Institute for Palestine Studies

Palestine’s “Grandmother” and the Ongoing Nakba

Palestine’s “Grandmother” and the Ongoing Nakba
Date: 
May 23 2023
Author: 
Ayham al-Sahli

عرفنا نكبتنا من ثلاثة أطراف على الأقل:

الأول: أجدادنا الذين حالفهم الحظ، ولم يستشهدوا بالمجازر الكثيرة التي ارتكبت في فلسطين عام 1947 و1948. فعاشوا ليرووا لنا الحكاية.

الثاني: المؤرخون الفلسطينيون، الذي وضعوا رؤيا لهم منذ وقعت الكارثة، وهي توثيق ما حصل، وبدقة أكثر تمتين وجود فلسطين في التاريخ والجغرافيا، ومثال على ذلك كتاب "كي لا ننسى"[1] للدكتور وليد الخالدي، الكتاب الذي يكاد يكون قاموسنا لقرانا المهجرة، ودراسته "خطة دالِت"[2]، وكتاب "فلسطين في الكتابة التاريخية العربية"[3] للدكتور ماهر الشريف، و"طرد الفلسطينيين"[4] للدكتور نور مصالحة، وغيرهم من الكتب الكثيرة التي أثرت المكتبة العربية والعالمية في المجال، فضلاً عن التاريخ الشفوي الذي عملت عليه الباحثة روز ماري صايغ، وغيرها.

 

Al-Sahli Family Collection, 1841-1947, 956.94, Box no. -, File no., American University of Beirut/Library Archives

 

الثالث: المؤرخون الإسرائيليون الذين انتصروا للمنطق، ليس منطق الضحية بالضرورة، بل منطق الأحداث وتطورها الإنساني الذي أدى بفلسطينيين أن يكونوا بلا فلسطين، ومنهم إيلان بابه صاحب كتاب "التطهير العرقي في فلسطين"[5]

الفارق بين الطرفين الأول والثاني من جانب، والطرف الثالث من جانب آخر، أن الأول والثاني توالد مأساته، وأورثها، كما أورث الحلم إلى أجيال لاحقة، من المفروض أنها ستورث المأساة والحلم إلى أجيال لاحقة. أما الطرف الثاني، فانتبه لمأساة الأول والثاني، ولمأساتهما كإنسان، فتمكن من الخروج إلى الضوء، ليروي ما حصل في فلسطين، ليروي كيف صارت فلسطين "إسرائيل".

يمكن لخيال لاجئ فلسطيني في مخيم مار الياس أو اليرموك، أن يفكر بصدفة ما حصلت عام النكبة، فلم يهجّر جده من فلسطين، وأبوه تزوج أمه، وأنجباه في فلسطين، يحق لهذا الخيال أن يكون منطقياً، ليعيش هذا اللاجئ حلماً أول بأنه عاد إلى وطنه، وحلماً آخر بأنه ولد مثل كل الناس في وطنه. سيرى هذا اللاجئ حلمه، ويجعله يكبر أمامه يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة، وجيلاً بعد جيل، لأن لا شيء، سيلغي مشكلة اللجوء الفلسطيني، إلا العودة إلى القرى والمدن التي تهجر منها الأجداد في فلسطين. 

لكن هل "النكبة المستمرة"؟ نعم، وبأشكال مختلفة. يذهب اللاجئ الفلسطيني إلى أوروبا للعيش هناك وتحسين شروط حياته، ولنقل في هذا العام ٢٠٢٣، فيرى نكبة فلسطين ماثلة أمامه، في الأوراق التي سيوقع عليها، تحديداً بالعبارة التي تصف هذا اللاجئ بأنه "بلا وطن"، أي أن هذا "الفلسطيني" ليس له مكان، أين المكان إذن! هذا الذي اسمه "إسرائيل" هو المكان الذي اسمه فلسطين. عند هذه النقطة تحديداً، يجدر الوقوف، والتعامل بدقة، فأعداد من اللاجئين الفلسطينيين، حصلت على جنسيات في العالم، بعد أن وصلت إلى عدة دول في أوروبا، وتقدمت بطلبات لجوء. وبعد سنوات حصل هؤلاء على جنسيات الدول الأوروبية التي وصلوا إليها.

بعض الدول الأوروبية وفقاً لقوانينها، توقّع اللاجئين الفلسطينيين على ورقة تفيد بأنهم "بلا وطن" وهذا صحيح من منظار قانوني، باعتبار أن وثائق الدول المضيفة كسوريا ولبنان، لا تعتبر جنسيات، كذلك فإن هؤلاء لا يحملون مواطنة فلسطينية من السلطة الفلسطينية. هذه الإشكالية القانونية، لم يتم تناولها باستفاضة بعد في أي محفل، ولا حتى لدى "الأونروا" أو منظمة التحرير الفلسطينية، تحديداً وأن الحديث عن حق العودة بالنسبة لدى الجهتين، ولدى المجتمع الدولي، ينطلق من القرار 194 الصادر عام 1948. لكن هل التوقيع على ورقة "بلا وطن" يشكل "إقراراً" قانونياً، يمكن أن تستغله إسرائيل في أي محادثات لاحقة متعلقة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، بالعودة إلى ديارهم وأراضيهم وتعويضهم، ولا سيما أن هذه الحقوق تقع اليوم في دولة أخرى، وفقاً للقانون الدولي اسمها "إسرائيل".

 

Al-Sahli Family Collection, 1841-1947, 956.94, Box no. -, File no., American University of Beirut/Library Archives

 

تستوقفني هذه الإشكالية منذ مدة من الوقت، ومن أجل توضيحها أكثر، لجأت إلى سؤال أحد الأقرباء وصديقين، عن هذه المسألة، واخترت من أنجبوا أطفالاً في أوروبا، فأحدهم يسكن في ألمانيا والثاني والثالث في هولندا.

ونظراً لتقاطع إجاباتهم، جمعت تلك الإجابات في فقرة واحدة.

جميعهم لم يسجلوا أولادهم في سفارات الدول المضيفة، ولم يسألوا عن إمكانية تسجيل الأطفال الجدد في سجلات الأونروا، وأكدوا أنهم لم ينتبهوا إلى أهمية الأمر. خلال الحديث معهم، أخبرتهم، أن أولادهم الذين ولدوا في أوروبا، قد لا يكونوا قانونياً "من فلسطين"، إذ لا علاقة قانونية واضحة تربطهم بأصولهم، نظراً للورقة التي وقع عليها الأب أو الأم، أو الأب والأم معاً، وبالتالي الطفل الذي يولد لهم في احدى الدول الأوروبية، سيحمل جنسية الدولة فور ولادته، أو لاحقاً (حسب قوانين كل دولة)، وعدم تسجيله في سجلات الأونروا، وفقاً لسجلات والده، تلغي صفته القانونية كلاجئ. جاءت إجاباتهم، بأن الآباء من فلسطين، فأوضحت إشكالية ورقة "بلا وطن" التي أكدوا لي أنهم وقعوا عليها كجزء من إجراءات اللجوء. الشخص الذي في ألمانيا، أكد أنه حين ذهب لتسجيل أطفاله في الدوائر الحكومية الألمانية، تم تسجيلهم كـ "معدومي الجنسية" أو "الجنسية غير معروفة"، وسيبقى الوضع على حاله هكذا، حتى يمنح الأولاد الجنسية الألمانية.

عن هذا الموضوع أيضاً، سألت أكثر من فلسطيني يعيش في أوروبا (20 من الذكور والإناث)، والجميع كانت إجاباتهم متقاربة، في ما يتعلق بتسجيل وقوعات أحوالهم الشخصية، معظم الإجابات لم تختلف. لم يسجل أحد منهم وقوعات أحوالهم الشخصية لدى الأونروا، ولم يخطر في بال معظمهم هذا الأمر. ولا سيما أن الأونروا لا تعمل خارج الأقاليم الخمسة. فمثلاً، اللاجئون الفلسطينيون الذين غادروا سوريا جراء الحرب، وهاجروا إلى أوروبا على سبيل المثال، ولم يعودوا إليها، لم تتغير أحوالهم الشخصية لدى الأونروا، ولا في دوائر الأحوال الشخصية في سوريا، فمن خرج أعزباً وتزوج لاحقاً، أو من خرج متزوجاً، وأنجب لاحقاً، لم تتغير معلوماته لدى الأونروا، ولا في الدوائر الرسمية السورية. ولعل هذه العجالة هنا، تنبيه إلى أن سجلات الأونروا، هي أحد المراجع الرئيسية الدالة على أعداد اللاجئين. وعليه أعداد اللاجئين في سوريا، لم تعد تتغير منذ الخروج الكبير بين عامي 2012-2015، فمعظم ولادات ووفيات من خرجوا لم تسجل، وكذلك الزيجات والانفصالات.

صحيح أن الورقة التي يوقع عليها اللاجئ الفلسطيني عند تقدمه بطلب لجوء أوروبا، لن تغير من هويته المعنوية ولا انتمائه الفلسطيني، لكن الجانب القانوني من الصراع مع إسرائيل، يحتاج دقة أكثر، ومتابعة حثيثة من المعنيين، ولا سيما منظمة التحرير الفلسطينية، ووكالة الأونروا، والمراكز الحقوقية والقانونية المتخصصة في مجال اللاجئين الفلسطينيين.

تستخدم إسرائيل كل الوسائل لإنهاء القضية الفلسطينية، وضمنها قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومن وسائلها "أسرلة" أسماء القرى في فلسطين، فإسرائيل لا تقول إن قرية في حيفا كان اسمها بلد الشيخ، لكنها إن قالت، تستبعها بـ "لم يعد لها وجود"،  والمكان المشار إليه اسمه "تل حنان".

هذه "الحقائق" الإسرائيلية، قد تعتبر ناجزة في الأوراق والمستندات والتزوير المستمر، لكن الذي لن يجد طريقه للحل، هذا السيناريو: سيقف في يوم من الأيام فلسطيني من قرية بلد الشيخ مثلاً، أمام آخر يستوطن القرية ذاتها، سيقول واحدهم للآخر إنه من هذا المكان، سيرى الفلسطيني بالمستوطن من هجّر والده وجده، وسيرى الإسرائيلي جريمة والده وجده، ولو أنكرها، وقد يسأل: أكان لك أهل هنا! سيجيبه الفلسطيني بسؤال مقابل، أكان جدك في "تل حنان"؟ هل قرأت في كتب التاريخ، منذ متى صار اسم بلد الشيخ "تل حنان"! ستنعدم إجابة المستوطن هنا، فلا تاريخ لتل حنان، ولا تاريخ لجد المستوطن في القرية، أما عن تاريخها الحقيقي، والذي يسهل العثور عليه، فموجود في سجلات كثيرة، عثمانية وبريطانية، وفي أرشيف الجامعة الأميركية، وكذلك في الأرشيف الإسرائيلة. فالقرية اسمها بلد الشيخ، ومن أبنائها فتاة جميلة، اسمها جميلة السهلي، جدتي التي روت لي عن بيتها هناك، وعن طفولتها، وأعطتني خاتم خطبتها في فلسطين. هذه الجدة، جدة ملايين الفلسطينيين، ومثلها جدات فلسطينيات لنا جميعاً، الجدات والأجداد كانوا هناك، أما جد المستوطن، فلم يعرف القرية التي استوطنها ليحكي لأحفاده عنها، لكنه على الأغلب حكى له عن بولونيا وروسيا وألمانيا والنمسا والمغرب والعراق واليمن وأثيوبيا، وغيرها من البلدان التي أتوا منها لاحتلال واستيطان بلادنا.

إن كان لحكاية اللجوء الفلسطيني، القصيرة بالكلام، الطويلة جداً في الزمن، أن تقول، فإنها فقط ستحاول أن تخبر العالم، أن مأساة اللاجئين ليست مسألة أرض فحسب، إنها تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وحلها ليس باعتذار واجب، بل بالأمل والفعل الدقيق من أجل أن تكون البشرية طبيعية على الأقل في واحدة من المآسي الكبرى، بعد مآس ارتكبها العالم بحق الشعوب الأصلية في أميركا وأستراليا وأفريقيا.

 

 

[1]  وليد الخالدي، "كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2001

[2]  نشرت هذه الدراسة أول مرة عام 1961، في مجلة "ميدل إيست فورم" بعنوان "خطة دالت: المخطط الرئيسي لاحتلال فلسطين"، وفي الذكرى الأربعين للنكبة، أعادت "مجلة الدراسات الفلسطينية" بالإنكليزية نشرها، مع مقدمة صغيرة وضعها الدكتور الخالدي، وخمس ملاحق، بعنوان ”Revisited Dalet Plan"، وفي عام 2013، ترجمت "مجلة الدراسات الفلسطينية" الدراسة إلى العربية، ونشرتها في العدد 96 – خريف 2013. انظر الرابط.

[3]  ماهر الشريف، ""فلسطين في الكتابة التاريخية العربية"، دار الفارابي"

[4]  نور مصالحة، "طرد الفلسطينيين: مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين، 1882-1948"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992

[5]  إيلان بابه، "التطهير العرقي في فلسطين"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007

Read The Original Content

Published on Institute for Palestine Studies (https://www.palestine-studies.org) Source URL (modified on 16/11/2023 - 10:55):https://www.palestine-studies.org/en/node/1653920