ "أسباب جمالية" في حالة الأندلس.[60] ولذا، كان السجال في أوجه حين استخدم الفلسطينيون الاستعارات الكونية الكبرى التي عبّرت عن فلسطين، أو تقاطعت معها، مثل سقوط الأندلس، وغزو أميركا، وذلك على الرغم من إدراك درويش المبكر للتبعات السياسية، لا الجمالية، لهذه المقاربة، إذ "ليس وطننا أندلسياً إلّا في الجمال، والأندلس ليس لنا. وإذا كان لا بد من أندلس، بتداعياتها الجمالية، فإن فلسطين هي الأندلس القابلة للاستعادة."[61] وبذا، شكلت سنة 1492 لحظة مفتاحية في تأسيس التاريخ العالمي لا تزال أصداؤها مستمرة في الثقافة والسياسة المعاصرتين. وفي هذا السياق، يعتقد منير العكش أن أحداث سنة 1492 دشنت المشروع الاستعماري الأورو - أميركي، ومهدت الطريق للصهيونية. ومنذئذ، مكّنت "فكرة أميركا" من إيجاد هيمنة أنجلو - سكسونية بروتستانتية بيضاء (WASP) أنتجتها الأسطورة الصهيونية، وعززتها الممارسة التي قادت إلى تأسيس إسرائيل كدولة استعمار استيطاني.[62]

تتمحور أطروحة منير العكش حول "فكرة أميركا" التي اندغم فيها المشروعان الأوروبي والصهيوني، في إطار حلم قيامي متوحش، إذ هي ترجمة أنجلو - سكسونية لأسطورة إسرائيل التاريخية التي تقوم على ثلاثة عناصر هي: احتلال أرض الغير؛ استبدال سكانها بسكان غرباء، أو استعباد مَن يعصي منهم على الموت ضمن ثنائية التفتيش الشهيرة: "العمادة أو المنفى"؛ استبدال تاريخها وثقافتها بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم. وقد أرست تلك الفكرة الثوابت الخمسة التي رافقت تاريخ أميركا بكامله، وهي: المعنى الإسرائيلي لأميركا؛ عقيدة الاختيار الإلهي، والتفوق العرقي والثقافي؛ الدور الخلاصي للعالم؛ قَدريّة التوسع اللانهائي؛ حق التضحية بالآخر. وعليه، فإن التمرئي المتواصل بين المشروعين انطبق تماماً في تسخير المعرفة الجغرافية لمصلحة توسيع مشروع الاستعمار وتكريسه في الحالة الإسرائيلية التي ولّدت حالة منفى لشعب آخر كان ضحية مشروعها القيامي.

وفي مساهمة أُخرى، أجرى ستيفن سلايطة تحليلاً لافتاً للمشروع الاستعماري، المتمركز أوروبياً، في كل من العالم الجديد والأرض المقدسة.[63] وقد كشفت هذه المساهمة عن الديناميات التي تمكنت من خلالها المجتمعات الاستعمارية - الاستيطانية، في كلا المنطقتين، من تحويل السرديات الدينية إلى سرديات وطنية بغية شرعنة أهدافهما السياسية الإمبريالية، وما نشأ عنها من إزاحات للشعوب الأصلانية في كل من فلسطين وأميركا.

إن قراءة مقاربات درويش الأولى قبل قرابة ثلاثة عقود من الزمن لهذه التقاطعات التاريخية تفصح عن إعجابه بهذا الفصل المهم من تاريخ العالم كاستعارة شعرية كبرى. ولذا، فرّق بين "السجل التاريخي والأرشيف"، مؤكداً أن انحياز الشعر يجب ألّا يكون إلّا إلى الضحايا. وبالنسبة إلى درويش، فإن اختياره "الهنود الحمر أو غرناطة" موضوعاً لديوانه "أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي" جاء مشاركة في قراءة الإنسانية الجديدة لسنة 1992 على خلفية تأسيسها الأكبر في سنة 1492.[64] لقد كان درويش واعياً للمعنى التاريخي لسنة 1492 في العالم الغربي، وخصوصاً "الحدَثين اللذين غيّرا التاريخ وكرسا الغرب كمفهوم: رحلة كولومبوس، وسقوط غرناطة. الحدث الأول غزو ومشروع إبادة ومواصلة لذهنية وروح الحروب الصليبية؛ والحدث الثاني تأسيس نهائي لمفهوم الغرب وإخراج للعرب من المنطقة الواقعة على الطريق إلى هذا الغرب وإلى تاريخه اللاحق."[65] وبذا، فإن أهمية الاستعارة الجمالية زاملتها أهمية مماثلة لفهم الوشائج التاريخية الفعلية بين المشروعين، والسعي للانتصار عليها ضمن نضال عالمي مشترك ضد الشرَه الاستعماري، ومن أجل الحرية.

ومع أن درويش لم ترُقه القراءات السياسية لشعره، إلّا إنه لا يمكن للمرء تجاهل الشهادات التفصيلية التي قدمها في شأن التاريخ العربي في الأندلس وتاريخ الهنود الحمر، والتي أردفها بنتاج شعري موازٍ في الموضوع ذاته، ولم يكن من سبيل للتغاضي عن التقاطع بينهما الذي جاء على شكل اهتمام نقدي لافت.[66] وفي هذا السياق، يتصادى درويش مع حكمة فالتر بنيامين أن ليس ثمة وثيقة للحضارة لم تكن، في الآن نفسه، وثيقة للبربرية.[67] فالبربرية التي اقتُرفت بحق كل من الهنود الحمر والفلسطينيين مكّنت درويش من القول: "لقد تقمصت شخصية الهندي الأحمر لأدافع عن براءة الأشياء وطفولة الإنسانية، وأحذر من تعاظم الأداة العسكرية التي لا ترى لأفقها حدوداً، بل تقتلع كل المعاني الموروثة وتلتهم، بجشع ونهم، الكرة الأرضية بسطحها وقاعها. التهام معرفة الآخر عتبة أولى لإفنائه وإقصائه، وهو مشروع إبادة يؤشر على الطريقة التي ينشأ بها النظام العالمي الجديد: غزو وهيمنة وإلغاء ومحاولة فهم الآخر بوسيلة إبادته."[68]

ولذا، أعلن درويش أن قصيدته حاولت "تقمّص شخصية الهندي الأحمر في ساعة رؤيته لآخر شمس، ولكن الأبيض لن يستطيع امتلاك الراحة والنوم بهدوء، لأن أرواح الأشياء والطبيعة والضحايا ستحوم حول وجوده"،[69] ذلك بأن ثمة كثيراً من التناص بين مأساة الفلسطينيين ومأساة الأميركيين الأصلانيين في قصيدة "خطبة الهندي الأحمر الأخيرة" التي تعبّر عن السردية التاريخية المضادة للسردية الاستعمارية، فوق التاريخية، التي سعت للجمع بين الشرعيات الدينية والسياسية:

 

أسماؤنا شجر من كلام الإله وطير تحلق أعلى من البندقية.

لا تقطعوا شجر الاسم يا أيها القادمون من البحر حرباً،

ولا تنفثوا خيلكم لهباً في السهول

لكم ربكم ولنا ربنا، ولكم دينكم ولنا ديننا

فلا تدفنوا الله في كتب وعدتكم في أرض على أرضنا

كما تدعون، ولا تجعلوا ربكم حاجباً في بلاط الملك![70]

 

إن استدعاء درويش "الأرض" (land) كمقولة تاريخية، لا "المنطقة" (territory) كمقولة سياسية، بصفتها جوهر الصراع لكل من الهنود الحمر والفلسطينيين، جعله يعلن أن نشأته كأصلاني ربطته بالأرض وعناصرها. ولذا، فإنه يؤكد أن تكوينه يتيح له التقاط رسالة الهندي الأحمر التي ربما تعبّر عن الفلسطيني بطريقة لم يستطعها بعد. ولا يتردد درويش في القول: "يشرفني أن يرتقي دفاعي عن الحق الفلسطيني إلى مستوى دفاع الهندي الأحمر، فهو دفاع عن توازن الكون والطبيعة الذي يشكل سلوك الأبيض خرقاً له. موضوع الصراع في فلسطين هو الأرض أيضاً، وجوهر الصراع في الحالتين هو المشروع الصهيوني."[71] فـ "الفلسطيني"، تبعاً لدرويش "يجد نفسه في كل تراجيديا. وعي التراجيديا لدى الفلسطيني عالٍ بدرجة تكفي لكي يتماهى مع أي تراجيديا منذ الإغريق وحتى الآن، والفارق الوحيد هو أن بُعد القدر غير موجود ما دام الصراع مفتوحاً. ذلك على وجه التحديد ما يجعل نصوصنا ملحمية وليست أسطورية، وليست ثمة هيمنة للعامل الموضوعي على الإرادة الإنسانية."[72] إن جرح الفلسطيني المفتوح هو ما يجعل شعر درويش ملحمياً بالمعنى الجمالي، وأسطورياً بالمعنى التاريخي، ذلك بأن فلسطين هي "جنة مفقودة" على الرغم من "الفروق الصغيرة".

المنفى: الفكرة والحضور

على مفترق هذه الموقعيّة الجمالية في أماكنها المتغايرة بين طروادة والأندلس، حيث فلسطين أقرب إليه ممّا كانت لموسى - النبي في مؤآب، وهاليفي - الشاعر في الأندلس، يذكّرنا درويش بسلطة الحكاية التي يعتقد البعض أنها بدأت من غيرة نساء إبراهيم النبي، وصراعهن على دور مميز في أرض الحكاية، قبل نشوء الحكاية. لكن درويش كان أكثر اهتماماً بالكيفية التي تشكل فيها السلطة الحكاية على نحو يستهدف حميمية الشعوب المستعمرة مع سرديات تاريخية كانت الأقدم والأكثر أصلانية: "بساعة نحس واحدة دخل التاريخ كلصّ جَسور من باب، وخرج الحاضر من شبّاك. وبمذبحة أو اثنتين انتقل اسم البلاد، بلادنا، إلى اسم آخر. وصار الواقع فكرة وانتقل التاريخ إلى ذاكرة. الأسطورة تغزو، والغزو يعزو كل شيء إلى مشيئة الرب الذي وعد ولم يخلف الميعاد. كتبوا روايتهم: عدنا. وكتبوا روايتنا: عادوا إلى الصحراء. وحاكمونا: لماذا وُلدتم هنا؟ فقلنا: لماذا وُلد آدم في الجنة؟"[73]

وفي هذا السياق، يحاجج فيصل درّاج، متوسلاً فالتر بنيامين، في نقده للاهوت والتاريخ، أن "التاريخ الإنساني، رغم الانتفاضات الثورية التي قطعت استمراريته بشكل مؤقت، كان ولا يزال تاريخ المنتصرين. يكتب المنتصر تاريخه الذاتي، كما يشاء، ويكتب، كما يشاء، تاريخ ضحاياه الذين منعهم عن الكتابة."[74] ومن هذا المنطلق، يناشد درويش الضحية أن "لا تكتب التاريخ شعراً"،[75] ذلك بأن الشعر ربما لا يمتلك المناعة الكافية لإدخال تاريخ الخصوم في حيّز الاستعارة، لأنه "لا يحتاج المغلوبون إلى تاريخ، إلّا إذا كانوا قادرين على استثماره في معارك لا تجدد هزائمهم. وحين يستمرون في القتال ولا يأتون بجديد، يبرهنون على اعتناقهم لتاريخ خصومهم الذين يرثون الأرض والكتابة وأحلام الذين فاتهم الانتصار."[76] فالحكمة، إذاً، هي تجنيب الشعر التورط في المناكفة السردية، من دون أن يتخلى الشاعر عن موقعيّة السارد الأصلاني حين يواجه "خصومه" من مثقفي العدو.

لكن النسيج المتداخل للهوية الإسرائيلية الذي درسه شلومو ساند وآخرون، والسلطة التي تمكنت بها الصهيونية من النجاح في السيطرة على يهود العالم، كانا موضوعين مربكَين للفلسطيني الذي ذاق مرارة النظام الإسرائيلي الصهيوني العنصري. ولذا، لم يتردد درويش في التفريق بوضوح بين النظام الصهيوني الفاشي واليهود كبشر، قائلاً: "... اليهود بينهم السيىء وبينهم الجيد، وهم ليسوا ملائكة كما يريدون أن يقولوا عن أنفسهم، وليسوا شياطين. وهذا ما يشير إلى أنهم شعب طبيعي، ومن حسناتهم أنهم ليسوا فقط شياطين أو ملائكة، وهم مجموعة من الشياطين والملائكة."[77]

لقد احتفى درويش بمقولة رينيه شار الذي كان يراه في أحلامه و"هلوساته" المرَضية، والتي حثَّ بها الشعراء على أن يحوّلوا الأعداء إلى خصوم،[78] لكن درويش لم يُخفِ سخريته من معارك الغيرة ما قبل التاريخية والحروب الأسطورية، حتى إن صدرت تلك التندّرات عن مثقفين يعتقدون أنهم يمثلون "إسرائيل". وقد كانت الشاعرة الأميركية - الإسرائيلية شيرلي هوفمان واحدة من أولئك حين جاءت من القدس إلى روتردام للمشاركة في مهرجان الشعر العالمي حيث التقت درويش الذي تندّر، فيما بعد: "... قرأتُ شعراً عن أزقة القدس، وهي قرأت شعراً عن حجارة القدس. قرأت عن تيهنا الجديد، وهي قرأت عن تيهها القديم. ولكنها عرفت ما لم أعرف. قالت إن أسباب الحروب الدائمة في الشرق الاوسط هي غيرة النساء. الغيرة التي اندلعت نارها بين جدتهم سارة، وجدتنا هاجر. ضحك الجمهور الهولندي، واشتد ضحكه حين تصافحنا على المنصة، وقلت لها: اللعنة على جدتك وعلى جدتي أيضاً! لم تكن مشكلة السيدة هوفمان الوحيدة هي أنها جاءت لتمثل الشعر العبري الحديث دون أن تفقه شيئاً في اللغة العبرية، إذ في وسع الشعر العبري أن يكون شعراً إنجليزياً! ولكن مشكلتها التي لا يعرفها الجمهور الهولندي هي أن ابنتها اليهودية الأميركية متزوجة من شاب هولندي مسيحي، وحين سافر العروسان إلى القدس، تعرّفا على شيخ مسلم سرعان ما أدخلهما في الدين الإسلامي. وهكذا، فإن أحفاد السيدة هوفمان اليهودية سيكونون: مسلمين، هولنديين، أميركيين، إسرائيليين. قلت لها مواسياً: هذه هي الحياة، وتلك هي القدس! قالت، هذه هي الحياة، وماذا في وسعنا أن نفعل سوى الدفاع عن موضوع السلام!"[79]

ربما كان على درويش أن يرد على هوفمان بالآية التوراتية التي خاطب فيها الرب إبراهيم: "لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضاً سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ."[80] لكنه، وعلى عكس ما جاء في التأطير التوراتي من أن قدر العرب كان وقوعهم في المصيدة الأبدية لعقدة سارة - هاجر الناشئة عن صنافية توراتية متمركزة أوروبياً، كان يعرف تماماً كيف يخز مروّجي الأسطورة جمالياً بدبوس من سخرية. ففلسطين، كمشهدية، في حضورها وغيابها، لا يمكن موقعتها خارج الخرائطية التوراتية؛ والفلسطينيون، في وطنهم وشتاتهم، لا يمكن تخيّلهم من دون الصنافية الشتاتية كـ "حالة انتظار في المنفى" بصفتهم يهوداً مجازيين.

لقد أصبح تدشين نسابيَّات تجعل الفلسطيني فرعاً من المسار اليهودي للمعاناة، وأداء ذلك التدشين تحت غطاء الأخلاقيات اليهودية، موضة فكرية سائدة. وإذا كان إدوارد سعيد هو "المثقف اليهودي الأخير"،[81] فإن درويش صار "الشاعر اليهودي" العابر للزمن ضمن هذه الموضة المتوحشة. وهنا، تتماهى مقولة هليل الأكبر: "إذا لم أكن لنفسي، فمَن سيكون لي؟ وإذا لم أكن لغيري، فمَن أكون؟"،[82] بمقولة درويش: "وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكّر بغيرك، مَن فقدوا حقهم في الكلام"،[83] فتصيران مقولة واحدة. وبينما يؤكد درويش القول إنه ليس ثمة إمكان لتدشين هوية جمعية من دون وجود آخر سياسي، فإنه في غاية الوعي لما يمكن أن تحدثه الجمعية من كسوف:

 

تاريخُنا تاريخهم

تاريخهم تاريخُنا

لولا الخلافُ على مواعيد القيامة!

من وحَّد الأَرضَ العنيدة خارج السيفِ المُرَصَّع بالحماسةِ؟

لا أَحدْ...

من عاد من سَفَرٍ إلى حَبَقِ الطفولةِ؟

لا أَحَدْ

من صاغَ سيرته بمنأى عن هُبُوب نقيضها وعن البطولةِ؟

لا أَحدْ...

لا بُدَّ من منفى يَبيضُ لآلىء الذكرى ويختزلُ الأَبَدْ

في لحظة تسعُ الزمانَ.[84]

 

هنا، تمثّل مساهمات المستشرقة الألمانية أنجليكا نويفرت مثالاً صارخاً لهذه الظاهرة، ناحتةً من درويش شاعراً يهودياً، ومُلحِقةً قضيته ومشروعه الجمالي بمقتنيات "المسألة اليهودية"، مؤكدة، بصلف، أن: "قراءة درويش للعهد القديم العبري، متمثلة في عدة مستويات، يجب أن تُعطى أهمية سياسية كبرى، لأن العهد القديم هو المبدأ الناظم [بمعنى النص المولِّد] لهيمنة الأغلبية في الدولة اليهودية الفتية التي نشأ فيها درويش؛ وهو، في الآن نفسه وفي قراءته الصهيونية، الوثيقة المستخدمة لشرعنة منفى الفلسطينيين سياسياً. ولعل إعادة قراءة نقدية لشاعر عربي تتيح [بلورة] نص - نقيض، نوع من البديل للنص الأصلي عبر فهم جديد، الأمر الذي يمكّن القارىء من مواجهة المبدأ الناظم لـ 'الآخر' عبر مبدأ ناظم حديث التأسيس، أو حديث التكريس، وهو نسيج ذاته؛ لكنه، على نحو مساوٍ، يمكن أن يخدم غاية معاكسة: أن يجعل العداوة تتلاشى بين الذات والآخر عبر موقعة كليهما في عالم الغربة ذاته - الشرط الإنساني ذاته. [هنا]، يغدو من الصعوبة بمكان، في هذا السياق، استهجان تجلّي الأرواح النسيبة. ولذا، يجد الشاعر اليهودي الكبير بول سيلان، الذي يجسد في الإرث الألماني شاعر المنفى بامتياز، بقراءته المزعجة للعهد القديم العبري، مكاناً في شعر درويش."[85]

لا تكتفي نويفرت بذلك، بل تُسقط القراءة الاستشراقية البالية لـ "مراحل" القصيدة العربية، وعبر صنافية توراتية مقحَمة، على مسار شعرية درويش: "تكويناً"، و"خروجاً"، و"منفى" لم يكتمل. فـ "التكوين" الفلسطيني، عندها، هو ضرب من الرومانسية العربية التي تعيد خلق الماضي السعيد والتوق إليه. وعلى الرغم من اعتقاد نويفرت أن "مهمة الشاعر هي إعادة تدشين الهوية الفلسطينية المضطربة"، فإنها تستدرك أنه "في حالة درويش... فإن الشعر هو ردّ على كتابة بدئية سابقة محفورة على الأرض، وتخدم تأكيد شرعية سيادة الآخرين: التوراة العبرية."[86] إن إعادة توكيد هيمنة السردية الصهيونية، التي تضفي عليها نويفرت مسحة سرمدية، تساهم في إعادة حفر تلك السردية على أرض فلسطين بصفتها "الأرض المقدسة [هآرتس]". وعليه، فإن مشهدية "تكوين" درويش ليست إلّا محض إضافة للحركات إلى لغة الأرض - توراتها العبرية.

وفي المقابل، فإن نويفرت تقرأ "عاشق من فلسطين" كمدخل لـ "الخروج" الفلسطيني، عبر ادعائها "أنه ليس من قبيل المبالغة القول إن القصيدة تعيد خلق فلسطين." وهي، بذلك، إنما تذهب بفهمها لـ "إعادة الاختراع" أبعد من محض إعادة تسمية "المشهد المقدّس"؛[87] إنها، أكثر من ذلك، تمنح ترقية فخرية لدرويش الذي تمكّن، عبر سرد "الخروج"، من تحويل "الفدائي" إلى "موسى فلسطيني".

أمّا المرحلة الأخيرة في تهويد نويفرت لدرويش، فتنجزها عبر توصيفها لإعادة كتابة "نشيد الأنشاد". فدرويشُ نويفرت "يتجاوز" فلسطينيته ويمضي نحو كونية شعراء المنفى الكبار من أراغون حتى سيلان. وكناقد لذاته السابقة التي سمّاها فلسطينه وسمّته فلسطينيَّها، يصبح درويش كونياً، متجاوزاً الحدود والصراعات القومية، ويغدو وطنه من كلمات، لا من تراب الأرض. ففي إعادة كتابة النصوص المعيارية المولِّدة، أي التوراة العبرية، كمبدأ ناظم، تخبرنا نويفرت أن "الشاعر يغادر سدوم، إسرائيل الجديدة، نحو بابل، أرض المنفى بامتياز."[88] ولعل مثل هذه القراءات يجعل شرعيات سياسية بعينها تتلاشى، ويضيفها كهامش في نسّابية شرعيات جرى صكّها استشراقياً لتجريد الأصلاني الفلسطيني من سرديته التاريخية، وحرمانه من الإذن بسردها الذي كثيراً ما نظّر له الراحل إدوارد سعيد.[89] إن نويفرت، هنا، لا تسعى لقراءة فلسطين كاستعارة فحسب، بل لاختراع منظومة نقدية توراتية، فوق - تاريخية، وفوق – جمالية أيضاً. وضمن هذه الترسيمة النقدية، فإن على الفلسطيني أن يتحمل مشقة رحلة مستمرة من نفي الذات من أجل الدخول في السجل التاريخي الكوني كيهودي مجازي؛ وعليه أن يقبل بتلاشي الفردوس وطروادة والأندلس في استعارة بابل؛ وعليه مؤالفة أشباح هاجر وسلمى اللتين أُكرهَتا على ارتداء قناعَي سارة وشولميت.

على الرغم من إدراكه اتساع "المشترك الإنساني"، فإن درويش ردّ، استباقياً، على هذه المقولات من خلال تعقيبه على نزعة مقارنة الشرطَين الفلسطيني واليهودي في حالتَي "المنفى" والعودة"، رافضاً إمكان تدشين "أسطورة مشتركة" عن "غريبين عن الأمم تحوّلا إلى مطرودين من التاريخ، إلى ضحيتين متحاربتين" ضمن "هوية الغياب". يردّ درويش في هذا المقام على تقوُّلات عاموس عوز،[90] ويسخر من إمكان "قلب الأسطوانة" و"إلغاء الحدود بين صوت السيف وصوت الدم"، إذ من شأن ذلك أن يحوّل الفلسطيني إلى "يهودي جديد".

ومع أن وجود نماذج معرفية مقيتة، وعالية التسييس، والاستعداء ضد فلسطين والفلسطينيين في الأكاديميا المتمركزة أوروبياً كنويفرت هو واقع قائم، إلّا إن ثمة مَن يفصح عن نضج معرفي وأخلاقي منقطع النظير لدى مثقفين آخرين مثل جيل النجار الذي عبّر عن هذا النضج من خلال مقولات نظرية لا تستنكر محاولات تهويد الفلسطيني فحسب، بل تكيل أيضاً نقداً لاذعاً لمحاولات نزع عروبة اليهودي. فعبر تفكيك متقن لخطأ موقَعة اليهودي والعربي، وخصوصاً اليهودي - العربي، في السردية الكبرى المتمركزة أوروبياً، يدشن النجار نقداً لاذعاً لعمليات العلمنة التي أعادت اختراع كل من "اليهودي" و"المسلم" كعدوّين عبر الهيمنة المعرفية للمشروعَين الاستعماري الأوروبي، وسليله المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وأثر ذلك كله في عدالة القضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، يفتتح النجار كتابه "مكاننا في الأندلس: القابلاه، الفلسفة، والأدب في كتابات اليهود العرب"، بقصيدة درويش "في المساء الأخير على هذه الأرض"،[91] بكل ما تشمله من إرث عالمي وهويات علائقية، وكل ما فيها من "مرايا كثيرة" و"فتح وفتح مضاد" لـ "الفاتحين والغزاة" إن لـ "أوروبا" أو "العالم الجديد"،[92] بينما يفتتح كتابه "اليهودي العربي: تاريخ العدو"، الذي تناقشه معه نرمين الشيخ في مقابلة موسعة،[93] بقصيدة "عندما يبتعد"، بما فيها من تجليات سياسات الحب والكره من لوركا حتى ييتس. وعليه، يبحث النجار في السؤال: كيف ميَّزت أوروبا نفسها عن كل من "المسلم العربي" و"اليهودي العربي"، وبالتالي "العربي" و"اليهودي"، بدءاً من سنة 1492، وكيف عرّفت هذا التمييز لذاتها عنهما من خلال مفهوم العداوة لكليهما؟[94] يقترح النجار أن العدو، الحاضر في معاداة أوروبا له والغائب من تاريخها في آن معاً، هو ما يعرّف كلاً من "المسألة اليهودية" و"المسألة الإسلامية" اللتين غُيّبتا رسمياً عن حقول الدرس الأكاديمي في المنظومة المعرفية الغربية المتمركزة أوروبياً. ويعتقد النجار أن التفريق بين مفهوم "الديني" (the theological) ومفهوم "السياسي" (the political) (على نحو متداخل مع التضاد المعاصر، والذي لا يزال مثاراً للجدل، بين "العلماني" و"الديني") لم يظهر إلى الوجود إلّا بعد تعريف اليهودي كعدو ديني (theological enemy)، والعربي كعدو سياسي (political enemy) لأوروبا.

ينطلق النجار في مشروع أطروحته من مداخلة فلسفية بشأن التعريف بمفهوم "العدو" من خلال تعريف "الحب" و"الصداقة"، والفروقات بين الجوانب السياسية والروحية في الدولة والمجتمع، وكيفية تطور هذا المفهوم في التراث المسيحي الغربي. وفي محاولته الإجابة عن تساؤل: "من أين يأتي العدو؟" يحيل النجار إلى التفرقة الأولى بين كينونة "الملك" الجسدية، المرتبطة بسلطته الدنيوية؛ وتلك الروحية، المرتبطة بسلطته الدينية المستمدة من الله. وبناء على هذا التقسيم، فإن مَن يعادي الملك بصفته الجسدية - الدنيوية، فهو "عدو سياسي"، ومَن يعادي سلطته الروحية فهو "عدو ديني". وهنا، يستدعي النجار منظومة متشابكة من الشواهد من الكتاب المقدس (بعهدَيه القديم والجديد) والأدبيات الفلسفية واللاهوتية الغربية لتوضيح كيف عملت أوروبا على صناعة عدو لاهوتي لها هو "اليهودي"، وعدو سياسي هو "العربي"، من دون أن ينصِّب من الكتاب المقدّس "مبدأ ناظماً"، إذ بالكاد يعتبره مبدأ. وبالتالي، لا يغدو لرغبة درويش "الجمالية"، المحمولة على تحريض رهيف من رينيه شار، اعتبار كبير نظراً إلى البحث الجينيالوجي اللافت الذي يجريه النجار في الإرث المعرفي الغربي ذي العلاقة.

ولتوضيح مجموعة من تحولات مفهوم العدو، يهودياً كان أو مسلماً، يراجع النجار التسمية التي كانت تطلَق على اليهود الذين فقدوا الرغبة في الحياة، وأصبحوا غير "فاعلين" في معسكرات الإبادة النازية، وخصوصاص في أوشفيتس، للتدليل على تدني مكانتهم الإنسانية كعدو خامل وموضوع مستعبَد ومستبعَد. وقد صبغت هذه الصورة مفهوم العدو بشكل استشراقي منذ القرن التاسع عشر، إذ أصبح "العربي" مثالاً للعدو السياسي الدوغماتي، وأصبح "اليهودي" مثالاً للعدو الديني، مثلما أوضح إدوارد سعيد في "الاستشراق" الذي اتُّهم سعيد بعد نشره، وغيره من الأطروحات ذات العلاقة، بأنه "معادٍ للسامية". وهنا، يتصادى النجار مع تنظيرات درويش العديدة للبنى العلائقية المتوحشة للمشروعَين الأوروبي والصهيوني.

وفي هذا السياق، يستنتج النجار أن "معاداة السامية" التي شملت اليهود والعرب كعدّوين لأوروبا، تحولت إلى "خوف من الإسلام" اليوم، بينما تصالحت إسرائيل مع فكرة أوروبا بشأن اللاسامية التي أرادت اليهود خارج أوروبا، فكانوا، من هيرتزل ووايزمن، حتى شارون ونتنياهو، على استعداد لأن يكونوا التحقق الفعلي، بل الأداة العملانية، لحُلم اللاسامية نتيجة رغبتهم في احتلال فلسطين كوطن لليهود الذين كانوا كابوس أوروبا.[95] وهنا، ينتقد النجار، بصرامة، تبنّي إسرائيل السياسة المسيحية الغربية في التفريق بين "المواطنة" و"الجنسية" كي تفرّق بين "اليهودي" كدين، و"العربي" كعرق، بدلاً من التفريق بين اليهودي والمسلم، أو الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك، طبعاً، لغايات التغلب على العرب (أصحاب البلد الأصليين) بصفتهم خطراً ديموغرافياً استراتيجياً على وجود إسرائيل التي ترغب في تعريف نفسها، ونيل الاعتراف بها، كـ "دولة يهودية" خالصة، الأمر الذي يجعل تعقيب درويش على الانطلاق من البعد القومي للصراع العربي - الصهيوني أكثر وضوحاً.[96]

لا تكمن أهمية هذه الأطروحة في كونها جهداً معرفياً أصيلاً فحسب، بل في تصاديها أيضاً مع مشروع مثقفين كونيّين من طراز إدوارد سعيد ومحمود درويش في توحيد النضال ضد استعمارية المعرفة الغربية المتمركزة أوروبياً، واستشراقيتها التي تشكل رافعة للمشروعَين الاستعماري الأوروبي والاستيطاني الصهيوني، ومن طراز آخرين ممّن اختصوا بهذه اللحظة التاريخية كإيلا شوحات، ومنير العكش، وستيفن سلايطة. ولعل ما تصفه شوحات بـ "الهوية العلائقية" بين الأندلس وفلسطين،[97] وما وصفه كل من سلايطة والعكش، وجرى تبيانه في القسم الخاص بالأندلس من هذه الدراسة، إنما هما إغواء مجازي هائل بين "الهنود الحمر" و"الفلسطينيين" ضمن "فكرة أميركا"... يتم تدشينه، تاريخاً، بتمثيلات عيانية حادة المنطق والصدقية، على يد النجار، كخلاصة لتعالق الأحداث والمصائر التاريخية بين سنتَي 1492 و1948 في متتالية "المسائل" الذائعة الصيت "التي ملأت الدنيا وشغلت الناس": المسألة الإسلامية، المسألة اليهودية، المسألة العربية، المسألة الفلسطينية... على التوالي.

وبعد أكثر من أربعين عاماً على صوغ درويش مقولة "هزيمة الانتصار" للمشروع الصهيوني، وإعادة "عقدة الانتحار" المسَّادية في "إسرائيل الجديدة"،[98] يؤكد النجار هذه المقولة بأطروحة "الدولة الانتحارية" التي ينتقد فيها "مفهوم السياسي" كآلة أيديولوجية - قانونية تُنتِج عبرها الأمَّة الصديق والعدو / الذات والآخر.[99] ففي هذه الآلة، تتصاعد العداوة الخارجية (الناتجة من عمليات الفرز بين الصديق والعدو في مطحنة "السياسي" التي تنتج الخصوم البرّانيين / على هيئة حرب خارجية)، والعداوة الداخلية (الناتجة من تعليق العمل بالقانون في حالة الطوارئ؛ إذ تجيز الدولة لذاتها شنّ حرب تسمح بإفناء خصومها الجوّانيين / على هيئة حرب أهلية)، فتتحول نزعة العسكرة إلى عسكرة فعلية، تمزّق الذات بذريعة حمايتها. وبينما يتخذ النجار من "إسرائيل" و"أميركا" نماذج مؤسسة للدولة الانتحارية، يسكت عن استثناء عسكرة المقاومة في فلسطين، كونها أكثر من شعب وأقل من دولة. وبالتالي، فإن نضال الفلسطيني واستشهاديته ضمن مسار المقاومة، لا يتسع له إلّا مفهوم "الفداء"، ولا يتجسد إلّا في ذات "الفدائي" الذي "خلق من جرحه شفقاً"[100] بتعبير درويش.

وهكذا، يكون درويش قد صاغ، على مستوى "السياسات"، خطاطة نادرة لمواجهة مستمرة مع الفكرة الصهيونية ودولتها العنصرية، موزَّعة الانتماء الأيديولوجي بين تاريخ غربي تماهت معه، وذاكرة مشرقية لن تتمكن من تلبُّسها. ولعل فيما جرى استقصاؤه من استعارات كبرى للنصر، والهزيمة، والمنفى، ما يفيد في تأطير "الأخلاقيات" التي حكمت ممارسته السياسية، والتي سيتناولها الجزء الثاني من هذه الدراسة.

 

المصادر:

[1] William Butler Yeats, The Collected Poems of W.B. Yeats, edited by Richard J. Finneran (New York: Simon and Schuster, 1996), p. 135.

وانظر أيضاً: محمود درويش، "لماذا تركت الحصان وحيدا" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1995)، ص 166 - 167.

[2] محمود درويش، "في حضرة الغياب: نص" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2006)، ص 169. وللمزيد عن "أداتيّة" الشعر والنثر في المشروع الدرويشي، فاعليةً وجماليةً، انظر: محمود درويش، "عابرون في كلام عابر" (بيروت: دار العودة، 1994)، ص 150 - 153؛ محمود درويش، "أثر الفراشة: يوميات" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2008)، ص 22 - 223.

[3] Michel Foucault, Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings 1972-1977, edited by Colin Gordon (Brighton: Harvester Press, 1980), p. 52.

[4] محمود درويش، "ذاكرة للنسيان: الزمان: بيروت، المكان: يوم من أيام آب 1982" (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 1987)، ص 221.

[5] للمزيد، انظر: درويش، "في حضرة الغياب"، مصدر سبق ذكره، ص 99.

[6] محمود درويش وسميح القاسم، "الرسائل" (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1990)، ص 177 - 178.

[7] درويش، "في حضرة الغياب"، مصدر سبق ذكره، ص 177.

[8] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، ص 69.

[9] درويش، "في حضرة الغياب"، مصدر سبق ذكره، ص 143. ولمزيد عن "الشاعر الدور" و"دور الشاعر" بين الفاعلية والجمالية، انظر تنظيرات درويش الرهيفة التي صاغها عبر مرثياته لرفاق دربه الأربعة: غسان كنفاني، وكمال ناصر، ومعين بسيسو، وماجد أبو شرار، في: محمود درويش، "في وصف حالتنا: مقالات مختارة 1975 - 1985" (بيروت: دار الكلمة للنشر،1987)، ص 78 - 108. وبشأن الكتابة لفلسطين بالحبر أو بالدم، انظر: نبيل عمرو، "محمود درويش في حكايات شخصية" (رام الله: مؤسسة محمود درويش، 2014)، ص 75.

[10] محمود درويش، "حيرة العائد: مقالات مختارة" (بيروت: دار الريس للكتب والنشر، 2007)، ص 156.

[11] المصدر نفسه، ص 113 - 114.

[12] محمود درويش، "كلام في الشعر - مقابلة مع عباس بيضون"، "الكرمل"، العدد 78 (شتاء 2004)، ص 182.

[13] حسين البرغوثي، "مغناطيس الهوية والشخصية عند محمود درويش"، "الشعراء"، العدد 4 - 5 (1999)، ص 219 - 234.

[14] محمود درويش في مقابلة مع جيزيل خوري، برنامج "حوار العمر" (فضائية LBC)، 27 تشرين الأول / أكتوبر 2001، في الرابط الإلكتروني التالي.

[15] عبده وازن، "محمود درويش: وُلدت على دفعات"، "الكرمل"، العدد 86 (شتاء 2006)، ص 10.

[16] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، ص 131.

[17] محمد الشيخ، "المثقف والسلطة: دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر" (بيروت: دار الطليعة، 1991)، ص 24 - 32.

[18] Michel Foucault, Foucault Live: Collected Interviews, 1961-1984, edited by Sylvère Lotringer, translated by Lysa Hochroth and John Johnson (New York: Semiotext(e), 1989), p. 225.

[19] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، ص 76.

[20] درويش، "حيرة العائد"، مصدر سبق ذكره، ص 62.

[21] المصدر نفسه، ص 133.

[22] محمود درويش، "الشعر حرفة وهواية"، "الكرمل"، العدد 79 ( ربيع 2004)، ص 206 - 207.

[23] Robert Kaufman, “Poetry after 'Poetry after Auschwitz' ”, in Art and Aesthetics after Adorno, edited by Jay M. Bernstein et al. (Berkeley: University of California Press, 2010), p. 117.

وانظر أيضاً: فالتر بنيامين، "أطروحات في فلسفة التاريخ" في: "فالتر بنيامين: مقالات مختارة"، ترجمة: أحمد حسان (عمان: أزمنة للنشر والتوزيع، 2007)، ص 198. وللمزيد بشأن التعقيبات الدرويشية على مقولة أدورنو ذائعة الصيت، انظر: مهند عبد الحميد (إعداد)، "محمود درويش: سنكون يوماً ما نريد" (رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية، 2008)، ص 135 - 138.

[24] Kaufman, op.cit., p. 117.

[25] للمزيد بشأن هذه الفكرة، انظر:

Nouri Gana, “War, Poetry, Mourning: Darwish, Adonis, Iraq”, Public Culture, vol. 22, issue 1 (Winter 2010), pp. 33-65.

[26] John Felstiner, Paul Celan: Poet, Survivor, Jew (New Haven: Yale University Press, 1995), p. 56.

[27] للمزيد، انظر: محمود درويش، "يوميات الحزن العادي" (بيروت: مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، 1973)، ص 135، 201.

[28] مريد البرغوثي، "هو أجملنا وأولنا (لا نريد لهذي القصيدة أن تنتهي)"، "الكرمل الجديد"، العدد 3 - 4 (ربيع – صيف 2012)، ص 56.

[29] درويش، "في حضرة الغياب"، مصدر سبق ذكره، ص 152 - 153.

[30] محمود درويش، "جدارية" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2000)، ص 54.

[31] للمزيد من الدراسات بشأن هذه القصيدة، انظر: عادل الأسطة، "أرض القصيدة: جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره: دراسة نقدية" (رام الله: دار الزاهرة للنشر والتوزيع (بيت الشعر)، 2001)؛ حسين البرغوثي، "جدارية محاصر بالثنائيات"، "الشعراء"، العدد 9 (2000)، ص 250 - 254؛ رسالة الدكتوراه المتخصصة التي أنجزها إبراهيم أبو هشهش عن "الموت والحداد في شعر محمود درويش"، بالألمانية:

Ibrahim Abu Hashhash, Tod und Trauer in der Poesie des Palästinensers Mahmud Darwisch, Islamkundliche Untersuchungen, Band 164 (Berlin: Klaus Schwarz Verlag, 1994).

[32] درويش، "لماذا تركت الحصان وحيداً"، مصدر سبق ذكره، ص 112.

[33] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، ص 75.

[34] المصدر نفسه.

[35] درويش، "كلام في الشعر"، مصدر سبق ذكره، ص 193. وانظر كذلك، حديث درويش عن حال الشاعر في أزمنة الحرب، ونفيه لأن يكون "الشاعر مراسلاً حربياً"، أو أن يعلو صوت القصيدة صوت المدفعية والطائرة، في: درويش، "ذاكرة للنسيان"، مصدر سبق ذكره، ص 79 - 87.

[36] محمود درويش، "لا تعتذر عمّا فعلت" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2004)، ص 135 - 136.

[37] للمزيد بشأن حضور طروادة في المخيال الأدبي العالمي، انظر: صبحي حديدي، "طروادة: تاريخ للمخيلة"، "الكرمل"، العدد 83 (ربيع 2005)، ص 122 - 143.

[38] للمزيد عن أشكلة درويش للسؤال الهومري، انظر: درويش، "في حضرة الغياب"، مصدر سبق ذكره، ص 67 - 73؛ درويش، "حيرة العائد"، مصدر سبق ذكره، ص 16.

[39] عن "السؤال الهومري"، وتفاوت المكانة بين الشفاهة والكتابة، انظر: والتر أونج، "الشفاهية والكتابة"، ترجمة حسن البنا عز الدين، "عالم المعرفة"، العدد 182 (شباط / فبراير 1994).

[40] انظر: درويش، "عابرون في كلام عابر"، مصدر سبق ذكره، ص 83. ولمشاهدة المقابلة ضمن فيلم "موسيقانا" لغودار، انظر الرابط الإلكتروني التالي.

وانظر أيضاً: درويش، "كلام في الشعر"، مصدر سبق ذكره، 192 - 193؛ وكذلك:

Patrick Sylvain, “Darwish’s Essentialist Poetics in a State of Siege”, Human Architecture: Journal of the Sociology of Self-Knowledge, vol. 7, issue 5 (2009), pp. 137-150.

[41] نص رد درويش في مقابلة آدلر، في فيلم "موسيقانا" المذكور آنفاً. وانظر أيضاً: حسن خضر، "محمود: صورة أولى لسيد الكلام"، "الكرمل"، العدد 90 (نيسان / أبريل 2009)، ص 224.

[42] Edward W. Said, The Question of Palestine (New York: Times Books, 1979), p. 28.

وللمزيد، انظر: إلياس خوري، "سؤال النكبة: الصراع بين الحاضر والتأويل - إدوارد سعيد و(مسألة فلسطين)"، "الكرمل"، العدد 78 (شتاء 2004)، ص 46 - 55.

[43] بشأن الاستشراق اليهودي، انظر: أمنون راز - كراكوتسكين، "الاستشراق، علوم اليهودية، والمجتمع الإسرائيلي"، ترجمة محمد حمزة غنايم، "الكرمل"، العدد 58 (كانون الثاني / يناير 1999)، ص 106 - 127؛ أمنون راز - كراكوتسكين، "متدينون وعلمانيون في إسرائيل: الصهيونية، الثيولوجيا، وازدواجية القومية"، ترجمة محمد حمزة غنايم، "الكرمل"، العدد 51 (نيسان / أبريل 1997)، ص 201 - 215؛ إبراهيم عبد الكريم، "الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل" (عمّان: دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، 1993)؛ إدوارد سعيد "الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء"، ترجمة كمال أبو ديب (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1995).

[44] درويش، "حيرة العائد"، مصدر سبق ذكره، ص 129.

[45] درويش، "يوميات الحزن العادي"، مصدر سبق ذكره، ص 227.

[46] ثمة خطأ شائع في ترجمة مصطلح (reconciliation) بالعربية إلى "مصالحة"، ويحيل هذا الخطأ على مغالطة غموض منطقية: دلالياً، إذ إن ترجمتها الحرفية هي الأفضل، وهي "إعادة - الانسجام"؛ وسياسياً، ذلك بأن إعادة - الانسجام عادة ما يكون بين مكوّنات أصلانية متناحرة من أبناء الشعب الواحد حتى لو وُجدت فروقات عرقية؛ ولا يكون ذلك، قطعاً، بين المستعمِرين والمستعمَرين، أو مَن تواطؤوا مع مشروع استعماري (كحالة اليهود الفلسطينيين أو العرب مع الصهيونية). ومن هنا، يجب الإشارة إلى ضرورة تصحيح المفهوم، وتفريقه عن مفهوم المصالحة الذي إذا حدث، ربما ينطبق بصورة أكثر دقة على الحالة الفلسطينية - الصهيونية.

[47] انظر:

Marc Nichanian, The Historiographic Perversion, translated by Gil Anidjar (New York: Columbia University Press, 2009).

وبشأن موقف درويش من الإبادات الأرمنية ضمن هذا السجال الفكري، والتباساته، وخصوصاً فيما يتعلق بمواقف الأرمن في لبنان من فلسطين والفلسطينيين خلال المأساة اللبنانية، والاجتياح الصهيوني لبيروت في سنة 1982، انظر: محمود درويش، "أنا الموقع أدناه محمود درويش / بحضور إيفانا مرشليان" (بيروت: دار الساقي، 2014)، ص 20 - 23.

[48] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، ص 108.

[49] Jacques Derrida, On Cosmopolitanism and Forgiveness: Thinking in Action, translated by Mark Dooley and Michael Hughes (London: Routledge, 2001), p. 42.

[50] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، ص 86 - 87.

[51] "في وصف حالتنا"، مصدر سبق ذكره، ص 14.

[52] للمزيد: يمكن مراجعة الحوار الذي أجرته جيزيل خوري مع ليلى شهيد، ضمن برنامج "بالعربي" الذي يبث على قناة العربية، في حلقة خاصة بعنوان: "تحية إلى محمود درويش"، في 16 آب / أغسطس 2008. كما يمكن الاطلاع على الجزء الثاني من ثلاثية: شلومو ساند، "اختراع الشعب اليهودي"، ترجمة سعيد عيَّاش (رام الله: مدار / المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2011)؛ شلومو ساند، "اختراع أرض إسرائيل"، ترجمة أنطوان شلحت وأسعد زعبي (رام الله: مدار / المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2013)؛ شلومو ساند، "كيف لم أعد يهودياً: وجهة نظر إسرائيلية"، ترجمة أنطوان شلحت (رام الله: مدار / المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2014).

[53] درويش، "حيرة العائد"، مصدر سبق ذكره، ص 17 - 18.

[54] المصدر نفسه. وقد ناقش إلياس خوري، ضمن تحليله موقف إدوارد سعيد من "القضية الفلسطينية"، سؤال إن ما إذا كان ثمة دور على الضحية لإنقاذ نفسها، وحتى جلادها، من الظلم التاريخي الذي تم إيقاعه بها، وإن كان عليها تقديم حلول. انظر: إلياس خوري، "سؤال النكبة"، مصدر سبق ذكره، ص 54 - 55؛ وانظر أيضاً: إلياس خوري، "مدخل إلى قراءة الهولوكوست والنكبة"، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 117 (شتاء 2019)، ص 87 - 93.

[55] للمزيد، انظر:

Abdul-Rahim Al-Shaikh, “Palestine: The Tunnel Condition”, Contemporary Arab Affairs, vol. 3, no. 4 (October-December 2010), pp. 480-494.

[56] عبد الرحيم الشيخ. "سعيد، درويش.. أدورنو: هل من الممكن كتابة قصيدة بعد قانا؟"، "موقع الصفصاف"، في الرابط الإلكتروني التالي.

[57] درويش، "حيرة العائد"، مصدر سبق ذكره، ص 52 - 53.

[58] للمزيد بشأن مفهمة درويش للنصر والهزيمة في سياق الصراع العربي - الصهيوني، وخصوصاً في التجربة الفلسطينية، انظر: محمود درويش، "وداعاً أيتها الحرب، وداعاً أيها السلام"، (بيروت: مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، 1974)، ص 65 - 69؛ "في وصف حالتنا"، مصدر سبق ذكره، ص 52 - 58. وانظر أيضاً، مفهمة درويش للنصر بصفته "مجازاً"، في: درويش، "أثر الفراشة"، مصدر سبق ذكره، ص 38، 45.

[59] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، ص 187. وللمزيد، انظر:

 Judith Butler, Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence (London: Verso, 2004); Judith Butler, Frames of War: When Is Life Grievable? (London: Verso, 2009); Edward W. Said and Christopher Hitchens, eds., Blaming the Victims: Spurious Scholarship and the Palestinian Question (London: Verso, 1988).

[60] انظر: صبحي حديدي، "محمود درويش في 'خطبة الهندي الأحمر': استراتيجيات التعبير وتمثيلات المعنى"، "الكرمل"، العدد 90 ( نيسان / أبريل 2009)، ص 37 - 53؛ وانظر كذلك:

Ben White, “Dispossession, Soil, and Identity in Palestinian and Native American Literature”, The Palestine-Israel Journal of Politics, Economics, and Culture, vol. 12, nos. 2-3 (2005).

[61] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، ص 46.

[62] للمزيد انظر: منير العكش، "حق التضحية بالآخر: أميركا والإبادات الجماعية" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002)؛ منير العكش، "تلمود العم سام: الأساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2004)؛ منير العكش، "دولة فلسطينية للهنود الحمر" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2015)؛ منير العكش، "أميركا والإبادات الجنسية: 400 سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2012)؛ منير العكش، "أميركا والإبادات الثقافية: لعنة كنعان الإنكليزية" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2009)؛ منير العكش، "زحف القديسين من المجاز إلى الحقيقة: نمضي على الحرب ولكن على مضض!!"، "الكرمل"، العدد 85 (خريف 2005)، ص 94 - 129.

[63] Steven Salaita, The Holy Land in Transit: Colonialism and the Quest for Canaan (Syracuse: Syracuse University Press, 2006); Steven Salaita, “Demystifying the Quest for Canaan: Observations on Mimesis in the New World and Holy Land”, Critique: Critical Middle Eastern Studies, vol. 11, issue 2 (2002), pp. 129-150.

[64] محمود درويش، "لا بيت للشعر خارج النظام"، "الكرمل"، العدد 47 (1993)، ص 142.

[65] المصدر نفسه.

[66] انظر، على سبيل المثال: عادل الأسطة، "ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية وأبحاث أُخرى" (نابلس: الدار الوطنية للترجمة والطباعة والنشر والتوزيع، 1996)؛ عادل الأسطة، "إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني: محمود درويش نموذجاً"، مجلة "كنعان"، العدد 87 (تشرين الاول / أكتوبر1997)، ص 67 - 80.

[67] Walter Benjamin, “Theses on the Philosophy of History”, in Illuminations: Essays and Reflections, translated by Harry Zohn (New York: Schocken, 1968), pp. 253-264.

[68] درويش، "لا بيت للشعر"، مصدر سبق ذكره، 143. وللمزيد، انظر: الحديدي، "محمود درويش في 'خطبة الهندي الأحمر'...."، مصدر سبق ذكره، ص 37 - 53. وتجدر الإشارة إلى أن درويش كرّس الملف الخاص بالعدد 45 الذي صدر من مجلة "الكرمل" في سنة 1992، إحياء لذكرى مرور 500 عام على الحدث المؤسس.

[69] المصدر نفسه.

[70] محمود درويش، "أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي" (عكا: دار العربي، 1993)، ص 40.

[71] درويش، "لا بيت للشعر"، مصدر سبق ذكره، ص 143.

[72] المصدر نفسه.

[73] درويش، "في حضرة الغياب"، مصدر سبق ذكره، ص 47 - 48. وانظر أيضاً، بشأن "حق العودة إلى الجنة": درويش، "أثر الفراشة"، مصدر سبق ذكره، ص 209.

[74] فيصل درّاج، "فالتر بنيامين ولاهوت التاريخ"، "الكرمل"، العدد 86 (شتاء 2006)، ص 170 - 171. وانظر أيضاً:

Gauri Viswanathan, ed., Power, Politics, and Culture: Interviews with Edward W. Said (New York: Pantheon Books, 2001), p. 447.

[75] درويش، "لا تعتذر عما فعلت"، مصدر سبق ذكره، ص 97 - 99.

[76] درّاج، "فالتر بنيامين ولاهوت التاريخ"، مصدر سبق ذكره، ص 170 - 171.

[77] محمود درويش، "لا قداسة لجلاد"، "الكرمل"، العدد 52 (تموز / يوليو 1997)، ص 217 - 223.

[78] انظر: مقدمة "الكرمل"، العدد 55 - 56 (نيسان / أبريل 1998)، ص 3؛ وبشأن "الهلوسات" عن رينيه شار خلال فترة التخدير لعملية القلب، انظر: جيزيل خوري، "حوار مع محمود درويش عن السياسة، والشعر، وتجربة الموت"، مصدر سبق ذكره، ص 14؛ درويش، "في حضرة الغياب"، مصدر سبق ذكره، ص 115؛ محمود درويش، "جدارية" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2000)، ص 30 - 32؛ يقول إلياس خوري إن محمود درويش "حوّل الشعر قهوة للصباحات.. والحلم وشاحاً للحب"، في: مهند عبد الحميد (إعداد)، "محمود درويش: سنكون يوماً ما نريد"، ص 161، مصدر سبق ذكره.

[79] درويش والقاسم، "الرسائل"، مصدر سبق ذكره، 99. وانظر أيضاً: درويش، "ذاكرة للنسيان"، مصدر سبق ذكره، ص 156؛ درويش، "أثر الفراشة"، مصدر سبق ذكره، ص 75.

[80] "العهد القديم"، سفر التكوين، الإصحاح 21: 12 - 13.

[81] للمزيد بشأن هذه النزعة، انظر: عبد الرحيم الشيخ، "المثقفة اليهودية الأخيرة، جوديث بتلر: قارئة لسعيد ودرويش"، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 87 (صيف 2011)، ص 93 - 119.

[82] Pirkei Avot 1:14.

[83] محمود درويش، "كزهر اللوز أو أبعد" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2005)، ص 16.

[84] محمود درويش، "ديوان محمود درويش" (بيروت: دار العودة، 1994)، المجلد الأول، ص 432 - 433.

[85] Angelika Neuwirth, “Hebrew Bible and Arabic Poetry: Mahmoud Darwish’s Palestine-From Paradise Lost to a Homeland Made of Words”, in Hala Khamis Nassar and Najat Rahman, eds., Mahmoud Darwish, Exile’s Poet: Critical Essays (Northampton, Massachusetts: Olive Branch Press, 2008), p. 169.

[86] Neuwirth, op.cit., p. 172.

[87] للمزيد عن هذا الموضوع، انظر: عبد الرحيم الشيخ، "متلازمة كولومبوس وتنقيب فلسطين: جينيالوجيا سياسات التسمية الإسرائيلية للمشهد الفلسطيني"، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 83 (صيف 2010)، ص 78 - 109؛ عبد الرحيم الشيخ، "الهندسة اللغوية وعبرنة إسرائيل للمشهد الفلسطينيّ: دراسة في الخطاب الفلسطينيّ المقاوم (1997 - 2010)"، "الأبحاث"، العدد 58 - 59 (2012)، ص 61 - 108. وبشأن الشرط السياسي لإنتاج هذه القصيدة، انظر المعلومات البيوغرافية عن محمود درويش في: امتياز دياب، "ميلاد الكلمات" (رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية، 2019)، ص 82.

[88] Neuwirth, p. 187.

[89] Edward Said, “Permission to Narrate”. Journal of Palestine Studies, vol. 13, no. 3 (Spring 1984), pp. 27-48.

[90] انظر: درويش، "عابرون في كلام عابر"، مصدر سبق ذكره، ص 79؛ "حاضرنا لا يريد أن يبدأ ولا أن ينتهي - حوار مع محمود درويش"، "دفاتر ثقافية"، العدد 3 (1996)، ص 4 - 7.

[91] درويش، "أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي"، مصدر سبق ذكره، ص 7 - 8.

[92] Gil Anidjar, “Our Place in al-Andalus”: Kabbalah, Philosophy, Literature in Arab Jewish Letters (Stanford: Stanford University Press, 2002).

[93] جيل النجار، "اليهودي العربي: تاريخ العدو"، مقابلة معه أجراها وترجمها عبد الرحيم الشيخ ورنا بركات، "الكرمل الجديد"، العددان 3 - 4 (ربيع – صيف 2012)، ص 123 - 169.

[94] Gil Anidjar, The Jew, the Arab: A History of the Enemy (Stanford: Stanford University Press, 2003).

[95] وقد خصص النجار لهذه الفكرة بشأن نشوء اللاسامية وتحولاتها، كتاباً كاملاً أتبعه بكتاب آخر في نقد المسيحية الأوروبية المعلمنة، وما كان لها من تاريخ دموي في استعمار العالم، وذلك ضمن بحث في الأدب والقانون والسياسية. للمزيد، انظر:

Gil Anidjar, Semites: Race, Religion, Literature (Stanford: Stanford University Press, 2008); Gil Anidjar, Blood: A Critique of Christianity (New York: Columbia University Press, 2014).

[96] بشأن هذه المسألة، انظر تعقيب درويش على المشابهة بين حالة "اللاجىء" اليهودي العراقي، واللاجىء الفلسطيني، في حالة يوسي شيلواح الذي أُعلنت عليه الحرب من أركان المؤسسة الثقافية الصهيونية كلها بسبب تجرّئه على مجرد طرح قضية اللجوء كمشترك إنساني يشمل الفلسطينيين، وذلك في: درويش، "عابرون في كلام عابر"، مصدر سبق ذكره، ص 71 - 75.

[97] إيللا شوحات، "كولومبوس، فلسطين، واليهود العرب: نحو مقاربة علائقية لهوية المجموعة"، "الكرمل"، العدد 52 (1997)، ص 38 - 52.

[98] انظر: درويش، "عابرون في كلام عابر"، مصدر سبق ذكره، ص 48 - 53.

[99] جيل النجار، "الدولة الانتحارية"، ترجمة عبد الرحيم الشيخ، "إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع"، العددان 43 - 44 (صيف – خريف 2018)، ص 218 - 241.

[100] "ديوان محمود درويش"، مصدر سبق ذكره، ص 20.

السيرة الشخصية: 

عبد الرحيم الشيخ: أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية والعربية في جامعة بير زيت.

اقرأ المزيد