Political Parties in Israel

مقدمة

تزامنت كتابة هذا الفصل عن الأحزاب السياسية في إسرائيل مع حدثين يمكن أن تكون لهما تداعيات على ملامح المشهد الحزبي في المدى المنظور: الأول، خوض ثلاث جولات انتخابية خلال أقل من عام واحد بين نيسان/أبريل 2019 وآذار/مارس 2020 تمحورت أساساً حول استمرار سلطة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يشغل هذا المنصب منذ سنة 2009 بعد أن شغله لولاية واحدة في السنوات 1996– 1999، وذلك على خلفية تقديمه إلى المحاكمة بشبهة ارتكاب مخالفات فساد؛ الثاني، تفشي فيروس كورونا (كوفيد– 19) وما تسبّب به من أزمتين، صحيّة واقتصادية كانت لهما تبعات على تلك السلطة والنظام الحزبي، ويُحتمل أن تكون لهما تبعات أُخرى في المستقبل المنظور.

وتمثّل أكثر ما شفّت عنه جولات الانتخابات الثلاث، ارتباطاً بالأحزاب، موضوع هذا الفصل، في كونها جرت سعياً لغاية كبرى هي وضع حدّ لعهد نتنياهو، لا لسلطة اليمين الذي يهيمن على سدة الحكم في إسرائيل منذ نحو أربعة عقود ونصف العقد. وانعكس ذلك أساساً في الشعارات التي رفعتها الأحزاب المناوئة لذلك العهد، وفي برامجها الانتخابية، في الوقت نفسه.

واستناداً إلى ما تضمنته تلك البرامج، ليس من السابق لأوانه الاستنتاج أنه حتى في حال انتهاء عهد نتنياهو، سواء بسبب محاكمته، أو جرّاء تبعات أزمة كورونا، فليس من شأن ذلك أن يعني نهاية حُكم اليمين في إسرائيل.

ولعل أكثر ما يرجّح مثل هذا الاستنتاج أن وقائع جولات الانتخابات الثلاث، وكذلك طلائع حملة الاحتجاج على أداء الحكومة الإسرائيلية حيال أزمة كورونا، لم توجد بديلاً سياسياً أو قيمياً من حكم الليكود واليمين. فضلاً عن ذلك فإن التطورات التي أعقبت جولة الانتخابات الثالثة التي جرت في آذار/مارس 2020، وأسفرت عن تأليف حكومة جديدة برئاسة بنيامين نتنياهو سرعان ما وُصفت بأنها حكومته الخامسة جرّاء تساوق برنامجها وتركيبتها مع أجندته الخاصة والعامة، برهنت على أن القوى السياسية التي تموضع نفسها في الوسط وتعرض ذاتها بديلاً، جاهزة لأن تتحالف مع اليمين وتتماشى مع سياسته الداخلية والخارجية. ويعود أحد أهم أسباب ذلك إلى هيمنة اليمين ومقارباته على أغلبية الشارع الإسرائيلي، كما تؤكد نتائج جولات الانتخابات منذ سنوات طويلة بما في ذلك الجولات الأخيرة. فهذه النتائج بيّنت المرة تلو الأُخرى أن في وسع حزب الليكود وأحزاب اليمين واليهود الحريديم (المتشددون دينياً) أن تؤلف معاً حكومة يمينية مستقرة، بقدر ما أظهرت أن نتنياهو هو الذي يشكل عقبة أمام تأليف حكومة يمينية صافية بسبب خلافاته الشخصية مع زعماء حزبي إسرائيل بيتنا ويمينا اليمينيَين، وإيثاره أن يتحالف مع خصم ضعيف على غرار حزب أزرق أبيض حديث التأسيس. ويدل هذا الواقع القائم على أن النزعات المتطرفة التي يمثلها رئيس الحكومة وأنصاره تحظى بتأييد شبه ثابت في أوساط الجمهور الإسرائيلي العريض، وهو تأييد لم يتآكل كثيراً وقت كتابة هذا الفصل (أيلول/سبتمبر 2020) على الرغم من أزمة فيروس كورونا وما تسببت به من ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل، وازدياد نسبة العجز في الميزانية العامة.

عدا هذا، يتسم المشهد الحزبي الإسرائيلي أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة بانحسار نفوذ ما كان يُعرف بأحزاب اليسار الصهيوني، وهو ما يجعل من الرهان عليها في أوضاع إسرائيل الحالية أشبه بوهم قاتل. وربما يتعيّن في هذا الشأن أن نستعيد توكيد بعض أقطاب أحزاب هذا اليسار حيال ما آلت إليه. فقد ذهب بعضهم إلى أن اليسار الإسرائيلي كان أحد أبرز المدفونين في «القبر الجماعي» الذي حفرته الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف سنة 2006، وأهالت التراب فيه على مجموعة من ساسة إسرائيل وعسكرها وإعلامييها. ومردّ ذلك أن هذا اليسار لم يفعل ما كان ينبغي له أن يفعله، وهو معارضة الحرب بصريح العبارة من دون أدنى تلعثم، وبقي يمارس «الرقص على حبلين»، بين المعارضة والتأييد للحرب، بمسوّغ أنها «عادلة» و«مبرّرة». وأكد بعض آخر أن تلك الحرب على لبنان دقّت المسمار الأكبر في نعش اليسار الذي كان يعتبر نفسه «معسكر السلام الإسرائيلي»، وأن الحديث لم يدر في ذلك الوقت حول ردات فعل عاطفية عابرة، قد تعدّ بمنزلة نتيجة مطلوبة ومفهومة لمشاعر الغضب والإحباط والخوف، وإنما دار حول مرحلة إضافية في سيرورة عميقة ومتصلة من فقدان البوصلة واللهاث وراء حلول انعزالية وأحادية الجانب، لا بد من أن تكون نهايتها الطريق المسدود وتكريس الصراع. وقبل تلك الحرب فإن السهولة أو الخفّة التي هضم فيها معسكر السلام هذا ذرائع رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إيهود براك بشأن إخفاقه في مسار المفاوضات السوري– اللبناني والمسار الفلسطيني، سنة 2000، كانت بمنزلة أول شهادة على هشاشته. وما اتضح لاحقاً هو أن الإسرائيليين الذين يتفاخرون بحمل لقب «يساريين» هم ليسوا، في أغلبيتهم، أكثر من «حمائم تغرّد داخل السرب» لا «حمائم ذات قيم عالمية» (تتجاوز الإطار المحلي الضيق). وهؤلاء يؤيدون عملية السلام من منطلق اعتبارات براغماتية تحيل فقط على ما يندرج في إطار مصلحة الشعب اليهودي، مثل الميزان الديموغرافي، أو ضمان أمن إسرائيل، أو دفع ازدهارها الاقتصادي قدماً. أمّا الصنف الذي يؤيد السلام بدوافع أخلاقية عالمية فقد بات صنفاً نادراً، وهو الذي لا يبحث عن ملاذ في حضن الوطنية العمياء والإجماع القومي، كما هي حال معظم الأحزاب السياسية الإسرائيلية.

إن الفراغ الناجم عن انحسار هذا اليسار، وعن عدم التماهي المطلق من طرف قوى سياسية إسرائيلية مع طروحات اليمين الذي يتزعمه نتنياهو ويوصف لأسباب شتى بأنه يمين جديد شعبوي وأقل ليبرالية من اليمين التقليدي، تملأه أحزاب وسط موسمية، مثلما يمثل عليها حزبا أزرق أبيض ويوجد مستقبل، وقبلهما حزب كديما.

وكما سنشير في سياق لاحق، فمنذ سنة 1996 يتسم المشهد السياسي الإسرائيلي بنشوء أحزاب وسط جديدة تم انتخابها لعضوية الكنيست، غير أنها سرعان ما كانت تعود فتختفي من الخريطة السياسية الحزبية بعد دورة واحدة، أو دورتين، أو ثلاث دورات على الأكثر، الأمر الذي يتيح إمكان توصيفها بأنها «أحزاب موسمية».

سنتوقف في هذا الفصل عند خريطة الأحزاب السياسية في إسرائيل، ونستهله بتسليط الضوء على الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، وهي حكومته الخامسة، التي تشير بقدر ما إلى محددات الواقع السياسي القائم في إسرائيل بقدر ما توضح الاحتمالات المرتبطة بمآلاته.

أولاً: حكومة نتنياهو الخامسة

أدت حكومة بنيامين نتنياهو الخامسة (الحكومة الإسرائيلية الخامسة والثلاثون) في 17 أيار/مايو 2020 اليمين الدستورية لتنهي بذلك حالة من الجمود السياسي استمرت أكثر من 500 يوم، وشهدت ثلاث جولات انتخابية لم يتمكن أعضاء الكنيست في ختام جولتين منها من تشكيل ائتلاف حكومي. وأيد الحكومة الجديدة 73 عضو كنيست وعارضها 46 عضواً. وأدى زعيم حزب الليكود نتنياهو اليمين الدستورية كرئيس للحكومة لولاية خامسة منذ سنة 2009. كذلك أدى رئيس حزب أزرق أبيض بني غانتس اليمين الدستورية كرئيس حكومة بديل ورئيس حكومة مستقبلي ووزير للدفاع، ومن المقرر أن يحل محل نتنياهو كرئيس للحكومة في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2021. وبالإضافة إلى نتنياهو وغانتس، أدى 34 وزيراً اليمين الدستورية، وبلغ مجموع أعضاء الائتلاف الحكومي 74 عضو كنيست، 36 منهم من حزب الليكود، و16 من حزب أزرق أبيض، و9 من حزب شاس، و7 من حزب يهدوت هتوراه، و2 من حزب العمل، و2 من حزب ديرخ إيرتس المنشق عن حزب تلم بزعامة موشيه يعلون، وعضو الكنيست رافي بيرتس من حزب البيت اليهودي، وعضو الكنيست أورلي ليفي– أبكسيس من حزب غيشر.

وقال نتنياهو في مستهل أول جلسة للحكومة عُقدت في الكنيست مباشرة بعد مراسم أداء اليمين الدستورية، إن أزمة فيروس كورونا ستكون على رأس جدول أعمال الحكومة. وأشار إلى المهمات الأُخرى وهي: الميزانية العامة للدولة وإنعاش الاقتصاد؛ محاربة إيران؛ محاربة التحقيق في ارتكاب جرائم حرب في المحكمة الجنائية الدولية الذي وصفه بأنه تهديد استراتيجي لإسرائيل وجيشها؛ ضم مناطق من الضفة الغربية إلى إسرائيل وفقاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروفة باسم صفقة القرن، وأكد أنه ينوي طرح مسألة الضم على الحكومة بسرعة.

وتألفت هذه الحكومة على أساس نموذج ائتلاف غير مسبوق في السياسة الإسرائيلية، إذ تم بين فريقين، يرأس كل واحد منهما الكتلة الأكبر فيهما، الليكود وحلفاؤه وهم: كتلتا المتدينين المتزمتين الحريديم: شاس ويهدوت هتوراه؛ كتلة تحالف أحزاب المستوطنين يمينا التي في نهاية المطاف بقيت خارج الائتلاف، باستثناء عضو كنيست منها، بسبب شكل توزيع الحقائب؛ عضو الكنيست أورلي ليفي– أبكسيس التي شكلت حزباً لها، سمته غيشر، وكانت قد انشقت بعد انتخابات آذار/مارس 2020، عن تحالفها مع حزبي العمل وميرتس، بعد 72 ساعة من الانتخابات إياها.

ويترأس الفريق الثاني حزب مناعة لإسرائيل، برئاسة بني غانتس الذي أخذ لنفسه اسم كتلة أزرق أبيض، بعد الانشقاق عن التحالف الثلاثي، مع حزبي يوجد مستقبل وتلم. وجرى هذ الانشقاق على خلفية إقدام غانتس على الانضمام إلى حكومة برئاسة نتنياهو بخلاف ما وعد به خلال الثلاث جولات الانتخابية.ولكتلة أزرق أبيض 15 عضو كنيست، وينضم إلى فريقها، عضوا كنيست من أصل ثلاثة في كتلة حزب العمل التي شقت تحالفها الانتخابي الأخير مع حزب ميرتس. وقد أعلنت عضو الكنيست الثالثة في كتلة العمل، ميراف ميخائيلي، أنها لا تعتبر نفسها جزءاً من الائتلاف، وأن تصويتها سيكون عينياً، بحسب ما يتوافق مع رؤى الحزب، لكنها لا تنوي الانشقاق رسمياً عن كتلة العمل. كما انضم إلى فريق أزرق أبيض، عضوا كنيست منشقان عن حزب تلم الشريك في التحالف السابق لأزرق أبيض، ويجيز لهما القانون الانشقاق، لأنهما عضوان من مجموع 5 أعضاء لهذا الحزب المسجل رسمياً، من أصل الكتلة السابقة التي ضمت 33 عضو كنيست. وجرى تعديل قانون انشقاق الكتل البرلمانية، بحيث يسمح لعضوي كنيست بالحصول على ميزانية حزب شهرية فوراً، بدلاً من مرور عامين، بحسب القانون قبل التعديل، لغرض إتمام عملية الانشقاق. وهما يوعز هندل وتسفي هاوزر (كلاهما من أفراد طاقم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سابقاً).

وبموجب الاتفاق بين رأسي الائتلاف، فإن رئاسة الحكومة تكون بداية لبنيامين نتنياهو، لمدة 18 شهراً، تنتهي في 17 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ثم تنتقل رئاسة الحكومة فترة مطابقة إلى بني غانتس، بصفته «رئيس الحكومة البديل»، من دون الحاجة إلى حل الحكومة وطلب الثقة من الكنيست. كما ينص الاتفاق على أن كل كتلة منهما، الليكود وأزرق أبيض، توقّع اتفاقيات مع الكتل الحليفة، بشأن تقاسم الوظائف الحكومية والبرلمانية، في حين أن الاتفاق المبرم بين الكتلتين الكبريين، يكون هو اتفاق السقف للائتلاف الحكومي كله.

وبموجب اتفاق الليكود وأزرق أبيض، فإن هذه تُعد حكومة طوارئ مدة 6 أشهر، ويكون برنامجها المرحلي معالجة الأزمتين الصحية والاقتصادية، ولا شيء غير ذلك، سوى عملية فرض ما يُسمى «السيادة الإسرائيلية» على المستعمرات ومناطق شاسعة في الضفة المحتلة. وجاء هذا البند السياسي، لكون نتنياهو يسعى لإنجاز هذا المخطط قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية التي من المفترض أن تجري في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، وهو ما يعني أن توقيت مخطط نتنياهو يقع في فترة الستة أشهر. كما يقضي الاتفاق بأنه خلال الستة أشهر، تتفاوض كل كتل الائتلاف في شأن برنامج الحكومة في المجالات كافة، بما فيها المجال السياسي، على الرغم من ذكره في اتفاق الليكود– أزرق أبيض. لكن في الاتفاقية الثنائية بين الليكود ويهدوت هتوراه، وأيضاً بين الليكود وشاس، عدة بنود تتعلق بالقضيتين الحارقتين من ناحية كتلتي الحريديم: قوانين السبت اليهودي، وتجنيد الشبان الحريديم في الجيش. فقد تعهد الليكود للكتلتين بأنه سيحافظ على «الوضع القائم» (الستاتيكو)، بمعنى عدم السماح بتغيير القوانين والأنظمة القائمة، على الرغم من تناقض هذا مع برنامج أزرق أبيض، على مستوى التحالف السابق، والكتلة بتركيبتها الجديدة. وربما تكون نقطة الصدام في الائتلاف الحكومي لاحقاً، سعي كتلتي الحريديم لإلغاء نظام المواصلات الجديد الذي وضعته بلدية تل أبيب، وبلديات مجاورة لها، بصورة تتجاوز القانون الذي يحظر المواصلات العامة، إذ يتم (بحسب نظام المواصلات الجديد) تسيير حافلات مواصلات مجانية، من عدة نقاط في تل أبيب ومدن الجوار، إلى مراكز الترفيه. كما يتضمن الاتفاق بين الليكود وكتلتي الحريديم إقراراً نهائياً لقانون تجنيد الشبان الحريديم، بعد تعديل صيغته التي وضعها الجيش وأقرها الكنيست بالقراءة الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر 2018. وهذا التعديل الجديد، تقبل به كتلة أزرق أبيض، وهو يفرّغ القانون من مضمونه، إذ يمنح الحكومة الحق في تحديد أعداد الشبان الحريديم الذين سيتجندون سنوياً، من مجموع الشبان الذين يصلون إلى سن التجنيد. وطالما أن الأمر في يد الحكومة فهذا يعني أن القرار سيخضع لإملاءات كتلة يهدوت هتوراه بالذات، وتساندها كتلة شاس. وقضية قانون التجنيد، شكلت عقبة بعد كل انتخابات، من الثلاث دورات الانتخابية الأخيرة، أمام انضمام كتلة إسرائيل بيتنا (يسرائيل بيتينو) بزعامة أفيغدور ليبرمان إلى الحكومة الأقرب له سياسياً؛ إلى جانب قضايا أُخرى ظهرت لاحقاً، منها رفض ليبرمان حكومة برئاسة نتنياهو، ودعوته إلى تأليف حكومة «وحدة قومية».

ضم مناطق من الضفة

ومثلما ذُكر من قبل، فإن الاتفاقية بين الليكود وأزرق أبيض، وعلى الرغم من أنها تتحدث عن حكومة طوارئ تُعنى بأزمة كورونا والأزمة الاقتصادية، فإنها أفردت بندين لمخطط فرض ما يُسمى «السيادة الإسرائيلية» على المستعمرات ومناطق شاسعة في الضفة المحتلة. فقد نصّ البند 28 على أن «رئيس الحكومة، ورئيس الحكومة البديل، يعملان معاً وبالتنسيق، من أجل الدفع قدماً باتفاقيات سلام، مع جميع جيراننا، والدفع نحو تعاون إقليمي، في مجالات اقتصادية متنوعة، وفي مجال كورونا.» و«في كل ما يتعلق بخطة الرئيس ترامب (صفقة القرن)، فإن رئيس الحكومة ورئيس الحكومة البديل، يعملان بالتوافق الكامل مع الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك مسألة الخرائط، أمام الأميركيين والمجتمع الدولي بشأن هذا الموضوع، وهذا كله في إطار السعي للحفاظ على المصالح الأمنية والاستراتيجية لدولة إسرائيل، بما في ذلك الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على اتفاقيات السلام (القائمة) والسعي لاتفاقيات سلام مستقبلية.»

ونصّ البند 29 على أنه «على الرغم مما ذكر في البنود 3 و20 و28، وبعد أن تجري الأبحاث والمشاورات بين رئيس الحكومة ورئيس الحكومة البديل، عن الأسس المفصلة أعلاه، فيستطيع رئيس الحكومة أن يُعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة الأميركية، بشأن سريان السيادة، ابتداء من 1/7/2020، للبحث في الكابينت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية) والحكومة، للمصادقة عليه في الحكومة، و/أو الكنيست.» و«في حال أراد رئيس الحكومة عرض اقتراحه على الكنيست، فإنه يستطيع فعل هذا بواسطة عضو كنيست، شرط أن يكون من كتلة الليكود فقط، الذي سيلتزم لدى التصويت عليه بالقراءة التمهيدية، أن يكون نص القانون مطابقاً للاقتراح الذي عرضه رئيس الحكومة في الكابينت والحكومة. وبعد إقرار القانون بالقراءة التمهيدية، يتم نقل القانون، إلى مسار التشريع الأسرع، وبشكل لا يشوش ولا يعرقل المسار، من طرف رئيس لجنة الكنيست، للبحث في القانون في لجنة الخارجية والأمن.»

وورد في تفسيرات البند 28، أنه جرى صوغه بطلب من أزرق أبيض، ليكون في حسابات تطبيق المخطط، والقصد منه عدم التسبب بآثار سلبية في العلاقات مع كل من الأردن ومصر، وأيضاً في آفاق تمدد العلاقات الإسرائيلية مع الدول الشرق الأوسطية. بينما يأتي البند 29 أكثر وضوحاً، وينص على موعد زمني، وعلى أن القرار يعود إلى شخص بنيامين نتنياهو، حتى لو اعترض عليه بني غانتس.

لكن منذ توقيع هذا الاتفاق، ظهرت أوضاع جديدة على الساحة، منها تقارير تتحدث عن أن موافقة الإدارة الأميركية على ضم فوري بعملية تبدأ في مطلع تموز/يوليو 2020 ليست واضحة، إذ إن ما يصدر عن واشنطن من تصريحات تقول إن الضم يجب أن يكون في إطار محادثات مع الجانب الفلسطيني، وإن واشنطن تأمل من القيادة الفلسطينية أن تفاوض إسرائيل، على أساس خطة دونالد ترامب، المسماة صفقة القرن. إلاّ إن هذا ليس مؤكداً، لأن الانتخابات الأميركية تقترب، وتقول تقارير إسرائيلية إن نتنياهو سيستخدم تأثير قيادة الطائفة الإنجيلية في إدارة ترامب، لتوافق على الضم.

ثانياً: أحزاب جديدة

منذ إعلان ائتلاف حكومة بنيامين نتنياهو الرابعة نهاية ولايتها والذهاب إلى انتخابات مبكرة، شهدت خريطة الأحزاب الإسرائيلية تغييرات سريعة وغير متوقعة. فخلال أقل من أسبوعين منذ إعلان حل الكنيست والذهاب إلى انتخابات في 9 نيسان/أبريل 2019 ظهرت على الخريطة السياسية الإسرائيلية عدة أحزاب جديدة.

وأكثر ما يميّز هذه الأحزاب الجديدة أنها تدور حول شخصية وليس حول أيديولوجيا.

وفيما يلي أبرز هذه الأحزاب:

حزب حوسن ليسرائيل (مناعة لإسرائيل): حزب أقيم حديثاً ويترأسه الجنرال احتياط بني غانتس، رئيس هيئة الأركان العامة السابق. وكان اللافت أن غانتس نفسه يلتزم الصمت ولا يتحدث كثيراً عن طرحه السياسي. وبداية أطلق هذا الحزب الجديد حملته الانتخابية تحت شعار «إسرائيل قبل الجميع». وقال غانتس في أول فيديو قصير في إطار الحملة: «بالنسبة إليّ إسرائيل ستكون قبل الجميع. انضموا إلى حزبي كي ننطلق إلى طريق جديد. يجب أن ننتهج خطاً آخر، وهذا ما سنقوم به.» وختم الفيديو القصير قائلاً إنه يعتقد أنه تحدث أكثر من اللازم.

وأشار مقربون من غانتس إلى التشابه بين شعار حزب مناعة لإسرائيل وهو «إسرائيل قبل الجميع» وشعار الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية وهو «أميركا أولاً». كما أشاروا إلى أن غانتس اختار اللون الزيتي لحملته، وهو لون زي الجيش الإسرائيلي الذي يُعدّ من المؤسسات الأكثر شعبية لدى الإسرائيليين.

حزب تلم (اختصار الكلمات التالية: تنوعا ليئوميت مملختيت: حركة وطنية رسمية): حزب أقيم حديثاً ويدور حول شخصية أمنية، إذ يترأسه موشيه يعلون، رئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع في السابق. وكان يعلون قد انشق عن حزب الليكود، وترك حكومة نتنياهو بعد أن علم بأن الأخير ينوي إعطاء أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب إسرائيل بيتنا، حقيبة الدفاع. وأصبح يعلون بعدها معارضاً كبيراً لحكم نتنياهو، وأعلن أنه ينوي خوض الانتخابات على رأس حزب جديد. وفي بيان إعلان انطلاق الحزب قال يعلون إن المشترك للشخصيات التي انضمت إلى الحزب هو النزاهة السياسية.

حزب اليمين الجديد: حزب أقيم حديثاً برئاسة الوزيرين أييلت شاكيد ونفتالي بينت نتيجة انشقاق هذين السياسيَين البارزين عن حزب البيت اليهودي. وكان الدافع الرئيسي وراء إقامة هذا الحزب، من ناحية بينت الذي كان يترأس البيت اليهودي، هو الانفصال عن الجهات المتطرفة في اليمين المتدين الصهيوني، واستقطاب مزيد من العلمانيين اليمينيين إلى حزبه. وهناك سبب آخر هو إقامة بيت يميني مستقل يمكن أن ينازع نتنياهو على أصوات اليمين وعدم البقاء كحزب تابع له ومتعلق به. لكنه فشل في اجتياز نسبة الحسم في الجولة الأولى من الانتخابات (نيسان/أبريل 2019)، فعاد إلى التحالف مع سائر أحزاب اليمين القومي ضمن تحالف يمينا.

حزب غيشر (جسر): حزب أقيم حديثاً برئاسة عضو الكنيست أورلي ليفي– أبكسيس التي انشقت عن حزب إسرائيل بيتنا. وهي ابنة السياسي الإسرائيلي المعروف من أصول مغربية دافيد ليفي، الذي شغل منصب وزير وعضو في الكنيست الإسرائيلي نحو 37 سنة.

وأكدت ليفي في المقابلات معها أن همها الأكبر هو العمل الاجتماعي، وأن حزبها الجديد يضم شخصيات تطمح إلى إحداث تغييرات اجتماعية في إسرائيل لكسر احتكار رأس المال وجسر الفجوات بين المركز والأطراف ودعم الطبقات الضعيفة لتنعم بحياة مشرفة في إسرائيل.

ثالثاً: أحزاب الوسط

وعلى أعتاب انتخابات الكنيست الـحادي والعشرين، التي جرت في 9 نيسان/أبريل 2019، أقيم عدد من أحزاب الوسط الجديدة، وتوقعت استطلاعات الرأي العام أن تجتاز ثلاثة أحزاب منها نسبة الحسم (3,25­%)، وأن تفوز بتمثيل في الكنيست، وهي: حزب مناعة لإسرائيل (حوسِن ليسرائيل) بزعامة بني (بنيامين) غانتس؛ حزب تلم بزعامة موشيه يعلون الذي خاض تلك الانتخابات ضمن قائمة مشتركة مع مناعة لإسرائيل، وخاض كلاهما الانتخابات التي تلتها ضمن تحالف مع حزب يوجد مستقبل (يش عتيد) باسم أزرق أبيض (كحول لافان)؛ حزب غيشر (جسر) بزعامة عضو الكنيست أورلي ليفي–أبكسيس التي انشقت عن حزب إسرائيل بيتنا، وخاضت الانتخابات ضمن تحالف مع حزب العمل، ثم ضمن تحالف مع حزبي العمل وميرتس.

وهذه الأحزاب الثلاثة تنضم إلى أحزاب الوسط العديدة التي كانت أقيمت وانتُخب ممثلون عنها لعضوية الكنيست منذ أواسط التسعينيات. فمنذ سنة 1996 يتسم المشهد السياسي الإسرائيلي بنشوء أحزاب وسط جديدة تم انتخابها لعضوية الكنيست، غير أنها سرعان ما كانت تعود فتختفي من الخريطة السياسية الحزبية بعد دورة واحدة، أو دورتين، أو ثلاث دورات على الأكثر، ما أمكن وصفها بأنها «أحزاب موسمية». وكان هذا هو مصير أحزاب الطريق الثالث، وشينوي، وحزب المتقاعدين، وكديما. وكذلك مصير حزب الحركة (هتنوعا) الذي انتُخب للكنيست في قائمة مستقلة سنة 2013، ثم في إطار المعسكر الصهيوني سنة 2015، وحزب كلنا (كولانو) الذي انتُخب لعضوية الكنيست أول مرة سنة 2015. وفي المقابل كان ثمة حزب واحد استطاع حتى تلك الانتخابات تثبيت حضوره في السياسة الإسرائيلية، هو حزب يوجد مستقبل.

وفي رأي عدة أبحاث يشكل نجاح أحزاب الوسط واختفاؤها أحد الأعراض الأساسية لأزمة الأحزاب في إسرائيل، ذلك بأن كثرة أحزاب الوسط الجديدة التي تُقام وتحقق مكاسب كبيرة في الانتخابات تدل على عدم رضى الجمهور عن الأحزاب الموجودة والعريقة، وعن السياسيين الذين يقودونها، وعن إخفاقها في حل مشكلات أساسية في المجتمع الإسرائيلي. ويمسّ التبدل السريع في الأحزاب الممثلة في الكنيست، أكثر فأكثر، بثقة الجمهور بالسياسة والعمل السياسي، بالسياسيين وبالأحزاب، علماً بأن هذه الثقة هي في الحضيض أصلاً. والناخبون أنفسهم الذين خاب أملهم من الأحزاب الكبيرة يعودون فيُصابون بخيبة أمل أُخرى من أحزاب الوسط، المرة تلو الأُخرى، الأمر الذي ربما يعرضهم لليأس التام والنهائي من المنظومة السياسية، ومن الديمقراطية الإسرائيلية.1

لماذا تتبدل أحزاب الوسط بهذه السرعة؟

تدل نتائج الانتخابات منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي على أن في إسرائيل شريحة غير قليلة من المواطنين تتموقع في وسط الخريطة السياسية وتشكل «مخزوناً انتخابياً» محتملاً لأحزاب الوسط التي تستفيد من ضعف الأحزاب الكبيرة، وخصوصاً حزبي الليكود والعمل اللذين لا يقتربان حتى من إنجازاتهما في السبعينيات والثمانينيات، حينما فازا مجتمعين بنحو 80 مقعداً، بل أكثر (في مقابل أقل من 60 عضواً في كل واحدة من المعارك الانتخابية التي جرت ابتداء من سنة 1999 فصاعداً). وعلى الرغم من القفزة المثيرة التي حققها الليكود خلال المعارك الانتخابية الأخيرة، فإنه لا يبدو أنه، وكذلك حزب العمل بالتأكيد، سيتمكن من إعادة الكرّة وتحقيق تلك النجاحات السابقة. ولهذا، يبقى وسط الخريطة السياسية «مُختَرَقاً» أمام أحزاب وسط كبيرة. وزيادة على هذا، تبين نظرة إلى دول ديمقراطية أُخرى أن أحزاب الوسط قادرة على تثبيت مواقعها في الحلبة السياسية والصمود فترة متواصلة غير قصيرة. ومن الأمثلة البارزة لهذا الحزب الليبرالي الديمقراطي في بريطانيا (الذي أقيم سنة 1988) والحزب الديمقراطي الحر (FDP) في ألمانيا (الذي أقيم سنة 1948).

ومع ذلك، تتميز أحزاب الوسط في إسرائيل بسرعة الاختفاء، نسبياً.

إن إنعام النظر إلى أحزاب الوسط الإسرائيلية على مدى السنوات الماضية يبيّن أنها تواجه عدداً من المخاطر الرئيسية:

  1. الاعتماد على قائد ذي شخصية كاريزمية: تتشكل أغلبية أحزاب الوسط من خلال الالتفاف حول قائد واحد ذي شخصية كاريزمية. وإذا ما انسحب هذا القائد، لأي سبب كان، أو إذا اتضح أنه غير ناجح، فإن الحزب يجد صعوبة بالغة في الصمود والاستمرار من دونه. لعلّ المثال الأبرز لهذا هو حزب شينوي الذي لم يستطع البقاء في إثر انسحاب يوسف لبيد من رئاسته. وجميع أحزاب الوسط التي قامت في السنوات الأخيرة يعتمد على شخص قيادي واحد ذي شخصية كاريزمية: يائير لبيد (يوجد مستقبل)؛ موشيه كحلون (كلنا)؛ بني غانتس (مناعة لإسرائيل)؛ أورلي ليفي–أبكسيس (جسر)؛ تسيبي ليفني (الحركة)، ولذلك فإنها واجهت وتواجه خطراً مماثلاً.
  2. انقسامات داخلية: يمكن أن نذكر، بصورة خاصة، الانقسام الذي جرى في حزب كديما، حين انسحب عدد من أعضائه ليشكلوا حزب الحركة عشية انتخابات سنة 2013، وهو ما أدى إلى تحطم كديما في تلك الانتخابات. كذلك شهد حزب شينوي، وحزب المتقاعدين، وحزب المركز، انقسامات مشابهة.
  3. عدم الاستثمار في مأسسة الحزب وتثبيته: والمقصود بهذا إقامة مؤسسات وتفعيل الناشطين الميدانيين والأعضاء (ليس خلال فترة الانتخابات فقط). وتثبت التجربة أن المؤسسات والناشطين والأعضاء يساعدون الحزب على البقاء والصمود في الأزمات واجتيازها، مثلما فعل حزبا الليكود والعمل اللذان واجها أزمات عاصفة. إلاّ إن أغلبية أحزاب الوسط لا توظف جهوداً تُذكر في هذه المجالات وليس لها أي حضور ميداني، إطلاقاً تقريباً (كان حزب كديما استثناء في هذا، كما ينظم حزب يوجد مستقبل فعاليات ميدانية دائمة، وإن كان يفتقر إلى الديمقراطية الداخلية).
  4. ابتعاد الناخبين وانتقالهم إلى أحزاب وسط جديدة: يبيّن الواقع أن جمهور المصوتين لمصلحة أحزاب الوسط في الغالب ما يهجر حزب الوسط الذي صوّت لمصلحته في الانتخابات السابقة، وينتقل إلى تأييد حزب وسط جديد. ويبدو طبيعياً أن ناخبي أحزاب الوسط هم أقل ولاء لأحزابهم، لأن تصويتهم ليس ناتجاً من قناعة أيديولوجية واضحة أو هوية قطاعية محددة. ومع ذلك، ثمة لأحزاب الوسط في إسرائيل مميزات محددة «تشجع» الناخبين على العزوف عنها. فهي كثيراً ما تتعهد أمام جمهورها المتحمس بإحداث تغييرات فورية وحقيقية في مجال ما، على غرار وعود حزب المتقاعدين بتحسين أوضاع المتقاعدين بصورة جدية وفورية، ووعود حزب شينوي بإحداث «ثورة مدنية»، ووعود حزب كلنا بخفض تكاليف المعيشة (وخصوصاً أسعار السكن). ولهذا، ربما يكون جمهور الناخبين عرضة للإصابة بخيبة أمل كبيرة وسريعة من هذه الأحزاب. ويضاف إلى هذا، أيضاً، أن هذه الأحزاب تصور نفسها أنها تعتمد «سياسة جديدة» ونظيفة (خلافاً لـ «السياسة القديمة»، المتكلسة والموبوءة بالفساد التي تميز حزبي الليكود والعمل). ونظراً إلى أنه من الصعب جداً تحقيق وعود كهذه في الحياة السياسية المركبة، فسرعان ما يخيب أمل الناخبين من هذه الأحزاب أيضاً، وخلال وقت قصير.

كديما: من حزب سلطة إلى الاختفاء

أسس أريئيل شارون حزب كديما سنة 2005، بعد انشقاقه مع عدد كبير من أعضاء حزب الليكود عنه. وجاء تشكيل كديما الذي ضم أوساطاً من حزب العمل أيضاً على رأسهم شمعون بيرس ليكون حزب سلطة، يكون فيه شارون قائداً بلا منازع وبلا منافس سياسي أو أيديولوجي كما كان في الليكود، تحديداً بعد تنفيذ خطة الانفصال عن قطاع غزة وشمال الضفة الغربية (2005). وتم تأطير كديما بأنه حزب وسط (أو مركز) فهو ليس يمينياً وليس يسارياً، على الرغم من أنه ضم شخصيات من حزب العمل والليكود متضادة سياسياً وأيديولوجياً واقتصادياً. وتوقعت استطلاعات الرأي العام حصول كديما على 40 مقعداً برئاسة شارون، وانتهاء عهد حزبي العمل والليكود كحزبي سلطة، غير أن مرض شارون، الذي كان الشخصية الأكثر شعبية في إسرائيل في تلك السنوات بسبب نجاحه وفقاً للقراءات الإسرائيلية في كبح الانتفاضة الفلسطينية الثانية المسلحة (2000–2004)، أنذر بأن الحزب من دونه لن يكون كما هو في حضوره، وهو ما أكدته نتائج الانتخابات اللاحقة، فلم يخض كديما الانتخابات بعد ذلك مع شارون، وانهار في النهاية، لأنه كان فعلاً حزب هذا الأخير.

تم عقد الانتخابات، بعد تأسيس كديما، بتاريخ 28/3/2006، وفعلاً، حصل الحزب على أعلى نسبة من الأصوات، وحظي بـ29 مقعداً. وكانت تلك أول مرة التي يحصل فيها حزب غير حزبي العمل والليكود على أعلى نسبة من المقاعد في الكنيست. وعلى الرغم من أن عدد المقاعد التي حصل عليها كديما كان أقل مما توقعته استطلاعات الرأي، في الغالب بسبب غياب أريئيل شارون، فإن النتيجة التي حققها كانت سابقة في التاريخ الإسرائيلي لحزب جديد. وأظهر التراجع الكبير لحزب الليكود، وحصوله على 12 مقعداً فقط في مقابل 39 مقعداً في الدورة السابقة، تغييراً كبيراً في المشهد الحزبي الإسرائيلي.

قاد حزب كديما الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة 2006–2009، برئاسة وارث شارون، إيهود أولمرت. وأخفق خلالها في حربين، تموز/ يوليو 2006 في لبنان، وكانون الأول/ ديسمبر 2008 في قطاع غزة. كما أنه لم يتقدم في مسار التسوية السياسية مع الفلسطينيين وانتهت الحكومة باستقالة أولمرت بشأن قضايا فساد مالي، ومحاكمته وسجنه. وعندما أجريت انتخابات سنة 2009، قادت تسيبي ليفني الحزب وحصل على 28 مقعداً، بفارق مقعدين عن الليكود، إلاّ إنه لم يؤلف الحكومة وفضل البقاء في المعارضة، وكان ذلك النقيض الجوهري لفكرة الحزب كحزب سلطة، يجمع بين جناحيه كثيراً من التناقضات السياسية والأيديولوجية وجمعها شارون والسلطة، وكان خطأ ليفني بعدم تأليف حكومة بسبب رفضها التحالف مع اليهود الحريديم [المتشددون دينياً] بمثابة خطأ قاتل بالنسبة إلى كديما، وكان أيضاً نذيراً بانهياره وبدء عهد بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة وزعامة إسرائيل.

وفعلاً، بدأت الصراعات الداخلية تدب في جسم الحزب، وهي صراعات على السلطة أساساً، بشأن الدخول إلى الحكومة أو البقاء في المعارضة، وصراع على رئاسة الحزب، وحتى الذين فضلوا البقاء في المعارضة فعلوا ذلك ليس حباً في مقاعد المعارضة، بل رهاناً على أن حكومة نتنياهو ستسقط أمام الضغط الدولي والأميركي للتقدم في التسوية السياسية وإقامة الدولة الفلسطينية، أو بسبب خلافات في قضايا الدين والدولة. إلاّ إن نتنياهو استطاع أن يجتاز هذا الضغط ببراعة كبيرة مستغلاً الأوضاع الدولية والإقليمية والانشقاق داخل حزب العمل.2 واستطاع تكييف حكومته وفق مطالب المتدينين بنجاح كبير حتى سنة 2019.

أدى بقاء كديما في المعارضة إلى اندلاع صراعات داخلية ساهمت في تفتيته، فبعد أن خسرت تسيبي ليفني الانتخابات الداخلية على رئاسة الحزب أمام شاؤول موفاز، انشقت عنه. وأدى رفضها انضمام حزبها إلى ائتلاف حكومة نتنياهو إلى تصاعد الخلافات داخل كديما. واعتبر شاؤول موفاز، المنافس السابق لليفني على رئاسة الحزب، قرارها بأنه خطأ. وعند فوز موفاز في الانتخابات الداخلية لكديما سنة 2012، انشقت ليفني عن الحزب وألفت حزباً جديداً، هو حزب هتنوعا [الحركة] الذي انضم إليه عدد من أعضاء حزب كديما.

أمّا كديما برئاسة موفاز، فدخل إلى الحكومة مدة شهر في محاولة لتمرير قانون التجنيد للمتدينين الأرثوذكسيين، وبذلك أنقذ موفاز حكومة نتنياهو من السقوط بسبب الصراع بينه وبين شركائه من الأحزاب الدينية المعارضة لهذا القانون، إلاّ إن موفاز فشل في تمرير ذلك القانون، وأدى إلى خروجه من الحكومة، وخرج الحزب منشقاً على نفسه، فقد انشق قسم من أعضاء الكنيست من الحزب وانضم إلى الليكود، وقسم آخر انضم إلى حزب العمل، والباقون انضموا إلى حزب ليفني الجديد. وشكل هذا الانشقاق ضربة قاسمة إلى حزب كديما الضعيف أصلاً، ولا سيما أنه جاء قبل انتخابات الكنيست بفترة قصيرة. وفي انتخابات سنة 2013، خسر كديما 26 مقعداً من مقاعده، وحاز مقعدين فقط في الكنيست، الأمر الذي جعله في المرتبة الأخيرة بعد أن كان – قبلها بأربع سنوات– ذا أكبر عدد من المقاعد. ولم تكن خسارة كديما الأخيرة غريبة، فالحزب خسر كل المقومات التي جعلته يكسب الشعبية القصيرة الأجل بعد تأسيسه مباشرة. ففشله في إدارة الحكومة، وقضايا الفساد التي واجهت رئيسه السابق أولمرت، وفشله في تأليف حكومة ثانية، والانشقاق الأخير الذي جرى فيه، أمور كلها جعلته حزباً هامشياً في السياسة الإسرائيلية.

وعلى عكس الأحزاب القديمة، لم يستطع كديما التعافي مما حدث معه، ذلك بأنه لا يملك أصواتاً دائمة وقواعد اجتماعية تدين بالولاء له مثل الأحزاب الإسرائيلية التقليدية، ولم يكسب شعبيته إلاّ كظاهرة سياسية جديدة جذبت عدداً كبيراً من الأسماء الكبيرة في السياسة الإسرائيلية التي سرعان ما انسحبت منه بعد سقوطه.

يمكن إرجاع انهيار الحزب في انتخابات سنة 2013، واختفائه بعد ذلك، إلى عوامل تاريخية تتعلق بنشأته، وعوامل داخلية تتعلق بالصراعات داخله. فعندما أنشأ شارون الحزب سنة 2005، كان في ذروة شعبيته الجماهيرية، ونبعت شعبية الحزب من شعبية رئيسه في الأساس. وكان شارون الصمغ الذي جمع كثيراً من التناقضات داخل الحزب، فقد انضمت إليه قيادات من حزبي العمل والليكود ومن الصهيونية الدينية، وقد جمعهم شارون بالإضافة إلى السلطة، إذ أنشأ حزب كديما كحزب سلطة.3 وعندما خاض الحزب الانتخابات أول مرة في سنة 2006، خاضه من دون شارون الذي أقعده الشلل الدماغي، وقاد أولمرت الحزب وحصل على 29 مقعداً، أقل كثيراً مما توقعت استطلاعات الرأي للحزب لو قاده شارون، لكن كان واضحاً من تحليل نتائج الانتخابات أن قواعد الحزب كانت الشرائح الاجتماعية الوسطى والعليا في المجتمع الإسرائيلي التي انتقلت من حزبي العمل والليكود إلى كديما.4

حزب يوجد مستقبل

أسس هذا الحزب الإعلامي يائير لبيد، وهو ابن الصحافي يوسف طومي لبيد (1931–2008)، انضم أبوه من قبله إلى حزب شينوي (التغيير)، وهو حزب عرّف نفسه على أنه حزب المركز، وانطلق من سياسات ومن خطاب معاد للمتدينين اليهود الأرثوذكسيين. وقد حقق حزب لبيد الأب نجاحات انتخابية كبيرة، وخاض انتخابات سنة 1999 وحصل على ستة مقاعد، ثم وصلت ذروة قوته الانتخابية في انتخابات سنة 2003، بحصوله على 15 مقعداً، وانضم إلى حكومة أريئيل شارون الثانية. وتم إخراج حزبه من الحكومة سنة 2004، بسبب تصويت أعضاء الحزب ووزرائه ضد ميزانية الدولة. واعتزل لبيد الأب العمل السياسي سنة 2005، وهو ما أدى إلى اختفاء شينوي من الخريطة السياسية في انتخابات سنة 2006. ولم تكن حال حزب شينوي مختلفة عن حال جميع الأحزاب التي أطلقت على نفسها أحزاب الوسط، إذ ظهرت واختفت كلها من الحياة السياسية الإسرائيلية بعد نجاحات مرحلية حققتها في الانتخابات.5

أنشأ لبيد الابن حزب يوجد مستقبل، كحزب وسط، وتوجه بخطابه إلى الطبقة الوسطى الإسرائيلية، مركزاً على موضوع المساواة في العبء، أي فرض الأعباء الاقتصادية والعسكرية على جميع قطاعات المجتمع الإسرائيلي، وذلك بادعاء أن الطبقة الوسطى الإسرائيلية العلمانية هي التي تتحمل الأعباء وحدها، بينما هنالك قطاعات، وخصوصاً المتدينين، لا يساهمون في هذه الأعباء. وكلمة «عبء» هي المصطلح المتداول إسرائيلياً للإشارة إلى أن هنالك مَن يقوم بواجبات، وهنالك مَن يأخذ حقوقاً فقط من دون أن يقدم واجبات، وهو خطاب وإن أظهره لبيد كخطاب مركز الخريطة السياسية فإنه في الحقيقة خطاب اليمين، فحزب إسرائيل بيتنا الروسي الذي قاده ليبرمان، حصل على 15 مقعداً في انتخابات سنة 2009، بسبب رفعه شعار «لا حقوق من دون واجبات»، وكان موجهاً أساساً إلى الفلسطينيين داخل إسرائيل، وقد استبدل هذا الشعار في الانتخابات الأخيرة بشعار «المساواة في العبء».

نهج لبيد الابن نهجاً مختلفاً عن والده، فلم يظهر حزبه كمعادٍ للمتدينين قط، وإنما كمنتصر للطبقة الوسطى، وقد أدرج في قائمته رجال دين، يتبنّون مواقف متقدمة في قضايا الاقتصاد والمجتمع. وفي موقع الحزب يظهر الأساس الأيديولوجي له على صيغة «مَن نحن»، ويعدد الحزب المحاور الأساسية لتوجهه الأيديولوجي في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيحدد الحزب أولاً رؤيته لهوية الدولة، «نحن نؤمن بكون إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية بروح تصور أنبياء إسرائيل، نحن نؤمن بحقنا في العيش في دولة مع أغلبية يهودية تعيش في حدود آمنة وقابلة للدفاع.» ويشير إلى رؤيته للعلاقة بين دولة إسرائيل ويهود العالم، «نحن نؤمن بأن من واجب الدولة أن تعمل كمركز للشعب اليهودي والاهتمام بكل يهودي ملاحق بسبب يهوديته في كل مكان على وجه الأرض.»6

يشير الأساس الأيديولوجي إلى أن الحزب انطلق من داخل الإجماع الصهيوني– اليهودي على هوية الدولة، فالدولة بالنسبة إليه يجب ألا تكون يهودية في هويتها وتوجهاتها الثقافية فقط، بل يجب أن تكون ذات أغلبية يهودية، ودولة الشعب اليهودي في كل مكان، وهو توجه لا يختلف عن توجهات اليمين الجديد في إسرائيل. وفي الجانب الاقتصادي ينادي الحزب بزيادة المشاركة في سوق العمل لدى قطاعات غير فاعلة في المجتمع الإسرائيلي وعلى الدولة الاهتمام بالطبقة الوسطى لأنها الطبقة المنتجة في السوق.

تظهر يمينية الحزب في الجانب السياسي من برنامجه، إذ جاء فيه: «لا يوافق حزب يوجد مستقبل على الاتهامات الذاتية التي يطلقها جزء من الجمهور الإسرائيلي واليهودي في مسألة السلام، نحن نعتقد أن الفلسطينيين، كما جاء في مقولة أبا إيبن الشهيرة (لم يضيعوا فرصة حتى يضيعوا فرصة) للسلام، ورفضوا مرة بعد مرة يد إسرائيل الممدودة للسلام، هكذا في الانتفاضتين الأولى والثانية، وأيضاً بعد الانفصال أحادي الجانب عن غزة، فبدلاً من أن يبنوا مستشفيات ومدارس مكان مستوطنات غوش قطيف في غزة، فضلوا إطلاق آلاف الصواريخ على المدنيين، وهكذا برفضهم اقتراح إيهود أولمرت للحل.»7

يقترح الحزب تبنّي حل الدولتين، لكن ليس بدافع الاعتراف بحقوق الفلسطينيين الوطنية، بل بدافع الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية مع أغلبية يهودية، ويعتبر المستوطنين صهيونيين حقيقيين، إذ يشير البرنامج إلى أن «السلام هو الحل المعقول الوحيد للتهديد الديموغرافي ولأفكار مثل دولة كل مواطنيها ودولة ثنائية القومية.» أمّا بالنسبة إلى شكل الحل النهائي الذي يقترحه الحزب فهو حل الدولتين من دون العودة إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، والإبقاء على الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، والإبقاء على القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، وحل مشكلة اللاجئين في الدولة الفلسطينية فقط، وتملك إسرائيل الحق في محاربة «الإرهاب» حتى داخل الدولة الفلسطينية التي ستقام.8

كان فوز حزب يوجد مستقبل برئاسة لبيد مفاجأة انتخابات سنة 2013، إذ حصل على 19 مقعداً (14,3­% من الأصوات)، في أول دورة انتخابية يشارك فيها، وحتى عندما قاد أبوه قائمة المركز، شينوي، فإنه حصل على ستة مقاعد في الدورة الأولى التي شارك فيها سنة 1999، وخمسة عشر مقعداً في سنة 2003، وانهار الحزب بعدها. أمّا ابنه فقد حصل على 19 مقعداً وتحول إلى الحزب الأكبر الثاني بعد الليكود، متجاوزاً حتى حزب العمل.

هنالك كثير من العوامل التي أدت إلى فوز الحزب، منها ما عبّرت عنه شخصية لبيد، اليهودي الإسرائيلي الأصلي، الذي يطمح إلى العيش في حياة رغيدة وهادئة بعيداً عن ألاعيب السياسة، كما سوّق ذلك خلال حملته الانتخابية.9 وعلى عكس والده لم يكن خطاب لبيد معادياً للمتدينين، ولا يعني هذا أن القواعد الاجتماعية التي صوتت له تود المتدينين الأرثوذكس، لكنها لا تريد حزباً يؤسس خطابه فقط على ذلك، وجاء لبيد بقائمة أفرادها لم يكونوا أعضاء سابقين في البرلمان، بل أسس قائمة تدمج شرائح متعددة في المجتمع الإسرائيلي التقت على الإجماع الصهيوني على القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ودمج خطابه السياسي والاقتصادي بمركبات من خطاب اليمين الليبرالي ومركبات من خطاب اليسار الاشتراكي– الديمقراطي. وركز خطابه الاقتصادي على دعم الطبقة الوسطى الإسرائيلية، وهي طبقة تتركز جغرافياً في مركز البلد وتتكون أغلبيتها من اليهود الأشكناز، لكنه لم يطالب بأن تكون إسرائيل دولة اشتراكية– ديمقراطية في نظامها الاقتصادي، بمعنى أن خطابه الاقتصادي لم يشدد على دعم الطبقات المهمشة، والضعيفة في المجتمع الإسرائيلي، بل على مساندة الطبقات الوسطى العليا.10 وبعد الانتخابات انضم لبيد إلى حكومة نتنياهو وزيراً للمالية، ولم يحقق في منصبه نجاحات كبيرة، على الرغم من أنه استطاع أن يُبقي الأحزاب المتدينة الأرثوذكسية خارج الائتلاف الحكومي، وتشريع قانون جديد لتجنيدهم.

وجاءت انتخابات سنة 2015، بعد تفكك الحكومة، إذ أقال نتنياهو وزير المالية يائير لبيد، ووزيرة العدل تسيبي ليفني رئيسة حزب الحركة، وفي ظل ذلك أعلن وزراء حزب يوجد مستقبل الأربعة في الحكومة استقالتهم، ويعود سبب تفكك الحكومة إلى فقدان نتنياهو القدرة على السيطرة على استقرار الأوضاع الأمنية في إثر الحرب على غزة، وتآكل صورته كزعيم أوحد من دون منافس لليمين الإسرائيلي.11 وسبب آخر في إجراء هذه الانتخابات يكمن في نتائج انتخابات سنة 2013، إذ إنه عند انتهاء تلك الانتخابات أراد نتنياهو أن يشكل ائتلافاً مع مَن سماهم شركاءه الطبيعيين، لكن تحالف حزبي البيت اليهودي ويوجد مستقبل في الحكومة فرض على نتنياهو حكومة كان تكوينها مغايراً لرغباته في حكومة يكون متحكماً فيها من دون ضغوط من أحد.12

وحاول لبيد قبل انتخابات سنة 2015 تشكيل تحالف انتخابي مع ليفني من حزب الحركة أو مع موشيه كحلون من حزب كلنا، لكنه فشل في كلا مسعييه، إذ شكلت ليفني تحالفاً مع حزب العمل، وخاض كحلون – حزب وسطي– الانتخابات منفرداً.13 وبينما ركز لبيد في برنامجه الانتخابي على مخاطبة قواعده من الفئة العليا من الطبقة الوسطى ذات الأصول الأشكنازية، كان هدف كحلون مخاطبة الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى في إسرائيل.14

حصل حزب يوجد مستقبل في هذه الانتخابات على 11 مقعداً، فقد وجد نفسه معزولاً عن الاهتمام بالتحالف معه من طرف أغلبية الأحزاب. واعتُبِرَ أن برنامجه الانتخابي في هذه الانتخابات لا يختلف عن برنامج ليبرمان، مع التركيز المستمر على ضرورة حل المشكلات الاجتماعية في قطاع التعليم والصحة ومحاربة الفساد والفجوات الاجتماعية، ورفع الحزب شعار «نحارب من أجل إنقاذ دولة إسرائيل.»15

حزب كلنا

أُسس حزب كلنا (كولانو) عشية انتخابات سنة 2015، وأسسه موشيه كحلون، وهو أحد قيادات الليكود البارزين سابقاً، ومن أصول شرقية، وكانت له نجاحات اجتماعية عندما شغل منصب وزير الاتصالات في حكومة نتنياهو سنة 2013. لكنه اعتزل الحياة السياسية بعدها لخلافات شخصية مع نتنياهو، وظهر كحلون مع حزبه الجديد كحزب يمثل الأجندات الاجتماعية التي ادعى أن الليكود أهملها. وكيمين معتدل، قال إن الليكود تراجع عن مواقفه الليبرالية في الشأن السياسي. وخاض كحلون الانتخابات بشعار اجتماعي مطالباً لنفسه بوزارة المالية في الحكومة العتيدة. ووضع هذا الشرط للانضمام إلى أي حكومة، ولم يوصِ كحلون بأي شخص لتأليف الحكومة قبل الانتخابات، وكانت هذه خطوة تهدف إلى منع الليكود من انتزاع مقاعد منه خلال الحملة الانتخابية، وخصوصاً بعد إعلان نتنياهو أنه سيضم كحلون إلى حكومة يؤلفها كوزير مالية بصرف النظر عن المقاعد التي سيحصل عليها حزبه، وذلك بهدف طمأنة مؤيديه بالعودة إلى الليكود لأن هدفهم إلى تعيين كحلون وزيراً للمالية سيحدث بكل الأحوال، إلاّ إن كحلون أصر على موقفه، ولم يعلن تأييده لنتنياهو لتأليف الحكومة قبل الانتخابات، وبذلك حافظ على قواعده الانتخابية مؤكداً لهم أن نتنياهو يلعب لعبة انتخابية، ولا سيما أن كحلون له تجربة خاصة مع وعود نتنياهو، إذ وعده الأخير عشية انتخابات سنة 2013 بمنصب رئيس دائرة أراضي إسرائيل، وأخلف بوعده بعد الانتخابات. وحظي حزب كلنا بتأييد قواعد من مركز الخريطة السياسية ويمينها، فقد حصل على مقاعد من حزب لبيد ومقاعد من الطبقات الاجتماعية الوسطى، وشدّد كحلون على أنه سيكون وزير مالية اجتماعياً وناجحاً على عكس لبيد الذي فشل في هذا المنصب ولم يحقق وعوده لناخبيه. لذلك كانت الحملة الدعائية موجهة ضد حزب لبيد، لأن كحلون كان يعرف أن قواعد الأول الانتخابية سنة 2013 التي أوصلته إلى 19 مقعداً هي قواعده الطبيعية، أي قواعد الطبقة الوسطى ذات التوجهات اليمينية.16 ولمخاطبة هذه القواعد من اليمين، أعلن كحلون أنه لن ينضم إلى حكومة مدعومة من الأحزاب العربية، وهو بذلك اقترب من حكومة نتنياهو على الرغم من أنه لم يعلن ذلك خلال الحملة الانتخابية.

في انتخابات نيسان/أبريل 2019، تراجع تمثيل الحزب إلى أربعة مقاعد بعد أن كان مفاجأة انتخابات سنة 2015 بحصوله على أحد عشر مقعداً. وانضم في انتخابات أيلول/سبتمبر 2019 إلى حزب الليكود لينهي الحزب دوره، إذ أعلن كحلون اعتزاله العمل السياسي بعد تأليف حكومة جديدة في إسرائيل، وجرى صهر ما تبقى من حزبه داخل الليكود.

أزرق أبيض

أُسس حزب أزرق أبيض (كحول لافان) [أزرق أبيض هما لونا العلم الإسرائيلي، ولاحقاً كل ما يعبّر عما هو إسرائيلي]، في إثر تحالف ثلاثة أحزاب هي، حزب يوجد مستقبل برئاسة يائير لبيد الذي كان ممثلاً في الكنيست بعشرة مقاعد، وحزب مناعة إسرائيل برئاسة رئيس هيئة الأركان السابق بني غانتس، وحزب تلم برئاسة رئيس هيئة الأركان السابق موشيه يعلون الذي خرج من الليكود كما ذكرنا سابقاً. وانضم إلى هذا التحالف رئيس هيئة الأركان السابق غابي أشكنازي. وبعد وحدة هذه الأحزاب التي تضم شخصيات أمنية وجماهيرية، تم الاتفاق على مبدأ التبادل في رئاسة الحكومة بين غانتس ولبيد في حال نجح الحزب في تأليف الحكومة. وطرح الحزب نفسه كحزب سلطة يبغي تغيير حكم نتنياهو، لذلك ركز هجومه على شخصه، مستحضراً من جديد قضية شراء الغواصات من ألمانيا، والفساد الذي يحيط بهذه القضية التي أدت إلى اتهام مقربين منه ، إلاّ إن النيابة العامة برأته من كل شبهة جنائية في مسألة شراء الغواصات، وأعاد أزرق أبيض المسألة إلى الحملة الانتخابية بادعاء أن نتنياهو متورط في فساد يحيط بهذه القضية، فضلاً عن إقراره وموافقته على بيع غواصات ألمانية استراتيجية لمصر، الأمر الذي اعتبره الحزب مسّاً بالأمن القومي الإسرائيلي، وجاءت هذه المزاعم لتشويه شخصية نتنياهو المتورط أصلاً بقضايا فساد أُخرى، وضرب صورته الأمنية التي يعتمد عليها تحت مسمى «سيد الأمن» في إسرائيل. وأخذت هذه المزاعم بُعداً جديداً في الحملة الانتخابية كون صفقة الغواصات تمت حين شغل يعلون منصب وزير دفاع في حكومة نتنياهو وشغل غانتس منصب رئيس هيئة الأركان، وشهدا أنه أخفى عنهما المصادقة على بيع غواصات استراتيجية لمصر، متهمينه بأنه خان الأمن القومي الإسرائيلي.

شملت قائمة أزرق أبيض شخصيات يمينية جاءت أساساً من حزب يعلون تلم، والذي يعتبر نفسه يمثل اليمين الحقيقي، إلى جانب شخصيات جاءت من اليسار الصهيوني. وحاول الحزب مخاطبة جمهور اليمين الليبرالي من خلال مجموعة يعلون، معلناً أن المشكلة ليست مع حزب الليكود، وإنما مع شخص نتنياهو نفسه. وقد نشر الحزب برنامجاً انتخابياً لم يتطرق فيه بوضوح إلى رؤيته للحل النهائي مع الفلسطينيين، لكنه اعتبر أن أي حل يجب أن يكون الاعتبار الأساسي فيه هو الاعتبار الأمني. وحاول الحزب في برنامجه الانتخابي المزاودة على نتنياهو في التعامل مع غزة نحو سياسة أكثر عدوانية ضد المقاومة الفلسطينية.17 إذاً، لم يعرض الحزب نفسه كحزب يسار أو حتى يسار مركز، وإنما كحزب مركز يمين، مشكلته الأساسية مع شخص نتنياهو، على مستوى نظافة اليدين، وعلى مستوى سياساته الأمنية المترددة كما زعم الحزب.

ركز حزب أزرق أبيض في انتخابات سنة 2019 على خطاب إسقاط نتنياهو، وتشير رافيت هيخت إلى أن مقولة «ما عدا نتنياهو» فشلت فشلاً ذريعاً في سنة 2015 وتكرر فشلها في سنة 2019، وبدلاً من طرح برنامج سياسي بديل، ركز الخطاب على مهاجمة نتنياهو، وهي مقولة لم تتعلم المعارضة من تكرار فشلها في الانتخابات.18 وفي المقابل ركزت دعاية الليكود على أن حزب أزرق أبيض هو حزب يساري، يتخفى بخطاب يميني، وفي النهاية فإنه يهدف إلى تطبيق مشروع اليسار في الضفة الغربية، مثل الانسحاب، وتفكيك مستوطنات، وإقامة دولة فلسطينية.

وتؤكد ذلك المراسلة السياسية لصحيفة «هآرتس»، نوعا لانداو،19 إذ كتبت أن غانتس ليس يسارياً، وإنما هو «اليمين القديم». وأضافت أن «ردة الفعل الببغائي لنتنياهو والليكود، (هو يساري)، بدت سطحية وصبيانية في مقابل أقواله. عدا ذلك، فإن ردة الفعل هذه هي بكل بساطة غير صحيحة، لأن مَن يتعمق بأقوال غانتس بجدية، وخصوصاً في الأجزاء السياسية – الأمنية، سيكتشف بسهولة أنه ليس يساراً أبداً، وعملياً، هو اليمين القديم.» ورأت لانداو أن «غانتس يمثل وجهة نظر ليكودي ليبرالي من الماضي، رجل الأمن الذي يمد يده إلى السلام، ولا يخاف من التحدث عن قيم، مثل المساواة والفصل بقدر الإمكان بين الدين والدولة، ويؤمن باقتصاد حرّ إلى جانب أمن اجتماعي؛ (نصنع سلاماً آمناً)، مثلما عزفت مرة دعاية انتخابية مختلفة، لنتنياهو مختلف.»

وعن البرنامج السياسي – الأمني لغانتس، أشارت لانداو إلى أنه «أدلى بتصريح وطني عسكري عام، لا يمكن بدء أي خطاب من دونه اليوم، كي يوضح (أنا صهيوني)، وبعد ذلك تهديد إيران. وغانتس يتبنّى بذلك رواية نتنياهو الأساسية، أن هذا هو الموضوع المركزي على الأجندة الأمنية، وبعد ذلك غزة، وتهديد واضح لحياة قادة (حماس)، أي عودة إلى سياسة الاغتيالات. وباستثناء اللسعات لنتنياهو بشأن تحويل المال القطري، وهذا تصريح شعبوي جداً موجه إلى مَن يريد تهدئة زائفة، فإنه لا توجد هنا أي بشرى يسارية خاصة.» ولفتت لانداو إلى رؤية غانتس لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وأنها تتمثل «في: الانفصال عن الفلسطينيين لمصلحة إسرائيل (يهودية وديمقراطية)، وتعزيز (الكتل الاستيطانية)، وغور الأردن كحدود شرقية، والتشديد على الأمن، وتصريح عام بالسيادة في هضبة الجولان، وطبعاً (القدس الموحدة ستبقى عاصمة الشعب اليهودي إلى الأبد). هذا ليس برنامجاً سياسياً – أمنياً (يسارياً)، بل برنامج كان سيؤيده كثيرون في الليكود القديم، وبينهم نتنياهو نفسه، وعملياً هكذا فعلوا أيضاً.»

ومما يؤكد أن غانتس عبّر عن توجهات يمينية، هو تحالف وزير الدفاع السابق، يعلون، مع قائمته، فالأخير معروف بأنه يمين قومي ليبرالي، لا يؤيد قيام دولة فلسطينية، ويعتقد أنه يجب تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، وربما ينتمي يعلون إلى التيار القديم في اليمين الإسرائيلي. كما انضم إلى غانتس شخصيتان يمينيتان معروفتان، يوعز هندل وهو كاتب وصحافي يميني معروف، وتسفي هاوزر وهو بيروقراطي يميني عمل إلى جانب نتنياهو كسكرتير للحكومة. وتشترك الثلاث شخصيات المذكورة (يعلون وهندل وهاوزر) في أنها عملت جميعاً مع نتنياهو، وتتبنّى مواقف أيديولوجية يمينية واضحة، وتستطيع التحدث عن فكرة اليمين أيديولوجياً بطلاقة ومعرفة مقارنة بأغلبية أعضاء الليكود الحاليين.

ورأى محللون آخرون أن غانتس حاول إرضاء الجميع في خطابه. وكتبت موران أزولاي، محللة في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، قائلة إنه «بدلاً من أن يوضح مواقفه، فضَّل شعارات عامة مقبولة من اليمين واليسار.»

وشبّه المحلل السياسي في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ناحوم برنياع، غانتس بالسنوات الأولى لولاية الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، وأنه «فجأة نزلت عليه الكاريزما.»

ومع ذلك اعتبر رئيس تحرير صحيفة «هآرتس»، ألوف بن، أنه «يوجد بديل» من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو.20

وأعلنت قائمة تحالف أزرق أبيض في آذار/مارس 2019 برنامجها الانتخابي الذي يتشكّل من 24 موضوعاً تتناول مختلف مناحي الحياة، وبرنامج عملها بعد الانتخابات. وأكد البرنامج أنه لن يكون هناك انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب مرة أُخرى من مناطق فلسطينية محتلة، كما جرى سنة 2005 حين انسحبت إسرائيل من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية في إطار ما يُعرف باسم «خطة الانفصال». وتعهّدت القائمة بأن تكون أي عملية سلمية مع الفلسطينيين مرهونة بالمصادقة عليها في استفتاء شعبي عام. وامتنع البرنامج من ذكر أي تفصيلات بشأن تلك العملية السلمية، كما امتنع من ذكر حل الدولتين، وكذلك من ذكر تعبير دولة فلسطينية. ووفقاً للبرنامج، ستعمل قائمة أزرق أبيض على تعزيز الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، والحفاظ على القدس الموحّدة كعاصمة أبدية لإسرائيل.

وكان قادة القائمة قد زاروا منطقة الحدود مع سورية قبل إشهار البرنامج، وتعهدوا بعدم التنازل عن هضبة الجولان إلى الأبد، وعدم السماح لإيران بالتموضع عسكرياً بالقرب من الحدود الإسرائيلية الشمالية. وفي إثر هذه الزيارة ذكرت تقارير إعلامية متطابقة أن الزيارة جاءت في إطار قيام القائمة ببذل جهود كبيرة من أجل عدم تنفير الناخبين ذوي الميول اليمينية، وأشارت إلى أن برنامج القائمة سيتجنّب ذكر حل الدولتين للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وكذلك سيتجنب ذكر تعبير دولة فلسطينية.

«إسرائيل هي البيت القومي للشعب اليهودي»: يمتد برنامج أزرق أبيض على 45 صفحة طرح هذا التحالف من خلالها رؤيته وخططه المستقبلية في مختلف مجالات الحياة في 27 فصلاً تبدأ بمقدمة تليها العناوين التالية: السياسي؛ الأمني؛ الحرب ضد الفساد؛ الاقتصاد؛ العمل والتشغيل؛ التربية والتعليم؛ الصحة؛ المواصلات؛ القضاء والتشريع؛ الدين والدولة؛ تقليص عدم المساواة، الرفاه وحقوق الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة؛ السكن؛ الحوكمة؛ الضواحي؛ الحكم المحلي؛ الأمن الداخلي؛ المستقلون والمصالح التجارية الصغيرة والمتوسطة؛ حماية البيئة؛ النساء؛ المتقاعدون؛ تشجيع اندماج الحريديم (اليهود المُتشددون دينياً) في المجتمع الإسرائيلي؛ الشبيبة والطلاب الجامعيون؛ الاستيطان العمالي والزراعي؛ المثليون؛ يهود المهاجر واستيعاب المهاجرين (اليهود)؛ مساواة الأقليات؛ الثقافة والفنون.

يفتتح تحالف أزرق أبيض مقدمة برنامجه الانتخابي بجملة يؤكد من خلالها أن «إسرائيل هي البيت القومي للشعب اليهودي وإسرائيل هي بيتنا جميعاً. ونحن نحبّها، وفخورون بها وملتزمون المحافظة على صورتها، وعلى هويتها كدولة يهودية وديمقراطية، بصورة مطلقة.»

وتضيف المقدمة: «إسرائيل 2019 هي دولة قوية ومزدهرة. لكن إسرائيل 2019 هي، أيضاً، دولة مقسَّمة ومتألمة. البلاد جيدة، لكن رياحاً سيئة تهب فيها. تتعمق فيها الفجوات بين اليهود وغير اليهود، بين الأغنياء والفقراء، بين السفاراديم (الشرقيون) والأشكنازيين (الغربيون) وبين المتدينين والعلمانيين. تتباعد فيها المسافات بين المركز والأطراف، بين اليسار واليمين، وبين الإنسان والإنسان. ثمة تآكل مثير للقلق في ثقة الجمهور بمؤسسات الدولة وبهيئات حفظ القانون وتطبيقه، إلى جانب التدهور المستمر في سلة الخدمات العامة المقدَّمة للمواطنين وفي جودتها. ولهذا حان الوقت لإعادة توحيد إسرائيل من جديد ولضمان مستقبلها.»

وتوضح المقدمة أن «تحالف أزرق أبيض يقوم على ثلاثة أسس مركزية هي: 1. الأمن، حيال الأخطار والتحديات المحيطة بنا، سنرفع قبضة حديدية في وجه كل مَن يريد السوء لنا. وفي موازاة ذلك، سنعمل بحكمة ومسؤولية لاغتنام أي فرصة للمفاوضات الجدية والناجعة، بالتعاون مع الجهات المعتدلة في العالم العربي وفي الدول الغربية؛ 2. الرسمية الدولانية، إسرائيل بحاجة إلى الرسمية الدولانية. إذا لم ننجح في إعادة بلورة أنفسنا من جديد كشعب واحد وأمّة واحدة، وإذا لم نجد لنا جميعاً مكاناً في دولة واحدة، لن يكون في قدرتنا مواجهة التحديات المستقبلية. وعلى الدولة احترام الفرد، واحترام الجماعات، واحترام التنوع الجندري، واحترام جميع القطاعات، جميع الأسباط وجميع الأقليات. وعلى الدولة احترام التقاليد، التراث والغنى الإنساني المميز للفسيفساء الإسرائيلية. وعلى الدولة حماية مؤسساتها، فقط من خلال تبنّي روح جديدة من الحوار والتوجه الداعم للوحدة. ومن خلال التعددية سيكون في قدرتنا تحقيق الرسمية الصحيحة، أي تلك التي تُعلي شأن الفرد، وتحترم المجموع، وتجدد التحالف الإسرائيلي. نحن نضع المملكة قبل الملكية. سنعمل بكل الوسائل من أجل تعزيز الروابط بين أجزاء الشعب المتعددة: سنحارب الفساد؛ سنحرص على حماية حقوق جميع المواطنين؛ سندافع عن مؤسسات الدولة، عن القضاء والقانون؛ 3. الاقتصاد والمجتمع، نحن ملتزمون تحقيق النمو الاقتصادي المستمر وتقليص الفقر، ملتزمون بناء مجتمع يتيح فرصاً حقيقية لكل مواطنة ومواطن. سنعمل على تعزيز المنظومات الجماهيرية العامة، وخصوصاً في مجالات التعليم والصحة والرفاه. سنعمل على زيادة النمو والإنتاجية من خلال تطوير واسع للبنى التحتية العامة، والاستثمار في رأس المال البشري، وتقليص البيروقراطية، وبناء بيئة داعمة للاستثمارات التجارية. سنعمل على خفض تكاليف الحياة من خلال حلول في قطاع السكن والإسكان، وزيادة التنافسية وتحسين الإنتاجية.»

ويختتم تحالف أزرق أبيض مقدمة برنامجه الانتخابي بالتأكيد: «اخترنا خوض غمار العمل السياسي – الحزبي لأن إسرائيل، بالنسبة إلينا، قبل كل شيء وفوق كل شيء. إننا نتعهد بالعمل بأمانة ونزاهة، بصورة رسمية وبكل قوتنا من أجل حماية إسرائيل وتطويرها.»

البرنامج السياسي – الأمني: تحت هذا العنوان جاء في برنامج أزرق أبيض ما يلي:

إسرائيل هي الدولة الأقوى في الشرق الأوسط. ليس ثمة مَن ينافس قوتها العسكرية، الاقتصادية والديمقراطية، في دائرة قطرها آلاف الكيلومترات حول حدودها. مع ذلك، وبعد 70 عاماً من استقلالنا، لا يزال بعض جيراننا يرفض الاعتراف بحقنا في الوجود. المحيط القريب، كما المحيط الأبعد قليلاً، يضعان أمام إسرائيل تحديات أمنية كبيرة ومركّبة. أول هذه التحديات، طبعاً، هو عدوانية إيران، القوة العظمى إقليمياً التي تعلن جهاراً نيتها تدمير إسرائيل. إيران تقف خلف التهديدات الإرهابية والعسكرية القائمة على حدودنا، إذ تزود حزب الله بالأسلحة المتنوعة، بما فيها مئات آلاف الصواريخ والقذائف الموجَّهة نحو المدن الإسرائيلية، وأيضاً تموّل النشاط الإرهابي الذي يمارسه تنظيما «حماس» والجهاد الإسلامي في قطاع غزة. ولم تتخلَّ إيران، بعد، عن مشروعها النووي الذي إن تحقق سيضع إسرائيل أمام خطر وجودي غير مسبوق.

لم تعد الجيوش النظامية الكبيرة وحدها هي المتموضعة عند حدودنا، بل يزداد التحدي الأمني تعقيداً، بصورة كبيرة. فقد أصبح تهديد الصواريخ والقذائف يشكل خطراً جدياً غير مسبوق على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتحاول التنظيمات الإرهابية المسّ بنا، على الحدود وفي داخل أراضي الدولة. ويستخدم العدو السكان المدنيين دروعاً واقية ويسعى لإحباط جزء كبير من قوتنا العسكرية ونزع فاعليتها. ويقف الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية الأُخرى أمام الحاجة الدائمة إلى التغيير والتكيف وفق الواقع المعقد المستجد بغية ضمان الأمن في واقع أكثر تعقيداً بكثير عما عرفته وواجهته من قبل.

أكثر ما ينقص إسرائيل هو قيادة سياسية تأخذ زمام المبادرة، تعمل لاستغلال الفرص ولتغيير الواقع في المنطقة بصورة عامة وعند حدودنا بصورة خاصة. حركة «حماس»، التي لا يمكن مقارنة قدراتها بقدرات الجيش الإسرائيلي، تواصل التحرش بنا واستفزازنا وتنغيص حياة السكان في جنوب إسرائيل. وعلى الرغم من المعركة الناجحة التي يخوضها الجيش الإسرائيلي ضد تعاظم قوة حزب الله، الذي يمثل القوة الأقوى في لبنان اليوم، وضد التمركز الإيراني في سورية، فإن ثمة واقعاً مركباً مملوءاً بالتهديدات ينشأ ويتبلور خلف حدودنا الشمالية. النشاط الإسرائيلي لا يؤتي أي ثمار في التأثير في الطريقة التي يصوغ بها (فلاديمير) بوتين، و(رجب طيب) أردوغان، و(حسن) روحاني التسوية الجديدة في سورية.

في الوقت ذاته، يتشكل بين البحر ونهر الأردن واقع قد يشكل تهديداً خطراً للرؤية التي قامت دولة إسرائيل على أساسها: دولة يهودية وديمقراطية، بيت قومي للشعب اليهودي في المكان الوحيد في العالم الذي يمكنه فيه العيش والبقاء؛ دولة متنورة، متقدمة وديمقراطية يرغب شبابها في العيش فيها، لأنها المكان الأفضل في العالم.

لدينا صديق كبير ووفيّ في البيت الأبيض، لكن إسرائيل لم تعد كما كانت موضوعاً خارج الخلافات في السياسة الأميركية. سياسة الحكومة الحالية في قضايا الدين والدولة أحدثت صدعاً عميقاً بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة الذين تشكل العلاقة معهم ومع يهود العالم أجمع جزءاً أساسياً لا يتجزأ من أمننا القومي.

يؤمن تحالف أزرق أبيض بأن الأساس المتمثل في الحفاظ على الأمن وتعزيز قدرات الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية الأُخرى يجب أن يتكامل مع أساس آخر هو السياسي. اليوم ثمة مصالح حيوية مشتركة لنا وللعديد من دول المنطقة التي تسعى للاستقرار وتواجه تهديدات شتى من الإسلام المتطرف المتمثل في إيران وداعش، من المغرب حتى الخليج الفارسي ومن الرياض حتى القاهرة وعمّان. وقد أصبحت هذه الدول مستعدة اليوم للتعاون معنا في بلورة شرق أوسط آخر يلجم العدوانية الإيرانية ويهزم الإسلام المتطرف.

يتعين على إسرائيل، القوة الأكبر في المنطقة، تولّي دفة القيادة: كجزء من مفهوم الأمن القائل بأن القوة منوطة بالقدرة على التحكّم في السيرورات، سنعمل من أجل بلورة واقع جديد يثبّت الأغلبية اليهودية في إسرائيل، ويكرس الهوية اليهودية لدولة إسرائيل. سنعزز الكتل الاستيطانية، ونتيح إمكان الحياة الطبيعية في أي مكان يعيش فيه إسرائيليون. وستكون منطقة غور الأردن الحدّ الأمني الشرقي لدولة إسرائيل. وستكون القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية. بهدي هذه المبادئ، سنبحث في خطة السلام التي سيعرضها الرئيس دونالد ترامب، عند طرحها.

لن يكون ثمة انفصال ثانٍ: أي إجراء يجري تنفيذه بصورة أحادية الجانب سيدفع العدو، بالضرورة، إلى الاستنتاج أن مقاومته العنيفة هي التي هزمتنا وحسمت الأمر. ولن نكرر هذا الخطأ. إن أي قرار سياسي تاريخي سيُعرض على الشعب في استفتاء عام لإقراره، أو سيجري إقراره في الكنيست بأغلبية استثنائية.

سنبادر إلى عقد مؤتمر إقليمي مع الدول العربية الطامحة إلى الاستقرار، ونعمق إجراءات الانفصال عن الفلسطينيين من خلال المحافظة غير المساوِمة على مصالح إسرائيل الأمنية وعلى حرية عمل الجيش الإسرائيلي في أي مكان.

سيُدرج في جدول أعمال المؤتمر الإقليمي، أيضاً، موضوع لا يقل أهمية هو: مكانة إسرائيل الإقليمية، كقوة رائدة، إلى جانب الأطراف ذات المصالح المشتركة. ولن يكون بعد اليوم وضع تجرى فيه مداولات بشأن الاتفاق النووي مع إيران، أو عن التسوية النهائية في سورية من دون أن تعرض هذه الأطراف ذات المصالح المشتركة، وفي مقدمها إسرائيل، مصالحها ومن دون أن تتم تلبيتها.

لن نسمح، أبداً، بأي تهديد وجودي على دولة إسرائيل: يُعتبر انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، والذي بدأ في عهد الإدارة الأميركية السابقة، ولا يزال مستمراً هذه الأيام أيضاً، يحمل أخطاراً جسيمة على إسرائيل وشركائها. لذا، علينا أن نضع أمام الرئيس ترامب صفقة القرن الحقيقية: شرق أوسط تقوده وتشكّله الدول الحليفة للولايات المتحدة، لا محور المتطرفين. وهكذا فقط يمكننا إعادة صديقتنا الهائلة القوة إلى المنطقة وضمان تحقيق المصالح الإسرائيلية في كل مكان.

في الصراع مع «حماس» والجهاد الإسلامي، أيضاً، ستكون إسرائيل مبادِرة، لا مجرورة: في غزة، علينا القيام بإجراء مزدوج: رد بكامل القوة على أي استفزاز أو عمل عنيف ضد أراضينا، من جهة، وتحرك مشترك مع جهات إقليمية يطرح أمام سكان غزة إمكان حياة أفضل، من جهة أُخرى، بما يوضح لهم أن ما يحول بينهم وبين هذه الحياة الأفضل هو عدوانية «حماس» تجاه إسرائيل. وتُعدّ القاعدة الأولى في الحرب ضد الإرهاب هي زرع الخلاف بين السكان، من جهة، والتنظيم الإرهابي الذي ينشط بينهم من جهة أُخرى. ويمكن لهذا أن يحدث فقط إذا اعتمدنا سياسة المبادرة بكلا المستويين، العسكري، والسياسي – الاقتصادي؛ لا تناقض في هذا، إطلاقاً، بل العكس هو الصحيح: ذراعان يكمل أحدهما الآخر.

هضبة الجولان هي جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل، وهذه مسألة غير خاضعة للمفاوضات. سنطوّر المنطقة ونكثف الاستيطان فيها.

على الجبهة الشمالية، سنصعّد المعركة المتواصلة ضد التمركز الإيراني، وضد تعاظم حزب الله، وسنحضّر الجيش الإسرائيلي لاحتمال نشوب معركة (جديدة).

سنكثف العمل المتواصل ضد إيران وحزب الله ونصعّده، وسنعززه بعمل سياسي في مقابل روسيا لتحقيق مطلب إسرائيل بإبعاد إيران ووكلائها عن الأرض السورية.

سيبحث تحالف أزرق أبيض بجدية وسيبذل جهوداً متواصلة لإعادة الأسرى والمفقودين، من منطلق الالتزام لهم ولعائلاتهم وللمجتمع الإسرائيلي برمّته.

طبقاً لمفهوم الأمن القومي، على إسرائيل تعميق علاقاتها الخارجية وتوثيقها في أي مكان في العالم. وسنُصلح وزارة الخارجية ونعززها ونثبت، في نص قانوني، مكانتها بصفتها الهيئة القيادية والتنفيذية في مجال السياسة الخارجية والدبلوماسية العامة. إن إسرائيل هي قوة عظمى في مجال التجديد والابتكار، يرنو العالم كله إليها، وسنستغل هذا الوضع لإحداث انطلاقة سياسية جديدة، ونزيد حجم الاستثمار في مساعدة الدول النامية، في إطار السعي لإيجاد قاعدة متينة لعلاقات طويلة المدى.

سنحافظ على التعاون الاستراتيجي، وعلى منظومة العلاقات المميزة بيننا وبين الولايات المتحدة، سنعود إلى تلك الأيام التي كانت إسرائيل فيها موضوعاً خارج الخلافات في السياسة الأميركية، وسنوطد العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول الأوروبية، والآسيوية، والأفريقية، والأميركية الجنوبية.

سنضمد الجروح التي سببتها الحكومة الحالية في العلاقات مع اليهود في العالم، وخصوصاً في الولايات المتحدة. وتُعتبر إسرائيل البيت القومي للشعب اليهودي كله، وحكومة إسرائيلية مُبادِرة على الصعيدين الخارجي والداخلي، وتأخذ في الحسبان، في أي عمل تقوم به، تأثيراته وانعكاساته على اليهود في العالم، هي المفتاح لتوثيق هذه العلاقة الحيوية جداً.

مساواة الأقليات ودمجها في المجتمع الإسرائيلي: وجاء في البرنامج تحت هذا العنوان ما يلي:

على الرغم من التقدم المستمر الذي سُجِّل في دمج عرب إسرائيل والمجتمع الدرزي في المجتمع وسوق العمل في دولة إسرائيل، فإن الطريق إلى دمج هؤلاء ومساواتهم التامة في المجتمع والاقتصاد الإسرائيليَين لا تزال طويلة وملأى بالمعوقات. ولدمج الرجال والنساء العرب وتحسين أوضاعهم الشخصية والمهنية أهمية حيوية للنمو، للقوة الاجتماعية، ولتقليص الفقر والفجوات في إسرائيل.

هناك بعض العوائق المركزية التي تعوق اندماج السكان العرب والبدو في سوق العمل منها: التعليم وغياب المهارات المهنية؛ معوقات دينية؛ اللغة والآراء المسبقة؛ التقاليد الاجتماعية التي تحول دون خروج النساء العربيات إلى سوق العمل بأعداد كبيرة، ونقص المواصلات إلى أماكن العمل.

من أجل تحسين مستوى الحياة في الوسط العربي والبدوي واندماجه في المجتمع الإسرائيلي، ثمة حاجة إلى حلول في مجالات أُخرى أيضاً: خفض مستويات العنف وكميات الأسلحة غير القانونية في هذا الوسط؛ معالجة نقص الخرائط الهيكلية المصادَق عليها ومعالجة ظاهرة البناء غير المرخص؛ رفع مستوى الحذر على الطرقات وتطوير البنى التحتية في مجال الشوارع، إضافة إلى التربية على نمط حياة سليم.

سيقود تحالف أزرق أبيض خطة متعددة السنوات لتعميق دمج الأقليات في المجتمع والاقتصاد الإسرائيليَين، ولرفع نسبة مشاركة النساء في سوق العمل بمستويات مرتفعة من المداخيل، كما سيركز على الاستثمار في التعليم بما يتيح امتلاك مهارات مهنية عالية، وعلى الاستثمار في البنى التحتية المادية.

وفيما يتعلق بـ «قانون القومية» جاء في البرنامج: سنكرس قيمة المساواة ونشرّعها في قانون أساس، مثلما ورد في فصل «القضاء والتشريع» في هذا البرنامج. وفي البند المشار إليه هنا من فصل «القضاء والتشريع»، ورد ما يلي: سنكرس، في قانون أساس، مبدأ المساواة في حقوق الفرد في إسرائيل. وثبّت «قانون القومية» كون إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي، التي يحقق فيها، بصورة مميزة، حقه في تقرير مصيره القومي. لكن مبدأ المساواة في حقوق الفرد سقط من هذا القانون. ولذا، سنشرّع مبدأ المساواة في قانون أساس، بروح «وثيقة الاستقلال».

رأت عدة تحليلات أن هذا البرنامج يؤكد أن تحالف أزرق أبيض لن يفعل سوى ما يفعله نتنياهو، لكن باللونين الأزرق والأبيض، لوني العلم الإسرائيلي.

وكتب مراسل الشؤون الحزبية في صحيفة «هآرتس» حاييم ليفنسون (6/3/2019) أنه من خلال البرنامج من الصعب معرفة آراء هذا التحالف المشترك. وأكد أن البرنامج هو مجموعة أقوال تبدو جيدة، لكن من دون أي رابط أيديولوجي أو خطط ملموسة وهدف واضح. وفي رأيه ربما ما تريده أغلبية ناخبي الوسط هو: أشخاص جيدون وشخصيات لها قيمة معنوية، لا أيديولوجيات نارية تصطدم بالواقع.

وأضاف ليفنسون أن الجزء السياسي من البرنامج غامض. فصحيح أن التحالف يعلن نيته القيام بخطوات سياسية، لكن ماهيتها الدقيقة غير معلنة وسرّية. فهو يقول إنه سيتعاون مع الدول العربية المعتدلة، وهو ضد الإسلام المتطرف، وسيسمح بحياة طبيعية في كل المستوطنات، لكنه لا يفصّل ماهية الحياة الطبيعية. والتحالف لن ينفّذ انفصالاً عن المناطق المحتلة، وسيبادر إلى عقد مؤتمر إقليمي، وسيحافظ على القدس الشرقية، وفي الواقع هو سيفعل كل ما يفعله بنيامين نتنياهو، فقط باللونين الأزرق والأبيض، لوني العلم.

على صعيد آخر، ورد في تحليلات أن غانتس وقيادة أزرق أبيض يواصلان التعاون مع حملة نزع الشرعية عن التمثيل السياسي للعرب في الكنيست، التي يقوم بها نتنياهو. ففي إطار المقابلات التي أدلى بها غانتس إلى قنوات التلفزة الإسرائيلية الثلاث في 21/3/2019 قال أنه لن يُجري أي حوار سياسي مع ممثلي الأحزاب العربية. وأضاف لقناة التلفزة «كان» أن «الزعامة السياسية للعرب في إسرائيل ارتكبت خطأً كبيراً. فهي تتحدث ضد دولة إسرائيل، ولذا لا أستطيع إجراء حوار سياسي معها.»

وتعقيباً على ذلك أنشأت صحيفة «هآرتس» مقالاً افتتاحياً بعنوان: «يرفض أن يكون بديلاً» قالت فيه إن غانتس فشل حتى الآن في موضوعين أساسيين لا يمكن التساهل بهما. الموضوع الأول هو تهرّبه من إعطاء رد يوضح ما إذا كانت قائمته تؤيد حل الدولتين. وتساءلت الصحيفة: لِمَ لا يبدي الشخص الذي يدّعي أنه يمثل البديل من حكم بنيامين نتنياهو استعداده للكشف عن موقفه من موضوع مصيري، وهو حل المشكلة الفلسطينية؟ لِمَ لا يجرؤ، مَن يدّعي أنه البديل من نتنياهو وأنه أكثر اعتدالاً منه، على التعبير عن تأييده لحل حتى نتنياهو أيّده؟ وفي رأيها فإن البديل الوحيد من حل الدولتين هو حل الدولة الواحدة، وثمة شك في أن غانتس يتبناه، والتهرب من تأييد الحل الوحيد المتبقي لا يثير أملاً كبيراً بالشجاعة السياسية لمن يدّعي أنه البديل.

أمّا الموضوع الثاني والأخطر بحسب الصحيفة فهو موقف غانتس من الأحزاب العربية، والذي وصفته بأنه «يجعلنا نشك في أن غانتس ينوي جدياً إسقاط نتنياهو.»

رابعاً: أحزاب اليمين

الليكود 2006–2020: من الانكسار إلى الهيمنة

استطاع الليكود في العقد الأخير أن يكرس نفسه كحزب السلطة في إسرائيل، بعد حكمه بصورة متواصلة بواسطة رئيسه بنيامين نتنياهو الذي استلمه منهاراً بعد انشقاق شارون عنه. وإلى جانب تحوله إلى حزب السلطة، فإنه وخلال العقد الأخير، مرّ بتحولات سياسية واجتماعية داخلية غيرته من الداخل من جهة، وأحدثت تحولات في خطابه من جهة أُخرى. فقد تطور الحزب من المدرسة الصهيونية التنقيحية التي قادها ونظّر لها زئيف جابوتنسكي، وخلفه في قيادتها مناحم بيغن الذي أسس تحالف الليكود من أحزاب يمين متعددة ووصل إلى الحكم أول مرة في تاريخ إسرائيل سنة 1977، بعد ثلاثين سنة من حكم حزب العمل. وحمل الليكود، متأثراً بتوجهات جابوتنسكي، خلال العقود الماضية توجهاً أيديولوجياً ينطلق من رفضه أي تقسيم لفلسطين التاريخية (أرض إسرائيل في الخطاب الصهيوني والديني)، وهو موقف أيديولوجي حمله منذ تأسيس التيار التنقيحي في الحركة الصهيونية، عندما كان المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين في بدايته، واستمر بعد الاحتلال لباقي الأراضي الفلسطينية في حزيران/يونيو 1967. وبالإضافة إلى توجه الليكود القومي بشأن «أرض إسرائيل الكاملة»، فقد حمل توجهاً ليبرالياً وخصوصاً في الاقتصاد، لكن أيضاً في الحقوق المدنية والفردية. ولم ينطلق الحزب في برنامجه السياسي من مقولة إن هنالك تناقضاً بين توجهه القومي وتوجهه الليبرالي في الاقتصاد والحقوق المدنية، فقد اعتقد أن الحل يكمن في فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنح الفلسطينيين حقوقاً مدنية وسياسية فردية في إطار الدولة اليهودية، الأمر الذي تراجع عنه بيغن (على الأقل على المستوى التصريحي والرسمي) بتوقيع اتفاق كامب ديفيد (1978) الذي أقر بمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً. غير أن تحولات اجتماعية وسياسية وفكرية ساهمت في تغيير الليكود لاحقاً نحو العزوف عن توجهاته الليبرالية في الشأن السياسي، وعن توجهه القومي في أرض إسرائيل الكاملة نحو تبنّي الادعاء الديموغرافي كعامل في تصوراته للحل.

تجدر الإشارة في هذا الشأن إلى أن النخب الليكودية القديمة ذات التوجهات الليبرالية ولا سيما تلك النخب التي تسمى «الأمراء»، وهم الجيل الثاني من قيادات الليكود، ورثوا موقعهم في الحزب عن آبائهم من الجيل الأول من الليكود، إذ تم إقصاء أغلبيتهم في العقد الأخير بالتدريج، وتسلمت مكانهم نخب جديدة تنتمي في معظمها إلى الصهيونية الدينية فكرياً، أو تحمل توجهات يمينية شعبوية تشبه توجهات اليمين المتطرف في أوروبا فيما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية الفردية. كما أن النخب الأشكنازية اليمينية الليبرالية تراجعت في حزب الليكود لمصلحة قيادات شرقية تحمل أجندات غير ليبرالية وغير ديمقراطية ومعادية للعرب، وللنخب الأشكنازية القديمة من اليسار الصهيوني.

تشترك النخب الجديدة في الليكود مع النخب القديمة في فكرة «أرض إسرائيل الكاملة» (فقط نتنياهو يصرح في الظاهر أنه يؤيد حل الدولتين بين أعضاء حزب الليكود)، إلاّ إنهما تختلفان بالنسبة إلى الحقوق المدنية والسياسية للفلسطينيين. ففي حين أن النخب القديمة تريد إعطاء الفلسطينيين حقوقاً سياسية ومدنية فردية كاملة في إطار السيادة اليهودية على الأرض، فإن النخب الجديدة تؤسس فعلياً لنظام أبارتهايد، يجسد إبقاء السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وضم مناطق من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، وحرمان الفلسطينيين من أي حقوق سياسية ومدنية متساوية وكاملة.

علاوة على ذلك، بدأ المستوطنون يتغلغلون إلى صفوف الليكود للتأثير في سياسته تجاه الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي بصورة عامة، وتجاه المستوطنات بصورة خاصة. فقد ظهرت نخبة من قيادة الليكود من المستوطنين الذين ينتمون إلى الصهيونية الدينية، وقد ظهر ذلك في تمثيلهم في قائمة الليكود وفي تصويت المستوطنين للحزب في مقابل حزب البيت اليهودي الذي يمثل المستوطنين وأبناء الصهيونية الدينية، إذ حصل الليكود في انتخابات سنة 2015، مثلاً، على نسبة تأييد داخل المستوطنات، معقل البيت اليهودي، وصلت إلى نحو 23­%، بينما تراجع البيت اليهودي إلى 38­%.21

ويعتبر الليكود أن إسرائيل دولة يهودية لليهود أولاً، فقد جاء في برنامجه الانتخابي في انتخابات الكنيست لسنة 1977، بشأن حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل، أن هذا الحق غير قابل للتفاوض، ولن يتم تسليم أي من مناطق يهودا والسامرة [الضفة الغربية] وحدود إسرائيل من نهر الأردن. 22

وفي سنة 2006، جاء في البرنامج الانتخابي للكنيست: «ستعمل الحكومة [التي يؤلفها حزب الليكود] على تعزيز المستوطنات وتمتين التواصل الجغرافي بين كتل المستوطنات في يهودا والسامرة وبين مناطق الدولة داخل الخط الأخضر.... وستعمل حكومة الليكود على تعزيز الاستيطان والبنى التحتية في غور الأردن، وستعارض أي انسحاب منه.»23

يمكن القول إن خطاب اليمين الأيديولوجي المتجانس مع عدد من المصطلحات الدينية ساهم في استمالة الأحزاب الدينية إلى تكوين تحالفات مع حكومة الليكود. ودفع هذا التحالف الليكود إلى توسيع خطابه الاجتماعي كي يسمح بجذب الشرقيين المحافظين وحتى المتدينين إلى خطاباته الأيديولوجية اليمينية، والذي سمح، بدوره، بزيادة أعداد كبيرة من أصوات الشرقيين، أي عودة الخطاب القومي إلى التشديد على فكرة أرض إسرائيل الكاملة، على حساب الخطاب الاجتماعي. وهذا التحول الذي شهدته إسرائيل منذ انتخابات سنة 1999، تميز بأمرين، الأول انتهاء الأحزاب الكبيرة، وصعود الأحزاب اليمينية– الدينية– الحريدية، وثانياً صعود الخطاب اليميني الاستيطاني الشعبوي، المشبع بالمصطلحات الدينية.24

وعلى الرغم من التاريخ السياسي الطويل لحزب الليكود، وتنوع قواعده الاجتماعية، فإنه تحول منذ سنة 2009 إلى حزب القائد الواحد، وهو بنيامين نتنياهو، فليس هناك شخص داخل الحزب قادر على منافسته وإسقاطه من منصب رئيس الحزب ومرشحه لرئاسة الحكومة. وقد حاول مؤخراً غدعون ساعر منافسة نتنياهو بعد فشله مرتين في تأليف حكومة في سنة 2019، غير أنه مُني بخسارة فادحة أكدت هيمنة قيادة نتنياهو على الحزب.

في هذا الصدد، باتت مهمة إسقاط نتنياهو عن رئاسة الحكومة والليكود مهمة جهات خارج الليكود وداخله. ففي دورات الانتخابات الأخيرة، وعلى الرغم من تجند نخب عسكرية، وأمنية، وإعلامية، وأدبية لإسقاط الليكود، وخصوصاً نتنياهو، فقد جرى التركيز على شخصه أكثر من حزبه، ومحاولة اليسار الصهيوني إبقاء موضوع الانتخابات عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي حاول الليكود التهرب منها، فقد استطاع أن يحصل على 35 مقعداً في دورة الانتخابات سنة 2020، وهو أكبر عدد مقاعد حققه الحزب منذ سنة 1992. وكشفت نتائج الانتخابات أن نتنياهو لا الليكود هو الفائز، الأمر الذي عزز قيادته في الحزب، فبقاء الليكود في الحكم بات مرتبطاً ببقاء نتنياهو زعيماً له ومرشحاً عنه لرئاسة الحكومة.

في السنوات الأخيرة ساهمت أحادية القيادة في الليكود التي يمثلها نتنياهو في خروج كثير من قياداته، بسبب صراعها معه على قيادة الحزب وعلى نهجه، وليس لأسباب أيديولوجية كما هي حال النخب القديمة الليبرالية. ففي السنوات الأخيرة خرجت من الليكود قيادات كانت عماد الحزب، وكانت ترى في نفسها بأنها وارثة نتنياهو في قيادته، غير أن سيطرة الأخير وهيمنته على الحزب ومؤسساته دفعها إلى الخروج منه والبحث عن آفاق جديدة للعمل السياسي.

وعلى الرغم من السياسات الاقتصادية الليبرالية التي يتبناها الليكود، ولا سيما نتنياهو، والتي أضرت في البداية بالطبقات الدنيا في المجتمع الإسرائيلي ولاحقاً بالطبقات الوسطى في السنوات الأخيرة، فإن الليكود لا يزال يحظى بتأييد جميع القطاعات الاجتماعية في المجتمع اليهودي، وخصوصاً تلك الطبقات التي تضررت من سياسات الحزب الاقتصادية. وهذا يدل على أن الليكود يبني خطابه نحو المجتمع اليهودي أساساً على خطاب التخويف والخطاب القومي والأمني، الأمر الذي يخفف حدة تأثير القضايا الاقتصادية والاجتماعية في شعبيته في المجتمع اليهودي، وهذا ما يفسر وجوده في شرائح المجتمع الاجتماعية–الاقتصادية كافة.

وبقي الليكود متماسكاً من الناحية الانتخابية في صفوف الطبقات الدنيا، ولا سيما الشرقيين، على الرغم من نجاح أحزاب المركز واليسار في إبقاء تركيز الحملات الانتخابية على الأجندات الاقتصادية والاجتماعية. لكن الليكود استطاع أن يحظى بدعم أغلبية القطاعات الاجتماعية في المجتمع اليهودي، حتى تلك القطاعات التي تضررت اقتصادياً جراء سياسات حكومة نتنياهو في العقد الأخير. وحظي الليكود بتأييد الطبقات الوسطى العليا والوسطى الدنيا، إذ إنه موجود في القطاعات الاجتماعية في المجتمع اليهودي كافة. فعلى سبيل المثال، توزع وزارة الداخلية الإسرائيلية البلدات في إسرائيل على عشرة عناقيد اجتماعية اقتصادية بناء على معايير عديدة، منها: الدخل السنوي؛ مستوى التعليم؛ الشغل والبطالة؛ الخدمات الاجتماعية؛ التطوير الاقتصادي للبلدة، ومعايير أُخرى. فيضم العنقود الأول البلدات ذات المستوى الاقتصادي– الاجتماعي المتدني، بينما يضم العنقود العاشر البلدات ذات المستوى الاجتماعي– الاقتصادي المرتفع، وتتوزع البلدات بين هذه العناقيد، وبطبيعة الحال فأغلبية البلدات اليهودية موجودة بين العنقودين الرابع والسابع اللذين يضمان الطبقة الوسطى اليهودية المدينية. وفي العناقيد الدنيا، وخصوصاً في العناقيد الأربعة الأولى فهي تضم بلدات التطوير اليهودية الفقيرة والبلدات الدينية الأرثوذكسية (الحريديم) وجميع البلدات العربية. وفي تحليل لأنماط التصويت في هذه العناقيد خلال العقد الأخير، تبيّن أن الليكود يحظى بتأييد في العناقيد الاجتماعية– الاقتصادية كافة، وهو ما يجعله حزباً شعبياً موجوداً في جميع القطاعات والشرائح الاجتماعية بالنسبة نفسها تقريباً.

إذاً، استطاع نتنياهو، في أعقاب إخفاق حزب كديما، من اجتياز أول امتحان له في انتخابات سنة 2009، بعد انكسار الليكود في أعقاب انشقاق شارون عنه، وأراد أن يعزز سيطرته فيما بعد. ففي انتخابات سنة 2013، عقد نتنياهو حلفاً مع حزب إسرائيل بيتنا (يسرائيل بيتينو) الذي يترأسه أفيغدور ليبرمان، وتمت مفاوضات الحلف بسرية تامة، وجرى إعلانه فجأة، وكان هدف نتنياهو من التحالف بناء حزب كبير في الخريطة السياسية الإسرائيلية يحصل على أكثر من 40 مقعداً، ويعيد إلى الأذهان الأحزاب التاريخية الكبيرة، وذلك لضمان تأليفه حكومة مستقرة لا يكون فيها تابعاً للأحزاب الصغيرة والمتوسطة. أمّا ليبرمان الذي بدأ حياته السياسية في حزب الليكود، وأنشأ بعدها حزباً يعتمد على قواعد اجتماعية روسية، فكان يطمح من هذا التحالف إلى أن يكون وارث نتنياهو، ورئيساً للحكومة وزعيم اليمين في المستقبل، بعد انتهاء عهد نتنياهو. لكن هذا لم يحدث، فاندفع ليبرمان منادياً بإسقاط نتنياهو في الثلاث دورات الانتخابية الأخيرة.

 

الجــــــــــــــــــــدول1
نـتــائـــج الأحـــــزاب المشاركة في الدورات الانتخابية 2006–2015

 

2006

2009

2013

2015

 

­%

المقاعد

­%

المقاعد

­%

المقاعد

­­%

المقاعد

الليكود

9

12

21,6

27

23,3

31

23,4

30

كديما

22

29

22,5

28

2

2

 

العمل

15,1

19

9,9

13

11,3

15

18,6

24 ضمن تحالف مع حركة هتنوعا في قائمة المعسكر الصهيوني

يش عتيد

 

14,3

19

8,8

11

شاس

9,5

12

8,5

11

8,7

11

5,7

7

يهدوت هتوراه

4,7

6

4,4

5

5,1

7

4,9

6

إسرائيل بيتنا

9

11

11,7

15

تحالف مع الليكود في قائمة الليكود بيتنا

5,1

6

ميرتس

3,8

5

3

3

4,5

6

3,9

5

المفدال – البيت اليهودي

7,1

9

2,9

3

9,1

12

6,7

8

الاتحاد الوطني

 

3,3

4

تحالف في إطار البيت اليهودي

حزب المتقاعدين

5,9

7

 

هتنوعا (الحركة)

 

4,9

6

تحالفت مع حزب العمل في قائمة المعسكر الصهيوني

حزب كلنا

 

7,4

10

التجمع الوطني الديمقراطي

2,3

3

2,5

3

2,5

3

10,6

13 مقعداً

ضمن القائمة المشتركة

الجبهة الديمقراطية

2,7

3

3,3

4

2,9

4

القائمة العربية الموحدة

3

4

3,4

4

3,6

4

المصدر: تقارير لجان الانتخابات المركزية التالية:

لجنة الانتخابات المركزية للكنيست العشرين: www.votes20.gov.il

لجنة انتخابات الكنيست التاسع عشر: http://www.votes-19.gov.il/nationalresults

لجنة انتخابات الكنيست الـثامن عشر: www.knesset.gov.il/elections18/heb/results/main_Results.aspx

لجنة انتخابات السابع عشر: http://www.knesset.gov.il/elections17/heb/results/Main_Results.asp

 

انطلق الزعيمان من قراءة مبسطة وحتى سطحية لقوة هذا التحالف، واعتقدا أن الائتلاف بينهما (سمي: الليكود– بيتنا) سيحقق، على الأقل، حصيلة المقاعد التي حصلا عليها في انتخابات سنة 2009 (27+15=42)، وتعهد ليبرمان بأن الائتلاف الجديد سيحصل على أربعين مقعداً على الأقل. ولذا، اختار أعضاء حزبه الذين سيكونون في الائتلاف الجديد، بينما ذهب الليكود إلى انتخابات داخلية لاختيار أعضاء القائمة الانتخابية، وعززت نتائج هذه الانتخابات سيطرة النخبة اليمينية الجديدة على الليكود، فقد فازت بالمواقع المتقدمة في القائمة، ودحرت القيادة اليمينية القديمة في الحزب ذات التوجهات القومية– الليبرالية. ويمكن اعتبار هذه النخبة، الجيل الثالث في الليكود، وهي نخبة شبيهة بنخبة اليمين المتطرف في أوروبا الذي ينظر إلى مسألة الأقليات ومطالبها بمثابة تهديد للدولة.

وكان هذا الإخفاق الكبير لتحالف الليكود– بيتنا، فقد توقع نتنياهو وليبرمان أن يحصل تحالفهما على 40 مقعداً على الأقل،25 إلاّ إن النتائج جاءت بأقل حتى من توقعات الاستطلاعات، التي توقعت عشية الانتخابات حصول التحالف على 35 مقعداً.26 إذ حصل الحزب على 31 مقعداً بنسبة 23,3­%، بينما حصل الحزبان معاً في انتخابات 2009 على نحو 33­% من الأصوات، وذلك عندما خاضا الانتخابات كلاً على حدة. وتوقع نتنياهو وليبرمان أن تحالفهما سيؤدي إلى تكاتف قواعدهما الاجتماعية، بالإضافة إلى أنه سيجذب قواعد جديدة من اليمين، إلاّ إن كثيراً من قواعدهما التقليدية، ابتعد بسبب تحالفهما بالذات.

ركز الليكود في الدورات الانتخابية الثلاث الأخيرة على إنجازات نتنياهو الداخلية والخارجية، ولا سيما الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإلغاء الاتفاق النووي الإيراني، ومكانة نتنياهو الدولية، وسياساته ضد الوجود الإيراني في سورية. وفي هذا السياق، ساهم دونالد ترامب في تعزيز هذه المكانة باعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على الجولان أسبوعين قبل الانتخابات، ومساعدة روسيا له في إرجاع رفات جندي إسرائيلي من سورية، قُتل خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، الأمر الذي عزز إنجازات نتنياهو على الساحة الدولية.

في انتخابات آذار/مارس 2019، عزز الليكود تمثيله في الكنيست من ثلاثين مقعداً إلى خمسة وثلاثين، وهو إنجاز مهم لليكود ويبشره بالعودة إلى إنجازات سنوات الثمانينيات، لكن المقاعد الجديدة التي حصل عليها كانت من أحزاب اليمين. إذ إن فوز الليكود بهذا العدد من المقاعد أدى إلى إسقاط حزب يميني جديد ترأسه وزيران في حكومة نتنياهو انشقا عن حزب البيت اليهودي، واللذان كان ينقصهما بضع مئات من الأصوات لعبور نسبة الحسم، فضلاً عن إضعاف تمثيل حزب اتحاد أحزاب اليمين (البيت اليهودي سابقاً)، وتراجع تمثيله إلى خمسة مقاعد.

في انتخابات سنة 2020 استطاع الليكود زيادة تمثيله في الكنيست من 31 مقعداً إلى 36 مقعداً، وذلك على الرغم من أن الفترة التي سبقت الانتخابات شهدت تصعيداً في ملفاته تخللها تقديم المستشار القانوني للحكومة لائحة اتهام ضده، لحقها فشله في الحصول على الحصانة البرلمانية، لأنه سحب طلب الحصانة في آخر لحظة، وذلك لمعرفته أن الكنيست بتركيبته حينها لن يوافق على طلبه، وانتهاء بتحديد الجلسة الأولى لمحاكمته. هذه التطورات كلها في ملف نتنياهو الجنائي لم تؤثر فيه، بل عززت تمثيل الليكود، مثلما استطاع تعزيز تمثيل كتلة اليمين من 55 مقعداً في انتخابات أيلول/سبتمبر 2019 إلى 58 مقعداً في انتخابات سنة 2020. فقد حصل الليكود في انتخابات أيلول/سبتمبر على 1,113,617 صوتاً، بينما حصل في انتخابات آذار/مارس 2020 على 1,352,449 صوتاً، بمعنى أن الليكود زاد عدد المصوتين له بأكثر من 200 ألف صوت. وتجدر الإشارة إلى أن سائر القوائم في كتلة اليمين حافظت على قوتها تقريباً، الأمر الذي يدل على أن القواعد الانتخابية لليكود هي قواعد ثابتة، وأن الحراك يكون في الأساس داخل القوائم اليمينية وفيما بينها.

إسرائيل بيتنا

شكل أفيغدور ليبرمان حزب إسرائيل بيتنا عشية انتخابات سنة 1999، بعد أن خرج من الليكود، وقد أدى دوراً مركزياً نحو تسييد نتنياهو في الحزب، فقد كان الذراع الضاربة سياسياً داخله لمصلحة نتنياهو. وشكل ليبرمان حزبه مكملاً تجربة الأحزاب القطاعية في السياسة الإسرائيلية بعد أن مثّل الروس في الكنيست حزب يسرائيل بعليا برئاسة نتان شيرانسكي. وحمل حزب ليبرمان عدة توجهات أهمها: الدعوة إلى ضم مناطق المثلث إلى الدولة الفلسطينية (عندما كان الخطاب الديموغرافي مهيمناً حينها في مشاريع التسوية)؛ محاربة الأحزاب الدينية؛ تغيير نظام الحكم في إسرائيل؛ في النهاية تعزيز مصالح الروس في إسرائيل الذين شكلوا قوة سياسية واجتماعية جديدة في المجتمع الإسرائيلي. فمنذ سنة 1999 والحزب يخوض الانتخابات بشكل منفرد (عدا انتخابات سنة 2013 والتي خاضها بتحالف مع الليكود)، بلغت ذروة قوة ليبرمان في انتخابات سنة 2009، فقد حصل فيها على 15 مقعداً، بسبب رفعه شعار «لا حقوق من دون واجبات»، وكان مُوجهاً في الأساس ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل. وفي انتخابات سنة 2013 تحالف ليبرمان مع نتنياهو وشكلا قائمة ليكود – بيتنا، كما ذكرنا أعلاه، لكن سرعان ما انفك هذا التحالف لأنه لم يحقق النتائج المرجوة.

يحظى حزب إسرائيل بيتنا بدعم اليهود الروس أساساً، فهو حزب قطاعي، إذ إن 75­% ممن صوتوا له في انتخابات سنة 2009 كانوا من اليهود الروس. وحقق الحزب منذ تأسيسه سنة 1999 نجاحات انتخابية وصلت إلى ذروتها في سنة 2009 وظهر زعيمه كزعيم اليمين المقبل. وتتميز قواعد الحزب بعلمانية معادية للدين، فقد خاض صراعات مع الأحزاب الدينية بشأن قضايا الدين والدولة. كما أنه يتبنّى مواقف يمينية متطرفة من الصراع العربي– الإسرائيلي، ومن مكانة الفلسطينيين داخل إسرائيل.27

بعد فترة من صعود الحزب في الحلبة السياسية، بدأ يتراجع انتخابياً وتحديداً في السنوات التي تلت انتخابات سنة 2009.

فمثلاً، تبيّن نتائج الانتخابات سنة 2013، في المدن ذات الأغلبية الروسية، أن الروس امتنعوا من التصويت، فقد تراجعت نسبة التصويت لديهم بـ10­%، مع العلم بأن القوة الانتخابية للقطاع الروسي تصل إلى عشرين مقعداً.28 إذ إن التحالف بين قواعد الحزب العلمانية المعادية للدين، وبين قواعد محافظة ومتدينة في الليكود، أدت إلى عزوف كثير من الروس عن التصويت للتحالف الجديد، وخصوصاً بعد صعود النخبة الجديدة في الليكود، ومنها كثير من المتدينين أو المحافظين.

تشير المعطيات إلى أن الروس ينتمون إلى الفئة الدنيا من الطبقة الوسطى في المجتمع الإسرائيلي، ومع ذلك لم تعمل حكومات اليمين على دعمهم، وإنما زادت الأعباء الاقتصادية عليهم.29 كما أن التحالف مع الليكود أفقد الحزب هويته القطاعية كحزب للمهاجرين الروس الذين يصل عددهم إلى مليون روسي، لهم حاجاتهم الخاصة في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.30

في انتخابات سنة 2015 تراجع حزب إسرائيل بيتنا إلى 6 مقاعد، ويعود ذلك إلى قضايا الفساد المالي والسياسي التي تورطت فيها شخصيات من الحزب كشفتها الشرطة ثلاثة أشهر قبل الانتخابات، والانطباع الذي تركه ليبرمان أمام ناخبيه بأنه غير قادر على تنفيذ وعوده الكثيرة التي يطلقها قبل كل انتخابات، مثل الإطاحة بحكم «حماس» في قطاع غزة، ونقل مواطنين فلسطينيين من مناطق 48 إلى السلطة الفلسطينية، وغيرها من الوعود التي لم ينفذ أياً منها. كذلك انتقل قسم كبير من الصوت الروسي في هذه الانتخابات إلى الليكود الذي يعطي تمثيلاً ملائماً لليهود الروس على قائمته، وهو ما كشفته نتائج الانتخابات في مناطق ذات طابع روسي.

 

الجدول 2
نتائج حزب إسرائيل بيتنا في انتخابات الكنيست

1999

2003

2006

2009

2013

2015

2019أ

2019ب

4

3

11

15

13

6

5

8

 

خامساً: أحزاب اليسار الصهيوني

حزب العمل: مسار التفكك الطويل

أعلنت نتائج انتخابات آذار/مارس 2020، وما سبقها من دورتين انتخابيتين، انهيار حزب العمل. وعملياً في انتخابات السنة المذكورة حصل الحزب على ثلاثة مقاعد، إذ لم تعد قواعده تثق به، فإمّا عزفت عن التصويت بسبب سوء إدارة الانتخابات وتحالفاته، لكن هذا يفسر جزءاً من التراجع، وإمّا أن قواعده انتقلت إلى التصويت لحزب أزرق أبيض لأنها رأت فيه بديلاً حقيقياً من حكم حزب العمل.

شهد حزب العمل خلال العقدين الأخيرين انشقاق أربعة من قادته الذين تزعموا الحزب في مراحل متعددة، فقد انشق شمعون بيرس عن الحزب وانضم إلى حزب كديما برئاسة شارون. وانشق عمير بيرتس رئيس الحزب في انتخابات سنة 2006، وانضم إلى حركة هتنوعا برئاسة تسيبي ليفني. وانشق عمرام متسناع رئيس الحزب في انتخابات سنة 2003، وانضم أيضاً إلى حزب ليفني. وقبلهما انشق إيهود براك عن الحزب، في أعقاب قرار الحزب الخروج من حكومة نتنياهو، بهدف أن يبقى وزيراً للدفاع. إذاً، من تسعة تداولوا رئاسة الحزب، بعد مقتل يتسحاق رابين سنة 1995، انشق أربعة منهم وانضموا إلى أحزاب ذات توجهات يمينية، وثلاثة اعتزلوا الحياة السياسية (شيلي يحيموفيتش، ويتسحاق هيرتسوغ، وآفي غباي). ويدل ذلك على فقدان الحزب هيبته ومكانته كحزب سلطة.

ومنذ الانتخابات البرلمانية سنة 2009 ازدادت الصراعات داخل حزب العمل، وتفاقمت كذلك الاختلافات الداخلية فيه بعد تعثر المفاوضات الفلسطينية– الإسرائيلية، وبعد دخول الحزب الائتلاف الحاكم برئاسة بنيامين نتنياهو، الأمر الذي أدى إلى ظهور معارضة شديدة آنذاك ضد رئيسه براك داخل حزبه، وتواصلت الحرب الداخلية طوال السنتين 2009 و2010 إلى حد وصولها إلى مرحلة القطيعة بين براك رئيس الحزب العائد وحزبه.

وتوالت الصراعات والخلافات داخل حزب العمل، وفي تاريخ 17/1/2011 أعلن براك انشقاقه وتأسيسه كتلة جديدة تحمل اسم عتسماؤوت، أي الاستقلال، وكانت هذه الخطوة بمثابة صدمة لخصومه داخل الحزب والحلبة السياسية الإسرائيلية.

عندما تولت شيلي يحيموفيتش رئاسة حزب العمل، قادت خطاباً شدّد على القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وذلك في محاولة لضرب اليمين في نقطة ضعفه الأساسية، لكن تركيز الحزب على الخطاب الاقتصادي أدى إلى عزوف كثير من قواعده الاجتماعية التقليدية عن التصويت، فهي تريد للحزب أن يكون بديلاً سياسياً من حزب الليكود، وليس فقط بديلاً اقتصادياً واجتماعياً منه، إذ تعتقد هذه القواعد أن تراجع الحزب السياسي في العقد الأخير كان نابعاً من غياب الطرح السياسي البديل من طرح اليمين،31 بينما تعتقد يحيموفيتش أن تغييب الموضوع السياسي سيجعل من حزب العمل البديل الاجتماعي– الاقتصادي من الليكود. وقد هاجمها الأديب الإسرائيلي عاموس عوز على هذا التوجه، إذ قال إنها «أسوأ من إيهود براك، فالأخير قال إنه لا يوجد شريك ولا حل، وهي تقول إنه لا توجد مشكلة.»32 وأدى تركيز يحيموفيتش على الخطاب الاقتصادي– الاجتماعي إلى تقربها من طرح اليمين السياسي، ومحاولتها مخاطبة قواعد يمينية من خلال القضايا الاجتماعية والاقتصادية.33

اعتقدت يحيموفيتش أنها تستطيع أن تكسر التحالف التاريخي بين الليكود وقواعده الاجتماعية الضعيفة اقتصادياً والمحافظة دينياً، والتي تصوت للحزب لأسباب تاريخية وسياسية. إلاّ إن يحيموفيتش لم تفهم أن هذا التحالف التاريخي لا يمكن كسره بسبب أزمة اقتصادية عابرة تمر بها إسرائيل، ولا سيما أن قضية الصراع العربي – الإسرائيلي لم تصل إلى نهايتها بعد. وأدت مغازلة يحيموفيتش لهذه القواعد إلى خسارتها قواعدها التقليدية، وفي الوقت نفسه أخفقت في جذب قواعد الليكود الضعيفة اقتصادياً، والتي تفضل التصويت لحركة شاس الدينية الشرقية، إذا أرادت تغليب العامل الاقتصادي–الاجتماعي في قرار تصويتها، وليس لحزب العمل الأشكنازي العلماني. وحصل حزب العمل على 15 مقعداً بزيادة ثلاثة مقاعد فقط عن سنة 2009، وأقل بثلاثة مقاعد عن انتخابات سنة 2006، بمعنى أن يحيموفيتش أخفقت في إعادة الحزب إلى دوره كحزب قادر على تأليف الحكومة، فقد جاءت في المرتبة الثالثة بعد الليكود وحزب يوجد مستقبل الصاعد.

اعتقد قادة حزب العمل أن الخطاب الاجتماعي– الاقتصادي النابع من التوجه الاشتراكي–الديمقراطي ودولة الرفاه، سيضرب نقطة الضعف الأساسية في سياسة حكومة نتنياهو، ولا سيما بعد الاحتجاج الاجتماعي الكبير للطبقة الوسطى في صيف سنة 2011. وهكذا، غيّب حزب العمل المسألة السياسية والصراع الفلسطيني– الإسرائيلي، والقضايا الأمنية لأن هذه القضايا، في اعتقاده، نقطة قوة نتنياهو في الشارع الإسرائيلي، لا بل إن يحيموفيتش تبنّت مواقف سياسية قريبة من اليمين، مثل قولها إن البناء الاستيطاني والاحتلال ليست لهما علاقة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب، كما يمكن الفصل بين قضية العدل الاجتماعي داخل الخط الأخضر وبين الاحتلال الإسرائيلي وراء الخط الأخضر.34 لا بل اعتبرت أن المستوطنات هي مناطق شرعية لأنها أُنشئت بقرارات حكومية رسمية، وأيدت إقامة جامعة في مستوطنة أريئيل، وفي أحد تصريحاتها للابتعاد عن الصبغة اليسارية لحزب العمل، صرحت أن حزب العمل لم يكن يوماً حزباً يسارياً، وإنما كان حزب المركز السياسي.35

حاولت يحيموفيتش من خلال التركيز على الخطاب الاقتصادي– الاجتماعي أن تستقطب الطبقات الوسطى الإسرائيلية، وأن تعيد القواعد الاجتماعية التقليدية إلى حزب العمل بعد أن ابتعدت عنه في العقد الأخير، وتراجعه الكبير في انتخابات سنة 2009، بحصول الحزب، برئاسة إيهود براك، على اثني عشر مقعداً. وبدت سياسة يحيموفيتش مجدية، فقد أعطت استطلاعات الرأي الحزب أكثر من عشرين مقعداً. وساهم انضمام جزء من قيادة حركة الاحتجاج الاجتماعي إلى صفوف الحزب، في تعزيز الثقة داخله بجدوى هذا الخطاب الذي يحاول أن يطرح بديلاً اجتماعياً واقتصادياً من حكومة نتنياهو، وأن يُغيب القضيتين السياسية والأمنية عن النقاش العام. لكن سرعان ما تبيّن أن نزوع الحزب إلى هذا الخطاب مع يحيموفيتش يُعتبر نقطة مهمة في تراجعه، وهو ما أدركه الرئيس المقبل له بعدها، يتسحاق هيرتسوغ، فأسس لتحالف سمي المعسكر الصهيوني لقناعته بأن الحزب وحده لا يستطيع إسقاط الليكود عن الحكم.

تكوّن المعسكر الصهيوني، عشية انتخابات سنة 2015، من تحالف بين حزب العمل برئاسة هيرتسوغ، وحركة هتنوعا (الحركة)، برئاسة تسيبي ليفني التي شغلت منصب وزيرة العدل في حكومة نتنياهو، وفصلها بسبب معارضتها طرح قانون القومية للتصويت في الكنيست بالصيغة التي أرادها الأخير (لم تكن معارضتها مبدئية للقانون بل للصيغة التي أرادها نتنياهو). وحصل حزب العمل في انتخابات سنة 2013 على خمسة عشر مقعداً، بينما حصلت الحركة على ستة مقاعد. فاختار الشريكان تسمية التحالف بينهما المعسكر الصهيوني، وذلك على خلفية اتهامات كالها الليكود لمرشحين في قائمة حزب العمل وصفهم بمعادين للصهيونية، أو يحملون توجهات «ما بعد صهيونية». وحمل هذا الرد بتسمية التحالف المعسكر الصهيوني، تأكيد صهيونية الحزب أمام محاولات احتكار الليكود واليمين للوطنية وامتلاك الصهيونية كأنهما المعبران الحقيقيان عنهما.

اعتمد طرفا المعسكر الصهيوني مبدأ المناوبة على رئاسة الحكومة، بين ليفني وهيرتسوغ، إلاّ إن ليفني تراجعت عن اتفاق المناوبة بسبب الانطباع الذي ساد أن الاتفاق يعوق تقدم المعسكر الصهيوني انتخابياً. فمنذ انطلاق الحملة الانتخابية لم يستطع التحالف تجاوز عدد المقاعد الذي توقعت له استطلاعات الرأي الحصول عليها وهي 24 مقعداً. وهو ما حصل عليها فعلياً في النتائج الحقيقية. وهكذا ركز المعسكر الصهيوني في خطابه الانتخابي على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ولم يطرح برنامجاً سياسياً بديلاً من خطاب الليكود إلاّ في طريقة العمل الدبلوماسية لا جوهرها، لكنه ظهر شبيهاً بالليكود في القضايا السياسية الجوهرية، مثل: عدم الانسحاب إلى حدود حزيران/يونيو 1967؛ إبقاء القدس موحدة؛ تبنّي موقف نتنياهو من موضوع الإرهاب والملف النووي الايراني، وبقي الاختلاف معه في النهج والطريقة فقط.36 وهو بذلك عاد إلى الخطأ نفسه الذي وقعت فيه رئيسة الحزب السابقة، فلم يهزم الليكود وبقي في المعارضة، لكنه على الأقل حسّن من مكانته كثاني أكبر حزب في المشهد الحزبي آنذاك.

عشية انتخابات آذار/مارس 2019، تم انتخاب رئيس جديد للحزب، آفي غباي الذي انشق عن حزب كلنا الذي كان في ائتلاف مع حكومة نتنياهو، احتجاجاً على ضم ليبرمان إلى الحكومة وزيراً للدفاع. وغباي ذو الأصول الشرقية لم يختلف في توجهه عمن سبقه، بل ساهم في إضعاف الحزب أكثر. فهو لم يدفع بالحزب إلى الأمام، وإنما تبنّى مواقف يمينية وخطاباً دينياً تقليدياً لجذب المصوتين الشرقيين التقليديين إلى حزب العمل معتمداً على خلفيته الشرقية المغربية، إلاّ إن خطابه الذي حاول في البداية التماهي مع خطاب اليمين، أدى إلى تراجع الحزب في استطلاعات الرأي. علاوة على ذلك، فقد فكّ غباي الشراكة مع حزب ليفني في إطار قائمة المعسكر الصهيوني التي حصلت على 24 مقعداً في انتخابات سنة 2015. وبسبب تراجع الحزب في استطلاعات الرأي استعمل خطاباً دعائياً جديداً ركز على أربع نقاط هي: العدالة الاجتماعية والاقتصادية؛ مخاطبة الشرقيين من خلال الادعاء أن الليكود يستهتر بهم؛ مهاجمة حزب أزرق أبيض بادعاء أنه حزب يميني، إذ إن الأخير ازدادت قوته على حساب حزب العمل، فحاول إرجاع ناخبيه من خلال الادعاء أن الحزب هو حزب يميني يتقنع بكونه حزب وسط، وأخيراً الوعد برفض الانضمام إلى حكومة يؤلفها نتنياهو.

حصل حزب العمل برئاسة غباي في انتخابات آذار/مارس 2019 على ستة مقاعد، النتيجة الأسوأ في تاريخه آنذاك، وهكذا يمكن الجزم أنه أنهى دوره كحزب سلطة أو بديل للحكم. وأشار المعلق الصحافي الإسرائيلي رفيف دروكر إلى أن رئيس حزب العمل الجديد، آفي غباي، ارتكب منذ توليه منصبه جميع الأخطاء الممكنة التي ساهمت في انهيار الحزب التاريخي الذي أسس دولة إسرائيل. فقد حاول تقليد الآخرين في التوجه إلى جمهور اليمين، وإظهار نفسه كإنسان محافظ، وتبنّيه بعض مقولات اليمين التي تتعلق بالحل النهائي، وانشغاله بالصراع داخل الحزب لتعزيز موقعه التنظيمي. وأكد دروكر أن محاولة غباي الظهور بقناع اليميني المحافظ، لم تسعفه ولم تجلب له أصواتاً حتى من الشرقيين الذين ينتمي إليهم.37

شهدت انتخابات سنة 2020 انهياراً كاملاً لحزب العمل، فقد أضر التحالف بين ميرتس والعمل– غيشر بالقوة الانتخابية لهذا التحالف. فقد حصل الحزبان في انتخابات أيلول/سبتمبر 2019 على 11 مقعداً (6 مقاعد للعمل– غيشر و5 مقاعد لميرتس)، بينما حصل التحالف في انتخابات آذار/مارس 2020 على 7 مقاعد، أي أنه خسر أربعة مقاعد. ويعود ذلك إلى أن التحالف ساهم في عزوف ناخبين للحزبين عن التصويت لهذا التحالف. فجزء من ناخبي ميرتس رفضوا هذا التحالف لأنه يشمل حزب غيشر الذي يعتبرونه حزباً يمينياً من جهة، ولا فائدة انتخابية منه كونه فشل في رفع تمثيل حزب العمل في الانتخابات السابقة من جهة أُخرى. علاوة على ذلك، اعترض قسم منهم على إقصاء الممثل العربي في هذا التحالف (عيساوي فريج) إلى المكان الحادي عشر الذي لم يكن مكاناً مضموناً حتى في الاستطلاعات المتفائلة التي كانت تعطي هذا التحالف في بداية الطريق 10 مقاعد، وفعلاً، انشقت ليفي– أبكسيس بداية عن هذا التحالف، ولم توصِ بغانتس لرئاسة الحكومة، ولاحقاً أعلنت تأييدها لبنيامين نتنياهو في تأليف الحكومة.

 

 الجدول 3
نتائج حزبي الليكود والعمل بين السنوات 1977–2020

 

العمل

الليكود

المجموع

­% من مقاعد الكنيست

1977

32

43

75

62,5

1981

47

48

95

79,1

1984

44

41

85

70,8

1988

39

40

79

65,8

1992

44

32

76

63,3

1996

34

32

66

55

1999

26

19

45

37,5

2003

19

38

57

47,5

2006*

19

12

31

25,8

2009

12

27

39

32,5

2013

15

31

46

38,3

2015

24

     

آذار/مارس 2019

6

     

أيلول/سبتمبر 2019

       

2020

3

35

38

31,6

ملاحظة: في السنة 1996 والسنة 1999 جرت الانتخابات للكنيست مع اتباع قانون الانتخابات المباشرة، ويلاحَظ تراجع الحزبين في هذه الفترة.

*ظهر حزب كبير جديد في الساحة السياسية الإسرائيلية وهو حزب كديما الذي أقامه أريئيل شارون عشية انتخابات الكنيست السابع عشر، وإذا أضفنا مقاعده إلى مقاعد الحزبين الكبيرين، فإن قوة الأحزاب الكبيرة تصل إلى 60 مقعداً.

 

ميرتس

حصلت حركة ميرتس، في انتخابات سنة 2015، على خمسة مقاعد، وتراجعت مقعداً واحداً مقارنة بانتخابات سنة 2013. وركزت الحركة على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وطرحت تصوراً سياسياً لحل الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي، لكنه لم يكن محوراً مركزياً في خطابها الانتخابي.

برنامج ميرتس

في المجال السياسي: تؤمن ميرتس بأن مصلحة دولة إسرائيل المركزية تكمن في إنهاء الاحتلال والتوصل إلى تسوية تقام في إطارها دولة فلسطينية، بجانب دولة إسرائيل. ويتوجب على إسرائيل تبنّي مبادرة جامعة الدول العربية التي دعت إلى المصالحة الشاملة بين العالم العربي وإسرائيل. وعلى حكومة إسرائيل أن تبادر إلى الإعلان، جهراً ومن دون شروط مسبقة، أنها متمسكة بالتسوية السياسية التي من شأنها وضع حد للنزاع في الشرق الأوسط، وأن التسوية ينبغي لها أن تقوم على إنهاء الاحتلال وعلى تقسيم البلد على أساس حدود سنة 1967، في إطار اتفاق سياسي بين الأطراف. وزيادة على ذلك، يجب اتخاذ إجراءات فورية لتجميد مشروع الاستيطان، لئلا تتحقق النبوءة بأن الأوضاع الناشئة في الواقع تحول دون إعادة العجلة إلى الوراء.

ويشكل الاحتلال خرقاً متواصلاً لحقوق الإنسان، منذ سنوات طويلة، وهو مخالف للقيم الأخلاقية. وليس في الإمكان تحقيق اتفاقية سلام وعلاقات ثنائية منصفة ودائمة طالما بقي الاحتلال قائماً.

في المجال الاقتصادي – الاجتماعي: تؤمن ميرتس بأن وظيفة الدولة هي إرساء مجتمع متساوٍ وعادل. وعملت حكومات إسرائيل الأخيرة، بوعي وقصد، بطريقة أدت إلى تقوية أصحاب رؤوس الأموال والمس بالطبقة الوسطى. وقد أصبحت إسرائيل اليوم دولة تعتبر الفجوة بين أغنيائها وفقرائها هي بين الأكبر في العالم الغربي. فقد اعتمدت حكومة اليمين سياسة رأسمالية شرسة أتاحت للأغنياء تكديس مزيد من الرساميل والقوة، على حساب الجمهور بصورة عامة.

تقترح ميرتس بديلاً اقتصادياً اشتراكياً ديمقراطياً، منصفاً، عادلاً وشفافاً. وتسعى لإرساء دولة رفاه تقدم خدمات اجتماعية واسعة، تحت إدارة ورقابة ناجعتين. وترغب الحركة في تعزيز العمل المنظم، وفي زيادة قوة العاملين وتقليص قوة أصحاب الرساميل وتأثيرهم. وتؤمن ميرتس بالسياسة المِكرو اقتصادية التي يتمثل هدفها الرئيسي والمعلن في إيجاد مجتمع متساوٍ.

 

الجدول 4
نتائج انتخابات الدورات الثلاث الأخيرة

القائمة

نيسان/أبريل 2019

أيلول/سبتمبر 2019

آذار/مارس 2020

الليكود

35

31

36

كحول لافان (أزرق أبيض)

35

33

33

حزب العمل

6

6 (بتحالف مع غيشر)

7 (تحالف العمل–غيشر– ميرتس)

ميرتس

4

5 (بتحالف مع إيهود براك)

كلنا

4

0 (انضم إلى حزب الليكود)

انتهى الحزب بدمجه في الليكود واعتزال مؤسسه موشيه كحلون

يهدوت هتوراه

8

8

7

شاس

8

9

9

يسرائيل بيتينو

5

8

7

أحزاب اليمين

5 (اتحاد أحزاب اليمين)

7 (يمينا)

6

القائمة المشتركة

10 (ضمن قائمتين)

13

15

المجموع

120

120

120

 

وستعمل ميرتس من أجل تغيير سياسة الضرائب، بما يؤدي إلى تقليص عدم المساواة في الاقتصاد، وإلى ثورة في سوق العمل، وإعادة مسؤولية الدولة عن الخدمات التي يفترض بها أن تقدمها، وإلى تغيير سلم الأولويات ووقف الاستثمارات غير المتلائمة في المستوطنات وفي ميزانية الأمن، وإلى اشتراط رصد الميزانيات للتعليم في الوسط الحريدي باعتماد منهاج تدريسي يشمل الموضوعات المركزية.

سادساً: الأحزاب الدينية

اندمج المتدينون في المشهد السياسي حتى قبل قيام دولة إسرائيل، من خلال مؤسسات المجتمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. ولم يقاطع التيار الديني الحريدي المشهد السياسي الإسرائيلي بعد إقامة دولة إسرائيل، وأدى اندماجه في المشهد السياسي إلى تطبيعه الواقع السياسي الإسرائيلي، لا على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى الثيولوجي– الديني أيضاً، معتبراً إسرائيل مكاناً طبيعياً ومقبولاً دينياً فيما يتعلق بالمحافظة على الهوية الدينية، لينتقل الصراع إلى فرض قيم وممارسات دينية على المجال العام داخل الدولة اليهودية.

يصف إيفي كوبيليفتش الأحزاب الدينية الإسرائيلية بأنها مرنة، أي أنها على استعداد للدخول في الائتلافات الحكومية مع الأحزاب المتعددة حتى العلمانية منها.38 ويعتقد دافيد نيومان أن تبعية الأحزاب الدينية ووضعها كشركاء للائتلاف الحكومي، مكّنها من الحصول على تأثير مهم في شأن التشريع الديني، وطبيعة الوضع الديني الذي يحكم القواعد السلوكية بين المواطنين المتدينين وغير المتدينين في إسرائيل،39 فهذه القواعد السلوكية تتعلق بالصراع، بين الحركات الدينية والعلمانية في تحديد الطابع العام للدولة.

وتحاول الأحزاب الدينية الحصول على بعض المنافع السياسية من خلال المشاركة في الانتخابات، وترتكز مطالبها على خصوصية التعليم الديني ودعمه مالياً، وتمويل المؤسسات الدينية المتعددة، وأحياناً تتمكن من الحصول على بعض الوزارات كالتعليم ووزارة الأديان، أو وزارات ذات طابع اجتماعي مثل الداخلية.40 وتحاول الأحزاب الدينية في كثير من الأحيان القيام بوظائف خارج الإطار الرسمي لها، أي تقوم بوظائف أكثر شمولية، وترتكز هذه الأعمال على توفير الدعم المالي للمدارس الدينية، وهذه الشمولية سببها أن بعض هذه الأحزاب وُجد قبل قيام الدولة، أي في فترة الييشوف. لكن مع إعلان قيام الدولة تراجع الدور الشمولي للأحزاب الدينية، واستبدلت المؤسسات الحكومية الأدوار الشمولية التي كانت تقوم بها الأحزاب الدينية. وعلى الرغم من هذا التراجع فإن دور هذه الأحزاب لم يختفِ بالكامل، إذ ظلت تقوم بتوفير بعض الخدمات لجمهورها.41

ازداد عدد أعضاء الأحزاب الدينية في الكنيست الإسرائيلي منذ منتصف التسعينيات، ففي انتخابات الكنيست السابع عشر (سنة 2006)، وصل عددهم إلى 34 عضو كنيست، وفي انتخابات الكنيست الثامن عشر بلغ 29 عضو كنيست (2009)، وفي انتخابات الكنيست التاسع عشر (2013) وصل إلى 40 عضو كنيست، أي بنسبة تصل إلى نحو 31­% من أعضاء الكنيست، وفي انتخابات الكنيست العشرين (2015) بلغ عددهم 27 عضو كنيست، وذلك نابع من تراجع تمثيل شاس والبيت اليهودي: أولاً بسبب الانشقاق الذي حدث في شاس وخسارة الطرف المنشق في الانتخابات وضياع أربعة مقاعد على الحركة، وثانياً بسبب سياسات الليكود التي جذبت مصوتين من القواعد الاجتماعية إلى حزب البيت اليهودي.

كذلك ازداد تمثيل المستوطنين (أبناء الصهيونية الدينية في الغالب) في الكنيست، فبينما كان هنالك عضو كنيست واحد من المستوطنات في سنة 1984، وصل تمثيلهم في الكنيست التاسع عشر (2013) إلى 11 عضو كنيست (6 من قائمة الليكود– بيتنا و5 من البيت اليهودي)، ووصل تمثيلهم في الكنيست العشرين (2015) إلى عشرة أعضاء كنيست، وهو تمثيل أكبر من نسبتهم بين السكان في إسرائيل. وزاد تمثيل الأحزاب الدينية في الكنيست الـحادي والعشرين (نيسان/أبريل 2019) إلى 21 مقعداً، فضلاً عن المتدينين القوميين في حزب الليكود. ويبيّن الجدول 5 أعلاه قوة الأحزاب الدينية الانتخابية، لكنه لا يعبّر عن قوة المتدينين الذين يوجدون في أحزاب غير دينية، ولا سيما في حزب الليكود. وفي انتخابات أيلول/سبتمبر 2019 حصلت الأحزاب الدينية على 24 مقعداً، وفي انتخابات 2020 حصلت على 22 مقعداً.

 

الجدول 5 
نتائج الأحزاب الدينية في انتخابات الكنيست

 

حركة شاس

يهدوت هتوراه*

المفدال/ الاتحاد الوطني– المفدال/ البيت اليهودي**

1992

6

4

6

1996

10

4

9

1999

17

5

5

2003

11

5

6

2006

12

6

9

2009

11

5

3

2013

11

7

12

2015

7

6

8

نيسان/أبريل 2019

8

8

5

أيلول/سبتمبر 2019

9

8

7

2020

9

7

6

* يهدوت هتوراه هي قائمة نتجت من توحيد حركتي التيار الديني الأرثوذكسي الأشكنازي ديغل هتوراه وأغودات يسرائيل، وخاضت الانتخابات لأول مرة سنة 1992 بهذا الاسم. قبل ذلك خاضت الحركتان المذكورتان الانتخابات بشكل مستقل. فقد خاضت أغودات يسرائيل الانتخابات منذ سنة 1951 حتى سنة 1988، بينما خاضت ديغل هتوراه الانتخابات مرة واحدة سنة 1988.

** منذ سنة 1959 حتى سنة 2003 خاض حزب المفدال، حزب الصهيونية الدينية، الانتخابات بصورة منفردة، وفي سنة 2006 خاض الانتخابات بتحالف مع حزب الاتحاد الوطني، ومنذ سنة 2009 يخوض الانتخابات ضمن تحالف سمي البيت اليهودي الذي يضم المفدال والاتحاد الوطني، وفي سنة 2019، خاضت أحزاب اليمين الديني الانتخابات ضمن قائمة اتحاد أحزاب اليمين.

 

البيت اليهودي

قامت أحزاب التيار الديني القومي واليمين المتطرف الاستيطاني في سعيها نحو تجديد حضور الصهيونية الدينية، بالتحالف في إطار حزب البيت اليهودي (هبايت هيهودي)، وانتخب أعضاء الحزب الجديد نفتالي بينت رئيساً له. أمّا بينت فبدأ حياته السياسية مديراً لديوان نتنياهو، ثم أصبح المدير العام لهيئة مجلس المستوطنات. ويُعتبر من الجيل الجديد في الصهيونية الدينية، فهو خريج فرقة النخبة العسكرية (متكال)، وهي إحدى الفرق القتالية التي أصبح أبناء الصهيونية الدينية أكبر حضوراً في صفوفها، فهؤلاء يمجدون القيم العسكرية والدولة تصل إلى مستوى قداستهم للدين.

جاء بينت بخطاب جديد لا يركز على قضية الصراع والمستوطنات، فهو شخصياً لا يسكن في المستوطنات، بل في إحدى المدن الغنية داخل الخط الأخضر (رعنانا)، وأصبح ثرياً نتيجة نجاحه في سوق الصناعات التكنولوجية. وأراد بينت أن يكون البيت اليهودي بيتاً لكل اليهود داخل الخط الأخضر وخارجه، فركز في خطابه على القيم اليهودية، والمساواة في توزيع العبء الاقتصادي والعسكري (تجنيد الجميع في الجيش أو في الخدمة المدنية)، وأدخل إلى قائمته مرشحة غير متدينة (أييلت شاكيد)، للتأثير في قطاعات اجتماعية جديدة في المجتمع الإسرائيلي، وسوّق نفسه كشخصية متدينة متنورة وعصرية. واعتبر الحزب أنه شريك طبيعي في الحكومة المقبلة التي سيقودها نتنياهو. وكان يهدف الحزب إلى مساعدة الليكود على تصفية المسألة الفلسطينية، والتركيز على القضايا الاجتماعية– الاقتصادية، ويعارض إقامة دولة فلسطينية، ويطالب بضم مناطق ج (التي تشكل 60­% من مساحة الضفة الغربية) إلى السيادة الإسرائيلية.42

ضم البيت اليهودي حزب المفدال وهو حزب الصهيونية الدينية وحزب الاتحاد الوطني، وحصل الحزبان على سبعة مقاعد في انتخابات سنة 2009، بينما حصل البيت اليهودي الجديد في انتخابات سنة 2013 على 12 مقعداً، أي أن التحالف الجديد نجح في تعزيز تمثيل الصهيونية الدينية بعد تراجعها وتفككها.

غير أن هذا النجاح لم يستمر، فقد تراجع البيت اليهودي في انتخابات سنة 2015 من 12 مقعداً إلى 8 مقاعد، وذلك بسبب انزياح قواعد انتخابية منه إلى الليكود، لضمان فوز الأخير وتأليفه الحكومة، في أعقاب حالة الخوف التي زرعها نتنياهو من صعود حكم اليسار والعرب معاً.

حركة شاس

أُسست حركة شاس (اتحاد السفارديم– الشرقيون – حراس التوراة) في بداية الثمانينيات، وهي حركة دينية أرثوذكسية يتزعمها رجال دين من أصول شرقية، وتقوم باستعمال مكثف لسياسات الهوية في صفوف اليهود الشرقيين، وتتوزع قواعدها على القواعد الدينية الأرثوذكسية الشرقية، وعلى القواعد الاجتماعية الضعيفة اقتصادياً من اليهود ذوي الأصول الشرقية. وعلى عكس حركة يهدوت هتوراه الأرثوذكسية الأشكنازية، فإن قواعدها الاجتماعية غير ثابتة، فهي تتنافس مع حزب الليكود في شأن القواعد الاجتماعية الشرقية الضعيفة، وتحاول مواجهة الليكود من خلال استعمال سياسات الهوية لتعزيز الهوية الشرقية لدى اليهود الشرقيين أمامه. ومرت الحركة بعملية صهينة كبيرة، فهي تصنف نفسها حركة يمينية في القضايا السياسية والأمنية، ومن الصعوبة الادعاء أنها حركة دينية أرثوذكسية غير صهيونية.43

عبّرت حركة شاس من خلال قيامها وتأسيسها عن عملية احتجاج على مؤسستين: الأولى، هي المؤسسة الدينية الأشكنازية المتمثلة في حركة أغودات يسرائيل، والمؤسسة الثانية هي المؤسسة السياسية– الاجتماعية الأشكنازية. ويعبّر اسم الحركة الذي يجمع بين الانتماء الطائفي (الشرقيون) والديني عن الأسس الاجتماعية– الدينية التي حاولت هذه الحركة الاستناد إليها عند قيامها.44 ويعتقد البروفسور شموئيل أيزنشتات أن شاس هي من نتاج البلد؛ أزرق أبيض (بمعنى أنها لم تُؤسس في الخارج، المنفى بالمفهوم الثيولوجي– السياسي، مثل الحريديم الأشكناز)، وتعرض برنامجها ضد جبهتين: ضد الهيمنة الدينية الأشكنازية من جهة، وضد البرنامج الثقافي اليوتوبي للصهيونية من جهة أُخرى.45

خطت حركة شاس الخطوة السياسية الأولى سنة 1983، عندما شاركت في الانتخابات المحلية لبلديات القدس، بني براك وطبرية. وقام أعضاؤها من طلاب المدارس الدينية بالتنافس والعمل في هذه الانتخابات التي شكلت الانطلاقة السياسية الأولى للحركة،46 وبعدها عمقت من مشاركتها في السياسة المحلية والقطرية على حد سواء.47 وهكذا تحولت حركة شاس إلى الحركة السياسية الشرقية الوحيدة التي استطاعت أن تبقى فاعلة في السياسة الإسرائيلية كل هذه الفترة، إذ ظهرت حركات شرقية كثيرة قبلها،إلاّ إنها اختفت ولم تستطع الاستمرار والبقاء والتطور كما كانت الحال لدى شاس.48

يعتقد الباحث الإسرائيلي يوآف بيلد من قسم العلوم السياسية في جامعة تل أبيب أن صعود حركة شاس كان له علاقة بما يسميه «تقسيم العمل الثقافي» في المجتمع الإسرائيلي.49 ويشير بيلد إلى أن المجموعة الشرقية بقيت مقارنة بالمجموعة الأشكنازية أقل تراتبية في التدرج الاقتصادي– الاجتماعي. كذلك تم النظر إليها والتعامل معها على أنها مجموعة ذات ثقافة دونية، وقد استغلت شاس هذا الأمر، وقامت بتفعيل سياسات هوية في صفوف الشرقيين، إذ يفسر بيلد صعود شاس السياسي بسبب أنها شكلت ردة فعل ضد الاستهتار بالتراث الثقافي الشرقي من جانب مؤسسات المجتمع الإسرائيلي.

أكثر من ذلك، اعتبر الباحثان سلطان طفه وروني باوم أن شاس تبنّت عملياً البرنامج السياسي لحزب الليكود، وذلك بهدف جذب اليهود الشرقيين إلى صفوفها، وقام الباحثان بتسمية حركة شاس «ليكود مع كيبا (قبعة الرأس الدينية لليهود).»50 وقبل اقتراب شاس سياسياً إلى برنامج الليكود، فقد مثلت اجتماعياً تلك الفئات المتضررة من اليهود الشرقيين التي خاب أملها من الليكود أيضاً جراء سياساته الاقتصادية الليبرالية، إذ أيد اليهود الشرقيون حزب الليكود، في أواخر السبعينيات والثمانينيات، لأنهم تضرروا اجتماعياً واقتصادياً من حزب العمل.51 ثم استمروا في تأييد الليكود بسبب مواقفه السياسية، وأقل بسبب مواقفه الاجتماعية– الاقتصادية.

تشير الأوضاع والتطورات التي مرت حركة شاس بها فيما يتعلق بخطابها السياسي والاجتماعي والثيولوجي، وبالنسبة إلى تجربتها التاريخية، إلى حضور جدلية الديني–الإثني– الطبقي في الحركة، فقد عبّرت عن خطاب ديني أكثر اعتدالاً من التيار الحريدي الأشكنازي ومؤسسته، سواء في التعامل مع الدولة أو مع الحركة الصهيونية، وسواء في التعامل مع التحولات المجتمعية الداخلية، كما تميز جمهور الحركة بميزته الإثنية كون مؤيديها هم في أغلبيتهم من اليهود الشرقيين، وواضح أن هنالك تقاطعاً مباشراً بين البعد الإثني والبعد الطبقي في القواعد السياسية للحركة.

في انتخابات الكنيست سنة 1988 حصلت الحركة على 6 مقاعد، وبذلك زادت تمثيلها بمقعدين قياساً بانتخابات سنة 1984. وفي انتخابات سنة 1992 حافظت الحركة على قوتها الانتخابية. وبدأ التحول في قوة شاس في انتخابات الكنيست سنة 1996، والتي جرت بحسب طريقة الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومة، إذ قام الناخب بالتصويت ببطاقتين، الأولى للبرلمان والثانية لرئاسة الحكومة. وقد ساهمت هذه الطريقة في تعزيز قوة الأحزاب الصغيرة والجهوية على حساب الحزبين الكبيرين اللذين ركزا في الانتخابات على رئاسة الحكومة، الأمر الذي مكّن الأحزاب الجهوية، ومنها حركة شاس، من التوجه مباشرة وبأسلوب أسهل إلى جمهور اليهود الشرقيين، للتصويت لها في انتخابات الكنيست، بينما ركز الليكود على التصويت على رئاسة الحكومة، وبهذه الطريقة استطاع اليهود الشرقيون إرضاء طرفين، حركة شاس من جهة التي عبّرت عن هويتهم الطائفية والاجتماعية، والليكود، من جهة أُخرى الذي عبّر عن مواقفهم السياسية.

وعززت شاس تمثيلها بصورة كبيرة جداً في انتخابات سنة 1999، التي جرت أيضاً بحسب طريقة البطاقتين بحصولها على 17 مقعداً، وفي هذه الانتخابات كثفت من سياسات الهوية في صفوف اليهود الشرقيين وذلك في أعقاب التحقيق والاتهامات التي طالت زعيم الحركة السياسي والكاريزمي أرييه درعي الذي حُكم عليه في سنة 1999 بأربع سنوات سجن بتهم فساد.

في انتخابات سنة 2003، تراجعت حركة شاس عن تمثيلها البرلماني من 17 مقعداً إلى 11 مقعداً، ويعود هذا التراجع إلى عوامل عديدة منها: إلغاء طريقة الانتخابات الجديدة والعودة إلى الطريقة القديمة (التصويت ببطاقة واحدة) وهو ما أدى إلى عودة قواعد يهودية شرقية واجتماعية أُخرى إلى حزب الليكود، ويمكن تفسير هذه العودة أيضاً من خلال العامل الثاني لتراجع الحركة، وهو أن الانتخابات أجريت في ذروة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، إذ كانت القضية الأمنية والسياسية (وليست الاجتماعية) هي القضية المركزية في معركة الانتخابات، فقد صوت اليهود الشرقيون بصورة عامة لحزب الليكود برئاسة أريئيل شارون لأسباب سياسية– أمنية.

في انتخابات الكنيست سنة 2006، حصلت الحركة على 12 مقعداً وتحولت إلى الحزب الثالث من حيث التمثيل البرلماني في إسرائيل. وفي انتخابات سنة 2009 حصلت شاس على 11 مقعداً وتحولت إلى الحزب الخامس من حيث التمثيل البرلماني في الكنيست (بعد كديما، والليكود، وإسرائيل بيتنا، وحزب العمل).

توقعت الحركة أن تعزز قوتها في انتخابات الكنيست التاسع عشر، وتزيد في تمثيلها في البرلمان، وذلك بسبب ثلاثة عوامل: الأول، الحضور القوي للقضية الاجتماعية–الاقتصادية في النقاش العام وتصنيفها كأولوية متقدمة بالنسبة إلى المجتمع الإسرائيلي على القضية السياسية– الأمنية؛ الثاني، وهو عامل مشتق من العامل الأول، أن الليكود، بسياساته الليبرالية، ظهر كمسؤول عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي اجتاحت قطاعات كبيرة من المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي سيسهل مهمة الحركة في اقتطاع جزء من قواعده الاجتماعية في الطبقات الدنيا، كما أن غياب القضية السياسية والأمنية ستجعل الخيار في صفوف اليهود الشرقيين بين حركة شاس الاجتماعية وحزب الليكود غير الاجتماعي، فقد فضّل كثيرون من اليهود الشرقيين التصويت لليكود على الرغم من سياساته الاقتصادية الليبرالية بسبب مواقفه السياسية والأمنية وفضلوه على شاس، لكن بغياب هذا الموضوع فإن الموضوع الاقتصادي سيكون الحكم في قرار التصويت في هذه القواعد. أمّا العامل الثالث فهو عودة الزعيم السياسي التاريخي للحركة، أرييه درعي، إلى صفوف الحزب بعد أن أمضى فترة في السجن بشأن قضايا فساد مالي، والتي وُصفت بأنها ملاحقة سياسية له بسبب انتمائه الشرقي.

وحصلت شاس في انتخابات سنة 2015 على سبعة مقاعد، إذ سجلت تراجعاً كبيراً عن الانتخابات السابقة، فقد حصلت على أحد عشر مقعداً، وذلك بسبب الانشقاق الذي ضرب الحركة، بعد وفاة زعيمها الروحي ومؤسسها عوفاديا يوسيف، وانشق عنها رئيس الحركة السابق إيلي يشاي وأسس حركة جديدة. وتأتي قواعد الحركة من اليهود الشرقيين المحافظين، وخصوصاً في مدن التطوير الفقيرة، ومن الشرقيين الأرثوذكس. وتظهر النتائج على مستوى الشريحة الأولى أن مصوتين من اليهود الشرقيين المحافظين انتقلوا أو عادوا إلى حزب الليكود، إذ ازدادت قوة الأخير في هذه المواقع في مقابل تراجع حركة شاس. وعلى عكس يهدوت هتوراه مرت الحركة بصهينة كبيرة لأسباب كثيرة أهمها مواقف قواعدها الشرقية ذات التوجهات اليمينية التي تصوت للحركة لأسباب تتعلق بتشديدها على الهوية الثقافية الخاصة للشرقيين، ولتمايزها الديني من الأرثوذكسية الاشكنازية. وحاول رئيس الحركة الحالي أرييه درعي جذب هذه القواعد إلى الحركة من خلال طرح رؤى سياسية يمينية ودعمه المسبق لنتنياهو رئيساً للحكومة.

«هل تملك حركة شاس برنامجاً؟ هل هي بحاجة إلى برنامج، أصلاً؟» هكذا تكتب هذه الحركة متسائلة على موقعها على الشبكة، ثم تجيب: «أسس شاس ومبادئها الحقيقية تستند، كلها، إلى كتاب الكتب، التوراة، وإلى توجيهات وتعليمات كبير الجيل، الفذّ الحاخام عوفاديا يوسيف.» ثم تزيد الحركة في التوضيح فتقول: «تعيش شاس برنامجها، تتنفسه وتعمل بموجبه بينما تعرض أي مسألة تواجهها، أي مشكلة أو قرار للحسم، سواء على الصعيد الوطني، الاجتماعي أو الديني، على الحاخام يوسيف فتفعل (الحركة) ما يأمر به»! ومن هنا، فإن «شاس تكتفي بنشر وثيقة تفصل مبادئها على الصعيد الوطني، الاقتصادي، الاجتماعي والديني، وثيقة تسعى لتحقيقها وتطمح إلى نقلها إلى مواطني إسرائيل.»

المبادئ السياسية

– تؤمن حركة شاس بوجود دولة إسرائيل بصفتها دولة الشعب اليهودي، التي تقوم على قيم الديمقراطية، طبقاً للتوراة.
– تطمح حركة شاس إلى تجميع جميع مشتتي شعب إسرائيل من مواقع الشتات كافة، سعياً لبناء بيت يهودي في دولة يهودية كبيرة وقوية، على كامل مناطق أرض إسرائيل.

سياسة السلام

– تنادي شاس بالتسامح في العلاقات بين جميع فئات المجتمع في إسرائيل. وتعتقد أن السلام يبدأ في داخلنا، بأخوة المجموعات المتعددة في المجتمع، بالمساواة، وباحترام حقوق أبناء مجموعات دينية أُخرى.
– تدعو الحركة وتتطلع إلى العيش بسلام وبأمن مع جاراتنا من الدول العربية، وفق ترتيبات أمنية تهدف إلى حماية أي روح في إسرائيل.
– يجب عدم القبول بتسوية تقوم على إملاءات دول أُخرى، أو على مقامرة بمستقبل الشعب في إسرائيل.
– القدس ليست موضوعاً للمساومة أو للتقسيم.

الاقتصاد

– تعززت في إسرائيل، خلال السنوات الأخيرة، أيديولوجيا اقتصادية محافظة تتبنّى وتقدّس قيم العولمة، والمنافسة الحرة، وخصخصة مؤسسات الرفاه والخدمات، وتقليص تدخل الحكومة في الاقتصاد. وتؤمن حركة شاس بأن هذه القيم تهدد طابع الدولة وتمس بمنظومة القيم اليهودية العامة، مثل: المساواة، والعدل، والعطف والتكافل. ولذا، ستسعى شاس لدفع الموضوعات التالية:

1. توزيع عادل لرأس المال، الموارد الوطنية والفرص التشغيلية بين مختلف القطاعات السكانية.

2. ترميم مخصصات الأولاد وإصلاحها.

3. تحويل هدف ضمان العمل، وهدف تقليص الفقر إلى سياسة حكومية.

4. إيجاد شبكة أمان لتوفيرات التقاعد في الدولة.

5. تعديل قانون مدخرات التقاعد الإلزامي، بما يضمن حياة كريمة للمتقاعدين من دائرة العمل.

6. زيادة التوظيفات في البنى التحتية القومية باعتبارها رافعة لدفع عجلات الاقتصاد وزيادة مستويات النمو الاقتصادي.

7. زيادة المحفزات الضريبية للعاملين الذين يتقاضون رواتب تقل عن متوسط الأجور في جميع مناطق البلد.

8. تقليص جدي في عدد العمال الأجانب، واعتماد سياسة «السماء المقفلة» والدفاع عن حقوق العاملين بموجب تصاريح.

يهدوت هتوراه

حركة يهدوت هتوراه هي حركة دينية أرثوذكسية غير صهيونية تحظى بدعم من القواعد الدينية الأرثوذكسية الأشكنازية، وتتميز قواعدها الاجتماعية بالثبات، وهو ما ينعكس على استقرار نسبة تأييدها في الانتخابات، إذ تصوت هذه القواعد للحركة لاعتبارات دينية مجردة، وهي قواعد يزداد ثقلها الانتخابي بسبب الزيادة السكانية الطبيعية في صفوفها. وتتركز قواعدها في التجمعات الدينية الأرثوذكسية ذات الطابع الأشكنازي، مثل مدينتي القدس وبني براك، حيث تحصل الحركة هناك على أكبر نسبة تأييد نظراً إلى الطابع الديني الأرثوذكسي للمدينتين. وقد مرت الحركة بعملية صهينة ضعيفة مقارنة بحركة شاس الدينية الشرقية.

تطرح الحركة أجندات اجتماعية اقتصادية، وتركز خلال دورات الانتخابات المتعددة على موضوع الهوية اليهودية، واستحضار الدين في المجال العام، ومحاولة الالتزام بتعاليم الشريعة اليهودية أيام السبت. وتُعتبر أقل الحركات الدينية صهينة، فجمهورها لا يزال ملتزماً بتأويلات اليهودية الأرثوذكسية عن الصهيونية، وإن مرت بتحولات خلال العقود التي أعقبت تأسيس إسرائيل.

ومثلما سبقت الإشارة، هي قائمة تشكلت من اندماج حركتين أساسيتين بين اليهود الحريديم الغربيين (الأشكناز)، هما: أغودات يسرائيل وديغل هتوراه، اللتان تنشطان، أساساً، في مجالات التعليم الديني، والإسكان، وخدمات الرفاه، ومنع التجند للخدمة العسكرية بدواعٍ دينية، كما تسعى لـ «المحافظة على الطابع اليهودي – الديني لدولة إسرائيل.»

وتستند مواقفها في القضايا السياسية والدنيوية الأُخرى إلى الشريعة اليهودية، وتعتبر نفسها «معادية للصهيونية». وخلافاً للأحزاب غير الحريدية فهي لا تشتق مواقفها من التزام مسبق بمواقف «حمائمية» أو «صقرية»، على الرغم من أن ممارساتها السياسية تميزت، على مدى وجودها البرلماني، بالتشدد اليميني في الغالب، الذي تجسد، مثلاً، في معارضة اتفاق أوسلو ومعارضة «خطة الانفصال» عن قطاع غزة وفي مناوأتها الأحزاب «اليسارية» التي تعتبرها «علمانية أيديولوجياً».

 

المصادر:

1 أساف شابيرا، «أحزاب الوسط الموسمية» (القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 31 / 1 / 2019)، انظر الرابط؛ هيلل بن ساسون، «ترغبون في إضعاف المتطرفين؟ كُفّوا عن انتخاب أحزاب الوسط»، فصل من كتاب بعنوان: «نحو اليمين، نحو اليسار فصاعداً»، سيصدر قريباً. انظر الرابط.

2 مهند مصطفى، «الاستراتيجية الإسرائيلية التفاوضية، 2009–2012: نصف تسوية ونصف مصالحة»، «المجلة العربية للعلوم السياسية»، العدد 38 (2013)، ص 147–163.

3 تسفي تسيكي أفيسار، «شارون: خمس سنوات من كديما» (القدس: لا ناشر، 2011)، ص 10 (بالعبرية).

4 آشير أريان وآخرون، «كديما في جهاز حزبي هشّ»، في: آشير أريان وميخال شمير (محرران)، «الانتخابات في إسرائيل، 2006» (القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2008)، ص 25–61
(ص 36) (بالعبرية).

5 عن ظاهرة أحزاب الوسط في الخريطة السياسية الإسرائيلية بصورة عامة، وحزب شينوي بصورة خاصة، انظر: مهند مصطفى، «انتخابات 2006: انهيار حركة شينوي»، «مجلة قضايا إسرائيلية»،
العدد 22 (2006)، ص 54–61.

6 انظر موقع الحزب.

7 http://yeshatid.org.il/programmes/national

8 http://yeshatid.org.il/programmes/national/main

9 أريئيلا شدمي، يائير بينت، «هآرتس»، 25 / 1 / 2013، ص 23.

10 انظر: البرنامج الاقتصادي– الاجتماعي لحزب يوجد مستقبل على رابط الحزب التالي:

http://yeshatid.org.il/programmes/economy

11 هنيدة غانم (محرر)، «تقرير مدار الاستراتيجي، 2015: المشهد السياسي والحزبي الداخلي» (رام الله: مدار، 2016)، ص 71.

12 المصدر نفسه، ص 70

13 Ido Ben Porat, «Yesh Atid MK: We’ll Prefer Herzog Over Netanyahu,» «Arutz Sheva», 9 February 2015, Retrieved 23 May 2018.

14 Joshua Mitnick, «Israel Elections 101: How Fractures on Political Right could Hurt Netanyahu,» The Christian Science Monitor, 9 January 2015, Retrieved 27 May 2018.

15 مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، «وفا»، «الانتخابات الإسرائيلية، 2015 (لمحة عامة)»، استُرجع بتاريخ 22 / 5 / 2018.

16 انظر الموقع الرسمي لحزب كلنا باللغة الإنكليزية.

17 انظر برنامج أزرق أبيض على موقع حزب يوجد مستقبل، (بالعبرية).

18 رافيت هيخت، «لا يوجد لكحول لافان ما يبحث في المعارضة»، «هآرتس»، 19 / 4 / 2019، ص 2.

19 انظر الرابط.

20 المصدر نفسه.

21 وردت هذه المعطيات في الموقع الرسمي لمجلس المستوطنات (ييشع)، انظر الرابط.

22 بنيامين نويبرغر، «الأحزاب في إسرائيل» (تل أبيب: الجامعة المفتوحة، 1997)، ص 112 (بالعبرية).

23 أحمد خليفة، «الأحزاب السياسية»، في: كميل منصور (محرر)، «دليل إسرائيل العام، 2011» (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2011)، ص 204.

24 هنيدة غانم، «إسرائيل الثالثة: التحول نحو الدولة الدينية الاستيطانية، ملحق المشهد الإسرائيلي» (رام الله: مدار، 2015).

25 ينير يغنا، «ليبرمان: الاستطلاعات لا تعكس الواقع سنحصل على أربعين مقعداً»، «هآرتس»، 19 / 1 / 2013.

26 انظر على سبيل المثال، استطلاع صحيفة «هآرتس» قبل الانتخابات، «هآرتس»، 18 / 1 / 2013، ص 1–3.

27 تمار هوروفيتس، «ازدياد القوة السياسية لمهاجري الاتحاد السوفياتي السابق في إسرائيل: من مواطنة سلبية إلى مواطنة فاعلة»، في: موشيه ليسك وإليعيزر ليشم (محرران)، «من روسيا إلى إسرائيل: هوية وثقافة في حالة انتقال» (تل أبيب: هكيبوتس همئوحاد، 2001)، ص 100–123.

28 ألكس تانصر، «الروس المنسيون»، «هآرتس»، 26 / 2 / 2013، ص 15.

29 المصدر نفسه.

30 فلورا دفيدوفيتش، «معطيات ديموغرافية عن السكان في إسرائيل: عرض لأبحاث» (القدس: مركز البحث والمعلومات التابع للكنيست، 2011)، ص 8 (بالعبرية).

31 غولان لاهط، «الإغراء المسياني: صعود اليسار الإسرائيلي وسقوطه» (تل أبيب: عام عوفيد، 2004)، ص 13 (بالعبرية).

32 يوسي فيرتر، «عاموس عوز: (يحيموفيتش أسوأ من براك– هو قال لا يوجد حل، هي تقول لا توجد مشكلة)»، «هآرتس»، 11 / 1 / 2013، ص 6.

33 غدعون ليفي وأليكس ليبك، «شيلي يحيموفيتش كممثلة لحزب يسبح مع التيّار»، «هآرتس»، 21 / 12 / 2012، ص 13.

34 عوزي باروخ، «يحيموفيتش: لا أرى في المستوطنات خطيئة وجريمة»، انظر الرابط.

35 يهونتان ليس، «يحيموفيتش: إن وصف حزب العمل كحزب يساري ظلم تاريخي»، «هآرتس»، 8 / 11 / 2012، ص 1.

36 انظر: موقع المعسكر الصهيوني باللغة الإنكليزية على الرابط.

37 رفيف دروكر، «أنزلوا القناع»، «هآرتس»، 22 / 4 / 2019، ص 2.

38 Ezra Kopelowitz, «Religious Politics and Israel’s Ethnic Democracy,» Israel Studies, vol. 6, no. 3 (2001), pp. 166-190 (p. 167).

39 David Newman, «Voting Patterns and the Religious Parties in Israel,» Contemporary Jewry, vol. 10, no. 2 (1989), pp. 65–80 (pp. 67-70).

40 Ibid., p. 169.

41 Martin Edelman, «The Judicialization of Politics in Israel,» International Political Science Review / Revue internationale de science politique, vol. 15, no. 2 (1994),
pp. 177–186 (pp. 177-180).

42 انظر برنامج الحزب السياسي، تحت عنوان «خطة التهدئة»، في موقع الحزب.

43 مهند مصطفى، «تسييس الأحزاب الحريدية وصهينتها: حالة حركة شاس الدينية»، «مجلة قضايا إسرائيلية»، العدد 39–40 (2010)، ص 112– 121.

44 للاستزادة عن قيام حركة شاس وتأسيسها، انظر: ريكي تسلر، «شاس والثورة الدينية» (القدس: كيتر، 2003)؛ نبيه بشير، «جدلية الديني السياسي في إسرائيل: حركة شاس كحالة دراسية» (رام الله: مركز مدار، 2006).

45 «تقرير مدار الاستراتيجي 2005: المشهد الإسرائيلي في العام 2004»، ص 82.

46 باروخ كيمرلينغ، «مهاجرون، مستوطنون، أصليون: الدولة والمجتمع في إسرائيل: بين تعددية الثقافات وحرب الثقافات» (تل أبيب: عام عوفيد، 2004)، ص 304–305 (بالعبرية).

47 للتعمق بشأن صعود شاس في السياسة المحلية والحكم المحلي، انظر: أفنير هوروفيتس، «انتخابات السلطات المحلية 1998 كمرحلة في مأسسة حركة شاس»، في: أبراهام بريختا وعامي بدهتسور (محرران)، «انتخابات السلطات المحلية في إسرائيل، 1998» (تل أبيب: جامعة تل أبيب، 2001)، ص 101–118 (بالعبرية).

48 كيمرلينغ، مصدر سبق ذكره، ص 305.

49 يوآف بيلد، «النجاح الانتخابي المستمر لحركة شاس: تحليل بحسب نموذج تقسيم العمل الثقافي»، في: آشير أريان وميخال شمير (محرران)، «الانتخابات في إسرائيل، 1999» (القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2001)، ص 141–142 (بالعبرية)؛ إليعيزر ربيسكي، «شاس: نظرات فكرية وثقافية» (تل أبيب: عام عوفيد، 2006) (بالعبرية).

50 سلطان طفه وروني باوم، «شاس– ليكود مع كيبا؟ بحث مقارن عن صيرورات التغيير في الأحزاب الدينية في إسرائيل وتركيا»، في: آشير أريان وميخال شمير (محرران)، «الانتخابات في إسرائيل، 2006» (القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2008)، ص 95 (بالعبرية).

51 بشير، مصدر سبق ذكره، ص 195.

Read more