The Debt of Gratitude the Palestinian Cinema Owes to Walid Chmaït
Date: 
February 28 2024
Author: 

لم نلتقِ من بعد اندلاع الحرب الكارثية على أهلنا في قطاع غزة، فحالنا كحال غيرنا؛ إذ لم تسمح فداحة المصاب بفرص للّقاء والحديث في موضوعها أو موضوعات غيرها. وكانت "فلسطين" تخرج في كلامه كثيراً، فيذكرها في حديثه السينمائي والسياسي، وفي ذكرياته عن زمن كانت للفلسطينيين فيه ثورتهم، وسينما هذه الثورة، وكانت تكثر في أحاديثه قبل الحرب كما يمكن أن تكثر في أحاديث غيره من بعدها.

وانقضت اللقاءات برحيل وليد شميط قبل أيام، وهو الناقد السينمائي اللبناني، والاسم الأساسي في كل حديث عن سينما الثورة الفلسطينية، والسينما البديلة العربية، وخصوصاً في فترة السبعينيات.

وبالصدفة التقيته، ومن كرمه، تكرّرت هذه اللقاءات في العاصمة الفرنسية، لنخرج أخيراً بطبعة جديدة من كتابه الموسوعي "فلسطين في السينما". ولا يسع أحدنا، في لقاءات على طول العامين الأخيرَين، سوى الملاحظة السريعة ثم المتكرّسة لمدى الدماثة والإيثار لدى شميط، المتحدث عن الآخرين دائماً. وكتابه هذا هو أول إشارة إلى ذلك، وهو عبارة عن مقالات لآخرين ومقابلاتهم، وقد ترجمها شميط مضيفاً إليها مواد له، جميعها تتناول السينما الفلسطينية من جوانب متعددة، وهو ما جعل هذا الكتاب الجماعي مرجعاً أولياً لهذه السينما في زمنها الثوري.

وكنت أحضّر للشروع في كتاب عن السينما الفلسطينية قبل أكثر من عامين، وبذلك، فقد علمت بكتاب لوليد شميط وغي هينبل، هو "فلسطين في السينما"، وأدركت أهميته عن طريق قراءة المتوفر عنه، أمّا إمكان الحصول عليه، فكان شبه مستحيل؛ إذ إن نسخته الأولى صدرت في بيروت سنة 1978، وهو في أغلبه ترجمة لمعظم كتاب صدر بالفرنسية قبله بعام، بعنوان " le Cinéma et La Palestine ". ثم أصدرت وزارة الثقافة الفلسطينية سنة 2006 نسخة محدودة، وبطباعة رديئة ومتخمة بالأخطاء، وصلت حدّ تبديل عناوين الفصول.

فسعيت للطبعة الوحيدة التي يمكن الوصول إليها، وهي الصادرة سنة 2006، عن طريق صديق لي في رام الله، استطاع إيجاد نسخة في إحدى مكاتب الوزارة لتصويرها، فأرسل إليّ نسخة، أدركت بعد الاطلاع عليها فداحة هذه الطبعة، تُقابلها فرادة كتاب كهذا. وبحثتُ عن وليد شميط، وعرفت من الصديق نجا الأشقر أنه مقيم بباريس، فذهبتُ إلى عرض للفيلم النضالي "المقاومة - لماذا؟" ضمن عروض مهرجان السينما الفلسطينية في باريس للقائه، وكان سيقدّم مداخلة بعد عرض الفيلم. منذ بداية الحديث، لاحظتُ، كما يلاحظ أحدنا، ابتسامته المرحبة بكل مقترب، واتفقتُ معه على لقاء هادئ بشأن كتابه الصادر قبل أكثر من 40 عاماً، والمفقود حالياً.

ولأهمية توافر نسخ جديدة ومنقحة من كتابه، وهو ما احتجتُ إليه، وما سيحتاج إليه كل باحث في هذا الموضوع، فقد أدركتُ ضرورة العمل على إعادة إصداره، وطرحتُ الفكرة في أول لقاء به، فاتفقنا على أن الكتاب جوهري لكل باحث وعامل وناقد في السينما الفلسطينية، زمن الثورة، وفي السينما العربية البديلة آنذاك، كما اتفقنا أيضاً على أنه غير متاح للباحثين والقرّاء، إلاّ - في أحسن الأحوال - استعارةً من مؤسسات في لبنان وفلسطين. ومن هنا سألته عن إمكان إعادة إصداره، ومن دون أن أكمل الفكرة كما حضّرتُ لها، فرح بها، ومنحني ومنح الجهة الداعمة للمشروع الحقوق لإعادة إصداره، فطلبت منه كتابة مقدمة للكتاب، فأوكل المهمة إليّ.

وقد سهّل هذا الكرم التلقائي واللطف الاستثنائي من إمكان البحث عن ممول لهذا المشروع، وكانت مؤسسة "فيلم لاب فلسطين"، التي أظهرت اهتماماً به موازياً لاهتمام شميط، قد تكفّلتْ بمصاريفه بالكامل، ووجدتُ ناشراً بحرفيّة؛ "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، وهي المؤسسة التي منحت الكتاب ما يستحقه طباعياً وتوزيعياً، فصدَر كتاب "فلسطين في السينما" سنة 2022، وصار متاحاً بعد ما يقارب نصف قرن من إصداره الأول.

لم يكن العمل على الكتاب سهلاً، لطبيعته الأرشيفية، ومكانته المرجعية، وفقدانه أساساً. وقد اعتمدتُ على نسختين؛ الأولى: طبعة مصوَّرة وقديمة، وبعض أطرافها متآكل، من الكتاب بنسخته الأولى، وكان شميط قد أعارني إياها، ولم تتوفر لديه غيرها، وتنقصها بعض الصفحات. والثانية: الطبعة المصوَّرة (2006) من كتاب مليء بالأخطاء، منها تنسيق العناوين والفقرات، وأسماء الأفلام، مروراً بتسرّعات طباعية فجة، فأجرينا عملية "مسح ضوئي" للكتابين، وتعاملتْ مؤسسة "فيلم لاب" مع مختص للتنضيد والتدقيق، وأجريتُ المقارنات والتصحيح والتحرير للنسخة الجديدة، وأمامي الطبعتان المصورتان لنسختَي سنة 1978 وسنة 2006، معدِلاً بعض المعلومات اعتماداً على مراجع إلكترونية، وأنهينا العمل، وكتبت المقدمة، وأودعنا الكتاب لدى الناشر.

وقد تابع وليد شميط عمليات الإصدار بشغف، وأخبرني مراراً بأنه يشعر كأن الكتاب يصدر الآن لأول مرة من جديد، وسأل في كل لقاء عن أماكن توزيعه، وعن إتاحته. وحاولنا تنظيم حفل إطلاق له في إحدى زياراته إلى بيروت، لكن أموراً تتعلق بالبلد هناك، وأوضاعها حالت دون ذلك. وكانت في لهفة صاحب الكتاب الأول لهفة طفولية تعززها طيبة وليد شميط ولطفه، وإن كان الحديث عن كتاب صدر أول مرة قبل عقود، وعن مؤلف له مشواره الطويل في الكتب والمقالات والمساهمات النقدية والسينمائية، لبنانياً وفلسطينياً وعربياً، فأي حديث عن تاريخ النقد السينمائي العربي سيتناول حتماً اسمه.

وبكتابه الموسوعي، الخارج من زمن الثورة والفيلم النضالي والسينما البديلة بنصوص حيّة من ذلك الزمان، وبِلُغَتِه وأفكاره وآماله، وبوعي باكر وخاص لشميط في تلقُف الكتاب الفرنسي، وقيامه، مبادراً ومنفرداً، بترجمته وإتاحته للقارئ العربي (وللتاريخ)، في السبعينيات، واليوم وبعد كل هذه الأعوام، فإنه حين يبحث أحدهم عن مرجع أوّلي للكتابة عن سينما الثورة الفلسطينية -لنقُل- بعدَ قرن من تأسيسها، سيجد اسم وليد شميط أولاً.

وبهذا الكتاب، ستكون السينما الفلسطينية، صناعةً وبحثاً ونقداً، ممتنة أبداً لوليد شميط، الذي أنقذ بكتابه صفحة من تاريخ ثقافي وسياسي واجتماعي فلسطيني.

Read more