خطاب الرئيس فرنسوا ميتران أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ، 24/9/1990
Full text: 

إن عدة مشاريع صدرت بصورة خاصة عن رؤساء دول وشخصيات عربية قد فتحت آفاقاً مفيدة. إن هذا مدعاة إلى سروري. لقد أملت فرنسا بأن دول هذه المنطقة من العالم ستكون قادرة على حل النزاعات التي تعترض اثنتين من دولها. وأودّ أن أعلن من على هذه المنصة أن هذا ما آمل به أيضاً. وفي الواقع، هناك رغبة في أن يصار إلى إزالة الشك والحذر اللذين أثارهما، عن غير حق، التدخل العسكري للقوى الغربية. لكن الأمة العربية لم تستطع بعدُ التغلب على الخلافات التي تفرّق بينها، ولا نستطيع الاكتفاء بالإعراب عن آمال لا سند لها. وفي غياب هذا الحل الذي أكرر أنه يحظى بتفضيلي الكبير، أو أنه حاز تفضيلي، لنبحث في أي سياق يمكن للدبلوماسية أن تنتصر على الحريق. قبل كل شيء، ليكن الكلام واضحاً: أقول انه لن يكون هناك تسوية ما لم يقبل العراق قرارات مجلس الأمن. نعم، عليه الانسحاب من الكويت. إن سيادة هذا البلد غير قابلة للتفاوض، شأنها شأن سيادة أي بلد. لنفكر في هؤلاء الرجال والنساء الذين يعيشون في ظل الاحتلال الأجنبي أو الذين عليهم اختيار المنفى، وفي الشعوب المجاورة التي في حال تساهلنا تصبح خاضعة لرغبة التوسع لفرد واحد أو لدولة محاربة. في المقابل ليؤكد العراق نيته في سحب جنوده، وليطلق الرهائن، وكل شيء يصبح ممكناً.

في مرحلة ثانية، هكذا أرى الأمور، سيكون المجتمع الدولي الذي عاقب الاعتداء قادراً أيضاً على ضمان تحقيق الانسحاب العسكري، وإعادة سيادة الكويت والتعبير الديمقراطي لاختيار الشعب الكويتي. هنا تبدأ المرحلة الثالثة التي ينتظرها الجميع من دون أمل كبير، إذ تبدو اليوم صعبة المنال، أو نتخوف منها، لأنها ستكون ساعة الاختيار.

إنها اللحظة التي ستحل فيها دينامية حسن الجوار ضمن الأمن والسلام لكل طرف محـل المواجهات التي تمزق الشـرق الأوسط.

أفكر في لبنان الذي لم يسترجع كامل سيادته على أراضيه التي ما زالت تحتلها جيوش أجنبية وتتقاسمها قوى متعارضة.

أفكر في الفلسطينيين ضحية اليأس، وعرضة لكل المغامرات من أجل تحقيق تطلعهم المشروع إلى امتلاك أرض تكون وطنهم ويكون في وسعهم أن يقيموا عليها بنى الدولة التي يختارون.

أفكر في إسرائيل التي تعيش خوفاً دائماً. باختصار أفكر في جميع هذه الشعوب التي ترزح تحت وطأة التسلح الكثيف وتسودها حالة الحرب المعلنة أو الكامنة التي صارت قدرها اليومي. ليسمعوني جيداً: أنا لا أقصد في كلامي مزيجاً من النزاعات التي ليست من طبيعة واحدة. كما لا أدّعي أني سأحل مجمل المشكلات دفعة واحدة وبوصفات سحرية. إن كل مسار شمولي هو مسار غير واقعي، وبالتالي خطر، ويشكل ذريعة لمن لا يريد أن يفعل شيئاً.

إن مسعانا يفترض الحوار، الحوار المباشر بين الأطراف المعنية، والاتفاق مع الدول المجاورة والقريبة، وفي النهاية الضمانة الدولية التي لا بديل منها والتي تمثلونها. في نهاية الطريق، نجد فكرة المؤتمر الدولي ضمانة لتنفيذ الاتفاق وحافزاً لكل مفاوضات ناجحة.

فيما بعد، يمكن أيضاً تصور مرحلة رابعة، هي تلك المتعلقة بالتقليص المتبادل والمتفق عليه للتسلح في هذه المنطقة، والتمهيد لتعاون ممتد من إيران حتى المغرب، ومن الشرق الأوسط حتى المحيط الأطلسي، تعاون يفتح السبيل أمام الاستقرار والازدهار في منطقة هي مدعوة، بسبب تاريخها وثقافتها ومساهمتها القديمة في سبيل العنصر البشري، إلى ممارسة نفوذها في مسائل العالم. لكن لنرجع إلى أنفسنا لو سمحتم.

ينبغي لنا نحن أيضاً أن نرد على التساؤلات التي تتصاعد من كل مكان تقريباً: العديد من قرارات مجلس الأمن ظل حبراً على ورق. يعود هذا الوضع في اعتقادي إلى الإلغاء المتبادل الناجم عن الصراع بين الشرق والغرب، الذي حكم على الشرقين الأدنى والأوسط بنوع من حرب المواقع المدمرة واليائسة، وهو الذي يغذي اليوم، وعن شيء من الحق، الانتقاد في العالم العربي للهمة المفاجئة التي أظهرتها الأمم المتحدة عندما كان المقصود هو العراق. والحق أن هذا التقصير يشكل إحالة مؤسفة تفسد القوة العادلة لقراراتنا الحالية. وفي الواقع، في مثل هذه الأوضاع التي تجمعنا، أرى مستحيلاً ألا أقول بصوت عال: يجب أن يكون القانون واحداً بالنسبة إلى الجميع من حيث المبدأ والنتائج.

 

المصدر: النص الرسمي من السفارة الفرنسية في لندن.