The Man from Al-Sawafir Who Carried His Village on His Shoulders (Part 2)
Date: 
August 23, 2022
Author: 

النكبة في عيون إسماعيل

أبي لا يحمل للجيوش العربية في قلبه إلا الخذلان، يهز رأسه بحزن، مبتلعاً مرارة ضياع فلسطين، هكذا بطرفة عين. كان مقتنعاً كل الاقتناع – سواء بسبب ما عاشه ورآه بأم عينه، أو ما قرأه لاحقاً، إذ كان يستشهد بكتاب (جهاد شعب فلسطين – لصالح مسعود أبو يصير) – بأن الجيوش العربية لم تدخل فلسطين دفاعاً عنها؛ وإنما للمحافظة على خطوط التقسيم، وهذا ما أكده الرئيس جمال عبد الناصر في مذكراته عن السوافير الغربية كذلك، حينما كان ضمن كتيبة الجيش المصري التي دخلت السوافير وسلمتها طوعاً ليحتلها اليهود. يقول هازّاً رأسه: رأيت من الجيوش العربية المصري والسعودي، وذلك لاحقاً في غزة.

أراه حافياً، متعباً، يحمل من المتاع ما تيسر، عين على أمه وأخيه، وأُخرى على قرية لم يكن يدري أنه يودعها إلى الأبد، من جيرانهم مَن ترك العجين ليختمر – ساعات ونعود، هكذا أخرسوا قلق البعاد – ومنهم مَن حفر الدمع أخاديد في عينيه لأنه أدرك المأساة. إنها الحرب، حرب من طرف واحد، خطط ودبّر والتهم فلسطين على طبق من ذهب، بلقمة واحدة، والمجتمع الدولي يصفق له.

"هُجّرنا إلى قرية كرتيا مشياً، اللي عنده لحاف حمله على رأسه أو حماره، اللي عنده ولد مشّاه جنبه. أمك كذلك كانت رضيعة لم تكمل أربعين يوماً، حملوها بسريرها الخشبي على رؤوسهم. نحن ذهبنا مع أخوالي إلى كرتيا؛ إذ كانت تربطهم علاقات مع أهلها بسبب الزراعة، ومكثنا عند دار عرابي، شيخهم اسمه محمود عرابي، أقمنا لديهم شهراً.. شهرين، ثم هاجم اليهود كرتيا[1]، فخرجنا ليلاً إلى الفلوجة، ونزلنا في وادٍ، وأنا نزلت مع محمود عرابي لأنني تهت عن أمي وأخي في فوضى الهجوم ورعب الناس، لكن اليهود طوقونا بالدبابات، ومسكوني واستجوبوني، سألني يهودي: مين فيها "هاراتيا"؟– يقصد كرتيا– فيها مقاتلين؟ قلت له: أنا ولد صغير لا أعرف! أقفلت فمي ولم أزد. تركني اليهود لأنني لم أكن ذا نفع لهم عندما صدرت الأوامر باقتحام الفلوجة بمدرعاتهم، وهرع إليّ محمود عرابي وأكملنا طريقنا إلى الفلوجة، وهناك اجتمعت بأهلي ثانية. عندما علم خالي إبراهيم بوجودنا في الفلوجة حضر من غزة ليأخذنا، أنا وأخي خضر وأمي، أختي كانت متزوجة وكانت مع دار عبد الرحمن صالح حينها، إلى أن تقطعت بنا الطرق جميعاً في غزة، وجمعنا مخيم الشاطئ في آخر الأمر."

وصلنا معاً إلى المجدل، ومن المجدل ركبنا في شاحنة أخذتنا إلى غزة لنبقى مع أخوالي. نزلنا في بيت في حارة السديدة. كانت دار الباز في غزة في حارة الباز، أعادوا تعميرها ليسكنها أخوالي إسماعيل وإبراهيم ومحمد بعيالهم، ودار كامل بعيالهم، ودار أبو جعفر وأولاده الاثنين بعيالهم، ونحن معهم. كان لدار الباز أراضٍ في بيت لاهيا باعوها وانتفعوا بثمنها كذلك.

بقية السوافيريات والقرى المجاورة التي هاجرت معنا سكنت تحت الأشجار إلى حين وُزعت عليهم الخيام.. ثم بعد الخيام وُزعت عليهم قطع صغيرة.

ثم لما صار مخيم الشاطئ الذي ضم كل المهجرين من القرى المحتلة في النكبة وما تلاها سنة 1951م، تركت وأمي وأخي البيت، وابتنينا لنا في المخيم بيتاً من غرفتين.

حين تطلق النكبة روح الشاعر

لم تكن لأبي محاولات شعرية قبل النكبة، لعل كل ما في السوافير كان ينطق شعراً، وحينما فقد شعرها أنطقته النكبة في موجات حنين إلى قريته وملاعب طفولته. أولى قصائد إسماعيل، الذي ودع طفولته في الطريق من السوافير الغربية إلى غزة، كانت تحمل رائحة السوافير، بخبز الطابون، والبيارات، والقمح، ومقام الباز، والمدرسة، وكل ما أجبره التاريخ على تركه. التاريخ الذي يكتبه الأقوى، ويحاول طمسه، فنحييه بأن نظل أحياء كل يوم لنذكره ونذكّر العالم به. كتبت هذه القصيدة سنة 1951م، بعد أن التحقت بالأزهر. كانت تلك أول مرة أغادر فيها حدود فلسطين.

بلدي السوافير الجميلة خبريني..

                                      كيــف حـــالك؟

هل يا ترى يمشي اليهود المجرمون      

                                      علـى تــرابــك؟

وتظلهــمْ أشجـــارك الخضــرا

                                      وتطعمهمْ ثمارك؟

أم يرتوون من الغدير فيشربون

                                      بعـــذب مـائــك؟

لهـفـــي عليـــك فإنني أرنـــو

                                      لساعات وصالك.

وُلدت هذه القصيدة، ووُلد إسماعيل من رحم النكبة.. شاعراً، وجرت قصائده على نهر الأحداث، واحدةً تلو الأُخرى.

ما للفلسطيني..

في كل محفل، كان والدي يذكّرنا، ما لا يمكن لأحد أن يسرقه منكم يا أولاد هو هذا، ويشير إلى رأسه، كنا نعلم تمام العلم بأن اجتهادنا في دراستنا وعموم حياتنا، يعني أننا سنُعيد أرضنا المسلوبة، عاجلاً أم آجلاً، فما أخذوه منا بمكرهم وقلة حيلتنا وتكالُبهم علينا، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، الفلاحون الذين كانوا آمنين مطمئنين في قراهم، آخر همهم وفرة مواسم الحصاد، أصبحوا الآن أكثر وعياً وفهماً. أرى شهادة الأزهر الذي تخرّج منه أبي في كلية اللغة العربية، ثم أنصت إليه متابعةً حكايته.. هذه المرة، رحلته مع عمي خضر إلى مصر.

لم يتحمل أخي خضر ما حدث، النكبة كانت قاسية علينا جميعاً، مدمرةً أحلام الشباب، آكلةً أطراف الرجال والنساء والشيوخ والعجائز. كان خضر يبلغ من العمر 14 عاماً عندما وصلنا إلى غزة، فتركنا وذهب إلى العريش بعدها بأربعة أشهر ليعمل ويتدبر عيشه. هناك تعرّف إلى الحاج مسلم، كان رجلاً طيباً، فشغّله لدى رجل يُعرف بالبيك، الذي كان لديه محل يبيع فيه الفول. بعد خمسة أشهر، جاء الحاج مسلم إلى غزة زائراً، وسأل عن عائلتنا حتى وصل إلى خالي محمد الباز، وكلّمه بشأننا، أنا وخضر، قال له مقنعاً: "إنهما يتيمان وصغيران، فلم لا ترسلهما إلى الأزهر؟ "ها؟ كيف ذلك؟ "تستخرج تصريحاً وضماناً قيمته 11 جنيهاً عن كل واحد منهما، وتسترده بمجرد دخولهما مصر." اقتنع خالي بكلامه، وساهمت أمي في إقناعه، فدفع عنا المبلغ المطلوب، واستخرج لنا تصريحاً، ثم استرد المبلغ لاحقاً. كنت أبلغ حينها نحو 11 عاماً ونصف، وأخي 14 عاماً. ركبنا القطار في تشرين الأول/أكتوبر 1950م، من غزة إلى القاهرة. وأوصى الحاج مسلم تاجراً غزّياً بنا ليوصلنا إلى الأزهر، عند شخص يدعى عبد الجواد عفانة، كان من بلدتنا السوافير، ويدرس في الأزهر.

وصلنا إلى القاهرة، ونزلنا في فندق في العتبة اسمه البرلمان، بتنا ليلتنا في غرفة أنا وأخي، والرجل في غرفة أُخرى، كانت تكلفة المبيت رخيصة، نحو عشرين قرشاً. ثم صبّحنا متجهين إلى الأزهر، فالتقينا عبد الجواد عفانة وسلّمنا التاجر له.

رواق السادة الشوام

انتسبنا إلى الأزهر بعد نحو شهر تقريباً من وصولنا إلى مصر، بعد أن خضعنا لامتحان تجريبي في القراءة والنحو. أذكر السؤال الذي سألني إياه الشيخ الأزهري: اعرب لي يا ولدي (وأبونا شيخ كبير)، ولا أذكر كيف أعربتها! بعد الاختبار، نسبنا كلانا إلى الصف الثاني في الأزهر. يومها، نُسب أخي خضر إلى الصف الثالث، لكن عبدالجواد تدخل وطلب منهم أن يجعلونا في الصف نفسه، وَنَس!

درسنا في الأزهر سنة ثانية وكان تبقى منها شهران، فأتممنا الدراسة مع التلاميذ، ثم سنة ثالثة، فرابعة، وكانت حينها شهادة ابتدائية ندرس فيها النحو والعلوم والجغرافية والفقه والحساب. كان من حق ملتحقي البعثات الإسلامية من البلاد العربية، بعد شهادة الصف الرابع الابتدائي، أن يتخصصوا في اللغة العربية والعلوم الإسلامية وأصول الفقه والتفسير.

في الأزهر معاهد وكليات للمصريين، وقسم البعوث الإسلامية للمسلمين من أصقاع الأرض قاطبة. شفت الأفارقة والسنغاليين والسودانيين والماليزيين، وأهل بلاد الشام. الأزهر لمّ الشامي على المغربي! الأروقة فيه مقسمة؛ رواق الصعايدة، ورواق السنارية، وغيرها.. كنا في رواق "السادة الشوام" التي كانت مكتوبة على الباب بخط جميل – زرت الأزهر لاحقاً مع والدي، وتجولنا فيما تبقى من أروقة، كان رواق السادة الشوام قد تحول إلى نقطة شرطة حينها[2].

كان في رواق السادة الشوام نحو 17 غرفة، في كل غرفة اثنان أو ثلاثة فلسطينيين، لم يكن يوجد معنا سوريون ولا لبنانيون. الفقير منا يسكن في الأروقة، ومَن كانت حاله ميسورة يسكن بالإيجار خارج الأزهر. كان معنا في رواق الشوام عراقيون. أذكر زميلاً عراقيا اسمه علاء الدين خروفة من بغداد. وأذكر عبدالرحمن الغنّام وطه العلمجي، وهما من السوافير من بلدنا كذلك. كنا في الصيف نعود إلى غزة في القطار، وكانت تذكرة القطار بسيطة جداً. يصرف الأزهر معيشة للمنتسبين في قسم البعوث الإسلامية، لكل طالب 4 جنيهات شهرياً، وهو مبلغ كبير حينها، كنا نرسل معظمه إلى أمي وأخوالي.

كانت دراستنا على السجاد، حيث يأخذ الشيخ موقعه على الدكة. شيخ يدرّسنا النحو، وآخر التفسير، وثالث الفقه، ورابع الجغرافيا. أذكر شيخ الجغرافيا.. لم يكن معمماً، بل كان يلبس بدلة، اسمه عبد المجيد وافي، وكان رساماً في جريدة الأهرام، وخريج الأزهر، وكذلك كلية الفنون الجميلة.

أذكر من أصدقاء الأزهر فلسطينياً من الخليل، كان اسمه عبد الحكم داري عبد المغني البكري، كان صديقاً صدوقاً، والمصري سيد سيدي الملاحي، وعبدالحميد أبو السعود من قرية الجلادية، وشقيقه محمد أبو السعود الذي كان أكبر منه ويعمل في معسكرات فايد في القناة.

اجتهدت أنا وأخي في دراستنا، ونجحنا في كل المواد لكن رسبنا في التعبير، وكان هذا مثاراً للعجب؛ إذ نجح في التعبير مَن هم أقلّ منا فهماً وعلماً. وهكذا صار معنا (ملحق)، الملحق علينا دراسته في الصيف – بما أننا رسبنا في التعبير في شهر أيار/مايو، فسنعيد الامتحان في شهر آب/ أغسطس – فقرأنا حينها كتاباً من خمسة أجزاء، هو المنتخب من أدب العرب[3]، في هذه الفترة، لكي نقوّي لغتنا ونحسّن كتابة التعبير. وفعلاً أفادنا كثيراً، ونجحنا. واجتزنا الشهادة الابتدائية.

المسابقة ثم الابتعاث

بعد الابتدائية، كان للأزهر ما يسمى امتحان المسابقة لكي يتقدم الطالب إلى الكليات فوراً، عوضاً عن إكمال الدراسة في مرحلة الأول الثانوي للرابع الثانوي، التي كانت تأتي بعد إنجاز الشهادة الابتدائية. أخي خضر كان أكبر مني وأوعى، فدرس لدى شيخ دروساً إضافية بمقابل مالي ليحضّره للتقدم إلى المسابقة، التي إن اجتازها سيدخل كلية الشريعة. نجح خضر في الامتحان ودخل كلية الشريعة، مختصراً أربعة أعوام من الدراسة. في العام التالي مُنعت المسابقة، وكان عليّ إكمال جميع المراحل الدراسية، وصولاً إلى الكلية، عوضاً عن السير على نهج أخي والتقدم إليها.

 

عمي خضر (أبو أسامة)

 

وصلت البعثة السعودية إلى الأزهر لاختيار مرشحين للعمل في السعودية، وكان أخي خضر في عامه الثاني في كلية الشريعة، البعثة تقبل أي خريج ثانوي من الأزهر، فرصة! لكن زميلنا المصري نصح أخي بألا يذهب قبل أن يكمل الكلية، فلا أمان للحياة! وفعلاً، كانت نصيحة من ذهب. كان ذلك سنة 1955م.

في سنة 1957م، عندما تخرّج أخي خضر بالشهادة العالية، تقدم للعمل في السعودية، وسافر إليها. اشتغل معلماً هناك. أما أنا، فتقدمت حينها إلى كلية اللغة العربية، وتابعت دراستي حتى تخرجت فيها سنة 1960م. عندها عدنا معاً إلى غزة في شهر أيار/مايو، هو من السعودية وأنا من مصر. لم يكن يرغب في العودة إلى السعودية إطلاقاً؛ إذ كان متزوجاً، والمعيشة صعبت عليه وعلى زوجته. وحينها، جاءت البعثة الليبية إلى غزة تبحث عن معلمين في تموز/ يوليو، فتقدمنا معاً للعمل، وقُبلنا معاً. وسافرنا إلى طرابلس للتعيين، ثم نُسبنا إلى غريان، أنا في ثانوية غريان، وأخي خضر في معهد البنات.

 

صورة والدي/ إسماعيل محمود عبدالله

كما تبدو على شهادة تخرُّجه من كلية اللغة العربية في الأزهر.

 

النشاط الطلابي

في أثناء دراستنا في الأزهر، انتسبنا إلى رابطة الطلَبة الفلسطينيين في مصر، بعد نجاحنا في انتخاباتها، كنت عضواً في اللجنة التنفيذية للرابطة، وهي رابطة أسسها ياسر عرفات سنة 1953م لتجمّع الطلبة الفلسطينيين من الجامعات والأزهر، وكان نشاطها يخص فلسطين، وأذكر أن المكان الذي كنا نجتمع فيه، كان يحمل لوحة كُتب عليها (تذكّر أيها الفلسطيني أنك طريد بلادك)، ومما يثير السخرية في اللافتة – بالنسبة إليّ، أنا خريج اللغة العربية الأزهري – أن كلمة (طريد) بلادك تعني في اللغة العربية تطاردك بلادك، كان عليهم كتابتها (مطرود)!

تنشط الرابطة في تنظيم محاضرات وأنشطة عن فلسطين، شيء من التوعية، المتابعة..  وغير ذلك. وقد ألقى فينا الحاج أمين الحسيني مرة محاضرة قبل أن يُطرد من مصر. ترشحت ونجحت في الانتخابات. لكنني وجدت أن العضوين اللذين كانا معنا من جامعة القاهرة– وهما حينها، توفيق الشهابي وعلي العمري– يُعَدان تاجرا سياسة محترفين مقارنةً بي، وكان حديثهما عن المكاسب المالية أكثر منه عن المواقف. كما أرادت الرابطة تنظيم حفل غنائي ساهر في رمضان يحضره مطربون ومطربات، لذا، لم أستسغ الأمر، وشعرت بأنني لا أنتمي إلى هذا الجو، فرفضت وقدمت استقالتي من الرابطة.

لقاء أبو عمار

أذكر أنني قابلت أبو عمار وصلاح خلف، وكان لقاؤنا من الذكريات الطيبة، إذ كانا يزوران رواق الشوام ويحدثونا عن فلسطين، وأنها بلادنا التي يجب أن نعود إليها مهما طال الزمان، مشعلين شعلة الحماس والغيرة على الوطن في نفوس الطلبة. ولاحقاً، عندما رأيت ياسر عرفات في ليبيا في فندق الكبير، واستقبلناه باسم اتحاد المعلمين الفلسطينيين، أذكر أنه سألني عن أخي خضر، وقال لي وين أخوك خضر؟ كان رحمه الله صاحب ذاكرة خارقة فعلاً ويتذكر كل مَن يراه، كبيراً كان أم صغيراً.

حال أبي كحال أي فلسطيني، يزرع بذرة فلسطين أينما ذهب.. لذا، وعلى الرغم من أنه لم يمارس نشاطاً ثقافياً بارزاً بعد استقالته من رابطة الطلبة الفلسطينيين في مصر، فإنه حافظ على أحلامه برفع اسم فلسطين عالياً في أي محفل، وتقديم الغالي والنفيس في سبيلها. كان يحمل روح الشاعر على كفه.. والشاعر لا يخرسه شيء أبداً.. حتى الموت!

عندما حاصر الصهاينة بيروت في حزيران/ يونيو 1982م – وتمخّض الحصار عن خروج منظمة التحرير من لبنان بعد معركة الصمود، في ترتيبات دولية تم الاتفاق عليها في آب/ أغسطس – كتب والدي قصيدته "عفواً أبا عمار"، التي نُشرت بتاريخ 11 تموز/يوليو 1982م في جريدة الخليج الإماراتية. كان ذلك بعد ولادتي بأسبوع، وأطلق عليّ، بالاتفاق مع أمي، اسم أمل. أبي حمل – وما زال – شعلة التفاؤل، ويبدو أنه حمّلني إياها.

***

عفواً أبا عمار

عفواً أبا عمار إنْ جبن الرجالْ

عفواً أبا عمار ما ترجو محالْ

قد أعلمونا أن شرطكم القتالْ

والعرب لا تبغي القتال ولا النزالْ

**

عفواً  أبا عمار

إنا ههنا نحيا مع العيش الرخي

وديارنا – حاشاك – أشبه بالبغي

عذراً  أبا عمار – إن الجرح حي

**

عفواً أبا عمار هذا العذر ذنبْ

عفواً  أبا عمار ما ترجوه صعبْ

عفواً أبا عمار قاتل إننا

نهوى "السلام" ونحن من أنصار "كامبْ"

**

عفواً  أبا عمار

هذي صحافتنا تسجل فعلكمْ

وتقص في الصفحات من أخباركمْ

والتلفزات هنا تصور صبركمْ

من قال إنا قد نسينا جرحكمْ!

**

عفواً أبا عمار

أبناؤنا عزوا علينا إنهمْ

منا وواجبنا حماية أمنهمْ

وسلامهم ووجودهمْ ورخائهمْ

عفواً أبا عمار لا لا تتهمْ

إني عرفتك قبل ذا

لبقاً فهمْ!

**

عفواً أبا عمار جرحك جرحنا

لكننا نخشى نهاية أمرنا

فاغفر لنا إن كان ذلك ذنبنا

واغفر لنا أنْ قد لزمنا صمتنا

العبد محكوم فهل تغفر لنا!

***

اتحاد المعلمين الفلسطينيين

أحب صورة أبي معتلياً المنصة ليلقي قصيدة، بينما عيون الجمهور من حوله مصوّبة عليه. حماسه على الدوام مثار إعجابي، نخوته، اندفاعه لإغاثة الملهوف، على الرغم من أنه قد يندم على قرارات اتخذها، بعد أن اندفع بكل ما فيه لتحقيقها، ثم باءت بالفشل، أو لم تتحقق بالصورة التي رآها عليها. أفهم ذلك لأنني مثله.. لكن، لا ندم! إنها الحياة، بأفراحها وأتراحها، بنجاحاتها وإخفاقاتها. أبي عاش وتربى يتيماً، كان يأخذني معه – باعتباري آخر العنقود – إلى معظم الأماكن التي يذهب إليها، غرفة المعلمين كانت ملعبي، وكل مشاويره لي حصة منها.. كل طلباتي مجابة.. كنت مدللته! ذات مرة قال لي، ونحن في طريقنا بالسيارة إلى بيت صديقتي، وكان مشغولاً جداً حينها، لكنه أخذني: لم يكن لي أب يفسّحني، تذكّري أنني أفعل كل هذا من أجلك، كي تعلق هذه الأيام الجميلة في ذاكرتك، وتترحمي على موتي عندما يحين أجلي. أنظر إلى صورته.. إلقاؤه يصدح في أذني.

 

والدي يلقي قصيدة أمام محافظة غريان في ليبيا، وقد حضرها المتصرف نائب المحافظ سنة 1971م.

 

في ليبيا التي سافرت إليها مع أخي خضر، شكّلنا اتحاد المعلمين الفلسطينيين سنة 1972م، واتصل بي أبو طارق من مكتب منظمة التحرير في طرابلس، لأجهّز انتخابات اللجنة التحضيرية في غريان، باعتباري أقدم المعلمين الفلسطينيين في غريان. ونجحت حينها قائمة "فتح"، لم يكن هناك قوائم عديدة بطبيعة الحال.. بعض المستقلين الذين ما كان بإمكانهم التغلب على طول باع "فتح". شُكلت اللجنة، كان عملها تيسير شؤون المعلمين، وكنا نستخرج لهم تصاريح السفر وما إلى ذلك، أساعد بقدر استطاعتي في أي وقت كان، ليلاً أم نهاراً. كنا نرى ذلك جزءاً يسيراً من واجبنا تجاه فلسطين، وأي فلسطيني في الشتات. لكنني أيضاً استقلت من اتحاد المعلمين للأسباب ذاتها التي جعلتني أغادر رابطة الطلبة الفلسطينيين. كان أخي خضر واقعياً متشائماً بطبعه، فلم يكن فاعلاً في الرابطة مثلي، بينما كنت أبحث عن بصيص أمل، ثم يئست، وتركت كل ذلك ورائي.

 

والدي مع أحد الطلاب، وقد رُبطت ساقاهما في نشاط مدرسي في مدرسة غريان الثانوية في ليبيا

 

لم يطُل مقامي في غريان، ففي سنة 1976م، طلبت الانتقال إلى تاجوراء لأن والدتي التحقت بنا في ليبيا، وكان جو غريان البارد لا يلائمها. وهكذا عشت في ليبيا حتى سنة 1980م، ثم جئت إلى الإمارات لأعمل معلماً للغة العربية في مدرسة رأس الخيمة الثانوية إلى أن تقاعدت، وبقي أخي خضر في ليبيا مع عائلته إلى أن توفاه الله سنة 2019م.

 

والدي مع بِكره/ محمود

***

لا تنتهي حكاية أي فلسطيني.. إنها حكاية منقوشة على جدران الزمن، وما نقلت إلا نزراً يسيراً من حكاية إسماعيل محمود عبدالله شحادة (أبو محمود)، والحكاية ما زالت مستمرة، فانصتوا إلى فلسطين مناديةً عليكم واحداً واحداً.. يا أبناءها!

 

* نشر الجزء الأول من هذه المقابلة مع إسماعيل محمود عبدالله شحادة، ابن قرية السوافير الغربية، المولود سنة 1936 في المدونة بتاريخ 22 آب، 2022. 

[1] هاجم اليهود قرية كرتيا واحتلوها ليل 17-18 تموز/يوليو 1948م (موقع فلسطين في الذاكرة).

[2] كانت تلك زيارتي إلى مصر لحضور مؤتمر أدبي سنة 2006م، وقد تجولت مع والدي في الأزهر، مستذكراً شطراً من حياته بين أروقته.

[3] ألّف كتاب "المنتخب من أدب العرب": أحمد الإسكندري وأحمد أمين وعلي الجارم وعبد العزيز البشري والدكتور أحمد ضيف.

Read more