أسست الإنتخابات التشريعية الفلسطينية لثقافة سياسية جديدة في المجتمع الفلسطيني تقوم على إرساء روح المسؤولية العامة والتنافس الديمقراطي الحر. فقد بينت نتائج الإنتخابات عدم تأثّر الناخب الفلسطيني بالنزعة العشائرية أو العائلية أو الطائفية وتمحور الإهتمام الشعبي حول الهم الوطني. لكن ذلك لا يعني أن مأسسة هذه الثقافة الجديدة ستتم بسهولة ويسر نظرا لعدم توافر الشروط الإجتماعية والسياسية لذلك، خصوصا في أجهزة السلطة الوطنية. فقد أنتجت الإنتخابات العامة نظاما سياسيا ذو صبغة واحدة حيث شكل أعضاء حركة فتح حوالي ثلثي أعضاء المجلس الجديد مما يعني أن قيادة فتح قد أصبحت تسيطر على أجهزة السلطتين التشريعية والتنفيذية معا، الأمر الذي سيؤدي إلى عرقلة إرساء الثقافة السياسية الجديدة المشار إليها. وعلى الصعيد القانوني، يشكل قانون الإنتخابات الذي يعتمد نظام الأغلبية البسيطة بدلا من النظام الإجماعي، عقبة أخرى على طريق مأسسة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني. فهو يستثني شرائح معينة في التركيبة السياسية من عملية صناعة القرار وهو يشكل خطرا متزايدا في الحياة السياسية الفلسطينية بإعتبار أن حركة فتح لا تزال التنظيم السياسي الأكبر المسيطر على الساحة السياسية الفلسطينية دون منازع، مما يعني بقاؤها في السلطة إلى أجل غير مسمى. وإن المشاركة الشعبية الواسعة في العملية الإنتخابية لا ينفي حصول هذه العملية في ظل غياب تنافس فعلي بين القوى السياسية على الساحة الفلسطينية بسبب مقاطعة الأحزاب الوطنية والإسلامية لها. إنما تشير هذه المشاركة إلى الرغبة الشعبية العارمة في الإنخراط في الحياة العامة. كما لم يلق نداء المعارضة بمقاطعة الإنتخابات صدى يذكر لدى قواعدها الشعبية، بل أن بعض كوادر المعارضة قد رشحوا أنفسهم للإنتخابات. ومن ظواهر إنتخابات 1996 عدم إلتزام الكوادر الحزبية بتعليمات قياداتها وترشيحهم أنفسهم كمستقلين ولم تكن حركة فتح إستثناء في هذا المجال.

السياسة الفلسطينية السياسية الفلسطينية، مج 3، ع 10 (ربيع 1996): 6-18