mdf-fulltex

مجلد 30

2019

ص 159
الملف (فلسطين في مرايا الثقافة العربية)
فلسطين في الوعي الكويتي: ثلاث مراحل تصنع صورة
النص الكامل

 

في الكويت، لا نستطيع الإشارة إلى صورة فلسطين، اليوم، من دون المرور بعلاقة الكويتي، أفراداً وقيادة، بالقضية الفلسطينية عبر ثلاث مراحل مهمة توضّح لنا هذه الصورة وما آلت إليه. المرحلة الأولى منذ ما قبل الاستقلال وصولاً إلى الاحتلال العراقي للكويت في سنة 1990، والمرحلة الثانية، الملتبسة، ما بعد التحرير في سنة 1991، والثالثة ما بعد سنة 2006.

 

المرحلة الأولى: تأسيس الوعي

كان العنصر الفلسطيني في المرحلة الأولى، منذ ما قبل الاستقلال، عنصراً فاعلاً مؤسساً ومؤثراً في النسيج الثقافي والاجتماعي الكويتي بصورة كبيرة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار إقامة ما يقارب 450,000 فلسطيني في الكويت، وهو عدد يكاد يقارب عدد المواطنين في سنة 1990. وكان للوجود الفلسطيني آنذاك تأثير مباشر في توجُّه القيادة السياسية في الكويت، ولا سيما في سِلكَي التعليم والإعلام، الأمر الذي ساهم في تعزيز الوعي الكويتي عامة، وخصوصاً تجاه القضية الفلسطينية بصفتها قضية الكويت الأولى، بشكل أزعم أن أي دولة عربية أُخرى لم تدركه.

كان الكويتي معنياً بشكل مباشر بالقضية، وكان منخرطاً فيها تطوعاً، يرى ما يشبه الحظوة باحتضان بلده العديد من القيادات الفلسطينية، والاستفادة من أسماء مؤثرة في الثقافة والفنون والاقتصاد مثل غسان كنفاني ومريد البرغوثي ووليد أبو بكر وطارق عثمان وناجي العلي وإسماعيل شمّوط وإبراهيم دبدوب وطلال أبو غزالة وآخرين لا يسعنا ذكرهم في هذا المقام. وهذا التأثير يمكن لمسه بشكل واضح، في فترة ما قبل سنة 1990، في النتاج الثقافي الكويتي، المغاير خليجياً، في صنوف الفنون والآداب على وجه التحديد: في الأغنية والمسرح والرواية والقصة القصيرة، كما كان للشعر النصيب الأكبر، بصورة تشي بأن ليس للفرد الكويتي قضية تجاوز الحق الفلسطيني في قضيته. ويمكن للباحث إدراك صورة فلسطين في الوعي الكويتي في نتاج أسماء كثيرة لعل من أهمها إسماعيل فهد إسماعيل وليلى العثمان في فن القصة والرواية، وفهد العسكر ود. خليفة الوقيان ومحمد الفايز وعلي السبتي وجنَّة القريني وغنيمة زيد الحرب في الشعر، وصلاح الساير وعبد اللطيف البنّاي في الأغنية ومسرح الطفل، وسامي محمد في الفن التشكيلي. وقد بلغ ذاك النتاج ذروته في الفترة ما بين مذبحة صبرا وشاتيلا والانتفاضة الفلسطينية الأولى، فقد تمخضت تلك الفترة عن جيل يعي تمام الوعي حق الفلسطيني في مواجهة كيان محتل.

وبرصد عشوائي لذاكرة أبناء جيلي "جيل الثمانينيات" على سبيل المثال، نجد أن فلسطين "كانت" جزءاً محورياً في نشأتنا، وشكلت وعينا المبكر، وذلك بتأثرنا بالوجود الفلسطيني، أولاً من خلال معلمي وزارة التربية والتعليم والتلاميذ، إذ كان مسموحاً للتلميذ الفلسطيني الالتحاق بالمدارس الحكومية الكويتية، وثانياً، من خلال النتاج الثقافي والأدبي والإعلامي والتربوي المشفوع بتوجهات القيادة السياسية. فلا يكاد يخلو منهج دراسي من وجود فلسطين تاريخاً أو جغرافيا أو ديناً أو قصائد وأناشيد، كما أن مناهج اللغة العربية والأنشطة المدرسية التطوعية كانت لمصلحة منظمة التحرير وصندوق القدس. كانت فلسطين في طليعة الفاعليات الكبرى سياسياً وفنياً، بل حتى رياضياً. كانت فلسطين هي البوصلة.

الصورة أعلاه في وجدان الفرد الكويتي تحولت إلى نقيضها في مرحلة ما بعد التحرير في سنة 1991، وذلك بسبب موقف القيادة الفلسطينية، مع أن الخطاب الشعبي الكويتي بشأن مبايعة السلطة ممثلاً شرعياً، في أثناء الاحتلال، في مؤتمر جدّة، أشار صراحة إلى أن موقف القيادة الفلسطينية لن يؤثر في موقف الكويت الشعبي تجاه القضية؛ لكن..

 

المرحلة الثانية: انقلاب الوعي

في المرحلة الثانية التي تلت تحرير الكويت أصبحت فلسطين أبعد ما تكون عن الوعي الجمعي الكويتي، وذلك لأسباب سياسية، بالدرجة الأولى، أثّرت سلباً إلى حدّ هدم كل ما بنته الأجيال السابقة من كويتيين وفلسطينيين وعرب لمصلحة الوعي بالقضية الفلسطينية، وخصوصاً بعد موقف القيادة الفلسطينية من احتلال الكويت. فقد جرى إخلاء الكويت من الجالية الفلسطينية، كما أن المناهج التي كانت تشكل ذاك الوعي صارت تؤسس لوعي معاكس إلى درجة التطرف كردة فعل لم تكن آنية، وإنما استمرت لأعوام، ولم تعد الأناشيد والأنشطة المدرسية الداعمة لفلسطين موجودة، بل أُلغيت من طابور الصباح هتافات "تحيا الأمة العربية" لأعوام ما بعد التحرير، والمسرح الذي نشأنا عليه داعماً للقضية صار يصور الشخصية الفلسطينية بصورة سلبية، وتحول الخطاب السياسي والفني والأدبي في أغلبيته إلى إدانة الفلسطيني كنوع من التفريغ أو التنفيس، وذلك باختزاله وقضيته بموقف المنظمة من احتلال الكويت. وربما الخطاب الديني وحده هو الذي لم يتأثر كثيراً بسبب ارتباطه الوثيق بمسألة القدس. وفي تلك الفترة المظلمة في العلاقة الكويتية ـ الفلسطينية نشأ جيل يجهل تماماً كل ما له علاقة بملف القضية الفلسطينية، وصارت معرفته بفلسطين هي تلك التي تلقّاها سلباً في الإعلام الداخلي وفق تحوّل موقف القيادة السياسية.

 

المرحلة الثالثة: عودة الوعي

في سنة 2006، زمن تولّي أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد مقاليد الحكم، ظهرت بوادر واضحة لتحوّل الخطاب السياسي الكويتي تجاه القضية الفلسطينية، وفقاً لشخصية الأمير العروبية الهوى، وقد تزامن ذلك مع حرب تموز / يوليو من تلك السنة، والتي أعادت إلى الوعي الكويتي نهجه الأول تجاه فلسطين التي عادت إلى الواجهة كما لو أن فترة الوسط المظلمة لم تكن. الخطاب السياسي على صعيد الحكومة والبرلمان والأفراد تبنّى القضية مرة أُخرى بعد ما يشبه قطيعة دامت خمسة عشر عاماً، وهذا بدوره صنع حراكاً داخلياً غير مسبوق استغلته الجمعيات الكويتية الداعمة للقضية، وبعض المثقفين الذين ألجمتهم واقعة 1990، لأن يعودوا إلى توجيه العامة مرة أُخرى إلى النظر إلى فلسطين من المنطور الذي كانت تحتضنه الكويت منذ ما قبل استقلالها حتى سنة 1990. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على جيل من الأدباء الكويتيين الشباب الذي ضمّنوا أعمالهم موضوعات متنوعة تتقاطع مع الشأن الفلسطيني، تلك التي نشأوا عليها كآخر جيل ارتبطت ذاكرته المبكرة بفلسطين، بل كان التحول دافعاً لأسماء كبيرة إلى العودة إلى الخوض في الشأن الفلسطيني بعد انقطاع نزولاً عند حساسية الموقف، ومنهم الروائي إسماعيل فهد إسماعيل الذي كتب روايته المؤجلة منذ أعوام طويلة "على عهدة حنظلة"، فضلاً عن روايته التي انتصرت لفلسطينيي الكويت ودور كثير منهم في فترة الاحتلال "في حضرة العنقاء والخل الوفي". علماً بأنه في سنة 1996 أصدر روايته السُّباعية "إحداثيات زمن العزلة"، والتي تطرّق فيها إلى دور أفراد المقاومة من فلسطينيي الكويت، لكن في ذاك الوقت لم يكن طرح الموضوع مقبولاً على الصعيد الشعبي.

منذ تلك الفترة، حتى اليوم، شهدنا تحولات كبيرة، وقطعنا شوطاً طويلاً في ترميم الصدوع ومد الجسور بين الكويت وفلسطين، إلى درجة تدعو إلى التفاؤل بوعي الشباب الذين أعادوا فلسطين إلى الواجهة داخلياً بعد تغييبها لأعوام. كما أن الحراك السياسي ممثلاً في القيادة السياسية والبرلمان، ومنظمات المجتمع المدني والناشطين في حقوق الإنسان، وممثلي الكويت في المؤتمرات الدولية، وعدداً لا يستهان به من المثقفين، باتوا يتصدرون المشهد في الفاعليات الداعمة للحقّ الفلسطيني في إقامة المعارض الفنية والندوات الحقوقية ومطالبات المقاطعة المستمرة، الأمر الذي ساهم ويساهم بشكل كبيرة في إعادة الوعي بصورة فلسطين المغيبة.

الأمر يحتاج إلى وقت أطول لإعادة القضية إلى صدارتها بعد كل ما تعرضت له من تشويه تلاه تغييب، ولا سيما أن التوجه العام في المنطقة يكاد يكون صريحاً في مُضيّه نحو التطبيع، وهو ما يجعل المهمة أكثر صعوبة.

وأمام فلسطين تحديات في توحيد صفوفها داخلياً، إذا أرادت تضامناً خارجياً معها، إذ من المستحيل إعادة صورة فلسطين وصوتها إلى العالم ما لم تُحَلّ المشكلات العالقة في الداخل.