تشكُّل الكيانية الفلسطينية
نبذة مختصرة: 

تُعتبر قضية تشكُّل الكيانية الفلسطينية من القضايا الحاضرة والمركزية، ذلك بأن قراءة الماضي تُعدّ ضرورة لفهم الحاضر، وهذه الأهمية تزداد عندما يكون تشكيل تلك الكيانية مرتبطاً بحقبة زمنية لا تزال آثارها تظلل الحاضر. وتعود أهمية دراسة نشأة الكيانية الفلسطينية إلى حساسية المرحلة التي بدأت تتبلور فيها، إذ جاءت في فترة انتهت خلالها سيطرة الإمبراطورية العثمانية، وبدأت حقبة السيطرة البريطانية، في ظل بروز وتمدد الخطر الصهيوني الذي كان ظاهراً للفلسطينيين في حينه.

النص الكامل: 

المقدمة

تعتمد فكرة الكيانية التي تقوم هذه الورقة بدراستها على أساس تتبّع نشأة المؤسسات الممثلة للشعب الفلسطيني في مرحلتَي الإمبراطورية العثمانية والاحتلال البريطاني لفلسطين، وتحليل دور القيادات الفلسطينية في إطار تلك المؤسسات. وتفترض الدراسة أن بريطانيا سعت منذ البداية، وبشكل ممنهج ومدرك، لعرقلة ظهور كيانية فلسطينية راسخة وقادرة على تمثيل الفلسطينيين وإبراز هويتهم اللازمة، والتصدي للمؤامرة البريطانية لتعزير قدرات اليهود في فلسطين.

وعلى الرغم من أهمية الحقبة التي تقوم هذه الورقة بدراستها، لأنها تتبع ظهور الكيانية الفلسطينية وتبلورها، فإن من الواضح أن ذلك التبلور تأثر سلباً بالظروف التي صاحبت هذه النشأة، وعلى رأسها سياسات الانتداب البريطاني، الأمر الذي شوه ملامح هذه الكيانية، فضلاً عن سوء أداء النخب الفلسطينية في مواجهة المخاطر التي تعرضت لها فلسطين في تلك الفترة. وتحاول هذه الدراسة الإجابة عن سؤال رئيسي وهو: إلى أي مدى ساهمت سياسات الانتداب البريطاني في بروز كيانية فلسطينية هشة، وفي إضعاف دور المؤسسات الناشئة في تلك الفترة، والقيادة الممثلة لها والمفترض أن تقود مقاومة الاستعمار وتحقيق الاستقلال؟ وتركز الدراسة على بحث وتحليل عدد من القضايا للتحقق من الفرضية، وللإجابة عن عدد من الأسئلة الرئيسية، مثل: ما هي إرهاصات تشكل الكيانية الفلسطينية خلال فترة الدراسة الممتدة ما بين سنتَي 1917 و1947؟ كيف كانت سياسات السلطات البريطانية في فلسطين تجاه الفلسطينيين واليهود خلال فترتَي الاحتلال والانتداب البريطاني؟ ما هي الأخطاء التي وقعت فيها قيادة الحركة الوطنية في مواجهة السياسات البريطانية؟ ما هي العوامل التي ساعدت الحركة الصهيونية على تحقيق أهدافها في فلسطين؟ 

I - ولادة التمثيل الفلسطيني

بدأ الفلسطينيون في نهاية عهد الدولة العثمانية البحث عن كيان مستقل يعكس تمايزهم الوطني، بعيداً عن التبعية للعثمانيين والارتباط بالمناطق العربية الأُخرى، فتبلورت حالة فكرية سياسية فلسطينية مستقلة عن تلك التي سادت في الولايات السورية الأُخرى، والتي كانت تخضع أيضاً لسيطرة الدولة العثمانية. وشكّل الخطر الصهيوني الذي بدأ يهدد فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، عاملاً رئيسياً في بلورة تلك الحالة التي اتضحت معالمها بعد تزايد الهجرات الصهيونية إلى البلد بشكل لافت، بالتزامن مع سيطرة حزب الاتحاد والترقي[1] على مقاليد السلطة في الدولة العثمانية في إبان نهاية عهدها.

ويتضح ذلك التوجه فيما كتبه راغب الخالدي، أحد أعيان القدس، في "جريدة فلسطين" في نهاية عهد الإمبراطورية العثمانية: "أنتم بني وطني لا تقاسون بأهالي دمشق، إن دمشق لم يزاحم أهلها أجنبي حتى الآن"،[2] كما يظهر ذلك في دعوة نجيب نصار، رئيس تحرير جريدة "الكرمل"، إلى عقد مؤتمر في فلسطين للبحث في تنظيم جامعة عربية فلسطينية تعمل للحفاظ على البلد من الهجمة الصهيونية.[3] وجاء تأسيس جريدة "الكرمل" في حيفا في سنة 1908 بهدف فضح الحركة الصهيونية وكشف أخطارها، ثم امتدت تلك الحملة واتسعت في صحف فلسطينية أُخرى. وكان نجيب نصار أول مَن كتب ضد الصهيونية وتمددها في فلسطين.[4]

وما بين برقيات الاحتجاج وعرائض الاستنكار وإرسال الوفود إلى القيادة العثمانية، والمساعي لسنّ تشريعات تحدّ من الهجرة اليهودية وبيع الأراضي لهم، والتظاهر الشعبي وعمليات الإغارة والاعتداء على يهود المستعمرات، تعددت فاعليات الرفض والاستنكار الفلسطيني للتوسع اليهودي في فلسطين في تلك الفترة، وأُنشئت منظمات فلسطينية محلية للحيلولة دون بيع الأراضي لليهود. وإلى جانب هذا، تزايدت حملات نشر الوعي القومي في مختلف أنحاء البلد، فأقيمت في سبيل ذلك المعاهد، ومنها معهد الدستورية والروضة، كما تزايدت أعداد جمعيات مكافحة الحركة الصهيونية، مثل "جمعية مكافحة صهيون" في نابلس التي أُنشئت في سنة 1913، و"الجمعية الخيرية الإسلامية" التي تأسست في العام التالي في القدس. وقوبلت هذه الفاعليات بالقمع من طرف الإدارة التركية في عهد حزب الاتحاد والترقي، فأُغلق عدد من الصحف والمؤسسات، واعتُقل الناشطون، وقُمعت الاحتجاجات.

انعكس توجه الفلسطينيين في البحث عن كيان في ظهور الجمعيات الإسلامية والمسيحية في المدن الفلسطينية الكبرى في مطلع سنة 1918، كشكل من أشكال تجسيد الكيانية العربية الفلسطينية، وقد جاء ذلك في أعقاب إعلان بلفور في سنة 1917، واحتلال بريطانيا لفلسطين كلها (1918)، في نهاية الحرب العالمية الأولى. وبلور الفلسطينيون ذلك التوجه بتشكيل الكيانية الفلسطينية عبر توحيد تلك الجمعيات في مؤسسة واحدة تحمل برنامجاً وطنياً موحداً، وتتحدث باسم الفلسطينيين جميعاً.

دعت الجمعيات الفلسطينية إلى عقد "المؤتمر الفلسطيني الأول" في مطلع سنة 1919، بعد أن عقدت الحركة الصهيونية مؤتمراً لها في مدينة يافا في نهاية العام السابق.[5] وتولى "المؤتمر الفلسطيني"، ممثلاً في "لجنته التنفيذية" بقيادة رئيسها موسى كاظم الحسيني، قيادةَ الحركة الوطنية بعد الحرب العالمية الأولى، وهذه اللجنة ظلت قائمة وقائدة للحركة الوطنية،[6] إلى أن توفي رئيسها في سنة 1934. بعد ذلك، تولت "اللجنة العربية العليا"، برئاسة أمين الحسيني مهمة قيادة الحركة الوطنية التي أُنشئت بعد قيام الثورة العربية الكبرى في شباط / فبراير 1936، وبقيت ممثلة عن الفلسطينيين حتى حلّت مكانها "الهيئة الوطنية العليا" برئاسة أمين الحسيني أيضاً، كامتداد لها بعد نحو عقد من الزمان من تأسيسها.

عقد الفلسطينيون سبعة مؤتمرات ما بين سنتَي 1919 و1928، وحددوا في المؤتمر الأول مبادىء الحركة الوطنية في ميثاق قومي رفض إعلان بلفور والهجرة الصهيونية إلى فلسطين والانتداب البريطاني، وطالب بالاستقلال التام ضمن الوحدة العربية. وانتخب الفلسطينيون "اللجنة التنفيذية العربية" في المؤتمر الثالث في نهاية سنة 1920، واعتمد المؤتمر موسى الحسيني رئيساً له وللجنة التنفيذية ولجميع المؤتمرات الوطنية، وبقي رئيساً للجنة حتى وفاته. وطالب المؤتمر الثالث بتأليف حكومة تمثيلية وطنية مستقلة، من دون ذكر الوحدة مع سورية، في إشارة إلى اتخاذ المؤتمر طريقاً منفصلاً عن طريق الحركة القومية العربية.

بدأ وهج حماسة المؤتمرات وثوريتها يخفت مع عقد المؤتمر الرابع في القدس في منتصف سنة 1921، وذلك في ظل تصاعد حدة صراع القيادات العائلية في تلك الفترة. وجاءت توصيات المؤتمر السابع في سنة 1928، آخر تلك المؤتمرات، لتحمل تراجعاً وطنياً واضحاً مقارنة بمخرجات المؤتمرات التي سبقته، إذ بينما رفضت توصيات المؤتمر السادس الانتداب وطالبت بالاستقلال، فإن توصيات المؤتمر السابع اكتفت بالمطالبة بمجلس تمثيلي. وكانت إدارة الاستعمار البريطاني تصرّ على تأسيس ذلك المجلس التمثيلي الذي يعترف صراحة بالانتداب ووعد بلفور، بينما كان اليهود يرفضون المشاركة في أي مجلس من هذا النوع لعدم امتلاكهم الأغلبية في البلد.[7]

تبنّت القيادات العائلية في فلسطين، والتي مثلت الحركة الوطنية، من خلال المؤتمرات السبعة ولجنتها التنفيذية، سياسةَ محاربة الحركة الصهيونية والتصدي للاستيطان اليهودي في البلد، وتجنّب معاداة بريطانيا، وذلك طوال عشرينيات القرن الماضي. ولجأ رموز الحركة الوطنية، خلال تلك الفترة، إلى اعتماد سياسة مهادنة الاحتلال البريطاني،[8] والتي قامت على أساس التفاهمات واعتماد السبل الدبلوماسية لتوصيل رسائلها ومواقفها السياسية. وكانت تلك القيادات قد تحالفت مع بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها، وذلك بهدف التخلص من الحكم العثماني، الأمر الذي يفسر طبيعة علاقتها مع الاستعمار البريطاني بعد ذلك، فضلاً عن اعتقاد تلك القيادة عدم نيّة بريطانيا البقاء طويلاً في فلسطين، وصعوبة مواجهة دولة عظمى منتصرة في الحرب.[9]

اعتمدت القيادة الوطنية في فلسطين السبل الدبلوماسية في التعامل مع إدارة الاستعمار البريطاني، امتداداً للسياسة نفسها التي اعتمدتها القيادة الفلسطينية مع السلطات العثمانية، والتي تميزت ببعث البرقيات والاحتجاجات وعرائض الاستنكار وإرسال الوفود، وهي أمور عكست مواقفها الرافضة للهجرة اليهودية وبيع الأراضي لهم، والراغبة في سنّ تشريعات لمصلحة سكان البلد. وراجت خلال عهد الاستعمار البريطاني ما بين سنتَي 1919 و1948 دبلوماسية الوفود والمذكرات. وتميزت تلك الحقبة بتشكيل الوفود الممثلة للقيادة الفلسطينية، والتي تحدثت باسم الشعب الفلسطيني، وشاركت في لجان التحقيق والمؤسسات البريطانية الرسمية والمؤتمرات الدولية، فساهمت ولادة الحركة الوطنية الفلسطينية في إظهار العمل الدبلوماسي الفلسطيني.

لجأت "اللجنة التنفيذية" إلى ممارسة أساليب النضال السلمي، وتراوحت تلك الأساليب ما بين رفع مذكرات الاحتجاج وتقديم العرائض المكتوبة والاحتجاجات الشفوية وإقامة المؤتمرات الوطنية، والإضراب والتظاهر السلمي، بعد الحصول على تصريح من حكومة الاحتلال أو الانتداب،[10] وصولاً إلى المقاطعة. ونجحت تلك القيادة في التصدي لبعض المحاولات التي جاءت من طرف إدارة الانتداب البريطاني لفرض إرادتها على أهل البلد. فقد قاوم الفلسطينيون، على سبيل المثال، مساعي ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، لفرض مسودة دستور لفلسطين في 22 شباط / فبراير 1922، والتي نصت في بندها الثالث على تشكيل مجلس تشريعي يعترف بالانتداب ووعد بلفور.[11] وعلى الرغم من إصدار سلطات الانتداب البريطاني بعد ذلك دستور فلسطين في تشرين الأول / أكتوبر من السنة نفسها (1922)، والذي خُصص الفصل الثالث منه لإجراءات تشكيل مجلس تشريعي يتألف من المندوب السامي رئيساً وعشرة أعضاء معينين من الموظفين واثنَي عشر عضواً منتخباً، فإن سلطات الانتداب أعلنت بعد ذلك فشل إجراء تلك الانتخابات، نتيجة الرفض الفلسطيني.[12]

لجأ الفلسطينيون إلى استخدام سلاح المقاطعة السياسية، بعد أن حاولت حكومة الانتداب إجراء انتخابات، ما بين شباط / فبراير وآذار / مارس 1923، تنفيذاً لما نصّ عليه الدستور الذي أصدرته. فدعت "اللجنة التنفيذية" إلى مقاطعة الانتخابات، وقاطعها الشعب الفلسطيني، ولم يشارك فيها سوى 16% فقط من مسلمي فلسطين ومسيحيّيها.[13] وبعد فشل إجراء الانتخابات، عملت سلطات الانتداب على تشكيل مجلس استشاري، في وقت لاحق من تلك السنة (1923)، مكون من أعضاء بالتعيين وليس بالانتخاب، إلّا إن "المؤتمر العربي الفلسطيني" هدد بطرد كل مَن يقبل بعضوية المجلس الاستشاري. وبعد أن قبل اثنا عشر فلسطينياً عضوية ذلك المجلس، استقال عشرة منهم بعد حملة تشهير شُنت ضدهم،[14] ففشلت محاولات الانتداب فرض المجلس الاستشاري على الفلسطينيين أيضاً.

لم تؤدّ القيادات الوطنية في تلك المرحلة دوراً محورياً في مقاومة الاستعمار أو الانتداب البريطاني من بعده، وإنما تفوقت الحركة الشعبية الوطنية على قيادتها في فلسطين في تأجيج المقاومة السلمية، فجاءت أغلبية الثورات والاحتجاجات بمبادرات شعبية وكردات فعل على سياسات الاستعمار وممارساته. ومع أن القيادة الوطنية عملت على إخماد تلك الثورات أحياناً، إلّا إنه غمرتها في أحيان أُخرى، موجة مشاعر الغضب الجماهيري تجاه الحركة الصهيونية واليهود، مع تشديدها على أن يكون النضال ضد اليهود بالوسائل المشروعة.[15]

تعمدت قيادة الحركة الوطنية عامة احتواء المواجهات الشعبية ضد الاستعمار البريطاني، وعدم مواجهة السلطات البريطانية، ووُصف موقف القيادات الوطنية، على سبيل المثال، تجاه انتفاضتَي القدس ويافا خلال سنتَي 1920 و1921 بالسعي نحو التهدئة.[16] واضطرت "اللجنة التنفيذية" إلى الدعوة إلى إضراب شامل في رسالة احتجاجية في سنة 1925، وذلك بعد ضغط شعبي شديد، رداً على نية بلفور افتتاح الجامعة العبرية. وتضمنت دعوة أمين الحسيني في أعقاب أحداث البُراق في بيان صدر في 24 آب / أغسطس 1929 "الإخلادَ للسكينة والهدوء رغبة في حقن الدماء وصيانة الأنفس."[17] 

II - ثورة البُراق والتحول في توجهات

قيادة الحركة الوطنية

اعتُبرت ثورة البُراق نقطة تحول مهمة في توجهات قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، وذلك بعد أن قررت مقاومة بريطانيا والصهيونية معاً. فقد بدأ الفلسطينيون في أعقاب ثورة البُراق يوجهون جل غضبهم ضد الوجود البريطاني ورموزه في فلسطين، وباتت أهداف المقاومة الفلسطينية لا تميز بين الوجود البريطاني أو الصهيوني. واعتبر حمدي الحسيني، رئيس تحرير "جريدة الدفاع"، ورئيس جمعية الشبان المسلمين في غزة، في مقالة له بعنوان "بين عهدَين" أن ثورة البُراق فصلت بين عهدين، عهد عُرف بـ "مهادنة" قيادة الحركة الوطنية للانتداب البريطاني، وآخر تميز بـ "محاربة" تلك القيادة للانتداب.[18] وجاء ذلك التحول في توجهات الحركة الوطنية متدرجاً على مرحلتين، كانت الأولى في عهد "اللجنة التنفيذية"، في أعقاب ثورة البُراق في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، بينما جاءت الثانية في عهد "اللجنة العربية العليا" التي تشكلت مع قيام الثورة العربية الكبرى في سنة 1936. 

1) مرحلة التحول الأولى: في عهد اللجنة التنفيذية

من السهل تتبّع التحول الذي لحق بتوجهات الحركة الوطنية بقيادة "اللجنة التنفيذية" في أعقاب انفجار ثورة البُراق في سنة 1929، وظهرت إرهاصات ذلك التحول من خلال رسالة وجهتها "اللجنة التنفيذية" إلى لجنة "شو" (Shaw)، في أعقاب تلك الثورة، أكدت ضرورة وضع العلاقات الفلسطينية - البريطانية على أساس احترام مصالح الفلسطينيين أصحاب البلد الحقيقيين واستعادة حريتهم،[19] في لغة أكثر جرأة ومواجهة مع سلطات الانتداب من طرف "اللجنة التنفيذية". كما يمكن رصد ذلك التحول أيضاً في التغير الذي طرأ على أجندة مؤتمر الشباب الذي ضم مجموعة من القيادات الشابة التي اعتُبرت الامتداد اليافع لقيادة الحركة الوطنية وتركيبتها، إلّا إنها اختلفت عنها في رفض الانخراط في الصراعات العائلية بين قيادات الحركة الوطنية التقليدية، والتي تجسدت بالتنافس بين حزب المجلسيين وحزب المعارضين، والذي ميز تلك الحقبة، فكانت مجموعة الشباب أكثر تماسكاً وتفاهماً فيما بينها من تلك القيادات، ومثلت تيار الاستقلاليين الرافضين الانضمام إلى أي طرف على حساب الطرف الآخر.

ويتضح التحول في توجهات الحركة الوطنية في ذلك الوقت من خلال مقارنة بسيطة بين توصيات مؤتمر الشباب الأول الذي عُقد في 12 آب / أغسطس 1929، أي قبل انفجار ثورة البُراق، وبين توصيات مؤتمر الشباب الثاني الذي اجتمع بعد عامَين من المؤتمر الأول. فقد دعت توصيات المؤتمر الأول إلى إلغاء وعد بلفور وإيقاف الهجرة اليهودية وتوفير حياة نيابية، بينما شددت توصيات المؤتمر الثاني الذي التأم بحضور واسع جمع نحو 1000 مندوب من جميع أنحاء فلسطين، على رفض أي تفاهم مع الحكومة البريطانية لا يقوم على أساس المطالبة بالاستقلال ضمن الوحدة العربية.[20] وأصبح حمدي الحسيني متحدثاً باسم المؤتمر منذ سنة 1931، وهو من الرواد المنادين بمحاربة الاستعمار البريطاني، ومن صقور المعارضين لسياسة مهادنة بريطانيا. وشهد مطلع العام التالي عقد مؤتمر للشباب في يافا للنظر في تجنيد الشباب لخدمة الحركة الوطنية.[21]

وشهدت ثلاثينيات القرن الماضي ثلاثة تطورات جوهرية على مسار الحركة الوطنية، تمثل الأول في تطور توجه قيادة الحركة الوطنية نحو محاربة البريطانيين إلى جانب التصدي لتمدد اليهود في فلسطين، وبرز التطور الثاني في إطار إحياء الحركة الثورية لمقاومة الانتداب البريطاني إلى جانب الحركة الصهيونية، وجاء التطور الثالث بسبب انتعاش الحياة الحزبية الفلسطينية. 

أ - التطور الأول: قيادة الحركة الوطنية

ربما يكون السبب المهم الذي دعم توجه قيادة الحركة الوطنية نحو معاداة سلطات الانتداب البريطاني بعد سنة 1930، هو تراجع الحكومة البريطانية في تلك السنة (1930) عن الكتاب الأبيض الثالث الذي أصدرته على خلفية أحداث ثورة البُراق، وكانت قد وضعته لمصلحة الفلسطينيين، بهدف امتصاص غضبهم، بعد شدة القمع والعنف الذي ارتكبته سلطاتها في حقّهم في أعقاب تلك الثورة. كما كان من الصعب على قيادة الحركة الوطنية الوقوف في وجه الغضب الجماهيري الواسع على السلطات البريطانية بعد قمعها الثورة وتراجعها عن الكتاب الأبيض بعد ذلك.

في سنة 1933، عمّت تظاهرات عنيفة جميع أنحاء فلسطين، وكانت موجهة ضد سلطة الانتداب، وذلك في تطور نوعي، ممهدة الطريق نحو الثورة التي بدأت إرهاصاتها بالدعوة إلى اجتماع شعبي في مقر "اللجنة التنفيذية" في 26 شباط / فبراير من تلك السنة (1933)، رداً على تصاعد موجات هجرة اليهود وتسريب الأراضي لهم. وتوصل المشاركون في ذلك الاجتماع إلى ضرورة مقاومة الانتداب بجميع الطرق المشروعة، والعمل على مقاطعة البضائع اليهودية والبريطانية، بعد أن كان الفلسطينيون يقاطعون البضائع اليهودية فقط. وأكد المشاركون أيضاً عدم التعاون مع حكومة الانتداب، من خلال التمرد ضد دفع الضرائب، ومقاطعة الاحتفالات الرسمية التي تدعو إليها سلطات الانتداب أو الحكومة البريطانية، وعدم المشاركة في اللجان التي تشكلها، كما جرى بحث مدى إمكان تنفيذ عصيان مدني.[22]

جاءت الدعوة إلى الإضراب من طرف "اللجنة التنفيذية" في 8 تشرين الأول / أكتوبر من السنة نفسها (1933)، بعد تجاهل إدارة الانتداب النظر في مطالب اللجنة المتعلقة بوقف الهجرة اليهودية إلى البلد، فخرجت التظاهرات من دون إذن من سلطة الانتداب، وهددت "اللجنة التنفيذية" بمقاطعة السلطات البريطانية.[23] وجاءت أولى تلك التظاهرات في القدس، بمشاركة قيادة الحركة الوطنية، وقد ردت عليها القوات البريطانية بعنف، وأصابت المتظاهرين بجروح. وانطلقت التظاهرة اللاحقة من يافا في الشهر التالي، وقوبلت بعنف أشد من طرف القوات البريطانية، وكان بين المصابين موسى كاظم الحسيني رئيس "اللجنة التنفيذية"، الأمر الذي حفز انتشار التظاهرات في جميع أرجاء البلد، وإعلان الإضراب.[24] وعلى الرغم من هذه التطورات، فإن "اللجنة التنفيذية" لم تقطع قنوات الاتصال والتفاوض مع سلطات الانتداب بشكل كامل، وهو ما يفسر دعواتها بين الحين والآخر للجماهير الغاضبة إلى حقن الدماء والتراجع عن الإضراب، وعدم إقدامها على أي خطوات نحو تفعيل العمل بالعصيان المدني، وجاء قرار اللجنة التنفيذية العربية موقّعاً من رئيسها موسى كاظم الحسيني في 3 تشرين الثاني / نوفمبر 1933 بوقف التظاهر والإضراب حتى إشعار آخر.[25] 

ب - التطور الثاني: إحياء الحركة الثورية

انتشرت العمليات الثورية المسلحة في معظم أرجاء فلسطين،[26] كإحدى النتائج المهمة لثورة البُراق، وكانت مجموعة "الكف الأخضر" أولى المجموعات الثورية التي ظهرت في البلد بعد الثورة، وقد وضعت اليهود والقوات البريطانية أهدافاً لعملياتها. وأسس المجموعةَ الثوارُ الذين تمكنوا من الفرار من قبضة سلطات الانتداب بعد مشاركتهم في الثورة، وتركز نشاطها في شمال فلسطين، ونشطت بصورة خاصة ما بين تشرين الأول / أكتوبر وكانون الأول / ديسمبر من عام الثورة. ولم تتبنّ قيادة الحركة الوطنية العمليات الثورية المسلحة[27] التي عُمل بها بشكل محدود في تلك الفترة، الأمر الذي يفسر عدم تحولها إلى تمرد واسع،[28] وخصوصاً في ظل تعرّضها لحملات عسكرية عنيفة من طرف سلطات الانتداب البريطاني.

انفجرت ثورة القسّام التي انتهجت المقاومة العسكرية بعد ذلك بأعوام، وبلغ عدد مقاتليها نحو 200 مقاتل،[29] ونالت تعاطفاً شعبياً كبيراً حين روج الشيخ عز الدين القسّام[30] فكر المقاومة المسلحة بين الفلاحين الفقراء الذين سلبهم الانتداب واليهود أرضهم، مشكّلاً تنظيماً سرياً درّب عناصره على السلاح، مستحضراً التعبئة الروحية الإيمانية. وبدأت عمليات "خلايا القسّام"، التي تميزت بالدقة والتنظيم والسرية، بتنفيذ أعمال المقاومة في سنة 1935، فشهدت مناطق جنين ونابلس وطولكرم عدداً من عمليات الاغتيال لضباط بريطانيين، ونسف للقطارات، ومهاجمة معسكرات الجيش البريطاني، وقتل العملاء.[31] وعلى الرغم من عمرها القصير، إذ استشهد القسّام مع عدد من رفاقه خلال معركة مع قوات الانتداب البريطاني في أحراج يعبد في منطقة جنين، في 20 تشرين الثاني / نوفمبر من السنة نفسها (1935)، فإن هذه التجربة النضالية تركت أثراً كبيراً في نفوذ الفلسطينيين، وشكلت محفزاً مهماً لهم على تبنّي هذا اللون من ألوان المقاومة. 

ج - التطور الثالث: انتعاش الحياة الحزبية

ما بين سنتَي 1918 و1930 لم يكن في فلسطين تنظيم سياسي فاعل يقود الحركة الوطنية، وإنما شهد النظام الحزبي خللاً كبيراً أثّر في أداء الحركة الوطنية الفلسطينية ودورها في مقاومة الاستعمار والتصدي للتمدد الصهيوني. وظهر في تلك الفترة حزبان منقسمان على أساس عائلي: "المجلسيون" أنصار عائلة الحسيني، و"المعارضون" أنصار عائلة النشاشيبي. وعكس المؤتمر الوطني السابع في سنة 1928 برئاسة "المفتي" أمين الحسيني، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وموسى كاظم الحسيني، رئيس اللجنة التنفيذية، وبمشاركة نحو 250 مندوباً، مدى الواقع الحزبي المهترىء الذي عانت جرّاءه الحركة الوطنية في تلك الفترة.

وجاءت الدعوة إلى هذا المؤتمر بمبادرة مصرية، وفي ظل اشتداد الخلاف بين مؤيدي ومعارضي المجلس الإسلامي الأعلى واللجنة التنفيذية، وذلك بعد انقطاع امتد خمسة أعوام، إذ عُقد المؤتمر السادس في سنة 1923. وسعى المجلسيون في المؤتمر السابع لاستبعاد المعارضين من قيادة الحركة الوطنية، بينما سخّر المعارضون طاقاتهم واستخدموا نفوذهم فأثّروا في نتائج انتخابات المجلس الإسلامي، فارضين مشاركة المندوبين التابعين لهم عن كل مدينة في المؤتمر. واتُّهمت القيادة الوطنية في حينه بالتزوير في المضابط الخاصة باختيار مندوبي المؤتمر.[32]

في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وفي أعقاب ثورة البُراق، بدأت تتشكل أحزاب فلسطينية جديدة تتبنّى سياسة محاربة بريطانيا بالتوازي مع محاربة الحركة الصهيونية الاستيطانية. وأُسس "حزب الاستقلال العربي" في سنة 1932 في مدينة القدس كأول حزب بين ستة أحزاب تشكلت في حينه، وأشرف على تكوينه ورئاسته العديد من الشخصيات الفلسطينية ذات الوزن الوطني والقومي،[33] فشغل عوني عبد الهادي منصب أمينه العام، بينما تشكلت هيئته التأسيسية، علاوة على عبد الهادي، من كل من: عزة دروزة؛ صبحي الخضرا؛ رشيد الحاج إبراهيم؛ معين الماضي؛ سليم سلامة؛ فهمي العبوشي؛ أكرم زعيتر؛ عجاج نويهض؛ حمدي الحسيني؛ حربي الأيوبي.[34]

وكان "حزب الاستقلال" أقوى المؤسسات الوطنية التي رفعت شعار مقاطعة سلطات الانتداب في ذلك الوقت، إذ قدم برنامج الحزب رؤية أكثر جرأة مقارنة بما طرحته برامج الأحزاب الأُخرى، ودعا في مؤتمره في مدينة يافا في سنة 1933 إلى رفض الانتداب وعدم الاعتراف بمشروعيته، كما دعت مذكرة مؤتمر الحزب إلى عدم التعاون مع الانتداب على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ونادى الحزب بمقاطعة حفلات ودعوات الجمعيات والأندية البريطانية واليهودية، ومقاطعة اللجان والمجالس التي تشكلها السلطة الانتدابية، والامتناع من دفع الضرائب عملاً بمبدأ لا ضرائب من دون تمثيل سياسي، ومقاطعة البضائع والصناعات الإنجليزية واليهودية. ومع أن أغلبية مبادىء حزب الاستقلال جرى تبنّيها في اجتماعَي "اللجنة التنفيذية" اللذين عُقدا في أعقاب ثورة البُراق خلال شباط / فبراير وتشرين الأول / أكتوبر من السنة نفسها (1933)، إلّا إن المفتي أمين الحسيني اعتبر الحزب معارضاً لسياساته، وخصوصاً بسبب وجود شخصيات تسببت له بإحراج سياسي في عدة مناسبات، مثل أكرم زعيتر وعوني عبد الهادي وحمدي الحسيني.[35]

تشكل بعد "حزب الاستقلال"، في الفترة ما بين سنتَي 1932 و1935، خمسة أحزاب كان أولها "الحزب العربي الفلسطيني" المعروف بـ "حزب المفتي"، برئاسة جمال الحسيني، و"حزب الدفاع الوطني" المعروف بـ "حزب المعارضين"، برئاسة راغب النشاشيبي، وحزب "مؤتمر الشباب" الذي عُرف أيضاً بـ "حزب الشباب العربي الفلسطيني" أو "حزب المؤتمر" برئاسة يعقوب الغصين، وتلا ذلك "حزب الإصلاح" برئاسة حسين فخري الخالدي، و"حزب الكتلة الوطنية" برئاسة عبد اللطيف صلاح. ومن الواضح أن تشكيلة هذه الأحزاب لم تختلف كثيراً عن تلك التي كانت موجودة من قبل، فقد أُنشىء "الحزب العربي" كردة فعل على إنشاء "حزب الدفاع" الذي شكله راغب النشاشيبي في العام السابق، وعكس التنافس الحزبي ذاته في المرحلة السابقة.[36] وانحصرت التجاذبات الحزبية في تلك الفترة بين "الحزب العربي الفلسطيني" و"حزب الدفاع الوطني" بشكل أساسي، مع اتساع دائرة التنافس مع الأحزاب المستقلة التي تحررت من سطوة الحزبَين المركزيين، مثلما يتضح في حزب الاستقلال. 

2) مرحلة التحول الثانية: في عهد اللجنة العربية

انفجرت الثورة العربية الكبرى التي تُعدّ من أهم ثورات تلك الحقبة، أو ما يُعرف بالإضراب الكبير، ضد حكومة الانتداب البريطاني في سنة 1936، وجاءت كردة فعل على تعسف حكومة الانتداب في حقّ الفلسطينيين، وتصاعد عنف العصابات المسلحة اليهودية ضدهم، وارتفاع أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين بصورة ملحوظة خلال الفترة 1933 - 1935، بعد وصول الحزب النازي إلى حكم ألمانيا. وكان تفاقم مشكلات البطالة ومصادرة سلطات الانتداب أراضي الفلسطينيين لمصلحة اليهود، بين أسباب قيام تلك الثورة أيضاً. وأدى بعض العوامل دوراً محفزاً على قيام الثورة الكبرى في فلسطين، وفي طليعة ذلك استشهاد الشيخ عز الدين القسّام في نهاية سنة 1935، وحدوث عدد من التحولات في دول الوطن العربي والثورات ضد المستعمرين، كالاضطرابات التي جرت في مصر مطالبة بإعادة الدستور في سنة 1923، وتلك التي قامت في سورية ودعت إلى إلغاء الانتداب في سنة 1936، وتلك التي جرت في العراق وأدت إلى حصوله على شكل من أشكال الاستقلال بعد توقيع معاهدة ألغت الانتداب في سنة 1930.

أنتج انفجار الثورة الكبرى حدوث تحول مهم في توجهات القيادة الوطنية بقيادة أمين الحسيني، مع أنها جاءت بمبادرة شعبية في البداية، ثم تبنّتها القيادة الوطنية الفلسطينية بعد ذلك. وبدأت الثورة جرّاء حادث وقع في شباط / فبراير 1936، عندما رفض مقاول يهودي تشغيل العمال الفلسطينيين في أعمال البناء، فتجمع العمال الفلسطينيون ومنعوا العمال اليهود من الوصول إلى مواقع العمل، فبدأت الاشتباكات وعمليات الانتقام المتبادل.[37] ودخلت فلسطين في إضراب شامل عمّ أرجاء واسعة من البلد خلال الشهر نفسه.

شكلت اللجان القومية المحلية في المدن والقرى لجاناً قومية عليا، وعقدت مؤتمراً عاماً في القدس، ضم قيادات مركزية للحركة الوطنية، وقامت بتأسيس اللجنة العربية العليا، في 25 نيسان / أبريل من تلك السنة (1936).[38] وانتُخب أمين الحسيني رئيساً للجنة، وأحمد حلمي عبد الباقي أميناً للمال. ودعت اللجنة إلى مواصلة الإضراب للضغط على الحكومة البريطانية من أجل تغيير سياستها تجاه الفلسطينيين، كما أكد بيان تشكيلها ضرورة تعزيز حركة الجهاد،[39] لكن من دون وصول ذلك إلى حدّ الثورة المسلحة.

لم تستجب حكومة الانتداب لمطالب الثورة، وأصدرت شهادات هجرة جديدة لاستقدام مزيد من الغرباء اليهود إلى فلسطين. واستمر الإضراب ستة أشهر، وتطور إلى تبنّي الفلسطينيين سياسة العصيان المدني وعدم التعامل مع مؤسسات سلطات الانتداب، وعدم دفع الضرائب ومقاطعة منتوجات اليهود والمنتوجات البريطانية،[40] ورفض المثول أمام المحاكم الرسمية. وفي المقابل جرى إنشاء المحاكم الثورية في منتصف عام الثورة.[41] ومع أن القيادة الفلسطينية كانت ضد تحول الثورة نحو العسكرة، إلّا إنها رضخت لذلك الخيار تحت وطأة تصاعد الأحداث، وتحولت إلى تأييد الثورة المسلحة،[42] كما بدأ أمين الحسيني بتوطيد علاقته مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية منذ سنة 1935.

رأى دافيد بن - غوريون في سنة 1936، والذي ترأس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية قبل ذلك بعام واحد، ضرورة ميل ميزان القوة بوضوح إلى اليهود في فلسطين على حساب الفلسطينيين، وذلك في إطار قناعته المطلقة بضرورة تهجير الفلسطينيين عن وطنهم استكمالاً للمشروع الصهيوني.[43] فشنّت عصابة الإرغون ما بين سنتَي 1936 و1939 ما يزيد على 60 عملية إرهابية ضد الفلسطينيين، بينما قامت عصابات الهاغاناه خلال ثورة 1936 بالاعتداء على الفلسطينيين العزّل والتصدي للمقاتلين الفلسطينيين. وبلغ عدد مقاتلي الهاغاناه في تلك السنة (1936) نحو 10,000 مقاتل، علاوة على 40,000 من قوات الاحتياط. وكانت الهاغاناه تأسست في سنة 1921 لحماية المهاجرين اليهود وأملاكهم. ومع اندلاع ثورة البُراق في سنة 1929، انضم إلى صفوفها آلاف اليهود المتطرفين لقتال الفلسطينيين، ووسّعت المنظمة من استيراد الأسلحة، وأنشأت ورشاً لصناعة القنابل اليدوية والمعدات العسكرية الخفيفة، فتحولت إلى شبه جيش نظامي.[44]

ظهر جيش الجهاد المقدس في سنة 1936 بقيادة عبد القادر الحسيني في مناطق القدس والخليل، لتسير على خطى ثورة القسّام، وازدادت أعداد ثوار قوات هذا الجيش حتى بلغت نحو 3000 مقاتل، و10,000 آخرين من غير المتفرغين.[45] وقام الثوار بآلاف العمليات المسلحة، وعاقبوا السماسرة والجواسيس والعملاء،[46] وتطور ذلك التوجه بوصول تعزيزات عسكرية عربية إلى الفلسطينيين بقيادة فوزي القاوقجي، جاءت من العراق وسورية وشرق الأردن.[47] وتمكّنت الثورة في مرحلة من مراحلها من السيطرة على الريف الفلسطيني، وعلى عدد من المدن الفلسطينية.

ردت حكومة الانتداب على ثورة الفلسطينيين المسلحة بنسف آلاف المنازل، وحكمت بعقوبات قاسية على الثوار وصلت إلى حد إعدام كل فلسطيني وُجدت في حيازته رصاصة، أو أي قطعة من السلاح.[48] وفي ظل ذلك التصعيد الفلسطيني الخطر ضد سلطات الانتداب، صدر نداء مشترك عن الملك عبد العزيز آل سعود والملك غازي والأمير عبد الله إلى رئيس اللجنة العربية وإلى الفلسطينيين في 10 تشرين الأول / أكتوبر 1936، يدعو الفلسطينيين إلى السكينة حقناً للدماء. فأعلنت اللجنة العربية العليا في 13 من الشهر ذاته، حل الإضراب، مترافقاً بهدنة موقتة، إلى حين صدور نتائج توصيات لجنة "بيل الملكية" التي كلفتها بريطانيا بالتحقيق في أحداث الثورة وأسبابها، والتقت قيادات اللجنة العربية العليا بمندوبي "لجنة بيل".[49]

اندلعت الثورة مرة أُخرى في أعقاب نشر تقرير لجنة "بيل الملكية"، في منتصف سنة 1937، والذي دعا إلى تقسيم البلد، فأعلنت سلطات الانتداب، في أيلول / سبتمبر من تلك السنة (1937)، عدم شرعية اللجنة العربية العليا، وأصدرت أمراً باعتقال أمين الحسيني وقيادات تلك اللجنة، فخرج الحسيني من فلسطين مع عدد من قيادة اللجنة. وسمحت بريطانيا للجنة بمواصلة تمثيل الفلسطينيين في المحافل الدولية، مشترطة أن يكون جميع ممثليها من داخل فلسطين، فمثلت اللجنة الفلسطينيين في مؤتمر المائدة المستديرة الذي دعت إليه بريطانيا بعد ذلك في سنة 1946. كما تعاملت سلطات الانتداب مع رؤساء الأحزاب الفلسطينية، باعتبارهم ممثلين عن الفلسطينيين، وعرضت عليهم التفاوض لإقامة مجلس تشريعي، الأمر الذي أجّج الصراع بين القيادات الفلسطينية.[50]

وعانت القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة وما بعدها حالة ضعف وعجز شديدَين، فتحول التمثيل الفلسطيني إلى جامعة الدول العربية بعد تأسيسها مباشرة في سنة 1945، وكان ذلك إحدى نتائج الحرب العالمية الثانية،[51] إذ جاء قرار الجامعة رقم 290 الصادر في نهاية آذار / مارس 1946 بتأسس قيادة فلسطينية تحت اسم "الهيئة العربية العليا". وقررت القيادة الفلسطينية ممثلة في أمين الحسيني تشكيل تلك الهيئة من سورية في السنة نفسها (1946)، والتي اعتُبرت امتداداً لـ "اللجنة العربية العليا". وكانت الجامعة العربية قد حرصت منذ تأسيسها في سنة 1945 على أن يكون لفلسطين ممثل دائم، وقد تعاقب على تمثيل فلسطين فيها كل من موسى العلمي، وأحمد حلمي عبد الباقي، وأحمد الشقيري. 

III - مساعي الاستعمار البريطاني لتقويض الحركة الوطنية

عكست نصوص الاتفاقيات والمعاهدات التي كانت بريطانيا طرفاً فيها، حتى قبل إصدارها "وعد بلفور" في سنة 1917، فصول المؤامرة التي حيكت ضد فلسطين وأهلها. فحتى قبل حصول اليهود على "وعد بلفور"، وقبل احتلال البريطانيين لفلسطين كلها في سنة 1918، فإن اتفاقية "سايكس بيكو" التي وقّعتها بريطانيا وفرنسا في سنة 1916، أكدت اقتسام الولايات العربية في الإمبراطورية العثمانية بين بريطانيا وفرنسا، باستثناء شبة الجزيرة العربية، بما يضمن تقطيع أوصال بلاد الشام سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً. ونصّ وعد بلفور في سنة 1917 على إقامة وطن لليهود في فلسطين، والقيام بأقصى جهد لتحقيق هذا الهدف، شرط ألّا يؤذي ذلك الحقوق الوطنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين.

اعتبرت بريطانيا من خلال "وعد بلفور" أن الشعب الفلسطيني الذي كان يمثل آنذاك الأغلبية العظمى بنسبة تعدت 95%، مجرد طوائف غير يهودية، كأن الأفراد اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين قادمين من أوروبا الشرقية قبل عقود معدودة هم سكان البلد، في تجاهل صارخ للواقع والتاريخ والقانون والمعايير الأخلاقية. فنسبة اليهود في فلسطين في سنة 1838 لم تتعدّ أكثر من 2% من مجمل عدد السكان، كما أن نسبتهم في سنة إصدار صكّ الانتداب لم تكن قد تجاوزت 5%. وعلى العكس من ذلك، اعتبرت بريطانيا أن اليهود المنتشرين في جميع أرجاء الأرض، والذين ينتمون إلى أجناس متنوعة، هم شعب واحد، ودعت إلى إقامة وطن قومي لهم، في تبنٍّ كامل للرواية الصهيونية فقط.

عملت بريطانيا على ترسيخ "وعد بلفور" قانونياً بفرض فحواه في قرارات المؤتمرات وضمن بنود المعاهدات الدولية، وَسَعَت لتجسيده على الأرض بالقوة خلال عهد احتلالها وانتدابها على فلسطين. فقد أدرجت فحوى "وعد بلفور" في قرارات "مؤتمر فرساي" في سنة 1919، وقرارات مؤتمر "سان ريمو"، ونصوص "معاهدة سيفر" في سنة 1920، وفي بنود "معاهدة لوزان" التي بمقتضاها أُلغيت "معاهدة سيفر"، وأخيراً جعلت "وعد بلفور" في ديباجة صكّ الانتداب على فلسطين ومواده، والذي أقرّته عصبة الأمم في سنة 1922، وذلك لترسيخ فحوى "إعلان بلفور" قانونياً.

وقرر مؤتمر "الصلح" في باريس في مطلع سنة 1919 فصل سورية والعراق وفلسطين والجزيرة العربية عن الإمبراطورية العثمانية، واختيار دولة تنتدب على تلك الدول لإدارة شؤونها إلى أن تصل إلى مرحلة الاستقلال. ورسم مؤتمر "سان ريمو" الذي عُقد في إيطاليا في نيسان / أبريل 1920، حدود المناطق التي وقعت تحت سيطرة دول الحلفاء بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، فاتُّفق خلال ذلك المؤتمر على وضع فلسطين تحت إدارة الانتداب البريطاني. وعلى الرغم من عدم تطبيق اتفاقية "سيفر" التي وُقّعت بعد أربعة أشهر من عقد مؤتمر "سان ريمو"، بسبب المعارضة العثمانية على بنودها، فإن الاتفاقية أعادت رسم حدود الإمبراطورية العثمانية، وذلك بفصل الولايات العربية عنها، وتوزيعها بين إنجلترا وفرنسا والدول الأُخرى التي انتصرت في الحرب، كما خصصت الاتفاقية المادة رقم 95 لتنظيم شؤون فلسطين بشكل مستقل عن كل من سورية والعراق والحجاز، وعُهد إلى نظام الانتداب إدارة شؤونها. وكانت الدولة العثمانية قد اعترضت على إدراج إعلان بلفور في معاهدة سيفر أو معاهدة لوزان.

وحرصت بريطانيا على تضمين تصريح بلفور في صكّ الانتداب على فلسطين الذي أقرّته عصبة الأمم في سنة 1922، فتم النصّ عليه في مقدمة الصكّ، وأُقرّ تنفيذه في بنود ذلك الصكّ الذي تمحورت ثمانية من بنوده من أصل ثمانية وعشرين بنداً حول تحديد آليات تنفيذه، وذلك بتأسيس وطن لليهود في فلسطين. ويتناقض ذلك بشكل صارخ مع نصوص ميثاق عصبة الأمم، وخصوصاً تلك التي تؤكد حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، مشترطة موافقتها (أي الشعوب) على الدولة المنتدبة، وتلك التي نصّت على عدم جواز ضم الأقاليم التي كانت تابعة للدولة العثمانية، إذ شددت على ضرورة الحفاظ على وحدة تلك الأقاليم التي تقع تحت الانتداب، وعدم تقطيع أوصالها أو تأجيرها، وتلك التي أكدت حقّ تلك الشعوب في الاستقلال، على أساس أن الانتداب موقت.

قامت بريطانيا بعد احتلال الجزء الأكبر من فلسطين في نهاية سنة 1917، وذلك بعد شهر واحد فقط من إصدارها "وعد بلفور"، وقبل صدور إعلان انتدابها على فلسطين في سنة 1922، بترسيم حدود تفصل بين فلسطين وبين امتدادها الطبيعي مع لبنان وسورية والأردن، ما بين سنتَي 1921 و1922.[52] وجاء صكّ الانتداب في سنة 1922 لتأكيد إنشاء وطن لليهود بالحدود التي تعيّنها دول الحلفاء. واعتَبر الكتاب الأبيض الأول الذي أصدره ونستون تشرشل وزير المستعمرات في تلك السنة نفسها (1922)، أن غرب الأردن أو فلسطين مستثناة من تعهّد هنري مكماهون للشريف حسين في رسائلهما المتبادلة،[53] والخاصة باستقلال الأراضي العربية، والمعروفة برسائل حسين - مكماهون.

عملت السلطات البريطانية، خلال فترة احتلالها وانتدابها على فلسطين، على تأجيج نار الفتنة بين القيادات الفلسطينية، من أجل إحباط أي محاولات لخلق وحدة وطنية، وتشتيت القرار الفلسطيني وإضعاف تمثيل الفلسطينيين، كما واجهت أي مساعٍ فلسطينية ثورية شعبية أو عسكرية رافضة لسياسة الانتداب والحركة الصهيونية بالقمع والدموية. وعلى العكس من ذلك، عملت بريطانيا على تقوية المكانة السياسية للحركة الصهيونية واليهود في فلسطين، في سبيل تمكينهم، تحقيقاً لـ "إعلان بلفور"، وحرصت على تعيين مندوبين سامين لتمثيلها ولإدارة الانتداب في البلد من المقربين من الحركة الصهيونية في سبيل تحقيق ذلك. 

أولاً: ترسيخ مكانة الحركة الصهيونية في فلسطين

لم تدّخر بريطانيا جهداً لوضع "إعلان بلفور" موضع التنفيذ، وعينت هربرت صامويل كأول مندوب سامٍ على فلسطين، والذي جاء اختياره تلبية لرغبة الحركة الصهيونية.[54] وخدم سبعة مندوبين سامين بريطانيين في إدارة شؤون فلسطين ما بين سنتَي 1920 و1948، وعملوا على تنفيذ سياسة بلدهم. وفي إطار مساعي السلطات البريطانية لتدعيم المكانة السياسية لليهود في فلسطين، نصّ صكّ الانتداب على الاعتراف بوكالة يهودية تقدم المشورة إلى حكومة الانتداب، وتتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك.[55]

سمحت الحكومة البريطانية للجنة صهيونية بقيادة حاييم وايزمن بالإشراف على أوضاع اليهود في فلسطين، وتسهيل دخولهم ومساعدتهم في تشييد المستعمرات اليهودية الناشئة، من خلال الأوامر العسكرية وفرض التشريعات، فشكلت تلك اللجنة حلقة اتصال بين اليهود والسلطات البريطانية، بل إن اليهود في فلسطين شغلوا في تلك الفترة معظم المناصب العليا في حكومة فلسطين التي خضعت لسلطة بريطانيا. وأعلنت بريطانيا أنها تعتبر اللغة العبرية لغة رسمية إلى جانب اللغتَين العربية والإنجليزية في فلسطين، مع أن اليهود في حينه لم يشكلوا أكثر من 5% من مجموع عدد السكان، ولم يكن معظمهم يجيد اللغة العبرية، كما أنها وضعت رموزاً عبرية على العملة النقدية التي سُكَّت في عهدها.

وسمحت السلطات البريطانية للجنة الصهيونية بإنشاء حراسة خاصة لحماية المستعمرات، فأسست الحركة الصهيونية في حزيران / يونيو 1921 وحدات الدفاع الذاتي "الهاغاناه". وقامت السلطات البريطانية بتسليح وتدريب اليهود ومدّتهم بالسلاح، وتغاضت عن عمليات تهريبهم للأسلحة ميسّرة طرق وصولها إليهم. وفي مقابل ذلك، ومنذ مطلع عشرينيات القرن الماضي، فإن السلطات البريطانية أخضعت جميع الأراضي الفلسطينية أمنياً تحت سيطرة الجيش البريطاني، ووقفت ضد أي محاولات أو مساعٍ لتسليح الفلسطينيين، بل سنّت القوانين التي تحظر حصولهم على السلاح أو اقتناءهم له، وعاقبت بشدة كل مَن امتلك مجرد بندقية.

وأدارت حكومة الانتداب البريطاني بالتعاون مع الوكالة اليهودية شؤون فلسطين ما بين سنتَي 1922 و1948، فعدّلت قوانين الملكية والهجرة والإقامة والجنسية والعمل من أجل تمكين اللاجئين اليهود الجدد، وعملت على تدعيم عمل ونشاط المؤسسات اليهودية، العسكرية منها والاقتصادية، على حساب الشعب الفلسطيني، وفتحت باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مصراعَيه، بعد أن عدّلت قوانين الملكية والهجرة والإقامة والعمل، لتعزيز وجود اللاجئين اليهود في فلسطين.[56] وارتفعت نسبة عدد اليهود في فلسطين في ظل حكم الإدارة البريطانية الاحتلالية والانتدابية، أي ما بين سنتَي 1918 و1949، من 5% إلى 35%، كما تصاعد عدد المستعمرات اليهودية في فلسطين بشكل متسارع، فخلال عهد الاحتلال البريطاني ارتفع عددها من 62 مستعمرة في نهاية سنة 1916 إلى 92 مستعمرة في سنة 1922، وخلال عهد الانتداب البريطاني زاد عددها من 92 مستعمرة في سنة 1922 إلى 443 في سنة 1948.[57] 

ثانياً: إضعاف القيادة الوطنية الفلسطينية

عمل الاستعمار البريطاني على إضعاف القيادة الفلسطينية والسيطرة عليها عبر وسيلتين مرتبطة إحداهما بالأُخرى. فقد قامت الوسيلة الأولى على أساس تأجيج نار الصراع العائلي والحزبي، بينما ركزت الوسيلة الثانية على إغراء القيادة الفلسطينية على المشاركة في مشروع إقامة مجلس تمثيلي في البلد يقوم على أساس الصراع بين تلك القيادات.[58]

بعد توصية تقدم بها المؤتمر الفلسطيني الثالث إلى المندوب السامي البريطاني بإنشاء مجلس إسلامي في فلسطين، سمح هربرت صامويل بإقامة هذا المجلس، وعيّن أمين الحسيني مفتياً عاماً للبلد في نهاية سنة 1921. كما عيّن البريطانيون في الوقت نفسه راغب النشاشيبي المقرب من بريطانيا في منصب رئيس بلدية القدس، لتأجيج نار المنافسة بين العائلتين. وما بين المجلسيين، أنصار عائلة الحسيني، والمعارضين أنصار عائلة النشاشيبي، انقسمت الحركة الوطنية الفلسطينية، طوال العقد الأول من عهد الوجود البريطاني في فلسطين، ولم تنجح تلك القيادة في تحصيل أي مكاسب سياسية، أو تبنّي أي توجهات فاعلة لمقاومة الانتداب البريطاني الحاضن الحقيقي للحركة الصهيونية في البلد.[59]

وفي إطار بثّ نار الفتنة بين القيادات الفلسطينية، سعت السلطات البريطانية لتشكيل مجالس نيابية تقوم على أساس التنافس العائلي. فبعد أن فشلت محاولتَي بريطانيا في إقامة مجلس تشريعي في سنة 1922، ومجلس استشاري في سنة 1923، في ظل مقاومة القيادة الفلسطينية لذلك، بدأت تلك المحاولات تؤتي أكلها في النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي، في عهد المندوب السامي الثاني هربرت بلومر الذي دعا زعماء الحركة الوطنية إلى عقد المؤتمر السابع في سنة 1927 ليجعل البريطانيون من المؤتمر جسراً لتأسيس مجلس نيابي أو تشريعي أو استشاري.[60] وقد عكس ذلك المؤتمر الذي كان آخر تلك المؤتمرات الوطنية، كثيراً من مظاهر الصراع العائلي، وتحايل القيادات على التمثيل الشعبي في وضع المندوبين لضمان تبعيتهم لأحزابها (أي القيادات).

بعد تسعة أعوام من نشأتها، وصلت اللجنة التنفيذية إلى حالة من الشلل والترهل والانشقاق الداخلي، وفقدت بالتدريج تمثيل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى أن انتهى دورها بوفاة رئيسها موسى كاظم الحسيني في سنة 1934. ولم تنجح القيادة الفلسطينية في المرحلة التالية، والتي انبثقت من الأحزاب الفلسطينية، في التخلص من حالة الصراع والانشقاق بين القيادات الفلسطينية، كما أنها لم تفلح في الخروج من عباءة العشائرية والإقطاعية التي قيّدت أداء الحركة الوطنية طوال العقد اللاحق لإنشائها. ولم تختلف الأحزاب في صراعها كثيراً عن الصراع بين المجلسيين والمعارضين، ولم تقدم أي تطوير في أداء القيادة الوطنية الممثلة للفلسطينيين.

في سنة 1935، تأسس "الحزب العربي" الذي اعتُبر حزب الأغلبية، وأُطلق عليه اسم حزب المفتي،[61] كردة فعل على تأسيس "حزب الدفاع" الذي شكله راغب النشاشيبي في العام السابق، والذي كان يدور في فلك البريطانيين، وهذا الأمر عكس حالة التنافس بين عائلتَي النشاشيبي والحسيني.[62] وأُسست "الكتلة الوطنية" في نابلس في السنة نفسها (1935)، واعتُبرت محايدة، وحملت أهدافاً قريبة من أهداف "الحزب العربي"، كما أُنشىء "حزب الإصلاح" الفلسطيني نتيجة التنافس بين عائلتَي الخالدي والنشاشيبي في السنة نفسها (1935).[63] وتشابهت برامج تلك الأحزاب الخمسة كافة.

بعد شهر واحد من استشهاد عز الدين القسّام، طرح آرثر واكهوب، المندوب السامي الرابع على فلسطين، في مطلع سنة 1936، مشروع دستور جديد يقوم على أساس المشروع السابق الذي أصدرته سلطات الانتداب ورُفض فلسطينياً. وخاضت الأحزاب مع سلطات الانتداب سلسلة من الجولات التفاوضية لإقناعهم بالقبول بالمجلس التشريعي. وجاء مشروع الدستور الجديد بتشكيل مجلس تشريعي، كأنه تلبية لمطالب قدمتها لجنة الأحزاب الفلسطينية في نهاية سنة 1935. ونجح واكهوب في إقناع رؤساء الأحزاب الخمسة بقبول فكرة مجلس تشريعي يضم فلسطينيين ويهوداً،[64] على أساس الإقرار بصكّ الانتداب ووعد بلفور،[65] لكن رَفْض اليهود حال دون تأسيسه.

وبقيت الخلافات بين الأطياف السياسية مستحكمة، حتى في أحلك الظروف، فدعا بيان تشكيل اللجنة العربية العليا في سنة 1936 إلى ضرورة نبذ الخلافات والاتحاد لمواجهة الأخطار المحدقة بالبلد.[66] وبعد خروج المفتي من فلسطين في سنة 1937، عادت بريطانيا وعرضت على الأحزاب الفلسطينية الخمسة التفاوض لإقامة مجلس تشريعي. وما بين سماح بريطانيا لأعضاء من اللجنة العربية العليا بتمثيل الفلسطينيين في لجانها ومؤتمراتها، وخوضها غمار مفاوضات عقيمة مع رؤساء الأحزاب الفلسطينية بشأن تأسيس مجلس تشريعي، نجحت بريطانيا في تشتيت قرار القيادة الفلسطينية، وأججت نار الفرقة والخلاف.

وجاء قرار جامعة الدول العربية بإنشاء "الهيئة العربية العليا" في سنة 1946 لحسم الصراع بشأن تمثيل الشعب الفلسطيني في الجامعة، بين قيادة اللجنة العربية العليا والجبهة العربية العليا، والتي مثلت الحركة المعارضة للجنة العربية، وتشكلت من الأحزاب الفلسطينية غير الممثلة في تلك اللجنة. وتشكلت "الهيئة العربية العليا" في الجامعة العربية مناصفة بين الجهتين،[67] مع بقاء الحضور والتمثيل الفلسطيني على ضعفه، فبقيت معضلة الانقسام والصراع بين قيادات الشعب الفلسطيني المعضلة التي كسرت شوكة الشعب الفلسطيني وكانت بين عوامل هزيمته. 

ثالثاً: محاربة الحركة الوطنية الشعبية

تعاملت بريطانيا مع الاضطرابات والتظاهرات والثورات الفلسطينية، خلال أعوام سيطرتها على فلسطين، ما بين الاحتلال والانتداب، وعلى مدار ثلاثة عقود خلال الفترة 1917 - 1947، بمحاولات الاحتواء والتخدير حيناً، والقمع والبطش حيناً آخر. فأرسلت لجان تحقيق في أعقاب التظاهرات والاحتجاجات العنيفة، وأصدرت أربعة كتب بيضاء وجهتها إلى الفلسطينيين في محاولة لاحتوائهم. وجاءت أغلبية نتائج لجان التحقيق التي أرسلتها بريطانيا في أعقاب الثورات غير منصفة في حقّ الفلسطينيين، بينما حُجبت نتائج اللجان التي دانت اليهود.[68] وأصدرت حكومة الانتداب البريطاني الكتب البيضاء في أعقاب كل أزمة كبيرة في فلسطين، لتقدم وعوداً للفلسطينيين، عادة ما كانت وعوداً مخادعة لامتصاص غضبهم.

عمّت الأراضي الفلسطينية سلسلة من الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية خلال الفترة 1919 - 1948، على الرغم من رفض السلطات البريطانية السماح بخروج ذلك النوع من الاحتجاج، إلّا إن الفلسطينيين اعتادوا استغلال المناسبات الدينية لإطلاق احتجاجاتهم. وجاءت تلك الاحتجاجات لتعكس رفض الفلسطينيين ومقاومتهم السلمية لإجراءات السلطات البريطانية الساعية لتمكين الحركة الصهيونية في فلسطين. وسجلت سنة 1919 بداية الحراك الشعبي الفلسطيني ضد التمدد الصهيوني في فلسطين، وجاءت ثورة يافا في أيار / مايو 1921، لتهاجم مركزاً للمهاجرين اليهود في المدينة. واستمرت المواجهات أسبوعين وقفت السلطات البريطانية خلالهما إلى جانب اليهود.[69] وفي نهاية شباط / فبراير من العام التالي، خرجت تظاهرة من مدينة حيفا احتجاجاً على ممارسات سلطات الاحتلال البريطاني التي جاءت لتنفيذ إعلان بلفور.

إلّا إن أخطر تلك الهبّات، والتي تُعتبر أولى الانتفاضات الشعبية الفلسطينية، جاءت من القدس في نيسان / أبريل 1920، فقد اشتبك خلالها الفلسطينيون مع اليهود في المدينة، واستمرت الاشتباكات أكثر من أسبوع، وامتدت أحداثها إلى مهاجمة اليهود في مدينة الخليل، فوقفت السلطات البريطانية لحماية اليهود. وانتهت تظاهرة القدس بفرض السلطات البريطانية الأحكام العرفية في البلد.[70] وحققت لجنة قضائية عُرفت بـ "لجنة بالين"، في تظاهرة القدس في السنة نفسها (1920)، وتُعتبر أول لجنة تحقيق تتشكل لهذا الغرض في ظل عهد الاحتلال البريطاني لفلسطين، ووضعت اللجنة تقريراً دان اليهود، لكنه لم يُنشر.[71]

وجاءت انتفاضة يافا في مطلع أيار / مايو 1921 بعد اعتداء مجموعة من اليهود المحتفلين بعيد العمال بإطلاق النار على عدد من المارة الفلسطينيين في حي المنشية، فهاجم الفلسطينيون منازل اليهود،[72] واتسعت الاشتباكات في عدد من المناطق شمال فلسطين، واستمرت أسبوعين هاجم خلالهما الفلسطينيون مستعمرات "بيتح تكفا"، و"رحوفوت"، و"كفر سابا"، و"عين حاي". وتصدت القوات البريطانية للفلسطينيين مستخدمة الطيران، كما أسر اليهود العديد من الفلسطينيين، وقتلوا عدداً من الأسرى بعد تعذيبهم، ويبدو أن أعداد القتلى التي نُشرت كانت أقل كثيراً من الأعداد الحقيقية.[73] وشكلت بريطانيا لجنة برئاسة توماس هايكرافت، قاضي قضاة فلسطين، عُرفت بـ "لجنة هايكرافت"، للتحقيق في تظاهرة يافا في السنة نفسها (1921). واعتبر تقريرها أن أسباب الاضطرابات تعود إلى شعور الفلسطينيين العدائي ضد اليهود، وضد السياسة البريطانية التي تسهل إقامة وطن قومي لليهود. وأهملت بريطانيا نتائج تحقيق اللجنة، ودعمت توجه اليهود الذين سعوا لتجيير تلك النتائج لمصلحتهم، بزيادة التسلح بحجة مواجهة الفلسطينيين.[74]

وكانت حكومة الانتداب قد أصدرت كتاب "تشرشل"، أول الكتب البريطانية البيضاء، والذي صدر في 3 حزيران / يونيو 1922، لإزالة القلق العربي والفلسطيني إزاء "إعلان بلفور". فأكد الكتاب أن أي وعد جاء في إعلان صكّ الانتداب لن يكون على حساب الفلسطينيين، وأن جنسية جميع السكان في البلد ستكون فلسطينية، وأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ستخضع للقدرة الاستيعابية الاقتصادية.[75] إلّا إن الممارسة الفعلية لحكومة الانتداب جاءت مناقضة لما جاء في ذلك الكتاب، وما تبعه من كتب.

وما بين ثورتَي يافا والبُراق، وقع بعض الأحداث المتفرقة مثل تظاهرة القدس في ذكرى "وعد بلفور" في مطلع تشرين الثاني / نوفمبر 1921، واحتجاجات شعبية خلال الفترة 1923 - 1925. وكان من أهم أسباب انفجار اضطرابات سنة 1924 إصدار سلطات الانتداب قانون نزع الملكية عن الفلسطينيين، لشرعنة مصادرة أراضيهم. ودعت "اللجنة التنفيذية" إلى إضراب شامل في سنة 1925، كرسالة احتجاجية رداً على نية اللورد آرثر جيمس بلفور افتتاح الجامعة العبرية.[76]

بدأت أحداث ثورة البُراق في 15 آب / أغسطس 1929، واستمرت أسبوعاً، وذلك حين نظم اليهود تظاهرات في القدس اتجهت إلى حائط البُراق وقاموا باستفزاز المسلمين، فرد مسلمو فلسطين في اليوم التالي بتظاهرة مضادة انطلقت من المسجد الأقصى، وتطورت في اليوم الثالث إلى اشتباك بين الطرفين. ووقعت أيضاً صدامات واسعة بعد صلاة الجمعة في 22 آب / أغسطس في القدس، امتدت إلى جميع أنحاء فلسطين، وتحول البلد إلى ساحة قتال.[77] وقُتل وأصيب المئات من الطرفين، إلّا إن معظم الإصابات كان من الفلسطينيين، بسبب عنف الشرطة والجيش البريطاني الذي وُجّه ضدهم. وحاكمت الإدارة البريطانية أكثر من 1000 معتقل بتهمة تورطهم في الأحداث، وكان معظمهم من الفلسطينيين، كما أعدمت سلطات الانتداب 3 من الثوار الفلسطينيين هم عطا الزير، ومحمد جمجوم، وفؤاد حجازي، في 17 حزيران / يونيو 1930،[78] وبات هؤلاء الأبطال الثلاثة رمزاً من رموز المقاومة البطولية الفلسطينية.

وأكدت نتائج لجنة "شو" التي تشكلت في أعقاب ثورة البُراق في تشرين الثاني / نوفمبر 1929، أن محاولات اليهود الاستيلاء على حائط البُراق تقف وراء تلك الأزمة، وأن السبب وراء الثورات في فلسطين يعود بصورة عامة إلى عدم رضا السكان الفلسطينيين عن "وعد بلفور" والانتداب البريطاني، وتسهيل بريطانيا تهجير اليهود إلى فلسطين، ونقل ملكية الأراضي إليهم. وأكد تقرير اللجنة المُلكيةَ الإسلامية للحائط، وَقَصَر حق اليهود على الزيارة فقط، ودعا إلى المحافظة على الوضع الراهن. وانسجم ما جاء في تقرير لجنة "شو" مع فحوى الكتاب الأبيض الثاني الذي جاء قبل انفجار ثورة البُراق، والذي أصدرته الحكومة البريطانية في 19 تشرين الثاني / نوفمبر 1928 لامتصاص غضب الفلسطينيين من محاولات اليهود المتكررة لاقتحام المسجد الأقصى.[79]

لم تقبل الحركة الصهيونية بنتائج لجنة "شو"، وصعّدت من ممارساتها العنيفة لتأجيج الأحداث في البلد في أعقاب صدور تقريرها، واستخدمت بريطانيا العنف ومارست سياسة العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين وحدهم.[80] وصدر الكتاب الأبيض الثالث، كتاب "باسفيلد"، في أعقاب ثورة البُراق، وبعد صدور تقرير لجنة "شو"، في تشرين الأول / أكتوبر 1930، وقد التزمت فيه الحكومة البريطانية بمراعاة مصالح مجموعتَي السكان من الفلسطينيين واليهود بشكل متساوٍ. إلّا إن رامزي ماكدونالد، رئيس الحكومة البريطانية آنذاك، قام بإلغاء كتاب "باسفيلد" بعد ذلك، والذي بات يُعرف عند الفلسطينيين بـ "الكتاب الأسود". وقبل انتهاء عهد جون روبرت تشانسلر، المندوب السامي الثالث بأشهر، أصدرت السلطات البريطانية في سنة 1931 مرسوم "الدفاع عن فلسطين"، والذي سمح للمندوب السامي بحرّية الاعتقال والتوقيف والسجن والنفي والإبعاد والرقابة على الصحف والمطبوعات والمواصلات ووسائل المخابرة والاتصال، علاوة على إصدار قوانين ضريبية جائرة.[81] وكان مطلع سنة 1928 قد شهد تعيين تشانسلر الذي عُرف عهده باستخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين.

جاءت انتفاضة تشرين الأول / أكتوبر 1933 بعد تزايد موجات الهجرة اليهودية بشكل لافت مع مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، إلّا إن الثورة الفلسطينية الكبرى التي انطلقت في مطلع سنة 1936 تُعدّ أهم ثورات تلك الحقبة. فقد دخلت فلسطين في إضراب شامل استمر ستة أشهر، وتطور إلى تبنّي الفلسطينيين سياسة العصيان المدني. غير أن "اللجنة العربية العليا" ما لبثت أن أعلنت حلّ الإضراب، والدخول في هدنة إلى حين ظهور توصيات لجنة "بيل الملكية"، والتي جاءت للتحقيق في ملابسات الثورة. وعادت الثورة مرة أُخرى في أعقاب نشر تقرير "لجنة بيل"، في منتصف سنة 1937، لأنه أوصى بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق، عربية وبريطانية ويهودية، في أول توصية بريطانية تشير إلى التقسيم.

شهدت نهاية سنة 1938 تحولات ملموسة في السياسة البريطانية تجاه الفلسطينيين، وبدأ ذلك التحول بكلمة مالكولم ماكدونالد، وزير المستعمرات البريطاني أمام مجلس العموم، في 23 تشرين الثاني / نوفمبر من تلك السنة (1938)، والتي أعرب خلالها عن تفهّمه لموقف الفلسطينيين، وأكد أن مسألة اللاجئين في أوروبا الوسطى لا يمكن تسويتها على حساب فلسطين، وأن الشعب الفلسطيني يعيش في هذا البلد منذ قرون عديدة، وأن رأيه لم يؤخذ بحسب الأصول في صكّ الانتداب الذي احتضن "وعد بلفور"، وأن الفلسطينيين يواجهون تمدد اليهود في بلدهم بالاحتجاج بين الحين والآخر. وأفرجت بريطانيا عن المعتقلين الفلسطينيين في الشهر التالي،[82] تمهيداً لإقناع القيادة الفلسطينية بالمشاركة في مؤتمر لندن.

أرسلت بريطانيا لجنة "وودهيد" إلى فلسطين في سنة 1938 لدراسة حل التقسيم، وتقديم اقتراح بالخطوات العملية لجعله ممكناً، ودعت اللجنةُ إلى إقامة مؤتمر لندن الذي عُقد في العام التالي، بمشاركة وفد فلسطيني مكون من رؤساء الأحزاب الفلسطينية، في ظل مؤشرات رجحت احتمال قيام حرب عالمية ثانية. وأصدرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض الرابع، بعد فشل مؤتمر المائدة المستديرة في لندن، والذي عُقد في 7 شباط / فبراير 1939، في جمع الفلسطينيين والصهيونيين معاً، على الرغم من مشاركة فلسطينية وعربية من مصر والعراق والسعودية واليمن وشرق الأردن. وجاء الكتاب بمبادرة من مالكولم ماكدونالد في 27 أيار / مايو من تلك السنة (1939).[83]

أعلنت بريطانيا في البند العاشر من الكتاب، تطلّعها إلى إقامة دولة فلسطينية تضم فلسطينيين ويهوداً، وتكون ذات حكومة مستقلة، وترتبط مع المملكة المتحدة بمعاهدة لعشرة أعوام، ثم تنال استقلالها في سنة 1949، ونفت أي نية لديها في إنشاء دولة يهودية. وقسّم البند السادس عشر من الكتاب فلسطين إلى ثلاث مناطق، مَنَع في المنطقة الأولى انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود، وقيّدها في الثانية، بينما أطلقها في الثالثة. كما شدد الكتاب على عدم السماح بتوسيع الوطن اليهودي عن طريق الهجرة من دون قبول الفلسطينيين بتلك الهجرة. وأنشأت سلطات الانتداب مكتباً إحصائياً جديداً لتقدير قدرة البلد الاستيعابية من أجل قياس معدل الهجرة اليهودية المسموحة، وأعلنت وضع قيود على الهجرة اليهودية، وبأنها ستسمح فقط بدخول 75,000 لاجىء يهودي خلال الأعوام الخمسة التالية. وأعلنت الحكومة البريطانية نيتها سنّ قانون يمنع بيع أي قطعة أرض يحتفظ بها الفلسطيني لسدّ حاجات أسرته،[84] وفعلاً، سُنّ قانون يقيّد نقل الأراضي إلى اليهود.

وفي أواخر سنة 1939، نجحت بريطانيا في تحقيق تفاهم ضمني مع قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، ذُكر في تفصيلات الكتاب الأبيض الرابع، وأوقف الثورة الفلسطينية وفاعلياتها في نهاية سنة 1939، وذلك قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية،[85] في مقابل التزام بريطاني بتنفيذ ما جاء في ذلك الكتاب، والذي عكس سياسة بريطانيا المعلنة تجاه الفلسطينيين على مدار أعوام الحرب العالمية الثانية بعد ذلك. واتضح بعد ذلك أن كتاب "ماكدونالد" الأبيض جاء لخداع الفلسطينيين لوقف ثورتهم، إذ لم تلتزم بريطانيا على الأرض بما جاء في الكتاب الأبيض الرابع، فقد تغاضت خلال أعوام الحرب عن الهجرة غير الرسمية لليهود، وقامت بتجديد تصاريح دخول اللاجئين اليهود أكثر من مرة، وهكذا يكون هذا الكتاب قد مهّد الطريق إلى تقسيم فلسطين. 

IV - تمهيد بريطانيا لحل التقسيم

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، أعلنت بريطانيا في أواسط سنة 1944 نيتها إلغاء كتاب "ماكدونالد" والعودة إلى مشروع التقسيم، فعُرفت الفترة التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية بفترة المشاريع البريطانية، إذ طرحت خلالها بريطانيا العديد من المشاريع التي عُرفت بأسماء أصحابها مثل: مشروع "موريسون"، ومشروع "بيفين"، وجاءت جميعها لتأكيد فكرة تقسيم فلسطين بين الفلسطينيين واليهود. وعلى الرغم من تعهداتها للفلسطينيين التي جاءت في كتاب "ماكدونالد"، فإن بريطانيا واصلت تحضير المخططات لتقسيم فلسطين سراً خلال أعوام الحرب العالمية الثانية، كي تضمن استمرار ولاء حلفائها العرب خلال فترة الحرب. وأبقت بريطانيا في طي الكتمان تفصيلات خطة دعت إلى تأسيس دولة يهودية وفق رؤية التقسيم بعد انتهاء الحرب، ووضعتها لجنة وزارية بريطانية خاصة في نهاية سنة 1943.[86]

وكانت بريطانيا قد بدأت بتدريب ضباط يهود في سنة 1940، فدربت قوة مكونة من 16,000 يهودي قبل نهاية سنة 1941، لتعزيز قدرة الهاغاناه القتالية، وذلك بهدف إعداد شبكة من اليهود الناطقين باللغة الألمانية، للاستعانة بهم في عمليات ضد ألمانيا. كما قامت بتدريب اليهود على حرب العصابات خلال سنة 1942، لتشكيل وحدات قادرة على شنّ حرب لمواجهة الألمان إذا ما قاموا باحتلال فلسطين. وشكّل اليهود أيضاً فيلقاً في فلسطين بمساعدة قوات الحلفاء خلال أعوام الحرب، وتغاضت بريطانيا، في سبيل تحقيق أهدافها في الحرب، عن مساعي اليهود لتعزيز مخزونهم من السلاح، وعن استغلالهم التدريب البريطاني لهم على أحدث المعدات العسكرية والتجسسية بهدف رفع كفاءتهم وقدراتهم العسكرية،[87]على الرغم من علمها بنيّتهم استخدام ذلك في حربهم المقبلة مع الفلسطينيين.

وفي إطار تصاعد موجة العنف اليهودي ضد مواقع وقيادات بريطانية ما بين سنتَي 1945 و1947، والتي قُتل خلالها أكثر من 100 بريطاني وأصيب أكثر من 300، شكلت الولايات المتحدة الأميركية لجنة التحقيق "الأنجلو- أميركية" لدراسة مشكلة فلسطين، في 19 تشرين الأول / أكتوبر 1945، تشديداً على دورها في تحمّل المسؤولية مع بريطانيا في رسم مستقبل فلسطين. وقد أوصى تقرير اللجنة الذي صدر في 20 نيسان / أبريل 1946، بقبول هجرة 100,000 مهاجر يهودي جديد إلى فلسطين، وإلغاء جميع القيود التي وضعتها السلطات البريطانية على شراء اليهود للأراضي خلال فترة الحرب العالمية الثانية، بما فيها قانون الأراضي الذي قيّد البيع لليهود، وإلغاء العمل بكتاب "ماكدونالد" الأبيض. ورفض تقرير اللجنة فكرة الاستقلال المبكر لفلسطين أكانت موحدة أم مقسمة، كما رفض تحديد شكل الحكم النهائي فيها، أكانت الدولة يهودية أم عربية، وشدد على ضرورة مراعاة مصالح معتنقي الديانات الثلاث في فلسطين. ودعت اللجنة إلى وضع فلسطين تحت وصاية الأمم المتحدة.[88]

رفض الفلسطينيون النتائج التي نشرتها لجنة التحقيق "الأنجلو - أميركية"، وأعلنوا الإضراب في معظم مدن فلسطين وقراها، وعُقد مؤتمر قمة أنشاص لجامعة الدول العربية بدعوة من الملك فاروق، ملك مصر، في نهاية أيار / مايو 1946،[89] لمتابعة تطورات الأحداث المتسارعة. ورفضت بريطانيا نتائج اللجنة، وتقدمت باقتراح يقوم على إنشاء إقليمَين منفصلين يستمر في حكمهما مندوب سامٍ بريطاني، إلّا إن الولايات المتحدة رفضت المقترح البريطاني، وأصرت على قبول نتائج لجنة التحقيق "الأنجلو - أميركية"، والتي قبلت بها الحركة الصهيونية أيضاً. ودعت الأمم المتحدة إلى عقد "مؤتمر لندن" في نهاية سنة 1946، في أول تدخّل لها في مجريات القضية الفلسطينية، وذلك في محاولة لتقريب مواقف الأطراف المتضاربة. وفي أعقاب فشل "مؤتمر لندن" في حسم القضية، قررت بريطانيا رفعها إلى الأمم المتحدة، في مطلع العام التالي.

وكان اليهود قد بدأوا بطرق أبواب الولايات المتحدة بعد إصدار بريطانيا كتاب "ماكدونالد" الأبيض في سنة 1939، لضمان دعمها لمشروعهم الصهيوني في فلسطين، خوفاً من تخلّي بريطانيا عنهم، فاستثمروا تأييد اللوبي الصهيوني المسيحي في الولايات المتحدة، والذي يدعم فكرة "عودة اليهود إلى فلسطين"، في الضغط على صانع القرار الأميركي.[90] وفي أعقاب مؤتمر بالتيمور في سنة 1942، باتت الولايات المتحدة الحليف الأول الذي تعتمد عليه الحركة الصهيونية في تحقيق أهدافها. وأُسس في الولايات المتحدة مجلس طوارىء صهيوني - أميركي في سنة 1943، بهدف التأثير والضغط على الحكومة الأميركية والكونغرس، وبات أقوى مجموعة ضغط في وقته.[91] وتدخّل الرئيس الأميركي هاري ترومان خلال أعوام الحرب العالمية الثانية، ما بين تموز / يوليو وآب / أغسطس 1945، لإقناع الحكومة البريطانية بمنح اليهود 100,000 شهادة هجرة إضافية. وبعد انتهاء الحرب في أيلول / سبتمبر من السنة نفسها (1945)، ضاعفت الصهيونية العالمية نشاطها السياسي في الأوساط الأميركية العليا، بعد صعود نجم الولايات المتحدة في أعقاب نتائج الحرب العالمية الثانية.

أيد الرئيس الأميركي ترومان في 4 تشرين الأول / أكتوبر 1946 خطة الوكالة اليهودية الداعية إلى تقسيم فلسطين، وقبل بن - غوريون بنتائج "لجنة بيل" التي صدرت في سنة 1937، معتبراً أن القبول بدولة يهودية في جزء من فلسطين، بحسب تقرير اللجنة، يُعتبر مرحلة من مراحل الوصول إلى دولة يهودية في أنحاء فلسطين كافة.[92] وكان بن - غوريون قد حدد في سنة 1942، الهدف الصهيوني في برنامج "بالتيمور" بأنه إعادة تشكيل فلسطين كدولة يهودية ديمقراطية. وعلى الرغم من دعوة المعسكر التصحيحي بقيادة فلاديمير جابوتنسكي الذي أسس المنظمتين الإرهابيتين "إيتسل" و"ليحي"، إلى إقامة دولة يهودية على ضفتَي نهر الأردن بقوة السلاح، فإن بن - غوريون بقي متبنّياً بشكل تكتيكي حل التقسيم الذي أصبح منذ تقرير "لجنة بيل"، مطلباً لقيادة التيار الرئيسي في الحركة الصهيونية، وظل بن - غوريون متمسكاً بالتقسيم حتى صدور قرار التقسيم 181، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.[93]

وقفت القيادة الفلسطينية أمام هذه الأحداث العاتية ضعيفة ومشتتة وعاجزة، فبعد أن حلت سلطات الانتداب البريطاني اللجنة العربية العليا في سنة 1937، وقمعت رجال الثورة، خرج أمين الحسيني رئيس اللجنة من فلسطين، ولجأ إلى ألمانيا في سنة 1940، داعماً نظامها ضد الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، على الرغم من عدم تبنّي ألمانيا مواقف صريحة داعمة لقضية استقلال فلسطين.[94] ورفض الحسيني أي توجهات إلى إنشاء دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين التاريخية،[95] وقام بتأسيس لجنة من القاهرة في سنة 1946، تضم ثواراً فلسطينيين وسوريين ومصريين وعراقيين، بهدف وضع مخططات تضمن إرسال السلاح إلى فلسطين.[96] 

V - الخاتمة

تبلورت الكيانية الفلسطينية في إطار حقبة زمنية ساهمت في ولادتها مشوهة، ولم تمكّنها من البروز بالشكل اللازم لمواجهة مخاطر تلك الحقبة التي مرت بها فلسطين. فقد سعت بريطانيا طوال أعوام احتلالها وانتدابها على فلسطين، وعبر عدة وسائل، لتقويض مكانة الحركة الوطنية الفلسطينية، سواء من خلال إضعاف قيادة الحركة الوطنية الناشئة في حينه، أو من خلال ضرب الحركة الشعبية الوطنية، من أجل تحقيق "وعد بلفور" لليهود، الأمر الذي أثّر بشكل كبير في تماسك الكيانية الفلسطينية ونجاعة مؤسساتها ومكانة القيادة الفلسطينية الممثلة في إطارها وقوة تمثيلها وممارستها لدورها، في ظل مرحلة سياسية شديدة الحساسية. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الدراسة توصلت إلى وقوع القيادة الفلسطينية في أخطاء كان من الممكن تداركها، إلّا إن من غير المؤكد أنه في حال تداركها وتمكّن القيادة الوطنية من تشكيل كيانية أكثر تماسكاً وصلابة آنذاك، فإنها كانت ستنجح في التصدي لمؤامرات بريطانيا العظمى، صاحبة المشروع الاستعماري في فلسطين. علاوة على ذلك، عمدت الحركة الصهيونية إلى الحصول على دعم بريطانيا عن وعي، بصفتها القوة العظمى القادرة على دعم مشروعها، ثم لجأت بعد ذلك إلى الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها في فلسطين، بعد أن صعد نجمها السياسي خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، الأمر الذي يفسر أن موازين القوة كانت دائماً راجحة لمصلحة الحركة الصهيونية وحلفائها الاستعماريين، وتحديداً بريطانيا وأميركا، في مواجهة عوامل القوة المحدودة للغاية التي توفرت للفلسطينيين.

ومن الواضح أن ما بدأه الفلسطينيون في نهاية العهد العثماني من البحث عن كيانية تحمل هويتهم المستقبلية، لم يؤتِ ثمره، فاللجنة التنفيذية واللجنة العربية العليا والتشكيلات الوطنية والسياسية الأُخرى التي وُجدت في فلسطين في تلك الفترة، لم تكن تحظى بالقوة الكافية لتثبّت أقدامها وتتصدى لمكونات المشروع الاستعماري الصهيوني الذي سيطر على فلسطين سياسياً وعسكرياً. كما أن الوعي الفلسطيني بأهمية تشكيل الكيانية بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين في نهاية سنة 1917، لم يكن على درجة كافية من النضوج، وبالتالي فإن أداء القيادات الفلسطينية في هذا المجال أتى دون المستوى المطلوب. واتضح أن توجه بريطانيا الممنهج بعد ذلك إلى استخدام وجودها في فلسطين سواء بشكل المحتل أو القوة المنتدبة، إنما جاء لترسيخ الوجود اليهودي فيها، قانونياً وسياسياً وعلى أرض الواقع.

واستغلت بريطانيا بصورة خاصة، تفاهماتها واتفاقاتها مع الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى لضمان سيطرتها على فلسطين، فقد أدت هذه الاتفاقيات إلى تقسيم التركة العثمانية من الأراضي العربية فيما بينها، بحيث أخضعت بريطانيا فلسطين تنفيذاً لوعد بلفور على أرض الواقع. وعملت بريطانيا بعد ذلك بشكل ممنهج على شرعنة الوعد وتوثيقه وفرضه، في أثناء فترة احتلالها فلسطين منذ سنة 1918، وذلك من خلال الاتفاقيات الدولية التي كانت طرفاً فيها، والتي تتعلق بالمنطقة العربية، وخصوصاً وثيقة "صكّ الانتداب" على فلسطين في سنة 1922. ومنذ سنة 1917، بدأت بريطانيا طوال أعوام احتلالها فلسطين بتحقيق التزامها لليهود لتمكينهم في فلسطين سياسياً وعسكرياً وعلى الأرض بشكل ممنهج ومدروس، وهذا كله على حساب أهل البلد الأصليين، نافية حقّهم في أرضهم، ومستخدمة سلطتها كقوة احتلال وانتداب بعد ذلك.

وفي الوقت الذي عملت بريطانيا عن وعي على دعم اليهود سياسياً وعسكرياً في فلسطين، وبالتزامن مع تعزيز قدرات لجان العمل الصهيوني في فلسطين على الانخراط مع سلطات الاحتلال في إدارة الأراضي الفلسطينية، فإنها عملت من جهة أُخرى على عرقلة بروز كيانية فلسطينية صلبة، فبثّت بذور الفتنة بين القيادات الفلسطينية لإضعافها، وأقنعت تلك القيادات بنيّتها الانسحاب من فلسطين، كي تضمن عدم مقاومتها لوجودها. وقد ساهمت تلك السياسة البريطانية في إضعاف الموقف الفلسطيني وخلق حالة من الانقسام بين التوجهات الشعبية الرافضة لسياسات الاحتلال والانتداب البريطاني من ناحية، وبين توجهات القيادة التي وثقت بعهود البريطانيين من الناحية الأُخرى، الأمر الذي يفسر سياسة القيادة الفلسطينية خلال العقدين الأوّلين من السيطرة البريطانية على فلسطين بمحاولات التهدئة والحدّ من التوجه الشعبي الغاضب والثورات الشعبية الرافضة للممارسات البريطانية.

وساهمت بريطانيا مبكراً في تقوية اليهود عسكرياً في فلسطين، فسمحت لهم منذ احتلالها في سنة 1917 بتشكيل قوات حماية عسكرية لمستعمرات اللاجئين، كما سمحت بتسليح اليهود وتدريبهم طوال أعوام سيطرتها على فلسطين، في الوقت الذي بلورت توجهها مبكراً بعدم السماح للفلسطينيين بالحصول على السلاح، ففرضت الأوامر العسكرية القاسية لمنعهم من التسلّح، وواجهت التظاهرات والاضطرابات والثورات المسلحة بقسوة عالية. وهذا الأمر كان له دور مهم في حسم المعركة على الأرض في تلك الفترة، وبدعم مطلق من السلطات البريطانية، ومن دون وجود المقاومة الفلسطينية اللازمة للتصدي لهذه المؤامرة. علاوة على ذلك، فإن عمل بريطانيا على تعزيز وجود اليهود وقدراتهم على الأرض الفلسطينية من خلال السماح بالهجرات اليهودية المكثفة خلال أعوام سيطرتها، وتيسير حصولهم على أراضي الفلسطينيين عبر التشريعات والأوامر العسكرية، غيّر في النهاية من الوضعَين الديموغرافي والسياسي في فلسطين لمصلحة تثبيت الوجود اليهودي قانونياً فيها، وذلك من خلال قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، والذي تستشهد به إسرائيل اليوم لإثبات شرعيتها.

لا يمكن إغفال القصور وقصر النظر الذي لحق بالقيادة الفلسطينية وأدائها في هذه الفترة الحساسة من عمر القضية الفلسطينية، والتي استهانت وهادنت السلطات البريطانية التي ساعدت اليهود على التمدد والتوسع في فلسطين والسيطرة عليها في النهاية، فقد انشغلت القيادة الفلسطينية بخلافاتها وصراعاتها العائلية والحزبية، الأمر الذي يفسر مدى هشاشة الكيانية الفلسطينية التي تكونت في تلك الفترة، إذ فشلت القيادات الموجودة آنذاك، في بلورتها بشكل سليم ومتلائم مع طبيعة المرحلة. وفي المحصلة النهائية، وعندما أعلنت إسرائيل إنشاء كيانها في 15 أيار / مايو 1948، انهار جميع ما تأسس من مقومات ومكونات الكيانية التي سعى الفلسطينيون لتأسيسها في النصف الأول من القرن العشرين، بينما تُوّج الجهد الاستعماري الصهيوني في بناء كيانية متكاملة تجسدت في إعلان قيام دولة إسرائيل.

 

المصادر:

[1] حزب الاتحاد والترقي هو حزب عثماني معارض استولى على السلطة بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الذي قاوم المحاولات الصهيونية لاستعمار فلسطين. وحكم الحزب ما بين سنتَي 1908 و1918، وحمل أفكاراً قومية وآمن بالحكم المركزي.

[2] ماهر الشريف، "البحث عن كيان: دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني، 1908 – 1993" (نيقوسيا، قبرص: مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، ط 1، 1995)، ص 20.

[3] نجيب نصار، "الجامعة العربية الفلسطينية"، صحيفة "الكرمل" (حيفا)، العدد 336، 19 أيلول / سبتمبر 1913، ص 1.

[4] "الموسوعة الفلسطينية: القسم العام في أربعة مجلدات" (دمشق: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1984 – 1996)، المجلد الرابع، ص 611.

[5] حمدي الحسيني، "المؤتمر الفلسطيني الأول"، جريدة "الكواكب"، العدد 137، نيسان / أبريل 1919، ص 1. تجدها في: سليم المبيض، "حمدي عبد الرحمن الحسيني" (غزة: مطبعة اقرأ الجديدة، 2019)، ج 1.

[6] سميح شبيب، "لجنة التوجيه الوطني"، في: "موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية"، تحرير محمد اشتية (عمّان: المركز الفلسطيني للدراسات الإقليمية، 2011)، ص 474 - 476.

[7] حمدي الحسيني، "الصهيونية لم تعد حلماً"، جريدة "مرآة الشرق"، العدد 1125، 21 / 11 / 1934. تجدها في: المبيض، مصدر سبق ذكره.

[8] ناجي علوش، "الحركة الوطنية الفلسطينية أمام اليهود والصهيونية، 1882 – 1948" (بيروت: مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية؛ الكويت: رابطة الأدباء في الكويت، 1974)، ص 140.

[9] المصدر نفسه، ص 141.

[10] "الموسوعة الفلسطينية..."، مصدر سبق ذكره، ص 611.

 [11]المصدر نفسه، ص 572.

[12] المصدر نفسه، ص 573.

[13] ناجي علوش، "المقاومة العربية في فلسطين، 1917 – 1948" (بيروت: دار الطليعة، ط 3، 1975)، ص 40.

[14] "جريدة حكومة فلسطين الرسمية" (القدس)، العدد الممتاز، 24 تشرين الأول / أكتوبر 1930، ص 102 – 105.

[15] علوش، "الحركة الوطنية..."، مصدر سبق ذكره، ص 166 – 167.

 [16]بيان نويهض الحوت، "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، 1917 - 1948" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1986)، ص 147.

[17]علوش، "الحركة الوطنية..."، مصدر سبق ذكره، ص 163.

[18]عيسى السفري، "فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية: سجل عام لقضية فلسطين في عشرين سنة" (يافا: مطبعة مكتبة فلسطين الجديدة، ط 1، 1937)، ص 150.

[19] عبد الوهاب الكيالي، "تاريخ فلسطين الحديث" (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990)، ص 195.

[20] حمدي الحسيني، "فوز الفكرة الاستقلالية في اللجنة التحضيرية لمؤتمر الشباب"، جريدة "الصراط المستقيم"، العدد 570، 19 / 11 / 1931. تجدها في: المبيض، مصدر سبق ذكره.

[21] المصدر نفسه.

[22] فيصل حوراني، "جذور الرفض الفلسطيني، 1918 – 1948" (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية / مواطن، ط 1، 2003)، ص 307.

[23] المصدر نفسه.

[24] علوش، "الحركة الوطنية..."، مصدر سبق ذكره، ص 186.

[25] سليم المبيض، "حمدي عبد الرحمن الحسيني" (غزة: مطبعة اقرأ الجديدة، 2019)، ج 1، ص 294 – 295.

[26] سميح شبيب، "الأصول الاقتصادية والاجتماعية للحركة السياسية في فلسطين، 1920 - 1948" (عكا: مؤسسة الأسوار، ط 1، 1999)، ص 88.

[27] الحوت، مصدر سبق ذكره، ص 738.

[28] حوراني، مصدر سبق ذكره، ص 303.

[29] الكيالي، مصدر سبق ذكره، ص 251.

[30] الشيخ عز الدين القسّام سوري الأصل، شارك في ثورة 1920 في سورية ضد الاحتلال الفرنسي، ثم لجأ إلى فلسطين وأقام في مدينة حيفا، ودرس في مدرستها الإسلامية، وبات خطيب مسجد الاستقلال في المدينة.

[31] أحمد طربين، "فلسطين في عهد الانتداب البريطاني"، "الموسوعة الفلسطينية"، القسم الثاني، الدراسات الخاصة (بيروت: هيئة الموسوعة الفلسطينية، ط 1، 1990)، المجلد الثاني، ص 1037.

[32] الحوت، مصدر سبق ذكره، ص 194 – 196.

[33] عاطف عدوان، "دراسات فلسطينية" (غزة: دار البشير للطباعة والنشر، 1994)، ص 102.

 [34]نظام العباسي، "فلسطين والبرنامج العربي: الحركة الوطنية الفلسطينية حتى عام 1987" (نابلس: منشورات جامعة النجاح الوطنية، 1999)، ص 107، 108.

[35] كامل محمود خلّة، "فلسطين والانتداب البريطاني (1922 - 1939)" (طرابلس، ليبيا: المنشأة العامة للنشر والتوزيع، 1982)، ص 502 – 518.

[36] تيسير جبارة وزملائه، "مدينة خليل الرحمن (دراسة تاريخية وجغرافية)"، (الخليل: مركز أبحاث رابطة الجامعيين، 1987)، ص 145.

 [37]طربين، مصدر سبق ذكره، ص 1039.

[38] شبيب، "لجنة التوجيه الوطني"، مصدر سبق ذكره، ص 586 – 587.

[39] عبد الوهاب الكيالي (إعداد)، "وثائق المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية، 1918 – 1939" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط 2، 1988)، ص 78.

[40] "استمرار الإضراب والمقاطعة"، جريدة "الكرمل"، العدد 1409، 3 كانون الأول / ديسمبر 1929، ص 4.

[41] علوش، "الحركة الوطنية..."، مصدر سبق ذكره، ص 271.

[42] الحوت، مصدر سبق ذكره، ص 738.

 [43]عدنان أبو عامر، "الترحيل في الفكر الصهيوني.. السياسات والأساليب"، 16 كانون الثاني / يناير 2018، في الموقع الإلكتروني لعدنان أبو عامر، في الرابط الإلكتروني.

[44] المصدر نفسه.

[45] صبحي ياسين، "حرب العصابات في فلسطين" (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967)، ص 122.

[46] محسن صالح، "المقاومة المسلحة ضد المشروع الصهيوني في فلسطين، 1920 – 2001" (القاهرة: مركز الإعلام العربي، ط 1، 2002)، ص 45.

[47] خيرية قاسمية، "فلسطين في مذكرات القاوقجي: 1936 – 1948" (بيروت: دار القدس، ط 1، 1975)، ص 20.

[48] محمد عبد المنعم، "فلسطين والغزو الصهيوني" (القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة، ط 1، 1970)، ص 125.

[49] شبيب، "لجنة التوجيه الوطني"، مصدر سبق ذكره، ص 586 – 587.

[50] المصدر نفسه.

[51] حمدي الحسيني، "ليعقد الفلسطينيون مؤتمرهم"، جريدة "المقطم"، 29 / 8 / 1951. تجدها في: المبيض، مصدر سبق ذكره، ص 19.

[52] "سايكس بيكو.. هكذا قسمت الكعكة العربية"، "الجزيرة نت"، 11 /5 / 2016، في الرابط الإلكتروني.

 [53]انظر الكتاب الابيض الذي أصدره وزير المستعمرات البريطانية، ونستون شرشل، في حزيران / يونيو 1922، في: سمير أيوب، "وثائق أساسية في الصراع العربي - الاسرائيلي، الجزء الثاني، مرحلة زرع المؤامرة" (بيروت: دار الحداثة، 1948)، ص 130 - 135.

 [54]"جريدة الفتح"، العدد 106، 26 تموز / يوليو 1928. تجدها في: المبيض، مصدر سبق ذكره، ص 151.

[55] المادة الرابعة من صكّ الانتداب.

 [56]سنية الحسيني، "إعلان بلفور أكبر جرائم هذا العصر"، "الحوار المتمدن"، 13 / 11 / 2018، في الرابط الإلكتروني.

[57] صلاح الدين الدباغ، "حق الشعب الفلسطيني بأرضه والعودة إليها"، مجلة "شؤون فلسطينية"، العدد 41 (كانون الثاني / يناير 1975)، ص 140.

[58] حمدي الحسيني، "تعليقاً على مكتب الدعاية في لندن"، "جريدة الدفاع"، 24 / 11 / 1935، ص 1- 7. تجدها في: المبيض، مصدر سبق ذكره، ص 321.

[59] الحوت، مصدر سبق ذكره، ص 204 – 205.

[60] حمدي الحسيني، "كلمة إلى الشعب العربي الفلسطيني" (يافا: مطبعة الحقوق، 1928)، ص 5.

[61] علي سعود عطية، "الحزب العربي الفلسطيني وحزب الدفاع الوطني، 1934 - 1937" (القدس: جمعية الدراسات العربية، 1985)، ص 140.

[62] جبارة، مصدر سبق ذكره، ص 145.

[63] خلّة، مصدر سبق ذكره، ص 576.

[64] حمدي الحسيني، "ذرائع الاستعمار ومكانة الانتداب: قضيتنا الاستقلال التام لا المجلس التشريعي"، "جريدة الدفاع"، 10 / 1 / 1936، ص 1 - 2. تجدها في: المبيض، مصدر سبق ذكره.

[65] المصدر نفسه.

[66] الكيالي، "وثائق المقاومة الفلسطينية العربية ..."، مصدر سبق ذكره، ص 378.

 [67]أبو عامر، مصدر سبق ذكره.

[68] انظر: "خطاب جمال الحسيني في الجمعية العامة"، في: سنية فيصل الحسيني، "القضية الفلسطينية في الجمعية العامة" (بيرزيت: جامعة بيرزيت، 2002)، ص 34.

" [69]يافا (ثورة)"، "الموسوعة الفلسطينية"، في الرابط الإلكتروني.

[70] الحوت، مصدر سبق ذكره، ص 319.

[71] الكيالي، "تاريخ فلسطين الحديث"، مصدر سبق ذكره، ص 123.

[72] خليل حسونة، "الثورة الشعبية الفلسطينية: ثورة 1936 نموذجاً" (غزة: المركز القومي للدراسات والتوثيق، ط 1، 2001)، ص 38.

[73] سامي الجندي، "عرب ويهود: العداء الكبير" (بيروت: دار النهار للنشر، 1968)، ص 61.

 [74]"هيكرافت (لجنة)"، "الموسوعة الفلسطينية"، في الرابط الإلكتروني.

[75] "الانتداب البريطاني"، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني في وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية ("وفا")، في الرابط الإلكتروني.

[76] أكرم زعيتر، "القضية الفلسطينية" (القاهرة: دار المعارف، ط 1، 1955)، ص 78.

[77]طربين، مصدر سبق ذكره، ص 1021.

[78] عادل حسن غنيم، "الحركة الوطنية الفلسطينية، 1917 – 1936" (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974)، ص 199.

[79] الكيالي، "تاريخ فلسطين الحديث"، مصدر سبق ذكره، ص 222.

[80] سميح حمودة (إعداد)، "هبّة البُراق 1929"، مجلة "حوليات القدس" (القدس)، العدد 11 (صيف 2011)، ص 67.

[81] صبري جريس، "تاريخ الحركة الصهيونية: الوطن القومي اليهودي في فلسطين 1918 – 1938" (نيقوسيا، قبرص: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث الفلسطيني، 1986)، الجزء الثاني، ص 250.

[82] "الانتداب البريطاني"، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني في وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية ("وفا")، مصدر سبق ذكره.

[83] المصدر نفسه.

[84] المصدر نفسه.

[85] أبو عامر، مصدر سبق ذكره.

[86] Arthur Koestler, Promise and Fulfillment: Palestine 1917- 1949 (London and New York: MacMillan Company, 1st edition, 1949), p. 127.

Ibid. [87]

[88] "قضية فلسطين في قرارات القمم العربية (1946 - 2019)"، "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، في الرابط الإلكتروني.

[89] شارك في مؤتمر قمة أنشاص، إلى جانب الملك فاروق، كل من: الملك عبد الله ملك الأردن؛ شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية؛ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية؛ الأمير سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية؛ الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق؛ الأمير سيف الإسلام عبد الله نجل إمام اليمن.

[90] نجح هذا اللوبي الصهيوني المسيحي في عهد سابق في الضغط على صانع القرار الأميركي لاتخاذ مواقف تدعم سياسة الحركة الصهيونية في فلسطين، الأمر الذي عكس تعاطف مختلف الإدارات الأميركية عامة مع اليهود والحركة الصهيونية، فأصدرت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، قانوناً خلال ثلاثينيات القرن الماضي، تحت ضغط ذلك اللوبي وتأثيره، لتقييد هجرة يهود شرق أوروبا إليها، من أجل إجبارهم على الهجرة إلى فلسطين.

[91] محمد عبد الخالق، "الصهيونية بلا قناع" (بيروت: دار الفارابي، ط 1، 1964)، ص 106.

[92] أبو عامر، مصدر سبق ذكره.

 [93] المصدر نفسه.

[94] عبد الكريم العمر(إعداد)، "مذكرات الحاج محمد أمين الحسيني" (دمشق: الأهلي للطباعة والنشر والتوزيع، 1999)، ص 112.

[95] المصدر نفسه، ص 316 – 317.

 [96]نبيل خالد الآغا، "وجوه فلسطينية خالدة" (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002)، ص 79.

السيرة الشخصية: 

سنية الحسيني: كاتبة وأكاديمية فلسطينية.

اقرأ المزيد