mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 163
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
وجهة نظر في القضية الفلسطينية
النص الكامل

 لم يكن الوالد يعرف العربية. أمازيغي هاجر من عمق جبال الأطلس إلى مدينة شيّدها الجنرال الذي غزا المغرب. بل للدقة هو شيّد ميناء على النهر المارّ من أطراف المدينة، تدخل إليه البواخر من المحيط الأطلسي الذي يبعد عنه بضعة كيلومترات. ونمَت المدينة بسرعة فائقة تحمل اسم الجنرال الغازي (Port Lyautey) قبل أن تستعيد بعد الاستقلال اسمها الأصلي: القنيطرة.

الوالد لا يعرف إلاّ شذرات من العربية المغربية، ولا يعرف الفصحى. يفتح الراديو على محطة "صوت العرب"، فأترجم له بالأمازيغية صراخ مذيعها الشهير أحمد سعيد وهو يبشّر بالنصر الآتي القريب في فلسطين.

ثم كانت هزيمة الأيام الستة، بل الساعات الست. وقبل انكشاف الهزيمة الفاضحة كان أحمد سعيد يُسقط طائرات العدو بالعشرات، ويضرب موعداً للجيوش العربية الظافرة في تل أبيب. وانكشفت فضيحة الهزيمة التي سمّوها نكسة، ولا أزال حتى الآن لا أفهم كيف حدثت تلك الهزيمة الفاضحة.

بعد أعوام طويلة جلست مع محمد فايق الذي كان وزير للإعلام أيام الهزيمة (أنا كنت رئيساً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان وهو أمينها العام)، وسألته عن أسراب الطائرات المتساقطة، أجابني أنه كان يتلقى البلاغات الحربية من قيادة الجيش، ويرسلها إلى صوت العرب وإذاعة القاهرة.

انتصار إسرائيل في حرب 1967 زادها ثقة بذاتها، بل جعل الولايات المتحدة، داعمها الأول، تزداد ثقة بمستقبل الدولة العبرية، بينما راهنت الدول العربية التي كانت تسمى تقدمية، على الاتحاد السوفياتي. وحين انهار هذا الأخير وتفردت أميركا بقيادة العالم، كانت إسرائيل، معززة باللوبي اليهودي، قد وضعت يدها على دواليب المؤسسات الأميركية. وحاولت الدول العربية التقرب ولو بالتبعية إلى أميركا، من دون أن تكون قد أسست لقوة ضغط داخل الولايات المتحدة على غرار اللوبي اليهودي المتغلغل في النسيج الأميركي، غير أن التأييد الأميركي لإسرائيل وصل إلى ذروته في الإدارة الأميركية الحالية، من استعمال آلي للفيتو، وغضّ الطرف عن التوسع في الاحتلال بمصادرة الأراضي وتهجير الفلسطينيين وهدم البيوت وشنّ الغارات، وخروجها من اليونيسكو ترضية لإسرائيل، وسحب مساهمتها المالية لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) تمهيداً لتصفية حق العودة.

وفي محاولة مني لاستشراف المستقبل من خلال الحاضر، أرى أن الغرب الآن، بقيادة الولايات المتحدة، هو الداعم الرئيسي لإسرائيل منذ نشأتها، وأن هذا الدعم خدم شيئين: الأول، المحرقة التي سعى الغرب للتكفير عنها ولو على حساب الفلسطينيين؛ الثاني، أن الغرب المسيحي يشترك مع المسيحية في "العهد القديم". فالمهاجرون الأوروبيون الأوائل إلى أميركا كانت ذاكرة العهد القديم قوية لديهم، وكان في مخيالهم إقامة القدس الجديدة على الأرض الجديدة. أمّا القرن الواحد والعشرون فمن المتوقع أن يكون قرناً آسيوياً، والأمم الآسيوية لا تحمل عقدة الهولوكست، ولا تشترك في أي شيء مع ذاكرة العهد القديم اليهودية والمسيحية. وتلك الدول التي ستتحكم في اقتصاد العالم، ستكيّف سياستها الخارجية عبر مصالحها الاقتصادية، بعيداً عن عقدة ذكرى المحرقة والذاكرة الدينية اليهودية ـ المسيحية المشتركة. ولذلك، فإن مقاربتها للقضية الفلسطينية ستكون مقاربة مصالح اقتصادية وجيوسياسية فقط، غير مشوبة بـالتكفير عن الهولوكست، ولا مثقلة بالذاكرة التوراتية.

لقد استوقفتني دائماً، وأنا الذي اشتغلت لأعوام في مجال حقوق الإنسان، مفارقة أن سنة 1948 هي السنة التي صدر فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكنها أيضاً سنة النكبة، نكبة شعب بكامله صودر وطنه، ويرزح قسم من أهله تحت الاحتلال، بينما أُلقي بالبقية إلى الشتات والمخيمات. ومَن يقرأ ديباجة الإعلان المذكور يلاحظ أن هدفه وضع ميثاق أممي كي لا يبرز في العالم من جديد نظام فاشستي عنصري. وعلى الرغم من ذلك، فإن إسرائيل كنظام عنصري، ضربت بعرض الحائط المواثيق والقرارات الأممية كافة.

ولأن لفلسطين رسوخاً في عمق الوجدان العربي، فإن من الطبيعي أن تكون القضية الفلسطينية هي قضية العرب أيضاً. لكن، وباسم عروبة القضية، كثيراً ما تلاشت الحدود بين التضامن مع الشعب الفلسطيني وبين التدخل في قضيته. فقد وضعت أنظمة عربية يدها على القضية الفلسطينية، بل قامت بانقلابات جعلت من هذه القضية أحد شعاراتها الكبرى، منذ انقلاب الضباط الأحرار في مصر، إلى الانقلابات في سورية والعراق وليبيا.

ثم جاءت الثورة الخمينية في أواخر سبعينيات القرن الماضي كي تضع يدها أيضاً على القضية الفلسطينية، وتجعل منها ورقة لتمدُّدها في المنطقة، ولتُدخل القضية في خضمّ الصراع الشيعي ـ السني. ومنذ أن أعلن الخميني يوماً "عالمياً" للقدس، جعلت إيران من القضية الفلسطينية قضية دينية إسلامية، كأن المسيحيين الفلسطينيين والعرب لا شأن لهم بالقضية، علاوة على استفزاز المسيحيين في العالم، ولتصبح قضية فلسطين صراعاً دينياً بين المسلمين واليهود، في حين أنها قضية حقوق وطنية وإنسانية يسندها القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

إن اختزال القضية الفلسطينية في القدس استناداً إلى رمزيتها المقدسة لدى المسلمين باعتبارها أولى القبلتين، يعني إبعاد غير المسلمين عن هذه القضية. والطرح السليم والمجدي هو باعتبار القدس جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والاستناد إلى مسألة الحق التاريخي والإنساني للدفاع عنها، ومن خلال التركيز على القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

يطالب الفلسطينيون بحق العودة، بينما يعتبر الإسرائيليون أنهم "عادوا" إلى أرض ميعادهم، لكن شتان بين العودتين! فالفلسطينيون يطالبون بالعودة إلى وطن اغتُصب منهم حديثاً، وإلى ديار ما زالت ماثلة للعيان، في حين أن اليهود "عادوا" إلى "أرض الميعاد" كحق توراتي، والتوراة كتاب مقدس عند المسلمين أيضاً، لكنه ليس وثيقة ملكية عقارية يُدلى بها في المحافظة العقارية أو الشهر العقاري!

إن للمقاطعة دلالة سياسية وأخلاقية. فالعالم كان يقاطع نظام جنوب أفريقيا لأنه نظام فصل عنصري (أبارتهايد)، كما أن مقاطعة النظام الإسرائيلي واجب سياسي وأخلاقي معاً، لأنه نظام فصل عنصري، علاوة على أنه نظام احتلال وغصْب، وإنهاء المقاطعة هو بمثابة قبول بنظام استثنائي هو وحده بين أنظمة العالم نظام احتلال وأبارتهايد معاً.

إن نَعْت إسرائيل ومناصريها للمقاطعة بمعاداة السامية، والتذكير المستمر بالمحرقة، ما هما سوى ابتزاز وتغطية للاحتلال والقمع وهدم البيوت وشنّ الغارات. فالجريمة الماضية (الهولوكوست) يجب ألاّ تغطي جريمة جارية، أو تبررها.

ليست المقاطعة معاداة للسامية اليهودية مثلما تدّعي إسرائيل وأنصارها، وليست رفضاً لدولة تريد أن يعترف بها العرب كدولة عادية بين دول المنطقة. كلا! إن إسرائيل ليست دولة عادية، إذ كيف تكون عادية وهي تتوسع في الاستيطان وتهدم البيوت وتشنّ الغارات متى ترغب في ذلك؟ كيف تكون عادية وهي دولة نظام فصل عنصري؟ إن مقاطعتها موقف حقوقي والتزام أخلاقي.

تعتدّ إسرائيل وأنصارها بأنها الديمقراطية الوحيدة وسط صحراء الاستبداد العربي، لكن هل تشفع لها ديمقراطيتها في كونها دولة احتلال وقمع وأبارتهايد؟ ألم تكن الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا دولاً ديمقراطية، لكن لمواطنيها وحدهم فقط؟ أليس الاحتلال نقيض الديمقراطية ومبادئها وعلى رأسها الحرية؟ فكيف تستقيم ديمقراطية إسرائيل التي هي نظام احتلال وأبارتهايد هما نقيض الديمقراطية التي أساسها الحرية والمساواة في الحقوق الإنسانية، في الوقت الذي تصادر حريات الفلسطينيين الفردية والعامة وحقوقهم الوطنية والإنسانية؟

واليوم، يكاد العالم يدير ظهره لفلسطين، والعرب تضاءل اهتمامهم بقضيتها، فهل نستسلم لليأس نافضين أيدينا من أمل عشنا به أمداً طويلا؟

لقد نشأت وجيلي مع قضية فلسطين. نشأت معها منذ أن كنت تلميذاً أترجم للوالد الأمازيغي رحمه الله ما يقوله مذيع صوت العرب الشهير، ومنذ أن مضى العمر وتوالت الهزائم والخيبات. فهل نستسلم لليأس؟ إن اليأس استسلام أمام قوة غاشمة فرضت القوة فوق الحق والعدل، وسيطرت على وسائل الإعلام والاتصال كي تحرّف الحقيقة بالتضليل.

إن الاستسلام لليأس قبول بأمر واقع قائم على الظلم والغصب والتضليل. إنه تنازل عن الحق وتفريط في الكرامة، وقضية فلسطين هي في الواقع قضية حق وكرامة، فأي معنى لحياة الإنسان إذا تنازل عن الحق وفرّط في الكرامة؟ إن الاستسلام لليأس اعتراف بدولة تدّعي أن العرب لا يقبلون بها كدولة عادية، في حين أنها ليست دولة عادية لأنها دولة احتلال وقمع وأبارتهايد؛ دولة تدوس القانون الدولي والشرعية الدولية ومواثيق حقوق الإنسان ولا حساب لها، ولا عقاب. كلا! فمهما تجرِ رياح اليوم لغير مصلحة القضية الفلسطينية، فإن قضية فلسطين ستبقى قضية حق وكرامة. فهل يرضى الفلسطينيون والعرب بالتنازل عن الحق والتفريط في قضية هي قضية حق وكرامة؟