مراقبة التسلح والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط: منظور إيراني
كلمات مفتاحية: 
التسلح
الأمن الإقليمي
أسلحة الدمار الشامل
نزع السلاح
النزاع في الشرق الأوسط
نبذة مختصرة: 

يعالج المقال الموضوع تحت العناوين الفرعية التالية: تعريف المنطقة؛ مصادر النزاع؛ أسلحة الدمار الشامل؛ الأسلحة التقليدية؛ ما معنى مراقبة التسلح ونزع الأسلحة؛ ما هي المسائل الأساسية والهموم الرئيسية؛ كيف تعالج مسائل مراقبة التسلح ونزع السلاح.

النص الكامل: 

تعريف المنطقة

تعرّف المنطقة عادة بمدى تجانسها والاعتماد المتبادل فيها. وتوصف بأنها "دولة واحدة أو دولتان أو أكثر متقاربة ومتفاعلة جغرافياً، وتتقاسم بدرجة ما روابط إثنية، ولغوية، واجتماعية، وتاريخية مشتركة، ويتعاظم حسها بالهوية أحياناً بفعل أعمال ومواقف دول من خارج النظام."

هناك رأي آخر يركز على مشكلات متبادلة العلاقة كي يصف المنطقة والمنطقة الفرعية. فبالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، على سبيل المثال، فإن هوية مثل هذه المناطق الفرعية القائمة على أساس حالات النزاع، محددة بـِ:

1 -  المنطقة الفرعية العربية - الإسرائيلية؛

2 -  منطقة الخليج الفارسي الفرعية؛

3 -  المنطقة الفرعية المغاربية؛

4 -  منطقة الطرف الجنوبي الفرعية من شبه الجزيرة العربية؛

5 -  منطقة آسيا الوسطى الفرعية.

وبشأن مسألة الأمن ونزع السلاح ومراقبة التسلح، فإن تعريفات التهديد وترابط علاقات القوى تحدد لكل دولة حدود المنطقة. فبالنسبة إلى بعض الدول، تمتد المنطقة من الرباط إلى دكّا. وبالنسبة إلى إسرائيل فإنها تمتد من الرباط إلى طهران. وبالنسبة إلى إيران، فإن لآسيا الوسطى وتركيا وأفغانستان تأثيرات مباشرة في أمن ذلك البلد، وهي حقيقة ينبغي عدم تجاهلها في أية محادثات مجدية بشان مراقبة التسلح. وقد لا يكون مجدياً جداً لإيران أن تشترك في أي اتفاق نزع سلاح في الشرق الأوسط في حين تبقى جاراتها ذات القدرات النووية خارجه.

مصادر النزاع

إن منطقة الشرق الأوسط منطقة نزاعات متطاولة ذات جذور تاريخية غائرة وصدوع أيديولوجية واسعة. ويرقى بعض المشكلات المزمنة إلى الحقبة الكولونيالية، حين ساعدت دول كبرى في إنشاء دول ذات حدود مصطنعة فاسخة عادة التجانس الجغرافي للمنطقة. وأُقيمت الحدود بين الدول بقدر ضئيل أو بقدر معدوم من الصلات بالعوامل الديموغرافية أو الجغرافية أو بسائر العوامل التي تربط بين الأمم.

وهناك سبب آخر للنزاع في المنطقة هو دور القوى الخارجية. فللأسباب جيو - ستراتيجية واقتصادية، أقامت دول كبرى دوماً مصالح ضخمة في المنطقة لا تتوافق بالضرورة مع خير شعوب المنطقة وآمالها ورخائها. والحربان في الخليج الفارسي واختلاف موقف الدول الكبرى حيالهما مثالان واضحان لكيف أن مصالح الدول الكبرى، لا المبادئ، هي التي تشكل سلوك هذه الدول. فـ النقطة الدقيقة في مقاربتها السِّبْرانية* هي أن تكون [الدول] عدوة أو صديقة. وتقرَّر الأفعال وردات الأفعال إذ ذاك وفقاً لهذه المقاربة. وفي أوضاع كهذه، فإنه طبيعي تماماً أن تتجه دول المنطقة نحو سباق التسلح وأن تسعى للحصول على كل سلاح في وسعها الحصول عليه لمواجهة ما تراه تهديداً لأمنها.

أسلحة الدمار الشامل

إن أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية جزء متكامل من البنية الاستراتيجية لعالم ما بعد الحرب [العالمية الثانيةٍ]، يمتلكها الغرب والشرق. وخلال الأعوام الثلاثين الماضية، أنشأت عوامل مختلفة عدداً من الدول المسلحة بهذا الشكل أو ذاك من هذه الأسلحة. ومن الناحية النفسية، لا ترى الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية سبباً لعدم امتلاك الأسلحة ذاتها التي ترى دول أُخرى أنها ضرورية لأمنها. وقد قال حازم مشتاق، الذي سبق أن رأس دائرة الدراسات الاستراتيجية في العراق، "ما دام هناك أخطار مدرَكة وملموسة ومباشرة على أمننا القومي، فإننا سنكافح في سبيل الحصول على أي سلاح ضروري لمواجهة خصومنا."

والإدراك نفسه سائد في إسرائيل، وهو يذهب إلى أن امتلاك قوة نووية ذات صدقية أمر مركزي بالنسبة إلى الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي. لكن إسرائيل في الوقت عينه ضد أن تُعامَل في المجال النووي على قدم المساواة مع جيرانها العرب. "فمنذ أن اتضح لقادتها العسكريين، لأعوام عدة خلت، أن البلد بلغ حده من النمو الكمي في قواته العسكرية، ومنذ أن اقتنع القادة بعدم جدوى أي مجهود لمنافسة العرب في سباق تسلح تقليدي، قضت إسرائيل بأن توسيع نطاق سباق التسلح إلى مجال الأسلحة النووية كان متنافياً مع أمنها القومي." وعموماً، من الصعب أن تُمنع أسلحة عن دولة ما دامت تلك الأسلحة

أ  -  ليست محرَّمة قانوناً؛ و

ب -  تشكل جزءاً من الترسانات في دول أُخرى تتباهى بها.

وبصرف النظر عن من هي الدول التي تعتبر قوى نووية في الشرق الأوسط، فإن حقيقة أنها تعامَل على نحو انتقائي، وهي حقيقة بسيطة ومجردة، ستكون حافزاً قوياً لها كي تلجأ إلى وسائل فردية من أجل أن تخفف من حدة همومها الأمنية المدرَكة. وفي الواقع، إن في المنطقة إدراكاً مفاده أن الدول التي فضّلت البقاء خارج معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية قد استفادت أكثر من الدول التي التزمت هذه المعاهدة.

إن المشكلة الرئيسية في المنطقة هي أن اتفاقات نزع السلاح لا تنفّذ بالتساوي. فإسرائيل مثلاً، ليست طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ولا في معاهدة الأسلحة البيولوجية، وتطالب، على الرغم من ذلك، بوجوب امتثال الآخرين لهما. وبمعزل عن تجاهل تدابير متعلقة بنزع السلاح، لا يزال هناك معاملة تمييزية لأفرقاء المعاهدتين. وليس سراً أنه في الوقت الذي تلقى بعض الدول الدعم من قِبل قوى نووية كبرى كي يكتسب قدرة نووية، فإن دولاً أُخرى قُمعت بشدة لمجرد الاشتباه في أنها تمتلك إمكانات في هذا المضمار.

إن القدرات النووية لبعض الدول في المنطقة التي تضم آسيا الصغرى وشبه القارة الهندية تستلزم مقاربة متساوية وعادلة. فالدول كافة، ومن دون استثناء، يجب أن تنضم إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وأن تقبل جميع تدابير التفتيش الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية. والتذرع بمبررات معينة أو ربط هذه المبررات بأهداف لا يمكن تحقيقها سيجعلان أي تقدم ملموس في هذا المجال مستحيلاً تقريباً. فإذا كانت الأسلحة النووية تضمن أمن إسرائيل، فإن الكويت، هذه الدولة الصغيرة المحاطة بدول كبيرة، منها العراق الذي له مطامح إقليمية تشمل الإمارة كلها، لها جميع المبررات للسعي لـ "ردع" نووي. ويجدر تصور إجراءات عملية لتنفيذ قرار الأمم المتحدة الذي أعلن الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. إن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي بادرت إيران إلى طرحه سنة 1974 لإعلان المنطقة منطقة خالية من الأسلحة النووية، لا يزال ينتظر تنفيذه.

وثمة صنف آخر من أسلحة الدمار الشامل استخدم على نحو واسع في الماضي القريب ضد الجنود والمدنيين على السواء، هو الأسلحة الكيميائية. وقد كان قيام العراق باستخدام هذه الأسلحة مراراً خلال الحرب الإيرانية - العراقية (1980 - 1988) أحد الأسباب التي حثت المجتمع الدولي على اختتام المفاوضات في شأن اتفاق يحظر إنتاج هذه الأسلحة وتطويرها وتخزينها واستخدامها.

وقد أبرمت معاهدة الأسلحة الكيميائية أخيراً في أيلول/سبتمبر 1992 ثم أُرسلت إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر. وحينئذ أوصت الجمعية أعضاءها بتوقيع المعاهدة ثم بأن يصبحوا شركاء فيها. وفي 13 كانون الثاني/يناير 1993، بدئ توقيع المعاهدة في باريس. وبلغ عدد الدول الموقِّعة حتى الآن 157 دولة، ويتوقَّع أن تصبح نافذة المفعول سنة 1995 بعد أن تُودِع 65 دولة الجمعية العامة للأمم المتحدة وثائق المصادقة.

بيد أن هناك دولاً عربية في الشرق الأوسط امتنعت حتى الآن من توقيع المعاهدة. وكما تربط إسرائيل تقيدها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بسلام شامل في المنطقة ، فإن هذه الدول، ولا سيما مصر وسوريا، تربط توقيعها معاهدة الأسلحة الكيميائية بتقيّد إسرائيل بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

كما أن معاهدة الأسلحة البيولوجية لسنة 1972 لم يتقيد بها أي طرف إقليمي. فإسرائيل ومصر لم تصبحا حتى الآن طرفين في المعاهدة. ومصر تقول إنها لن توقع هذه المعاهدة ما دامت إسرائيل ليست طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ومعاهدة الأسلحة البيولوجية.        

الأسلحة التقليدية

إن أقل ما يقال في تدفق الأسلحة التقليدية إلى الشرق الأوسط هو أنه مرعب. والأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، الذين هم مسؤولون بصورة أساسية عن حفظ السلام والأمن الدوليين وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، تحولوا إلى تجار موت. فالسوق رقم 1 لهذه التجارة التي تدر 900 مليار دولار سنوياً هي المنطقة التي هي إحدى أكثر مناطق العالم تفجراً. وثمة في الولايات المتحدة حالياً نحو 400,000 وظيفة ذات صلة مباشرة بأعمال التسلح، وفي أوروبا 750,000 وظيفة.(1)

وقد جعل الموقف الانتقائي للدول المصدرة للأسلحة القضية أكثر تعقيداً وخطراً. فالدول الكبرى تضع معياراً لأمن الدول الإقليمية وتبيع أسلحتها وفقاً لهذا المعيار. ففي حين تُتهم إيران بالمغالاة في التسلح، فإن نظرة حيادية إلى الأرقام التالية تظهر أن الوضع عكس ذلك في الواقع.

في العامين الأخيرين من الحرب الإيرانية - العراقية (1987 - 1988)، توقف الرقم الإجمالي لواردات إيران من الأسلحة عند أقل من 1,5 مليار دولار. وفي المقابل كانت قيمة واردات العراق والعربية السعودية 8,2 مليارات و 5 مليارات على التوالي. وفي الأعوام الثلاثة التالية، اتسعت الفجوة بين إيران والدولتين الأُخريين أكثر فأكثر. فقيمة واردات إيران العسكرية لفترة 1989 - 1991 كانت 2,8 مليار دولار، في حين قفزت قيمة واردات العراق والعربية السعودية إلى 10,3 مليارات و 6,10 مليارات. وفي سنة 1992 انخفضت واردات إيران العسكرية إلى أقل من 850 مليون دولار. ومن قبيل التوضيح الإشارة إلى أن الإنفاق الإجمالي العسكري يشكل لدى إيران جزءاً فحسب من صفقة طائرات سعودية - أميركية واحدة تبلغ قيمتها 9 مليارات دولار.(2)

ما معنى مراقبة التسلح ونزح الأسلحة؟

يكون البناء العسكري إما حصيلة إدراكات انعدام الأمن وإما نتاج اندفاع نحو التفوق العسكري لتحقيق أهداف سياسية. في الحالة الأولى، يجدر توجيه السياسة نحو تخفيف الأسباب السياسية لانعدام الأمن. وهنا، في وسع اتفاقات مراقبة التسلح ونزع السلاح أن تساهم مساهمة عظيمة في الأمن الإقليمي. وفي الحالة الأُخرى، فإنه لن يُقنع القوة المسلَّحة بأنها لن تتمكن من تحقيق أهدافها إلا بإيجاد بناء عسكري نظير. ويجب أن يكون فرقاء أي اتفاق مراقبة تسلح ونزع سلاح مقتنعين بأن تنفيذ الاتفاق يعزز أمنهم. ومع ذلك، إن الهدف هو تعزيز أمن الدول عند أدنى مستوى من التسلح. وأي اتفاق قابل للحياة يجب أن يأخذ في حسبانه الخطوط الإرشادية العامة التالية:

  • المساواة في سيادة الدول: يتعين أن يُفهم هذا المبدأ بصورة رئيسية من منطلق المساواة في الحقوق والواجبات القانونية، وذلك بمعنى عدم وجود سلطة عليا والخضوع المباشر للقانون الدولي. وهذا الاتجاه يُترجَم، في مضمار مراقبة التسلح ونزع السلاح، إلى مبدأ "عدم التمييز"، باعتباره توازناً مقبولاً للمسؤوليات والواجبات المتبادلة بين الدول المعنية.
  • حكم القانون الدولي: إن أي اتفاق مراقبة تسلح أو اتفاق نزع السلاح يجب أن تحكمه مبادئ القانون الدولي. ومن المبادئ الأساسية التي تحكم وضع وتأدية التزامات قانونية، أياً يكن مصدرها، هو مبدأ النية الحسنة. ومع أن قياس النية الحسنة ليس بالعمل الهين، فإنها دوماً مفهومة أمراً ضمنياً في أي تعهد دولي. ويُطلب إلى الأفرقاء القيام بواجباتهم بنزاهة وإنصاف وعقلانية إزاء دول أُخرى مشاركة في أي اتفاق.
  • ميثاق الأمم المتحدة: إن أي اتفاق قابل للاستمرار ومعني بمراقبة التسلح ونزع السلاح يعتمد على قبول المبادئ المجسَّدة في ميثاق الأمم المتحدة. فعلى سبيل المثال، ليس للدول الأعضاء بموجب الميثاق حق في اللجوء إلى مفاهيم فاسدة من مثل "الدفاع الوقائي عن النفس" أو "الدفاع الاستباقي عن النفس". إذ إن هذه المفاهيم أعطت في الواقع ذريعة لعدد من الأعمال العدوانية في التاريخ المعاصر.

ما هي المسائل الأساسية والهموم الرئيسية

  • دور القوى الخارجية: للإيرانيين تجربة مُرة في تدخل قوى خارجية في الشؤون الإيرانية في القرن المنصرم. وقد تفاقم هذا الشعور بفعل الانقلاب الذي دبرته وكالة الاستخبارات الأميركية سنة 1953 بقيادة كِرْمِت روزفلت، والذي أعاد الشاه إلى السلطة، وبفعل الموقف غير الودي الذي اتخذه الغرب حيال ثورة 1979، وأكثر من أي شيء آخر دعْم الغرب للاجتياح العراقي لإيران سنة 1980. ولا تزال حيةً ذكريات تقبّل استخدام العراق للأسلحة الكيميائية، والهجومات الأميركية على البحرية الإيرانية ومنصات النفط، والتصرف الذي سلكه الغرب في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للحؤول دون تبنّي أي قرار يدين العدوان العراقي. إن أية مبادرة أو أي تحرك سياسي يجب أن يدرس على مثل هذه الخلفية من الشك الكبير تجاه الدخلاء.
  • الوجود العسكري لقوى أجنبية حول إيران: إن الوجود العسكري في الخليج الفارسي، والاتفاقات الأمنية مع الكويت، والقواعد العسكرية في تركيا وشمال العراق، كل ذلك مصادر للاهتمام والقلق. وينظر إلى معظم هذه التحركات كجزء من سياسة الاحتواء الموجهة ضد إيران في الوقت الذي يجري تجاهل الهموم الأمنية المشروعة لهذا البلد.
  • النزاعات المسلحة في دول مجاورة: إن الحضور القوي للمجتمعات الإثنية، كالأذريين، والأرمن، والأكراد، والأفغان، قد جعل إيران أشد قلقاً إزاء أي نزاع مسلح في دول مجاورة. ونتيجة لذلك، فإن إيران لا تنظر بعين الرضا إلى النزاعات التي تعصف الآن بكردستان العراق وتركيا، وتستمر بين أذربيجان وأرمينيا، وتستعر في أفغانستان.
  • سياسة تمييزية: إن تبني دول نووية هكذا سياسة انتشار انتقائي بدلاً من سياسة عدم انتشار يستمر في كونه هماً كبيراً لإيران. فالقادة الإيرانيون مُعرِضون عن قبول فكرة المعاملة غير المتساوية للدول والقائمة على مقاربة سِبْرانية، ويؤكدون أنهم يدفعون ثمن عدم كونهم في معسكر صديق لإحدى الدول العظمى وثمن اتباعهم سياسة خارجية مستقلة.
  • وجود أسلحة دمار شامل في جوار إيران بما فيه بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة
  • بناء غير مكبوح للأسلحة التقليدية في المنطقة.

كيف تعالج مسائل مراقبة التسلح ونزع السلاح؟

في أية مفاوضات بشأن مراقبة التسلح ونزع السلاح، ينبغي للمرء أن يقيم توازناً بين الهموم الأمنية المتباعدة للأطراف كافة. إذ إن أحد المقومات الواضحة لمفاوضات متعددة الطرف هو المصالح والاهتمامات المختلفة للمشاركين في المفاوضات. وكما أكدنا آنفاً، فإن الشرط المسبق لأي من هذه الاتفاقات هو اقتناع الأطراف بأن مثل هذه الإجراءات يعزز أمنهم ولا ينتقص منه. ومن هذه الناحية، يبدو ذا صلة بالموضوع أن يقسّم مثل هذه الإجراءات إلى فئتين متميزتين:

أولاً: تجريد الشرق الأوسط كلياً من أسلحة الدمار الشامل: فخلافاً لمراقبة التسلح، فإن نزع السلاح غير تمييزي ويجب أن يشمل دول المنطقة كلها بالتساوي. وخيار الصِّفْر مقبول أكثر، والتحقق منه أسهل دوماً من التحقق من اتفاق يسمح باقتناء كميات قليلة من مواد محدودة. وينبغي أن تكون دول الشرق الأوسط بأسره منضوية إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وأن تُخضِع هذه الدول منشآتها النووية لإجراءات التفتيش الكاملة التي تتولاها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي المقابل، يجدر بالقوى الخارجية أن تضمن الوضع غير النووي للمنطقة وأن تيسّر التعاون بين الدول الإقليمية في ميادين الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

إن على دول المنطقة كافة أن توقع معاهدة الأسلحة الكيميائية من دون تمييز وأن تصبح من ثم مشارِكةً في هذه المعاهدة. وفي المقابل، تقوم القوى الخارجية بإنهاء إجراءات عدم الانتشار التي اتخذتها من جانب واحد (مثل مجموعة أوستراليا) والتي كان لوجودها معنى في غياب المعاهدة. ومن شأن مقاربة التعاون هذه أن تقضي على شبح هجوم آخر بالأسلحة النووية في الشرق الأوسط وأن تؤمِّن واسطة لتجارة وتبادل موسعين في مجال المواد الكيميائية لأغراض سلمية.

ويتعين على دول المنطقة كافة أن تصبح منضوية إلى المعاهدة البيولوجية لسنة 1972.

ثانياً: إجراءات مراقبة التسلح على مستويات المناطق الفرعية: لما كانت إجراءات مراقبة التسلح أكثر تعقيداً من إجراءات نزع السلاح، فإن في الإمكان أن تبدأ الجهود في المسألة الأولى على مستويات المناطق الفرعية، ويمكنها عندما يحين الأوان أن تصبح مدمجة في إطار أوسع. ومثل هذه الاتفاقات يلامس مصالح الدول الأمنية الأساسية بالذات، ومن ثم ينبغي أن تكون الحقوق والواجبات التي تأخذها الدول المشاركة على عاتقها واضحة ودقيقة وبسيطة. وعلى الدول المشاركة أن تلم على نحو واضح بالوجبات الملقاة على كواهلها وبالحقوق المكتسبة كي تكون قادرة على تلبية حاجاتها الأمنية، والتوفيق بين أواليات التنفيذ الوطنية، ومنع أطراف أُخرى من أي استخدام تعسفي لأحكام الاتفاقات.

وبالنسبة إلى إيران، فإن الأمن الإقليمي في الخليج الفارسي يجب أن يقام على "تعاون بين دول المنطقة في مجالات ذات مصالح مشتركة من جهة، وعلى بناء ثقة في مجالي القلق وانعدام الثقة التاريخيين من جهة أُخرى."(3)

ويمكن للإجراءات المراد بها بناء الثقة والتوصل إلى اتفاق مراقبة تسلّح أن تشتمل على: 

  • التشجيع على فتح حوار أمني جديد في الخليج الفارسين يؤدي ربما في المستقبل إلى منبر ممأسس مثل "مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي" الذي كان وليد مؤتمر هلسنكي في السبعينات. وقد بدأ الرئيس رفسنجاني يتكلم في إثر عودته من آسيا الوسطى على ترتيبات إقليمية لأمن آسيا. وفي أوائل سنة 1994، طوَّر وزير الخارجية على أكبر ولايتي الفكرة على نحو طفيف؛ فعقب لقاءاته مع مسؤولين من الصين وروسيا والهند وباكستان في آذار/مارس، اقترح إقامة قوة أمنية إقليمية لآسيا قادرة على المساعدة في حل ومنع النزاعات بين الدول في المنطقة.(4) ووسَّع نائب وزير الخارجية، جواد زريف، الفكرة في نيسان/أبريل، فدعا إلى إقامة منبر لمناقشة المسائل الأمنية والتصورات بشأن التهديدات والعقائد العسكرية، وإلى ترتيب إجراءات بناء الثقة. وأكد أن على جميع الدول في الخليج الفارسي أن تصبح معنية بذلك؛(5)   وسيكون أي استثناء ذا نتائج معاكسة. ومن الضروري أن يتضمن هذا المنبر دول مجلس التعاون الخليجي، وإيران، وتركيا، واليمن، والعراق، وباكستان. ويمكن تصور اشتراك منظمة المؤتمر الإسلامي، كما يمكن تصور اشتراك روسيا والصين والولايات المتحدة في مراحل لاحقة ربما.
  • تأسيس عملية يمكنها أن تشجع، على نطاق الخليج الفارسي، مناقشة أعمال منسقة للحد من اقتناء الأسلحة، وانتشار القوات، وتدابير بناء الثقة، ومستقبل العراق، وقوات حفظ السلام. وسيهدف مثل هذه العملية، بين أمور أُخرى، إلى:

أ – تطوير طرق وأساليب لتعزيز الشفافية في التسلح، ومن ذلك تقديم معطيات بشأن المقتنيات العسكرية دورياً وبصورة متزامنة.       

ب - التفاوض لخفض الإنفاق الدفاعي، وتقليص المشتريات من الأسلحة، وتكريس العوائد الموفَّرة لتنمية المنطقة، وتضييق الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة؛

ج - الاتفاق على وضع حد لنقل الأسلحة إلى المنطقة. ففي وسع الفرقاء التفاوض في شأن التوصل إلى تحديد سقف للمشتريات من الأسلحة. وسيعكس ذلك وزن كل دولة النسبي وحاجاتها. أياً تكن المقاربة، سواء بوضع حدود للموازنات (النفقات) أو لعمليات نقل الأسلحة أو لأنظمة أسلحة معينة، فإن الهدف سيكون إنهاء مصادر التوتر؛

د - التعاون على تحويل بعض منشآت الإنتاج العسكري إلى منشآت مدنية؛

هـ - الإشعار في وقت مبكر بشأن تحركات ومناورات عسكرية تشارك فيها أكثر من فرقة واحدة؛

و - الإشعار والتفسير المسبقان بشأن مشتريات من أسلحة وأنظمة أسلحة مشمولة في سجل التسلح الخاص بالأمم المتحدة؛

ز -  إزالة الأسلحة التي تعتبر أسلحة هجومية عن المواقع القريبة من الحدود وإعادة نشرها في الداخل.

ح -  القيام بزيارات منتظمة ودورية إلى قواعد عسكرية، ولا سيما القواعد الجوية القريبة من الحدود.

لا شك في أن تدابير كهذه يجب أن تتمَّم بموقف مسؤول من جانب الدول الكبرى، التي ينبغي لها احترام مثل هذه التدابير وممارسة ضبط النفس في تصديرها جميع أنواع أنظمة الأسلحة إلى دول المنطقة. وعليها أيضاً أن تحترم تنفيذ هذه التدابير وأن تضمنه.

 

المصادر:

* السِّبْرانية (Cybermetics) هي التفاعل المتبادل بين وسائل التحكم الأتوماتية والكائنات الحية. (المترجم)

(1) John Ralston Saul, “Arms Addiction: How the West Got Hooked on Exporting Weapons.” The Washington Post, February 6, 1994.                                                                                                                                                                

(2) كلمة لنائب وزير خارجية جمهورية إيران الإسلامية، جواد زريف، في مؤتمر يونيدير (مؤسسة أبحاث نزع السلاح التابعة للأمم المتحدة ـ UNIDIR) الدولي بشأن الاعتبارات الأمنية والاقتصادية لنقل الأسلحة والتقانة، جنيف، 15 شباط/فبراير 1994.

(3) تصريح لنائب وزير الخارجية الإيراني، مصدر سبق ذكره.

(4) "مقابلة مع وزير الخارجية ولايتي"، "الوسط"، 14 ـ 20 آذار/مارس 1994، ص 22 ـ 24.

(5) "وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية" (إرنا)، 20 نيسان/أبريل 1994.

السيرة الشخصية: 

حسن مشهدي: رئيس فرع العلاقات الحكومية للجنة التحضيرية لمنظمة حظر أسلحة الكيميائية في لاهاي. وكان سابقاً مستشاراً مسؤولاً عن شؤون نزع السلاح في البعثة الدائمة لجمهورية إيران الإسلامية في جنيف، سويسرا.