المية ومية: مخيم التلة الجميلة

>> المية ومية: مخيم التلة الجميلة

المية ومية: مخيم التلة الجميلة

 

 

على تلة ترتفع نحو 300 م عن سطح البحر وتشرف على مدينة صيدا ومنطقتها، أُنشئ مخيم المية ومية سنة 1954 وهو يبعد نحو 4 كم عن المدينة، وعن فلسطين نحو 67 كم، ولا تزيد مساحته عن 0.5 كم2. وقد استأجرت الأونروا أرض المخيم التابع لقرية المية ومية والتي سُمي المخيم باسمها. وشيئاَ فشيئاً تحولت الخيام التي نُصبت لإيواء اللاجئين إلى منازل من الحجر وسُقف من الصفيح، قبل أن تُستبدل بالحجر، باستثناء بعض المنازل التي لا يزال سقفها من الزينكو. يحد المخيم من الشرق قرية المية ومية، ومن الغرب مدينة صيدا، ومن الشمال تلة مار الياس ومنطقة الهمشري – الفوار، ومن الجنوب تلة سيروب وعين الحلوة. وهو بذلك يتربع على موقع استراتيجي يطل على مخيم عين الحلوة وحارة صيدا ومنطقة إقليم التفاح، ويكشف مناطق واسعة في الجنوب اللبناني.

عندما وصل الفلسطينيون إلى تلك التلة الخضراء، كانت معروفة بوفرة أحراش الصنوبر وكروم العنب والتين، إلاّ إن المساحات الخضراء تقلصت بالتدريج مع بناء المخيم، فغاب الزرع واللون الأخضر. حتى المنازل التي كانت تزين مدخلها بشجر يذكّر سكانها بقراهم في فلسطين، جرى الاستغناء عنها.

وللمخيم مدخلان، لكن بسبب إجراءات الجيش اللبناني الأمنية اقتصرت المداخل على واحد فقط، إذ لا بد من المرور على حاجز الجيش قبل دخول المخيم، فتحوّل المية ومية إلى شبه "غيتو".

 

السكان

  بحسب مصادر الأونروا، يبلغ عدد سكان المخيم المسجلين نحو 4,500 لاجئ،[1]  بينما تقدر مصادر اللجان الشعبية العدد بما يزيد على 5,000 نسمة، ويرجح آخرون أن يصل العدد إلى نحو 6,000 نسمة.

يُشار إلى أن المخيم استقبل على مدى سنوات مجموعات من اللاجئين من مخيمات الشمال والجنوب وبيروت. إذ كان اللاجئون في مختلف المخيمات يقصدون المية والمية هرباً من عمليات القصف الإسرائيلي أو الأحداث الأمنية التي كانت تعصف بمخيماتهم. وقد عمد بعض هؤلاء إلى البناء على أطراف المخيم، لكن الأونروا لا تقدم لهم الخدمات باعتبار أن هذه المنطقة، وتُسمى منطقة الوادي، لا تدخل ضمن نطاق المخيم. كما استقبل المخيم عدداً من العائلات السورية النازحة جرّاء الأزمة السورية، لكن عددها تضاءل بعد أن غادر معظم النازحين إمّا بسبب ندرة العمل وصعوبة العيش، وإمّا لأنهم تمكنوا من الهجرة إلى الخارج.

وتتوزع أحياء المخيم تبعاً لأسماء القرى التي ينحدر منها سكان هذه الأحياء، فهناك مثلاً حي المغاربة وصفورية وميرون وغالي ومصرية وزيدان والجش والوادي ...

ولا يقتصر الأمر فقط على توزع الأحياء بحسب القرى، بل أيضاً فإن أبناء العائلة الواحدة يحرصون على التجمع، فمثلاً نجد حي بيت ياسين ضمن حي صفورية، وحي آل كعوش ضمن حي ميرون، وحي بيت زيدان ضمن حي الطيرة، أي تجمع عائلات ضمن الأحياء السكنية. بصورة عامة، ترى السيدة أمينة صالح أن المخيم يشبه قرية صغيرة، كل الأهالي يعرفون بعضهم، يعني بعبارة أُخرى "أهلية بمحلية".

ولا يشذ المخيم الصغير عن أقرانه فيما يتعلق بعملية البناء، فالمنازل تتمدد بشكل عمودي نظراً إلى ضيق المساحة والحاجة إلى مزيد من البيوت بسبب الزيادة السكانية. فيرى الزائر أن عملية البناء تتم بطريقة عشوائية غير منظمة، لأنها تنفذ بحسب الحاجة والإمكانات، لا وفق تخطيط مسبق.

 

العمل

لا يختلف الوضع الاقتصادي في مخيم المية والمية عن غيره من المخيمات في لبنان، فهناك بطالة مرتفعة جداً، وخصوصاً في صفوف المتعلمين وخريجي الجامعات. والعمل المتاح أمام معظم أبناء المخيم هو العمل اليومي والموسمي في قطاعي البناء والزراعة، يضاف إليهم من استطاع الحصول على وظيفة في منطقة صيدا، وإن كان براتب زهيد. وهناك موظفو الأونروا، ومن يتلقى مساعدات مادية من الفصائل الفلسطينية أو من تحويلات المهاجرين في الخارج.

وتجدر الإشارة هنا إلى وجود بعض المحال التجارية الصغيرة في المخيم، لكنها بالكاد تفي بحاجة المخيم، لهذا فإن معظم حاجات المخيم تأتي من منطقة صيدا والجوار.

وتتحدث مصادر أهالي المخيم عن حالة اليأس التي تسود أوساط الشباب في المخيم، والذين يبحثون عن سبيل للهجرة، فيحاولون جمع المال اللازم للمغادرة عبر شبكات التهريب الناشطة. وقد ارتفع عدد الذين تمكنوا من المغادرة خلال السنوات الأخيرة، فلا يكاد يمر أسبوع من دون أن يغادر عدد من شباب المخيم بحثاً عن حياة أفضل.

 

الخدمات

لا شك في أن المخيم يعاني على صعيد الخدمات، وخصوصاً أن الاشتباكات الأخيرة التي وقعت في خريف سنة 2018، أدّت إلى أضرار كبيرة أصابت مرافق الخدمات من ماء وكهرباء وأبنية وبنى تحتية. وعلى الرغم من تقليص الأونروا لخدماتها، إلاّ إنها لا تزال تنفذ مشاريع بتمويل من الاتحاد الأوروبي، كمشروع ترميم المنازل المتصدعة، أو التي تعاني مشكلة النش، فيتم اختيار مجموعة من المنازل كل فترة لإجراء التصليحات اللازمة.

 

التعليم

لا يوجد في المخيم سوى مدرسة واحدة ابتدائية - متوسطة تابعة للأونروا هي مدرسة عسقلان، وتعمل بدوامين صباحاً وبعد الظهر. ولا يوجد مدرسة ثانوية لهذا يضطر الطلاب إلى الالتحاق بمدرسة عين الحلوة الثانوية أو مدارس صيدا. ويقتصر عدد رياض الأطفال على اثنتين: روضة الشهيدة هدى زيدان (تابعة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية) وروضة براعم الإيمان (تابعة لحركة "حماس").

 أمّا بالنسبة إلى النشاطات الأُخرى فهناك مركز للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وناديان رياضيان: القسطل والأقصى، وهناك ملعب صغير لكنه غير صالح لممارسة الرياضة. ولا يوجد مؤسسات أو جمعيات ناشطة داخل المخيم باستثناء واحدة افتتحت مؤخراً هي جمعية التضامن.

 

الصحة

هناك عيادة واحدة تابعة للأونروا تفتح ثلاثة أيام في الأسبوع فقط، ويتم تحويل الحالات المستجدة خلال الأيام الأُخرى إلى عيادة صيدا. بينما يقصد أهل المخيم مستشفى الهمشري التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية والقريب من المخيم، في الحالات الطارئة، وتلك التي تستدعي جراحة. كما يوجد في المخيم صيدليتان.

 

المياه

 ثمة بئران ارتوازيان وخزان للمياه يغذي المخيم تشرف عليه الأونروا، وقد تم حفر بئر منهما بمساهمة من الاتحاد الأوروبي . يُشار هنا إلى أن اللجنة الشعبية في المخيم عملت بالتنسيق مع الأونروا للتعويض عن الأضرار التي لحقت بخزانات المياه في المخيم جرّاء الأحداث الأمنية الأخيرة. وقد تم توزيع 215 خزان مياه بسعة 1000 ليتر على السكان.[2]

 

الكهرباء

التغذية بالتيار الكهربائي مؤمنة من الدولة اللبنانية بالإضافة إلى مولد يؤمن الكهرباء من خلال الاشتراك. وقد تم إصلاح شبكة الكهرباء التي تضررت إلى حد كبير خلال الأحداث الأخيرة، إذ إن محّول الكهرباء الرئيسي أصيب بصورة مباشرة.

***

يجاور مخيم المية ومية القرية التي يحمل اسمها ومعظم سكانها من المسيحيين. وتقول مصادر اللجنة الشعبية أن العلاقة مع أبناء البلدة كانت أفضل قبل الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، كما كانت أفضل قبل أن يسد الجيش اللبناني المنافذ ويقطع الطريق بين المخيم والبلدة. وعلى الرغم من ذلك فإن اللجنة الشعبية تنسق مع بلدية المية ومية ورئيسها لتنفيذ مشاريع تخص المخيم.

وبحسب أمين سر اللجان الشعبية في مخيمات لبنان، أبو إياد الشعلان، فإن اللجنة الشعبية في المخيم تنسق أيضاً مع الأونروا والمجلس النرويجي في عملية إحصاء المنازل المتضررة جرّاء الأحداث الأخيرة في المخيم تمهيداً لبدء عمليات الترميم. إلاّ إن التعويض سيقتصر فقط على المنازل، ولن يغطي المحال أو السيارات المتضررة.

***

لكن ماذا عن روايات أهل المخيم؟

تروي السيدة أمينة صالح قصتها مع المخيم: توفي والدها في الحرب الأهلية سنة 1976، وتهجرت مع عائلتها من منطقة النبعة شرقي بيروت إلى المية ومية، حيث كانت عمتها تقيم. وتضيف أن المخيم حينها كان عبارة عن مخيمين؛ التحتاني القريب من القرية؛ الفوقاني وهو المسكون حالياً، إذ بعد اجتياح سنة 1982، ثم معارك شرق صيدا، هُجّر أهالي المخيم التحتاني إلى الفوقاني.

أمّا هيام كعوش، وهي تنحدر من قرية ميرون التي احتلت سنة 1948، فتقول أنها ولدت في خيمة في مخيم المية والمية كغيرها من أبناء جيلها من الفلسطينيين، قبل أن تتحول الخيمة إلى بيت من الطين وسقف الزينكو، ثم إلى منزل حجري. وترى هيام أنه على الرغم من أن وجود أبناء المخيم أصبح مترسخاً يوماً بعد يوم، فإنهم يفكرون دائماً بفلسطين، لأنها أرضهم ووطنهم، فكيف يمكن نسيانها؟ وتضيف: "من يعلم، ربما نعود إليها يوماً ما، إن لم أكن أنا فقد يعود أولادنا أو أحفادناـ لقد ولدنا هنا، لكننا ننتمي إلى هناك، حقوقنا لن تضيع".[3]

ويروي والد هيام، أنهم وصلوا في البداية إلى مدينة بنت جبيل في الجنوب اللبناني القريبة من قريتهم في فلسطين، والتي تحولت إلى مستعمرة صهيونية، وهناك تم تزويدهم بالخيم والبطانيات على أساس أن إقامتهم ستكون موقتة ريثما يعودون إلى قراهم، لكن الأونروا نقلتهم بعد سنة إلى بلدة جويّا، مع وعد بالعودة إلى فلسطين خلال أشهر قليلة. ولا يزال أبناء المخيم ينتظرون تحقيق هذا الوعد! ويضيف: "لا يزال كثير منا يحتفظ بمفتاح منزله في فلسطين، وصحيح أن الصدأ يأكلها، لكنها تثبت أننا أصحاب الحق في أرضنا"، كثير من أبناء جيلي مات هنا في لبنان، لكن حلم العودة لن يموت أبداً."[4]

***

وعلى الرغم من صغر مساحته، وضيق طرقاته، فإن الأهالي يحرصون على إحياء المناسبات الوطنية، فهم ينفذون اعتصامات وإضرابات، كما يقيمون الاحتفالات سواء في أزقة المخيم أو في مدرسته.في المحصلة هو مخيم صغير هادئ يقبع على تلة جميلة، ما لم يعكر صفوه أحداث بين حين وآخر، فتتحول تلك البقعة الهادئة إلى نكبة جديدة بالنسبة إلى سكانه المغلوب على أمرهم.

 

 

إعداد: س. ح

[1]  انظر: موقع الأونروا الخاص بالمخيمات الفلسطينية: tiny.cc/misk5y

[2]  ريا أبو النعاج، تقرير "تحدي إعادة إعمار مخيم المية ومية .. هل بعد الانتظار انتظار أو إعادة إعمار"،

tiny.cc/xesk5y        

 [3]  Nadim Kawach, “The Palestinian Camp Keeps dream of home alive,” published, September 28, 2010.    

https://www.emirates247.com/lifestyle/living/tiny-palestinian-camp-keeps-dream-of-home-alive-2010-09-28-1.296458

 [4]  Ibid.