A Note on the Massacre
Keywords: 
الحرم الإبراهيم (الخليل)
مجزرة الخليل 1994
المستوطنون الإسرائيليون
أعمال العنف من قبل المستوطنين
سياسة الاستيطان
القيادة الفلسطينية
مفاوضات السلام
Full text: 

"تعلمنا تقاليد المضطهدين أن حالة الطوارئ

التي تبدو استثناء هي في الحقيقة القاعدة"

والتر بنيامين

 في يوم الأول من نيسان/ أبريل سنة 1968 دخل أحد تلاميذ الحاخام تسفي يهودا كوك، وهو المدعو موشيه ليفنغر، إلى فندق بارك في مدينة الخليل. وفي تشرين الأول/ أكتوبر من السنة نفسها وافقت الحكومة الإسرائيلية، التي كان التيار العمالي يسيطر عليها في حينه، على إقامة مستوطنة كريات أربع. هذه المستوطنة تحولت فيما بعد إلى المركز الفكري والنواة الأيديولوجية الصلبة للمستوطنين. ففيها نما فيما بعد فرع من حركة المتدينين القوميين الذي دمج الفكر الصهيوني الديني مع فكر الخلاص الغيبي المسياني والفكر القومي اليميني العلماني في حركة سياسية استيطانية هي "غوش إيمونيم"، خرجت إلى الملأ سنة 1973. وفي سنة 1979، تسللت عائلات يهودية إلى حي عربي في الخليل سمّوه فيما بعد "بيت هداسا". وفي سنة 1980 قام التنظيم الإرهابي اليهودي ربيب المستوطنات، من بين ما قام به، بإطلاق النار على طلبة الجامعة الإسلامية في الخليل.

تصلح الخليل نموذجاً، أو عينة، لنمط العلاقة القائمة بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، في الحالة الكولونيالية الإسرائيلية، التي يشكل المستوطنون فيها رأس حربة في عملية نفي وجود أبناء البلد الأصليين وكيانهم. لكن المستوطنين رأس حربة فقط؛ فهم وليد الاحتلال ومظهر من مظاهره. والاحتلال يدافع بقوة عن المواقع التي يقيمونها كحقائق واقعة. وحتى مذبحة الخليل، لم يقم المستوطنون بارتكاب المذابح الكبرى التي كانت معالم على طريق الصراع، مثل مذابح قبية وكفر قاسم والأقصى سنة 1990. فالجرائم الجماعية كافة التي ارتكبت من قِبل الجيش النظامي أو حرس الحدود.

وقد انسجم دور المستوطنين غالباً مع خطط الحكومة الإسرائيلية السياسية لخلق حقائق واقعة في المناطق المحتلة، لتحسين شروط التفاوض مع العرب وتصعيب عملية العودة إلى حدود 5 حزيران/ يونيو 1967. وقد اختلفت النخبة مع المستوطنين في أكثر من حالة استثنائية أو استفزازية لا تنسجم مع محاولة السلطة فرض سيطرتها وسطوتها على المناطق المحتلة، ومثال لذلك الاستيطان الاستفزازي في قلب المدن العربية – لكن السياسة الإسرائيلية كانت تبدي تسامحاً بأثر رجعي مع ما قام به المستوطنون اليهود، وذلك نتيجة لصعوبة ولوج الحكومة في مواجهة مع أجواء الهستيريا القومية، والتبريرات الغيبية الدينية للمواقف السياسية التي شجعتها وباركتها حكومات إسرائيل من دون استثناء منذ سنة 1967، لكنها وجدت صعوبة في فهمها والتعامل معها فيما بعد – عندما تحولت إلى أيديولوجيا وعقدة شاملة يلتزم ألوف البشر بها.

لقد تسامح رابين كرئيس حكومة ووزير دفاع مع أعمال المستوطنين الطلائعية التي تذكر بالدمج بين حمل السلاح والاستيطان الذي خلقته حركة العمل الصهيونية؛ بيد أنه كعمالي وخرّيج "البلماح" والجيش ثم الدبلوماسية الإسرائيلية في أميركا، لم يفهم في يوم من الأيام هؤلاء "الهواة" استيطانياً وأمنياً الذين يجعلون قيماً ما فوق الدولة وقوانينها.

لقد لفت نظر الإسرائيليين، ولا سيما ذوي التوجه الحقوقي منهم، أنه منذ السبعينات نشأ في المناطق المحتلة نظامان قانونيان مختلفان تمام الاختلاف وهما "النظام القانوني" الذي يخضع الفلسطينيون له، ويتلخص بـ: أ) الأوامر العسكرية الإسرائيلية؛ ب) ما لا يتناقض مع هذه الأوامر من القانون الأردني، والنظام القانوني المدني والجنائي الإسرائيلي الذي يخضع المستوطنون، مواطنو الدولة، له. وقد كرست المحكمة العليا في إسرائيل، وفي عدة سوابق، رأي رئيسها شمغار بشأن عدم انطباق معاهدة جنيف الرابعة وغيرها من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والشعوب تحت الاحتلال على المناطق المحتلة، لأنها مناطق متنازع عليها لا مناطق محتلة. كما كرس النظام القضائي عبر مئات السوابق فوارق عبثية بين نظام العقوبات الذي يخضع المستوطنون له ونظام العقوبات الذي يخضع الفلسطينيون له، هذا عدا التسامح الأصلي في تقديم لوائح الاتهام ضدهم والتشديد على التزام الدقة في جميع الأدلة وغير ذلك.

لقد أقامت إسرائيل عالماً مزدوجاً في المناطق المحتلة يصلح مثالاً لنظرية فرانز فانون بخصو عالم الاستعمار الاستيطاني المزدوج، ودهشة بعض الإسرائيليين حالياً مما تكشفه لجنة التحقيق الإسرائيلية بشأن ازدواجية المعايير غير مبررة ومرفوضة ومصطنعة من دون شك، لأن عالم المعايير المزدوج كان دائماً هو الموضوع الأكثر رواجاً في الصحافة الإسرائيلية عند الحديث عن نشاط المستوطنين. لقد كان هذا هو الخطر الوحيد الذي انتبه الإسرائيليون له – و"المفاجأة" تكون أحياناً استراتيجية دفاعية أمام الذات وأمام الإعلام. ففي شهادة قائد حرس حدود منطقة الخليل أمام لجنة التحقيق الإسرائيلية يوم 10 آذار/ مارس 1994، تبين أن لديهم أوامر بعدم إطلاق النار على المستوطنين في أية حالة، حتى عندما يطلق المستوطنون النار على العرب – وقد بدا أعضاء اللجنة مشدوهين من هول الاكتشاف، ولم يفهم ذلك أحد، لا الضابط نفسه ولا الصحافيون. ومع العلم التام بروتينية هذه الحقيقة المألوفة، فإنها احتلت عناوين مركزية في الصحف – كل ذلك للتشديد على عنصر أساسي في الخطاب السياسي الإسرائيلي بعد المذبحة: مجتمع بريء وسياسة بريئة تقف مصعوقة مشدوهة لتؤكد البراءة حتى السذاجة.

ويتلخص خطاب المذبحة الإسرائيلي بتجسد الشر بأكمله في إنسان واحد في اليوم الأول ثم في مجموعة من الأشخاص (أعضاء "كاخ"، "كهانا حي"، "دولة يهودا"، "لجنة الأمن في الطرق")، وبتجسيد الشر في إنسان واحد، بل في جثة إنسان، أو في مجموعة من الأفراد، يتطهّر المجموع. إنها طقوس التطهير القديمة نفسها التي يخرج فيها الشر من جسم الكائن الاجتماعي على شكل ضحية تحرق، أو على شكل غسل بالماء أو تعذيب للجسد. لقد تطهّر المجتمع الإسرائيلي من الشر بإدانة شبه جماعية في وسائل الإعلام – وتناقض هذه الإدانة الجماعية الموقف الذي عبّر الناس عنه في استطلاعات الرأي العام والذي يبتعد كثيراً عن الوضوح في الإدانة غير المشروطة، وفي وقوف الكثيرين من طلبة المدارس دقيقة حداد على روح المواطن غولدشتاين. لقد طهّرت المؤسسة ذاتها والاحتلال في حين يستمر قتل المدنيين الفلسطينيين العزل، بحيث يبدو الأمر بعد المذبحة كأنه قتْل محايد يتم لتطبيق القانون في المناطق المحتلة. 

الإدانة

تحولت إدانة مذبحة الخليل بسرعة فائقة إلى جوقة انضم إليها رحبعام زئيفي ورفائيل إيتان، بل حتى بعض قادة المستوطنين، أمثال يوئيل بن نون ويسرائيل هارئيل. وبانضمام أولئك إلى الإدانة الشاملة، فقدت الإدانة أي معنى وتحولت إلى تعبير عن أسف عام ومجرد لسقوط الضحايا.

واستمر القتل المنظم في شوارع المدن الفلسطينية على الرغم من الإدانة والتعازي، وهو ما أفرغ الأسف العام والمجرد من أي مضمون. وقد زاد عدد الجرحى الذين أصيبوا برصاص الجيش الإسرائيلي في الأسبوع الأول بعد المذبحة، في عدد جرحى الحرم، واقترب عدد القتلى الذين سقطوا وقتذاك من عدد القتلى في الحرم الإبراهيمي.

إن تناقض خطاب المذبحة مع الواقع يكمن في جدلية الاحتلال ذاته، إنه عقاب الضحية. والذي يعاقب الضحية هو ذاته الذي يقوم بتعزيتها داعياً إياها إلى تجاوز المذبحة. فالاحتلال يجد نفسه مضطراً، من أجل منع ردة الفعل الجماهيرية التي تدخل عوامل جديدة إلى لعبة موازين القوى، إلى معاقبة الضحية. الاحتلال مضطر يومياً إلى إثبات وجوده كونه السلطة المطلقة، ولو كان هذا الإثبات دموياً ويبدو هذا الأمر غريباً في بعض الأحيان، فماذا يضير الاحتلال لو تظاهر الفلسطينيون وأظهروا غضبهم بعد مذبحة كهذه، لماذا لا يسحب قواته من مواقع التظاهر وكفى؟ والإجابة بسيطة جداً؛ لأن هذا التصرف قد يوهم المتظاهرين بازدواجية السلطة. على الاحتلال أن يثبت وجوده دموياً.

لقد أدان اليمين الإسرائيلي، من الليكود حتى حزب "موليدت" المذبحة، محمِّلاً الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الأساسية عنها، لأن هذه الحكومة لم تضمن أمن المستوطنين – الأمر الذي أدى إلى مثل هذه الأعمال الانتقامية ومثل هذا الانفلات اليائس. إن خطاب اليمين الإسرائيلي في الإدانة يتراوح بين تبريرها من جهة، وبين اعتبارها تضر بإسرائيل وقدرتها على السيطرة على المناطق المحتلة وبصورة المستوطنين أمام الرأي العام، من جهة أُخرى. فضحية المذبحة الأساسية، في رأي اليمين الإسرائيلي، هم اليهود. ولا ينسى اليمين الإسرائيلي، بعد الإدانة طبعاً، أن يقوم بتوجيه الإطراء إلى ذاته لأنه يدين. أريئيل شارون، مثلاً، الذي اعتُبر في حينه مسؤولاً عن مذبحة صبرا وشاتيلا، يقول "إننا حزانى. ويختلف اليهود عن الآخرين في أن حزنهم حقيقي."!! ("يديعوت أحرونوت"، 27/2/1994). وهنالك عناصر في اليمين الإسرائيلي تدين المذبحة أيضاً لكنها تذكّر العرب بأن في إمكانهم اعتبارها إغلاق للحساب المفتوح مع أهل الخليل منذ سنة 1949. الكولونيل موشيه جبعاتي يعتبر عمل السفاح من كريات أربع عملاً "يائساً ومتسرعاً وغير مشروع" لكنه يقدم لأمن الخليل قائمة من ثماني نقاط تبدأ في سنة 1929 وتنتهي بالعمليات، التي نفذ بعضها ببطولة نادرة ضد المستوطنين. ويطلب الكولونيل من الفلسطينيين استغلال أيام الحداد لإعادة التفكير في طريقهم ("يديعوت أحرونوت"، 28/2/1994). بقي أن نذكر أن هذا الكولونيل كان قائد منطقة الخليل، أي قيّما على أمن قاطنيها (بلغة م. ت. ف. الجديدة) في عام الانتفاضة الأول.

وضمن نمط الإدانة محدودة الضمان هذه، يندرج عدد كبير من المعلقين الصهيونيين في الولايات المتحدة، الذين يتبنون مواقف أكثر إعجاباً بإسرائيل من إعجاب إسرائيل بذاتها. وقد قدمت الكاتبة اليهودية الأميركية سنتيا أوزيك مثالاً جيداً لذلك؛ فالجريمة اليهودية، في رأيها، مستفزة. وهي ترفض أية مقارنة بين طرفين، لأن الإرهاب في الطرف العربي هو القاعدة، في حين أنه في الطرف اليهودي استثناء، أما الإدانة فهي في الطرف اليهودي شاملة، وفي الجانب العربي استثنائية. فمتى قام زعيم دولة عربي بزيارة ضحايا الإرهاب العربي للتعزية؟ الكاتبة الأميركية ترفض إجراء مقارنة من أجل إجرائها في مصلحة إسرائيل، لكنها تحول التلون والمداهنة، أي ما نسميه بالعربية "قتل القتيل والمشي في جنازته"، إلى شيمة فضلى (New York Times, March 2, 1994). تؤكد الإدانة هنا أفضلية اليهود الخلقية واستثنائية العمل الإرهابي لديهم، ونمطيته عند العرب.

وقد تكرر هذا الخطاب أكثر من مرة في الإدانات الصهيونية للجريمة، فالإدانة تؤكد التفوق الحضاري. وفي رأي أ. م. روزنتال فإن المساواة الحضارية مقولة فارغة من أي معنى، والمذبحة بالذات تؤكد ذلك باستفظاع المجتمع الإسرائيلي للمذبحة واستنكاره لها (New York Times, March 1, 1994).

إن إطلاق النار وذرف الدموع هنا من دون شك ظاهرة إسرائيلية فريدة قلما تجد مثلها في حالات استعمارية أُخرى. فالتخبط والعذاب والصراع النفسي أمام كاميرات التلفزة، كل ذلك لم يميز الاستعمار الإنكليزي ولا الفرنسي، ولا يميز قادة جنوب إفريقيا البيضاء. وتفسر هذه الظاهرة خصوصية إسرائيلية نابعة من تاريخ ثقافي طويل، وهي أيديولوجية الصراع الأساسية المتمثلة في احتكار دور الضحية. وتتم مصادرة دور الضحية حتى عند ارتكاب الجريمة. كما تصادر هذه الأيديولوجية النفس من الضحية، فالنفس والصراعات النفسية والتخبط والتردد والبكائيات وغيرها لا تحق للفلسطينيين، وبممارستها يثبت الإسرائيلي تفوقاً، وهو إن لم يكن ضحية جسدية فإنه ضحية نفسية. فهو كمحتل وقاتل ومغتصب يكاد يتمزق، وهو لا يقوم بهذه الأدوار بسطحية وغلاظة قلب، كما يقوم بها باقي المستعمرين. وقد يكون أن الاحتلال يُكثر من العقوبات الجماعية والقتل والتعذيب في السجون وغير ذلك، إلا إنه يبقى رقيق القلب ممزقه.

هذا النوع من التفوق الخلقي هو أحد العناصر الأساسية في خطاب اليسار الصهيوني وإدانته للمذبحة. لكن إدانة اليسار الصهيوني تبقى أكثر تركيباً، لأنها، من حيث القناعات الشخصية، أكثر صدقاً، لكن الواقع يحول هذه القناعات إلى مجرد أيديولوجيا، وربما إلى سبب جديد للإعجاب بالذات.

إن اليسار الصهيوني هو الحكومة الإسرائيلية عند ارتكاب المذبحة، وهو عندما ينظم تظاهرة في تل أبيب فإنما ينظم تظاهرة ضد ذاته، من أغرب غرائبها أن يخطب فيها وزراء مسؤولون مسؤولية جماعية عن سياستها بموجب قانون الحكومة الأساسي.

وفي حين كان الوزراء يلقون خطبهم في تظاهرة تل أبيب كان جيشهم يطلق النار على مدنيي المناطق المحتلة، ويحاصرهم ويفرض عليهم حتى منع التجول، بما في ذلك التجول بهدف زيارة جرحى المذبحة في مستشفيات القدس. إن تظاهرة الحكومة الإسرائيلية ضد ذاتها هي الذهاب ببكائية القاتل وتلون المجرم إلى أقصى تجلياتهما – وهي تنضم إلى غرائب هذه المنطقة المسماة الشرق الأوسط: حكومة لبنان تدعو شعبها إلى الإضراب العام ضد تفجير كنيسة سيدة النجاة يوم 27 شباط/ فبراير 1994، والحكومة المصرية تطلق النار على متظاهرين يحتجون على المجزرة في الخليل.

لقد ارتكبت جريمة الحرم الإبراهيمي في فجر يوم الجمعة 25 شباط/فبراير، وكانت الصحف الإسرائيلية يوم الجمعة قد صدرت. وبما أن هذه الصحف لا تصدر يوم السبت، فقد كان لمحرريها متسع من الوقت لتحضير أعداد يوم الأحد. وبذلك تحولت المذبحة إلى مجال تنافس صحافي في تجنيد أقلام أكبر عدد من الكتاب والشعراء والفنانين. فظهرت الصحافة الإسرائيلية يوم الأحد كأنها دراما إعلامية استعراضية: صورة القاتل احتلت صفحات كاملة من الصحف الداخلية. القاتل يقدَّم في البداية بوصفه الدكتور جيكل والمستر هايد. طبيب إنساني ويميني متعصب في آن معاً. وليكتمل عنصر الدراما فقد قام هذا الطبيب الإنساني بمعالجة جرحى "الإرهاب" العربي – في التعليقات الأولى يعالج الطبيب الجرحى العرب أيضاً، ثم تكرر الصحف بعد يومين أنه كان يرفض معالجة غير اليهود حتى لو كانوا جنوداً في الجيش. شخصية القاتل هي الشخصية المركزية في هذه الدراما الشمشونية التي ينهي القاتل فيها حياته بـ"عليَّ وعلى أعدائي يا رب". وطبعاً يحيّي مئات المستوطنين المتطرفين عمل المستوطن القديس ويعتبرونه عملاً تم بوحي إلهي.

لكن عالم المقالة، عالم الكتاب والفنانين والشعراء، يختلف عن عالم المراسلين الصحافيين الباحثين عن الدكتور جيكل والمستر هايد. فأولئك لا يبحثون عن الشخصية، وإنما يصنعونها. لقد دان أهم الكتاب والشعراء والفنانين الإسرائيليين الجريمة. ونشروا جميعاً بأقلامهم: مئير شليف، ويزهار سميلانسكي، و أ. ب. يهوشع، وعاموس عوز، وناتان يوناتان، وغيرهم. غير أن الكثير منهم بقي أسير النقاش بشأن الأخلاق اليهودية والأخلاق الصهيونية. والأساس هو ما فعلته الجريمة "بنا" (شولاميت هارئيمن، "يديعوت أحرونوت"، 27/2/1994)، وعاموس عوز يؤكد "أن شيئاً ما قُتل في داخلنا بعد الجريمة" ("معاريف"، 27/2/1994")، والمصيبة التي تقع في كل مرة هي تهديد احتكار الضحية. فمن يقوم بمثل هذه الأعمال في العامة هي حركة "حماس" وغيرها من المتطرفين العرب. واليوم أصبح لدينا "حماس" خاصة "بنا" (عاموس عوز، New York Times, March 1, 1994). لقد أضاع المتطرفون اليهود احتكار الضحية، ولذلك فقد تحولوا في إدانات بعض الكتاب إلى الشر المطلق الذي يشبه بالورم الخبيث والأفعى وغير ذلك من التشابيه التي توحي بضرورة الاجتثاث.

لكن المثير أن المذبحة لا تشكل سبباً كافياً للنقد الذاتي أو لتقديم أي حساب ذاتي عن مواقف سابقة، حتى عند أولئك المثقفين اليساريين الصهاينة الذين افتتحوا حملة دفاع عن المستوطنين بعد اتفاق أوسلو.

لقد كتب إيمانويل سيفان، وهو أحد المستشرقين الإسرائيليين، في العام الماضي أن المستوطنين أقرب إليه من المتدينين الأرثوذكس لأنهم جزء من المجموع الصهيوني الذي يعتمل على بناء الدولة، ويهمه مصيرها، لكن لا شيء يجمعه بالمتدينين الأرثوذكس ("هآرتس"، 4/10/1993). لقد وضع سيفان ذاته في مجموع واحد على قاعدة أيديولوجية مشتركة مع المستوطنين. لكن لا حساب ولا نقد لهذا المشترك بعد وقوع المذبحة.

وكتب أ. ب. يهوشع في العام الماضي، بعد زياراته الحدادية إلى المستوطنات، أنه تحدث إلى المستوطنين بشأن أمنهم وحقوقهم ورسالتهم الروحية داخل الدولة الفلسطينية المستقبلية ("هآرتس"، 30/10/1993). في الأحوال العادية غير الاستثنائية، المستوطنون هم جزء من الشعب المتفوق، بل لديهم رسالة حضارية يؤدونها كأقلية قومية راقية في دولة عربية. وقد تساءل يهوشع في حينه: لماذا يحق للعرب أن يكونوا أقلية في إسرائيل ولا يحق لليهود أن يكونوا أقلية في دولة عربية؟

والواقع أن يهوشع قادر على التمييز بين أقلية قومية أو حتى مهاجرة، وبين فئة من المستوطنين الاستعماريين في أسوأ نوع – لكن هذه المعرفة لا تتحول إلى موقف بسبب هذا المشترك الذي يقض مضاجع الكثير من مفكري اليسار الصهيوني، والذي يذكرهم اليمين الإسرائيلي به من حين إلى آخر. في تظاهرة مضادة لتظاهرة "السلام الآن"، رفع اليمين المتطرف شعار: "كلنا مستوطنون"!!

هنالك خصوصيات هي ميزات بنيوية لصراع الشعب الفلسطيني مع الصهيونية، منها احتكار إسرائيل لدور الضحية، والاهتمام العالمي الفائق الذي يفسر كاهتمام بالمسألة الفلسطينية لكنه في جوهره اهتمام بالمسألة اليهودية، التي تتحول في حالات استثنائية، مثل أعوام الانتفاضة الأولى، وحرب لبنان سنة 1982، والمذابح، إلى قضية فلسطين. لكن هنالك خصوصية أُخرى هي تحول الفلسطينيين من ذات الصراع إلى موضوعه، وتحول الصراع إلى نقاش داخلي في الحركة الصهيونية. والميلودراما الإعلامية بأكملها نقاش صهيوني أو غربي داخلي. لقد أبرز الكثير من الصحف العالمية إدانة رابين للمذبحة في عناوين رئيسية، وبقي العنوان بشأن تفصيلات المذبحة ثانوياً.

يدور النقاش في الصحافة بين كتاب يهود يساريين ويمينيين، ويتحول سريعاً إلى نقاش يدور حول الأخلاق اليهودية، وجوهر الصهيونية وحقيقتها، وتشويهها، وما إلى ذلك. أي تعود المسألة إعلامياً لتصبح المسألة مسألة اليهودية، ويقف العربي أو الفلسطيني متفرجاً، كارهاً هذا ومتحمساً ومعجباً بذاك، لكنه ذات مغيَّبة عن العملية الإعلامية، ويصارع ليكون موضوعها على الأقل.

وفي هذا النوع من الصراع، فإن أشد ما يمكن أن يقال ضد القاتل هو أنه ارتكب جريمة ضد اليهودية والصهيونية، وهذا ما قاله رئيس دولة إسرائيل عيزر وايزمن يوم المذبحة، أو أنه أخرج نفسه من الشعب اليهودي كما قال رئيس الحكومة رابين، ممارساً طرد الأرواح الشريرة كأنه زعيم قبيلة يشكل الانتماء إليها القيمة الأساسية، الخير داخلها والشر يطرد خارجها.

الشر الأصلي يبقى خارج الجسم القومي، ومعيار الشر الحالي هو حركة "حماس"، ولذلك فمن الممكن القول إنه أصبح لدينا حركة حماس خاصة "بنا" (عاموس عوز أيضاً في: "معاريف"، 21/2/1994). والكاتب نفسه يقود هذا النمط من التفكير إلى نهايته العبثية؛ فالسؤال الذي تطرحه المذبحة في رأيه ليس عن مشروعية القتل أو عدم مشروعيته، ولا عن معنى كلمة قاتل، ولا عن مصير المنطقة والسلام، بل السؤال بعد هذه المذبحة هو "من هو اليهودي، ومن هو مجرد حزب الله يرتدي طاقية يهودي؟" (عاموس عوز، New York Times, March 1, 1994). لقد جسد الكاتب الشر كله في كهانا وجماعته، ثم جردهم من يهوديتهم، وجعلهم ينتمون إلى "حزب الله"، وهو طبعاً مكان الأشرار. ليس هنالك شر قائم بذاته في المجتمع اليهودي ناتج من الاحتلال والاستعمار والاستغلال، وحتى الفوارق الطبقية، كما هو في حال المجتمعات الأُخرى. أصل الشر خارج المجتمع، أو هو انعكاس لشر خارج المجتمع وخارج اليهودية. إنه لا يسمى حتى "كاخ" أو "غوش إيمونيم" أو "كهانا حي"، بل يسمى "حماس" خاصة "بنا"، و"جهاد إسلامي" و"حزب الله" يهوديين. (الكاتب العراقي الأصل، إيلي أمير، يمثل التوجه نفسه، "معاريف"، 27/2/1994). 

متطرفون من الجانبين

إن التوجه الإسرائيلي، بل المناشدة الإسرائيلية، للفلسطينيين بالعودة إلى المفاوضات إفشالاً لمهمة القاتل التي استهدفت عملية السلام، يستند إلى مقولة أن هنالك عملية سلام محايدة، وأن أعداء متربصين بها من الطرفين يحاولون إفشالها. هؤلاء المتطرفون يكثرون في الجانب العربي ويندر وجودهم في الجانب  اليهودي.. وربما أن عمليات حركة "حماس" لم تنجح في الماضي في تحييد الحكومة الإسرائيلية لبرهة واحدة عن هدفها، وهو إنجاح العملية السلمية، فعلى الفلسطينيين ألا يبدوا تجاوباً مع ندرة في العمليات الإرهابية الإسرائيلية، وأن يثابروا على طريق السلام. هذا هو ملخص الخطاب السياسي الإسرائيلي بعد المذبحة.

لكن ربما يعلن هوسرل، صاحب الفنومنولوجيا، لماذا يتسرب الشك الحدسي إلى نفوس أصحاب هذه المقولة وإلى نفوس سامعيها. وحتى من دون الحاجة إلى تمحيص دقيق، فإن أحداً في إسرائيل أو العالم لا يتوقع أن توقف إسرائيل عملية السلام مع م. ت. ف. بعد أية عملية تقوم بها حركة "حماس" أو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (باستثناء المعادين للعملية أصلاً). أما بعد عملية إرهابية كالتي وقعت في الخليل، فإن مؤيدي العملية ومعارضيها، بما في ذلك إسرائيل، يتوقعون أن تقوم م. ت. ف. بتعليق المفاوضات. هذا الحدس، أو هذا الشك البديهي، ناجم عن وضوح مباشر ومتميز لعدم حيادية العملية السلمية، فالعملية ليست عملية وسطية لها أعداء من الطرفين يتربصون بها، وإنما هي عملية تجري بموجب موازين قوى لمصلحة إسرائيل، اعترفت قيادة الشعب الفلسطيني بها. إنها فرصة لتسوية القضية الفلسطينية بموافقة القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني، أو ما بقي منها، لا على أساس العدالة والإنصاف بل على أساس "الريئال بوليتيك"، أي على موازين القوى القائمة في مصلحة إسرائيل، أو ما يسمى "فن الممكن" بلكنة شبه علمية شديدة الإعجاب بذاتها.

يطغى الخطاب السياسي الإسرائيلي، وفي جوهره العقيدة الاستراتيجية المسماة "أمن إسرائيل"، على مفاهيم ومصطلحات، بل حتى على نقاط وفواصل المفاوضات، القائمة على توازن القوى، وترفض إسرائيل أن تعيد أية مذبحة أو ردة فعل عليها إلى قضية عدالة واستحقاق، أو الذاكرة إلى ذاكرة غبن وظلم لحق بهذا الشعب. المذبحة النكراء تتحول هنا إلى حادث مربك ومحرج يثير التداعيات منذ [مجازر] دير ياسين، أو "ريشون لتسيون"،  أو الكلية الإسلامية، أو المسجد الأقصى على الأقل. ولذلك هنالك حاجة إلى تجاوز سريع للمذبحة المربكة والمحرجة والالتصاق بلعبة موازين القوى، التي لا تعرف ظالماً ومظلوماً ولا حقاً وباطلاً ولا مجرماً وضحية، بل تعرف قوياً وضعيفاً وظروفاً مواتية أو غير مواتية؛ تلك اللعبة التي لا يمكن أن تعزز في هذه المرحلة إلا محمية كمحمية جنوب لبنان، قد تتطور لتصبح بوتسوانا، بعد أن انهارت الأخيرة في جنوب إفريقيا.

إن الطريق الوحيد لمواصلة النهج والمثابرة فيه بعد مثل هذه المذبحة هو التعامل معها كعملية "استهدفت عملية السلام"، لا الشعب الفلسطيني، وأنها عمل متطرفين – قد يتكرر من الطرف الآخر في سلسلة ثأر وانتقام قبلية، لا يعلم إلا الله نهايتها. والإمكان الوحيد لتجاوز هذه الدائرة المفرغة تكمن في مواصلة عملية السلام. والجديد طبعاً هو تبنّي الكثير من المعلقين العرب لهذا القول، ولا أذكر السياسيين لأنهم هم أنفسهم لا يصدقون ما يقولونه. (أنظر مثلاً: حازم صاغية، "الحياة"، 27/2/1994 و 1/3/1994).

والحقيقة أن محاولة إيجاد مقابلة، أو موازاة، أو تكافؤ، بين المشروع الصهيوني في المنطقة وبين حركة التحرر الوطني الفلسطيني (أو ما كان يسمى كذلك) كانت دائماً من هموم تيارات مركزية في الفكر الصهيوني بعد النكبة: 1) "فاليهود والفلسطينيون كانوا 'دائماً' ضحية العالم العربي"، وطبعاً يساهم بعض الفلسطينيين في ترديد هذه المقولة كشوفينية فلسطينية ترد على شوفينيات قطرية عربية، وكتبرير لتوسيع مفهوم السلام، ليغدو تحالفاً مع إسرائيل ضد العرب. 2) "الصراع على أرض فلسطين هو صراع بين حركتين قوميتين تمتلكان الحق ذاته على الأرض ذاتها." وخلف هذه المقولة الأيديولوجية يمترس الكثير من مفكري اليسار الصهيوني، وحتى مفكرين جذريين أمثال يشعياهو لايبوفيتش، الذي تبدأ القضية الفلسطينية بالنسبة إليه بعد سنة 1967. 3) "الفلسطينيون أصبحوا يهود العالم العربي تشرداً وثقافة..."، وهي مقولة تثير إعجاب الفلسطينيين، لأنها تشبههم بمضطهديهم، أو لأنها تخاطب فيهم ميولاً معادية للسامية وقناعات بشأن سيطرة اليهود على العالم – فإذا "كنت لا تستطيع أن تهزمهم فما عليك إلا أن تنضم إليهم"، أو أن تتشبه بهم. وهو تشبه خيالي لأن المشبه شعب صغير في العالم الثالث، ولأن الشبه به وهْم من أوهام العداء للسامية.

أما المقولة الرابعة فهي ما نسمع حالياً عن معتدلين من الطرفين يؤيدون عملية السلام ومتطرفين من الطرفين يناصبونها العداء. لقد أصبحت كلمتا "عملية السلام" كلمة واحدة استبدلت بها كلمة "السلام". ويتبنى هذه المقولة عملياً الكثير من مؤيدي استغلال الفلسطينيين للفرص السانحة، تجاوزاً لأخطاء الماضي، وهي حكمة عربية بأثر رجعي، تردد فيها مقولة أبا إيبن الشهيرة: "لم يضيع الفلسطينيون فرصة لإضاعة الفرص."

وبغض النظر عما إذا كان من الممكن اعتبار "قرار التقسيم" (كلمة واحدة أيضاً!!) فرصة في حينه كي تضيع لاحقاً، وبغض النظر عن انعدام الفرص بعده، فالمعتدلون هم من وصلوا إلى نتيجة مفادها أن علينا ألا نعاود إضاعة الفرصن والمتطرفون هم الذين يصرون على إضاعة كل فرصة هواية يمارسونها. أما إسرائيل فلا بد من أن يكون هناك سر ما في استغلالها لكل فرصة أضاعها الفلسطينيون لتعمل فيهم قتلاً وتشريداً. وكأن القتل والتشريد تعزير مكتوب لمضيعي الفرص، والاحتلال والاستغلال ونفي الآخر قسط وثواب لمن يستغل الفرص.

ليس المحتل والواقع تحت الاحتلال "جانبين" ولا ورقتين ولا قوتين، ولا حتى من الناحية الشكلية أو من ناحية القانون الدولي. والمفاوضات الجارية بين المحتل والواقع تحت الاحتلال ليست عملية محايدة بين جانبين، بل عملية أخذ وعطاء باتجاه واحد – الواقع تحت الاحتلال لا يستطيع أن يعطي، إنه يأخذ فحسب. أما المحتل فيجب أن يعطي ما لديه: أي القوة والسيطرة – هذا ما يجب أن يكون لو اتخذت إسرائيل قراراً تاريخياً بالتخلي عن المناطق الفلسطينية المحتلة. لكن لم يتخذ قرار من هذا النوع حتى اليوم – وما زالت إسرائيل تحاول أن تترجم موازين القوى إلى بنى سياسية فوقية – الأمر الذي يجعل عملية التفاوض غير محايدة بالاتجاه المعاكس، لما نعرفه من مفاوضات جرت بين دولة استعمارية وحركات تحرير وطني. إضافة إلى ذلك فإن مقولة "المتطرفين من الجانبين" تضع القوى "المتطرفة" التي تجعل بينها توازياً أو تكافؤاً، في طرف الخريطة السياسية، أي على هامشها، وهو وضع مجاف للواقع في حالة حركة "حماس" على الأقل. لكن هنالك إجحافاً آخر تلحقه هذه المقارنة بأية أمانة للوقائع التاريخية وأي التزام بالعدالة. فـ"المتطرفون" لدى الشعب المحتل هم مؤيدو الاحتلال وممارسوه، أما "متطرفو" الشعب الواقع تحت الاحتلال فإنما هم "متطرفون" في معارضة الاحتلال. ووضع الطرفين في المستوى نفسه هو ببساطة إنكار للاحتلال (إنكار لواقع) من ناحية، وإنكار لحق مناهضة الاحتلال (إنكار لقيمة)، من ناحية أُخرى. وهذا يعني فينا يعنيه إلغاء الصفة التحررية للنضال الوطني الفلسطيني  ونفي لغته الحقوقية، لغة إزالة الغبن وإحقاق الإنصاف التاريخي، ولو نسبياً. وبذلك نعود إلى جانبين يتفاوضان لإحقاق سلام بينهما، وكأنهما دولتان في حال حرب. ومثل هذا النوع من العلاقة لا يفرز إلا حلولاً تتلاءم وموازين القوى.

ليس هنالك وجه سياسي أو خلقي للمقارنة أو للمقابلة بين عمليات عنف استثنائية يقوم بها الواقع تحت الاحتلال ضد عنف الاحتلال المستمر والروتيني واليومي، وبين عمليات عنف يقوم بها المستوطنون تتجاوز العنف المستمر والروتيني واليومي إلى مجازر جماعية. صحيح أن القتل هو القتل، وأن الرصاص هو الرصاص، وأن القتلة بشر والضحايا بشر، لكن هذه الحقائق لا تحتاج إلى محللين للوصول إليها، وهي تجريدات لا تحدد، لا سياسياً ولا قيمياً، الفارق بين عمل وآخر.

إن إعدام القاتل هو قتل قاس يسلب حياة إنسان وبذلك يتساوى مع قتل في سطو مسلح ضد أناس آمنين. لكن فيما عدا هذا التعيين لهذه الحقيقة الأولى والمجردة – ليس هنالك وجود للمقارنة بين الأمرين إلا عند أولئك الذين يعارضون أي قتل من أي نوع كان. غير أن حال مؤيدي "العملية السلمية" ليست كهذه الحال، وأصحاب مقولة المتطرفين من الجانبين ليسوا معادين بالمطلق لأي قتل كان. فهم يؤيدون قتل أو قمع "المتطرفين من الجانبين" على الأقل، هذا ما عدا جيوش الحكومات والسلطات التي يدعمونها والتي تشارك الآن في العملية السلمية.

لماذا إذاً لا يستطيع أولئك رؤية الفارق بين عمليات سفاح الحرم الإبراهيمي وبين ممارسات جنود الاحتلال ومستوطنيه؟ الإجابة بسيطة: فمن زاوية نظرهم، أي من زاوية "عملية السلام"، لا فارق بين مهددي هذه العملية، أكانوا محتلين أو واقعين تحت الاحتلال. وإذا أسسنا أن "عملية السلام" ليست محايدة يصبح من الواضح أن هذه المماثلة نوع من التطرف، وأن مؤيديها، على الرغم من المجازر والاحتلال، ومع بقاء المستوطنات، ومع مبادلة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بحماية إسرائيلية، هم متطرفون. إنهم متطرفون في إصرارهم على تجاهل الفارق البيّن بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، وتطرفهم بدوره يمنعهم من رؤية هذا الفارق – هذه هي حلقتهم المفرغة: إنهم متطرفون في دعوتهم المتكررة للفلسطينيين إلى التنازل عن كل قيمة وطنية وذاكرة تاريخية من أجل كسب استحسان الرأي العام الغربي، وإنهم متطرفون في انتقالهم من دون حساب أو نقد ذاتي من مواقع الستالينية أو القومية العربية المغالية في التطرف أو الرفض الكامل لأية تسوية إلى مواقع المركزانية الأوروبية التي لا ترى أي شر غربي إلا في سياقه التاريخي وأي شر شرقي إلا خارج سياقه التاريخي، والتي تقبل بـ"النظام الدولي الجديد" قيمة عليا يحتل مكان سلم القيم الخلقي أو الحقوقي، الذي كان في حينه بورجوازياً والآن هو غير براغماتي ولا واقعي ورومانسي وبكائي وغير ذلك. لم يمر الطريق في "الاشتراكية العلمية" (شيوعيون ويساريون سابقون) أو "الاشتراكية القومية" (يمينيون سابقون) أو "القومية" المزاودة حتى على عبد الناصر (فتحاويون وقوميون قطريون من مختلف الأجناس) إلى "الريئال بوليتيك" و"البراغماتية" و"الديمقراطية"، عبر العدالة والاستحقاق والتضامن والمساواة والتآخي وغيرها من القيم التي بقيت يتيمة. ولذلك لدينا ستالينيون "ديمقراطيون" وذوو فكر قومي متطرف لكنه مقلوب، أي استسلامي، وجميعهم متطرفون.

من الواضح أن بين المحتلين والواقعين تحت الاحتلال من يفسر المذبحة تفسيراً غيبياً. فهناك، من ناحية، من يعتبر أن هنالك مؤامرة يهودية عالمية لقتل المسلمين؛ وهناك من ناحية أُخرى من يعتبر القاتل قديساً قام بعمل رمزي يوم "البوريم" [عيد المساخر]، أي يوم تخلص الشعب اليهودي من هامان الفارسي الشرير – أي أن هنالك نوعاً من النمطية الغيبية في التفكير لدى الطرفين، كما أن هنالك نمطية عقلانية في التحليل لدى الطرفين أيضاً. لكن لا علاقة لتساوي أو عدم تساوي درجة العقلانية في التفكير بتساوي الحكم على الأعمال. فحكم العمل الذي يرتكب ضد الاحتلال ليس كحكم ما يقترفه الاحتلال – وهذه قاعدة لا تنفي ولا تؤكد أخطاء أو جرائم قد يقوم بها الواقعون تحت الاحتلال، لكن كل هذا لا يجعل هنالك متطرفين من الجانبين، لأن هذه المقولة تطمس أكثر مما تكشف، وتخفي أكثر مما تظهر، وتربك أكثر مما تزيل الالتباس. 

المؤامرة

يدّعي دانيال بايبس*، وغيره من المستشرقين، أن العقل السياسي العربي أسير فكر المؤامرة، وأنه يرى مؤامرة وراء كل تفصيل مهما بدا سخيفاً. والحقيقة أن الفكر النخبوي العربي ليس أسير هذه الفكرة بقدر ما هو مروج لها بين شعوبه دعائياً، وهذا ما لا يفهمه المستشرقون.

وإضافة إلى المؤامرة الخفية ضد العملية السلمية التي روج لها، هذه المرة، الغربُ والنخبة الإعلامية والحاكمة فيه وفي إسرائيل، والتي تتجلى في أعمال مثل مذبحة الخليل، كان هنالك "مؤامرة" أُخرى برزت في الرد الفلسطيني "الرسمي" على المذبحة – فهي تآمر بين الجيش والمستوطنين، وهي مؤامرة نفذها الكثيرون، بل إن رئيس م. ت. ف. خاطر بتقدير عدد المشاركين بعشرة أشخاص. قد تكون المذبحة فعلاً من تدبير أكثر من شخص واحد، لكن ما الفائدة من الترويج لفكرة المؤامرة؟

إن تصوير التعاون بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين كما لو أنه مؤامرة خفية لمرة واحدة إنما هو تقليل من حجم هذا التعاون، واختصار مبالغ فيه للتحالف والتعاون البنيوي بين قوات الاحتلال والمستوطنين، إلى درجة انعدام الفوارق في بعض الأحيان. لقد دمج المستوطنون في خدمة الاحتياط في الوحدات التي تخدم في مناطق سكناهم رسمياً منذ سنة 1984 – ومنذ ذلك الحين أصبح عدد كبير من ضباط الاحتلال مستوطنين. لكن التنسيق والتعاون يتجاوزان ذلك إلى تمترس خلف متراس واحد في جميع حالات الصدام مع العرب، وهي الحالات السائدة في الانتفاضة. هذا إذا أهملنا تفصيلات روتينية، مثل تسليح المستوطنين وميليشياتهم وحرسهم المدني، والتنسيق بينهم وبين الجيش.

وإذا اختصر التعاون بين الاحتلال ومستوطناته إلى مؤامرة لمرة واحدة أو أكثر، يصبح في الإمكان فضح مثل هذا النوع من التآمر والقضاء عليه من دون إزالة الاحتلال، أي يصبح في الإمكان تجاوز التلاحم العضوي بين الاحتلال ومستوطناته ووجوب زوالهما سوية.

لقد تجلى هذا النوع من التفكير لاحقاً بالتعامل مع إسرائيل وكأنها قوة محايدة تقف بين الفلسطينيين والمستوطنين – وهذه القوة مطالبة بالتحقيق الموضوعي والمحايد، ومعاقبة المستوطنين. والأنكى من ذلك كله، مطالبتها بتنفيذ وظيفتها وهي: "حماية أمن السكان الفلسطينيين" (هل نسمع ما نقول؟!) بدلاً من التعاون مع المستوطنين.

يجب أن يتحول الواقع السياسي إلى أشخاص، أي أن "يتشخصن" ليصبح مفهوماً بالنسبة إلى البعض. هذه ظاهرة نعرفها عند دراسة الدين الشعبي أو الميثولوجيات التي تحول فيها الأفكار إلى قصص مروية حول أشخاص. لكن القيادة الفلسطينية لا تحتاج إلى مثل هذا النوع من التفكير كي تثبت تعاوناً أو حتى تلاحماً عضوياً بين الاستيطان والاحتلال منذ سنة 1968. هذا واقع لا يحتاج إلى مضاربات أو شطحات فكرية، وسطوع الشمس لا يمكن المصابيح من إضاءته.

المعارضة الفلسطينية (إذا صحت التسمية) ليست أقل مؤامراتية من القيادة – لقد تجاوزت المعارضة فكرة المؤامرة إلى اعتبار المذبحة أول نتيجة من نتائج اتفاق أوسلو، لكأن المستوطنين بحاجة إلى هذا الاتفاق من أجل تنفيذ المذابح، أو لكأنهم اتفقوا على المذبحة في أوسلو، والاحتمالان عبثيان وغير مقبولين. هذه السياسة التي تحمل الطرف الفلسطيني الذي تختلف معه مسؤولية كل جريمة ترتكب في مرحلة اعتراف لا تشجع على الاعتقاد أن المعارضة الفلسطينية قادرة على تجاوز الخطاب السياسي القديم.

بأي معنى يمكن اعتبار المذبحة نتيجة لاتفاق أوسلو. من السهل تصور وقوع الجرائم الجماعية (وقد وقعت فعلاً) من دون اتفاق أوسلو، أي من دون وجود ما تعارضه المعارضة الفلسطينية. ليس كل ما سبق سبباً لما لحق. صحيح أن المذبحة تدل على نواقص اتفاق أوسلو، وعلى عدم إمكان نجاح أي سلام، ولا حتى اتفاق أوسلو أو مراحله الانتقالية، مع بقاء الاستيطان. لكن هذا لا يعني  أن المذبحة "أول إفرازات أوسلو"، كما سارع بعض قادة المعارضة إلى التصريح بشماتة. والناس لا يستطيعون إقامة مثل هذا الرابط، ولا فهم ما تقوله المعارضة، إلا إذا كانت هنالك مؤامرة رهيبة أكثر تعقيداً وتركيباً من الأولى؛ مؤامرة تحتاج إلى خيال واسع لتصور حلقاتها المفرغة. وهذا يذكّر ببعض المنشورات التي وزعت في الضفة والقطاع بوصفها ملحقات سرية باتفاق أوسلو، وفيها يسرح الخيال كما يشاء.

فصدقية العلاقة بين القيادة السياسية للمعارضة وبين الشعب الفلسطيني تحتم عدم المبالغة. وهنالك قائمة طويلة من الاعتبارات لمعارضة اتفاق أوسلو وإفرازاته لا تحتمل، ولا تحتاج في الوقت عينه إلى إضافة مسؤولية مذبحة الخليل إليها. لكن للمعارضة الحق، كل الحق، في القول إن المذبحة تؤكد عدم إمكان تجاوز ما حاول اتفاق أوسلو تجاوزه: الاستيطان، ولا حاجة إلى انتظار المذبحة القادمة كي نضيف إلى الاستيطان: القدس، وحق تقرير المصير، وزوال الاحتلال. 

العتاب والعقاب

فوجئت القيادة الفلسطينية مجدداً بإسرائيلية الموقف الأميركي، وهي أسيرة مفهوم الضغط الأميركي على إسرائيل، حتى أن البعض اكتشف مؤخراً أن أميركا، التي تدعي الحياد، منحازة إلى إسرائيل انحيازاً كاملاً (أنظر تصريحات كثير من القادة الفلسطينيين، "القدس"، 12/3/1994). مرة أُخرى تتوهم القيادة الفلسطينية أن تفعيل دور "الراعي" الأميركي للمفاوضات سيحسّن من ظروف التفاوض بالنسبة إليها، بأن يضغط على إسرائيل لاتخاذ خطوات تسهل عودتها إلى المفاوضات. ومرة أُخرى تكتشف القيادة إياها ما سبق واتضح في نهاية حزيران/يونيو 1993، عندما اقترحت الولايات المتحدة مسودة إعلان مبادىء، وهو أن الحكومة الإسرائيلية "أرحم" من هذه الإدارة الأميركية، وأن "مفاهيم" الليكود انتصرت في الولايات المتحدة حين خسرت في إسرائيل: لقد أطاح الموقف الأميركي في حينه المفاوضات فدفعها إلى أوسلو، لكن وضع القيادة الفلسطينية بعد أوسلو يختلف عما قبلها. وهي تحاول استغلال المذبحة لتحسين وضعها التفاوضي من دون نجاح يذكر، سوى استعداد إسرائيل لزيادة قدرتها على القمع بمزيد من الشرطة الفلسطينية القوية.

لقد طالبت القيادة الفلسطينية بتجريد المستوطنين من أسلحتهم، وهو طلب غير مفهوم وغير منطقي – فحياة المستوطنين ستكون مهددة فعلاً من دون سلاح، كما أن نزع إسرائيل لأسلحتهم لا يعني زوالها. الإمكان الوحيد هو رحيل المستوطنين، لا نزع أسلحتهم. وعندما اتضح ذلك بدأت المطالبة بإزالة المستوطنات من قلب المدن العربية – وهو ما اتُّفق على إبقائه في المرحلة الانتقالية، حتى في غزة.

إن القيادة الفلسطينية تساهم عملياً في خلق صورة إسرائيل المحايدة في صراع بين الفلسطينيين والمستوطنين، بدلاً من فضح لا هوادة فيه لهذه الصورة،  لأن الخصم الأساسي للواقعين تحت الاحتلال هو الاحتلال ذاته، لا أحد مظاهره. وهي إذ تقوم بذلك تعطي من حيث لا تدري شرعية للأعمال التي تقوم إسرائيل بها ضد الفلسطينيين لكنها تطالب بالقيام بها ضد المستوطنين أيضاً. وبعض ساسة الأقلية العربية في إسرائيل المقربين من م. ت. ف. طالبوا إسرائيل بهدم بيت المستوطن السفاح، الأمر الذي يتضمن اعترافاً بعدالة هدم بيوت الفلسطينيين، مع المطالبة باتباع سياسة الهدم، بصورة متساوية، ضد اليهود أيضاً.

إن لدى أولئك الذين يساوون بين المحتل والواقع تحت الاحتلال ميلاً إلى معاتبة إسرائيل بشأن وجود معايير مزدوجة في التعامل: إنهم يطالبون الاحتلال بالتخلص من المعايير المزدوجة في التعامل مع الفلسطينيين ومع المستوطنين، مع ما في ذلك من منح شرعية لقمع الفلسطينيين – فليفرض منع التجول على المستوطنين، وليهدم بيت سفاح الحرم الإبراهيمي، وليعتقل المستوطنون إدارياً!! هل تصبح هذه الخطوات عادلة إذ ذاك، وهل تكفي وحدانية المعيار مقياساً للعدالة؟ هذا إذا كانت وحدانية المعيار ممكنة أصلاً في ظل الاحتلال.

لقد قاد الاعتراف بترك أمور "الأمن" لإسرائيل تهتم بها في المرحلة الانتقالية، إلى توقع عبثي بأن يضمن الاحتلال أمن الفلسطينيين بالاقتصاص من المستوطنين. إن مسؤولية الدولة المحتلة عن أمن القاطنين في ظلها هو مفهوم في القانون الدولي، تتم بموجبه محاسبة الدولة المحتلة عما يرتكب في ظل احتلالها – وهو ليس في أية حال مبدأ سياسياً تتبناه حركة تحرير وطني تعارض الاحتلال، فإذا تبنته ناقضت ذاتها ومهماتها.

إضافة إلى ذلك، وضمن انتشار وعي المماثلة والمقارنة والتشبيه، هنالك اعتراف ضمني بمفهوم "الأمن الإسرائيلي"؛ اعتراف غير نقدي على الرغم من كونه مفهوماً أيديولوجياً محضاً يستخدم لتبرير سياسات إسرائيلية على مستوى المنطقة والعالم – ويطالب المعترفون بأمن إسرائيل بأن تعترف فقط بوجود "أمن فلسطيني" أيضاً، هذا طبعاً، عدا أن لدينا أيضاً "خبراء أمن" و"استراتيجيين"، وغير ذلك. وما دامت المقدمة هي الاعتراف بمفهوم الأمن الإسرائيلي، فلا مانع لدى إسرائيل من الاعتراف بالأمن الفلسطيني – بل هي تفضل شرطة فلسطينية قوية  على قوات دولية مشْرفة (شمعون بيرس، التلفزة الإسرائيلية، 14/3/1994). وليأخذ الفلسطينيون ما شاؤوا من المصطلحات والرموز والألقاب والطقوس، ما دامت قضية الهيمنة محسومة.

لقد قامت الحكومة الإسرائيلية في جلستها يوم 13 آذار/مارس 1994 باعتبار حركتي "كاخ" و"كهانا حي" (التي انشقت عن الأولى بعد مقتل كهانا) خارجتين على القانون، أي إعلانهما حركتين إرهابيتين بموجب قانون منع الإرهاب، الذي طبق مرة واحدة لحل حركة يهودية هي حركة "ليحي" (حركة رئيس الحكومة السابق شمير) بعد مقتل الكونت برنادوت. وقد منعت حركة "كاخ" من خوض انتخابات الكنيست سنة 1988، لكنها لم تحل قانونياً. الحركة تبقى هامشية في المجتمع والسياسة الإسرائيليَين، وهي تشكل عبئاً حتى على اليمين الإسرائيلي المتطرف، لكن أفكارها وأفكاراً شبيهة لها منتشرة في أوساط واسعة من اليمين الإسرائيلي.

الخطوة مهمة من دون شك. لكنها لا تشكل ضربة شديدة ضد المستوطنين أو ضد اليمين المتطرف في إسرائيل. وستنشأ قريباً، بلا شك، ظروف تصعّد حدة المواجهة بين الائتلاف الحكومي واليمين الإسرائيلي – وقد يكون ذلك بعد أعمال فلسطينية انتقامية أو غير ذلك – والسؤال هو: هل ستقوم الحكومة بالمواجهة بهذا  القدر من التردد الذي ميز مواجهتها مع أوساط هامشية في اليمين الإسرائيلي؟ إذا صح ذلك فإن الحكومة ستعطي اليمين فرصة مهمة لخلق أزمة سياسية حقيقية في البلد.

يتضح من الخطوات العقابية التي قامت الحكومة بها، اعتقال ثلاثة نشيطين من حركة "كاخ"، والصعوبة التي واجهتها في تجريد ثمانية عشر شخصاً من أسلحتهم، أن هنالك أوساطاً في الشرطة والجيش لا تتعاون مع الحكومة عندما يجري الحديث عن اتخاذ خطوات حقيقية ضد اليمين المتطرف؛ فهي تجد "صعوبة" في البحث عن الأشخاص وفي جمع الأدلة ضدهم، الأمر الذي لا تتذمر منه بتاتاً عندما تبحث عن مطلوبين عرب، فالقدرة "الفنية" موجودة، والسؤال يتعلق بالرغبة في التنفيذ.

وكانت الخطوة الثانية، من حيث الأهمية، بعد المذبحة تأليف لجنة تحقيق رسمية برئاسة رئيس المحكمة الإسرائيلية العليا. وهي خطوة قد تؤدي في النهاية إلى التوبيخ بشأن المعايير المزدوجة وبشأن "نواقص خطرة في الحراسة"، ومسؤولية الضباط، من المسؤول عن الحرم الإبراهيمي حتى قائد المنطقة وتعامله مع تحذيرات الاستخبارات الإسرائيلية المتكررة المتعلقة بإمكان وقوع عمليات عنيفة يقوم بها المستوطنون. لكن مجال تحقيق اللجنة يبقى في النهاية فنياً. والمجزرة لم تكن قضية فنية. ولنأخذ مثالاً لذلك قضية عدد الجنود الذين يحرسون مدخل الحرم، هذه القضية التي أولتها اللجنة أهمية قصوى. لقد تغيب في ذلك اليوم خمسة جنود، أو إنهم تأخروا عن الحضور إلى الحرم. لكن الجنود الموجودين شاركوا في إطلاق النار على العرب، لا في حمايتهم، وذلك كردة فعل غريزية لحظة سماعهم إطلاق نار داخل الحرم أو رؤيتهم جمهور المصلين وهو يحاول القضاء على المجرم. من السهل أن نتخيّل أنه لو ازداد عدد الجنود لازداد عدد الضحايا العرب. والدليل على ذلك أيضاً عدد القتلى الذين سقطوا على الطريق المؤدي إلى المستشفى بفعل رصاص الجنود، الذين يشكّون في أي تجمهر عربي، حتى لو كان تجمهر متبرعين بالدم.

إن رؤية العرب كأعداء، والمستوطنين كأبناء للطرف ذاته الذي ينتمي إليه الجنود ليست قضية فنية، بل هي في صلب المبنى السياسي للاحتلال – إن لجنة التحقيق الإسرائيلية ستنال إعجاب الرأي العام الغربي كالعادة، وسيثبت أن إسرائيل مؤهلة للتحقيق في جرائمها. لكن في استطاعة الفلسطينيين التقليل من موضوعية وكفاءة وأهلية هذه اللجنة إذا قاطعوها ورفضوا التعامل معها – ويبدو أنه ليس هنالك قيادة فلسطينية قادرة على اتخاذ قرار بهذا الخصوص. وتبقى القضية مطروحة لحسم محلي يقوم به سكان الخليل.

إن ترك قرار بهذه الأهمية لحسم محلي يشكل دليلاً قاطعاً على الأمر السياسي الذي يميز المجزرة، وهو غياب قيادة فلسطينية قادرة على خوض الصراع الوطني، ولا توفر سوى عنوان سياسي للتفاوض فحسب. وقد تبين ذلك في عدم توفر عنوان يدعو إلى خرق منع التجول المفروض على أهميته أو إلى استغلال مشاعر الغضب والنقمة الحقيقيين من أجل تحرك شعبي حقيقي في الشارع ضد الاستيطان وضد الاحتلال.

إن الذات السياسية الفاعلة على الساحة حالياً هي إسرائيل. أما الذات السياسية الفلسطينية فغائبة، على الرغم من التحرك العفوي البطولي لشباب الانتفاضة، وعلى الرغم من عمليات انتقامية يبدو من المؤكد وقوعها -  لكن هنالك غياباً رهيباً وصمتاً عظيم الضجيج لقيادة فلسطينية قادرة على تجاوز معاقبة الأميركان ومعاقبة الإسرائيليين، ومحاولة استغلال المذبحة من أجل تحسين شروط التفاوض، إلى تحرك سياسي يستند إلى حركة شعبية واسعة وقائمة فعلاً، لكنها تنتظر من ينظمها ومن يترجم همومها إلى أهداف سياسية وبرامج.

 

*   Daniel Pipes, “Dealing With Middle Eastern Conspiracy Theories,” Orbis, Vol. 36, No. 1, Winter 1992.                                                                                                                                     

Author biography: 

عزمي بشارة: أستاذ الفلسفة في جامعة بير زيت.