يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر الأسود... لن ننسى

>> يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر الأسود... لن ننسى

 

يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر 1956/1948 الأسود...

لن ننسى

 

 

(1)

 

مجزرة الدوايمة

29 تشرين الأول/أكتوبر 1948

 

 

كانت قرية الدوايمة تنتشر على قمة تل صخري عريض، في الجهة الغربية من جبال الخليل. وكانت تشرف على وادي قبيبة من الشمال، وتطل على مشهد جبال عالية من الشرق......

كانت الدوايمة خلال الحرب مسرحاً لمجزرة من كبرى المجازر غير المعروفة جيداً. ويذكر المؤرخ الإسرائيلي بني موريس أن المجزرة التي وقعت في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1948، خلال عملية يوآف التي نفذها الجيش الإسرائيلي، أدت إلى نزوح سكاني كثيف عن المنطقة. وهو ينقل عن لسان أحد الذين شاركوا في الهجوم على القرية، أن نحو 80-100 شخص، بينهم نساء وأولاد، قتلوا جراء "موجة الغزاة الأولى". وفيما يلي مقتطفات من وصف نشر في صحيفة "عال همشمار" اليومية الإسرائيلية: "قتلوا الأولاد ضرباً على رؤوسهم بالهراوات. ولم يخل منزل واحد من قتيل... وأمر أحد الضباط زارع ألغام بوضع امرأتين مسنتين في أحد المنازل... وتدمير المنزل وهما فيه. رفض زارع الألغام... فأمر الضابط عندئذ رجاله بوضع المرأتين داخل المنزل، ونُفذ العمل المشؤوم. وقد تباهى أحد الجنود بأنه اغتصب امرأة ثم أطلق النار عليها...".

ووصف المجزرة أيضاً مختار القرية سابقاً، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "حداشوت" اليومية الإسرائيلية في سنة 1984. استعاد المختار ذكرياته فقال إن "الناس فروا، وأطلقوا [الإسرائيليون] النار على كل من شاهدوه في المنازل وأردوه. وقتلوا الناس في الشوارع أيضاً. وفجروا بيتي على مرأى من شهود عيان." وأضاف المختار إنه "ما أن دخلت الدبابات القرية وأطلقت النار حتى غادرتُ القرية. وفي الساعة العاشرة والدقيقة الثلاثين تقريباً، مرت دبابتان أمام مسجد الدراويش، وكان فيه نحو 75 رجلاً مسناً جاؤوا باكراً لتأدية صلاة الجمعة. تجمعوا في المسجد للصلاة، فقتلوا جميعاً." وذكر المختار أيضاً أنه كان ثمة نحو خمس وثلاثين عائلة تختبئ في الكهوف خارج الدوايمة، وكان بعضها فرّ من قرية القبيبة التي احتلت سابقاً. فلما اكتشفت القوات الإسرائيلية وجود هذه العائلات "أمرتها بالخروج والاصطفاف، ثم البدء بالسير. وما أن بدأت بالسير حتى أُطلقت نيران الرشاشات عليها من جهتين. وقد أرسلنا ناساً تلك الليلة فجمعوا الجثث، ووضعوها في بئر ثم دفنوها.

في سنة 1984 رجع المختار إلى موقع قريته، أول مرة منذ وقوع المجزرة. وبيّن لصحافي إسرائيلي موضع منزله سابقاً وموقع البئر التي دفنت الجثث فيها. وبعد أربعة أيام عاد الصحافي مع أربعة عمال، حفروا قليلاً فاكتشفوا عظاماً بشرية بينها ثلاث جماجم، إحداها جمجمة طفل. ولم يواصلوا الحفر، وإنما أعادوا دفن العظام.

يشير موريس إلى إجراء بعض التحقيقات فيما يتعلق بالمجزرة، لكنه لا يذكر النتائج التي أسفرت عنها؛ ذلك بأنها كانت في جملتها بلا طائل، وانتهت بتأديب بعض الجنود وإصدار مجموعة من القواعد التي ينبغي للجيش الإسرائيلي اتباعها في تعامله مع المدنيين العرب. أما الوحدة التي ارتكبت المجزرة فكانت الكتيبة التاسعة والثمانين من اللواء الثامن بقيادة يتسحاق ساديه، مؤسس البلماح. وقد طلب قائد العملية يغآل ألون من ساديه أن يتحرى "الشائعات"، غير أن جوابه لم يُعرف.

في كانون الأول/ديسمبر 1948 طُرحت مسألة الدوايمة، مرة أخرى، في أثناء مناقشة عامة للأعمال الوحشية أجرتها لجنة وزارة إسرائيلية. ويقول موريس إن وزير الزراعة الإسرائيلي أهرون زيسلينغ كان يرد، في أرجح الظن، على رسالة في شأن المجزرة عندما قال: "هذا أمر يحدد شخصية أمة... لقد ارتكب اليهود أيضاً أعمالاً نازية." ومع أنه تذمر من أن التحقيق لم يكن يجري كما يجب، فقد وافق مع غيره من الوزراء على ضرورة عدم الكشف عن أية معلومات بغية الحفاظ على صورة إسرائيل.

بنيت مستعمرة أماتسيا، التي أسست سنة 1955، على أنقاض الدوايمة.

 

 

المصدر: الخالدي، وليد (رئيس تحرير). "كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط 3، 2001.

 

 

(2)

 

مجزرة كفر قاسم

29 تشرين الأول/أكتوبر 1956

 

كفر قاسم...
الزمان: مساء يوم الاثنين في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1956.


المكان: قرية عربية فلسطينية في منطقة المثلث.


السياق: قوات حرس الحدود الإسرائيلية تفرض منع التجول على القرى العربية المحاذية لحدود فلسطين الشرقية، بينما كان الجيش الإسرائيلي يشن هجوماً واسعاً في صحراء سيناء وعلى قطاع غزة، في إطار الاتفاق السري الذي أبرمته حكومة دافيد بن غوريون مع حكومتي فرنسا وبريطانيا، والذي هدف إلى إسقاط نظام جمال عبد الناصر الوطني في مصر، بعد أن تجرأ هذا الأخير على تأميم قناة السويس يوم 26 تموز (يوليو) 1956.


الحدث: قائد كتيبة قوات حرس الحدود في المنطقة يبلغ جنوده أن منع التجول يجب أن يفرض بحزم على أهالي القرية، بعد الساعة الخامسة مساء، وذلك عن طريق إطلاق النار على المخالفين، بينما كان عدد كبير من أبناء القرية وبناتها منشغلين بأعمالهم خارج القرية ولا يدرون شيئاً عن قرار منع التجول.


النتيجة: 49 شهيداً، بالإضافة إلى عدد كبير من الجرحى: عمال وعاملات عائدون من الحقول أو من المحاجر؛ رعاة غنم؛ آباء خرجوا يبحثون عن أبنائهم أو أبناء خرجوا يبحثون عن آبائهم...
الكشف عن المجزرة: حاولت الحكومة الإسرائيلية التعتيم عليها، وفرضت حصاراً كاملاً على القرية، كسره النائبان الشيوعيان توفيق طوبي وماير فيلنر، بقيامهما بالتسلل إلى القرية يوم 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1956، وذلك قبل أن تقوم صحف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، العربية والعبرية، بنشر تفاصيلها، الأمر الذي أجبر الحكومة، في نهاية المطاف، على تنظيم محاكمة عسكرية للمسؤولين عن المجزرة، صدرت بحقهم أحكام بالسجن لسنوات، جرى خفض مدتها عدة مرات.


المجزرة وأشكال التعبير الأدبي والفني: حركت مجزرة كفر قاسم مشاعر العديد من الأدباء والفنانين الفلسطينيين والعرب...فكتب عنها وعن ضحاياها قصائد كل من الشعراء الفلسطينيين محمود درويش، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، وحنا أبو حنا، وعصام العباسي، وسالم جبران... وكتب عنها الأديب السوري عاصم الجندي رواية وثائقية، كما أخرج عنها المخرج اللبناني برهان علوية فيلماً سينمائياً.


كتب محمود درويش في قصيدته: "أزهار الدم":


يا كفر قاسم! 
لن ننام... وفيك مقبرة وليل


ووصية الدم لا تساوم


ووصية الدم تستغيث بأن نقاوم


أن نقاوم

 


وكتب توفيق زياد في قصيدته: "كفر قاسم":


هنا... في الجليل الأبي وفي الناصرة


لنا وطن أثخنته الجراح


وروع طيره ذات صباح


وصار كسيراً مهيض الجناح


لنا وطن راسف في القيود


وشعب تشرد عبر الحدود


ولكن...


سنمضي بعزم شديد


لنرجع حقاً أبى أن يبيد


سنرجعه


سنرجعه رغم أنف اللظى والحديد


ونجعله جنة من جديد


وكتب سميح القاسم في قصيدته: "ليد ظلت تقاوم":


ومن جيل لجيل


وإلى أن يبعث النهر


وتشدو في أغانيّ الحمائم


أملأ الدنيا هتافاً لا يساوم:


كفر قاسم


كفر قاسم


كفر قاسم


دمك المهدور ما زال


وما زلنا نقاوم


م. ش.