36 عاماً على مجزرة صبرا وشاتيلا

>> 36 عاماً على مجزرة صبرا وشاتيلا

 

 

 

ثلاثة مشاهد لأيلول 1982 في صبرا وشاتيلا

أنيس محسن

 

 

بين 16 أيلول/سبتمبر 1982، و18 من الشهر نفسه، شهد مخيم شاتيلا ومحيطه ثلاثة مشاهد مختلفة: مواجهة؛ استسلام للواقع؛ ومجزرة.

يقول جمال هنداوي، في حديث خاص معي، وهو من الأشبال المقاتلين في حينه، أنه كان في المخيم في تلك الفترة، عندما سمع ورفاق آخرون، أن الجيش الإسرائيلي يتقدم نحو المخيم، على الرغم من التعهدات بعدم اقتحامه بعد اتفاق الخروج من بيروت، فامتشق ورفاقه من المخيم (فلسطينيون) ومن حي فرحات (لبنانيون) سلاحهم وتوجهوا إلى جنوب شرق المخيم، أي ما يعرف حالياً بجسر المطار، وتواجهوا مع قوة إسرائيلية متقدمة وتمكنوا من تدمير دبابة، ووقف التقدم الإسرائيلي. وبعد أن أصيب في المعركة، بقي قليلاً في الموقع القتالي، ثم اضطر إلى الانسحاب إلى منزله شمال شرق المخيم، ثم إلى مستشفى غزة لتلقي العلاج، ولم يعرف بالمجزرة إلا بعدما بدأ الجرحى يصلون إلى المستشفى ويتحدثون عن المجزرة.

في شمال المخيم، وفي حي صبرا، كان الشبان يتوجهون رافعين الرايات البيضاء نحو مواقع الجيش الإسرائيلي في المدينة الرياضية للاستسلام، بعدما تناهى إلى مسامعهم أن ثمّة شيئاً يتحضر للمخيم. هؤلاء لم يعرف حتى اليوم مصيرهم.

جنوب غرب المخيم، وخصوصاً حي الحرش، والطريق الرئيس غرب المخيم، كانا مسرحاً لواحدة من أشهر المجازر التي شهدها لبنان وأكثرها دموية ووحشية. عشرات من أفراد مليشيات لبنانية متعاملة مع إسرائيل، وتحت نظر الجيش الإسرائيلي، كانوا قد باشروا عمليات قتل معظمها بالبلطات والسيوف والخناجر: طعناً وذبحاً وتقطيعاً... قبل أن يستخدم الجزارون الأسلحة النارية. عائلات بأكملها أبيدت؛ معظم الضحايا كانوا من اللبنانيين، وكثير منهم من الفلسطينيين، وحتى فقراء من جنسيات أخرى: مصريون وسوريون، وكل من سكن في محيط المخيم، كحزام فقر لبؤرة فقر... هؤلاء هم أول من يُقتلون.

يقول هنداوي، لم يكن أحد يعرف ماذا يجري في الطرف الآخر: المقاتلون الذين كانوا يشاركون في معركة جسر المطار كانوا يعتقدون أن المخيم ومحيطه مشتبك بشكل كامل مع الجيش الإسرائيلي؛ الذين رفعوا الرايات البيضاء وسلموا أنفسهم كانوا يعتقدون أن الجميع قد رفع الرايات البيض؛ من عاش هول المجزرة لم يع سوى لحظته في تلك المجزرة، ولم يعرف أحد أنها تحصل قبل فجر اليوم الثاني، حين تمكن البعض من الهرب، فشاع الخبر في الأجزاء الأخرى من المخيم، الذي بدأ سكانه يهجرونه باتجاه الشمال.

ليل اليوم الثالث للمجزرة، كان حديث بين محمود داود وصهره؛ قال الصهر ثمّة ما يحدث في المخيم، وهناك من يقول أن مجزرة ارتكبت؛ كان الوقت منتصف الليل؛ خرج محمود وصهره وهما يحملان مصباحين، وعندما وصلا إلى الشارع الرئيسي غرب المخيم، لم يصدقا ما رأياه: جثث مطعونة ومقطعة الأوصال أو مصابة بطلقات عدة، تملأ الشارع... لم يستطع محمود (وقد بات في نهاية عقد الثمانينيات من عمره) أن يكبت دموعه وهو يستعيد المشهد المرعب... بل انهار تماماً.

بعد المجزرة، دخل الإسرائيليون بشاحنات عسكرية، وجرافات... كثير من الجثامين حُمّلت على عجل ونقلت من المكان، ولا يعرف أين دفنت. وكثير من الأحياء اعتقلوا ونقلوا بشاحنات أيضاً واختفت آثارهم وهم في عداد المفقودين حتى اليوم.

عند الطرف الغربي للمخيم، في الجهة الجنوبية، مقبرة تذكارية لشهداء المجزرة، في قلب ساحة مسورة بجدار ومقفلة ببوابة حديد يعلق بعض الباعة عليها سلعاً أو يبسطون أمامها بضائعهم أمام زبائن من الفقراء؛ فيما الشارع الذي شاهد عليه محمود في تلك الليلة من ليالي أيلول/سبتمبر 1982، كل تلك الجثث، بات يضج بالحياة، وهو بمثابة سوق للفقراء، من كل الجنسيات. على مدخل هذا الشارع من جهة الجنوب ترتفع لافتة كتب عليها "سوق الحميدية الجديد"، تيمناً بسوق الحميدية في قلب دمشق.

لا شيء في محيط مخيم شاتيلا يشبه ما كان قبل 36 عاماً، ولا شيء في قلب المخيم يشبه ذاك المخيم الذي كان يوماً عاصمة الثورة الفلسطينية.

 

 

 

 

كما يمكن الاطلاع على كتاب عن المجزرة من تأليف بيان نويهض الحوت وعلى عدد من المقالات المنشورة في "مجلة الدراسات الفلسطينية و Journal of Palestine Studies.

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Genêt, Jean. Four hours in Shatila. Journal of Palestine studies, Vol. 12, no. 3 (spring 1983), 3-22.
  • Siegel, Ellen. Inside and outside the hospital, people were screaming : Haddad, Kataeb, Israel – Massacre. Journal of Palestine studies, Vol. 12, no. 2 (winter 1983), 61-71.
  • Shaikh, Zakaria. Sabra and Shatila 1982: resisting the massacre. Journal of Palestine studies, Vol. 14, no. 1 (fall 1984), 57-90.