التي رحلت دونَ وداع..
Date:
20 juin 2024

عمّتي فاطمة، رحلت هناك في شمال غزة، دون وداعٍ أخير، ودون قبلةٍ أخيرة.

عمّتي الجميلة، ولدت في نكبة، ورحلت في نكبة. كان ميلادها عام 1948، في زمن الحرب والاحتلال. لا يُعرف تاريخٌ محدد لذلك، فقد سُجّل في بطاقات الهوية لكل الذين وُلدوا في عام النكبة أن ميلادهم كان في الأول من يناير. لكن المعروف أن زمنها لم يكن أفضل من زمننا، فهي التي حملتها أمها طفلة رضيعة وهربت بها من القذائف، كما حملها إخوتي في زمننا هذا هرباً من الصواريخ والاجتياحات البرية.

 

محمد صالح خليل، سلسلة احتضار #1، 2024. موادّ مختلطة على قماش، 100x 80 سم

 

لا أعرف عن حياتها الكثير المرتّب والمتسلسل، عدا بعض التفاصيل التي كانت تلقيها على مسمعي في عدة أوقات وفي لحظات ما من الذكريات، حين تقرر ذاكرتها ذلك، فأولئك الذين جرحهم الزمن، من الصعب سؤالهم عنه.

قضيت أوقاتاً كثيرة معها؛ فقد كانت جزءاً مهماً من طفولتي. في البيت الأرضي الكبير المؤسَّس من الزينكو في مخيم الشاطئ، حيث الغرف المتلاصقة والساحة الكبيرة في وسطها، بدأت ذكرياتي معها؛ عندما تتجه أمي لمساعدة أبي في عمله في مطبعتنا القديمة التي دمّرها الاحتلال، كنت أبقى معها، مع عمّتي فاطمة. أول ما تقوم به سلق البيض لي، وإعداد كوب من الحليب، ثم تبقى معي حتى آكلها وأشربها كلها.

لم يكن لها ولد ولا زوج. لذلك كان بعض الأطفال هم الأقرب إليها والأحب، وكل الأطفال هم أبناؤها.

امرأة مكافحة، تخرج لتأكل من عرق جبينها، كما يقال، على الرغم من أن كل شيء كان متوفراً لها، من أبي، شقيقها الأصغر الذي كانت غاضبة عليه طوال الوقت.

قضت أعواماً في السعودية، تعمل في سلك التعليم معلمة للتربية الإسلامية وتارة للغة العربية، وقد باتت مهووسة عبر الزمن بتاريخ المسلمين، بانتصاراتهم وغزواتهم، وشخصياتهم الكبيرة والتاريخية، حتى انتظرت النصر، ولم تنله، فماتت قبل أن يأتي.

تحب محمد الفاتح، وصلاح الدين الأيوبي. تنتظر مني أن آتي بطفل لأسميه بأحد الاسمين، إمّا ليكون مثل فاتح القسطنطينية ليفتح القدس، أو مثل الأيوبي ليقوم بالأمر نفسه، وليخلّصنا من هذا الاحتلال.

تحب المقاومة، وتتغنّى بها دوماً، تخرج في مسيراتها، وتغني لانتصارها، وتمدحها. تكره الاحتلال، ولم تكن تعلم، لا هي ولا نحن، أنها ستغادرنا في زمنٍ أصعب من الاحتلال.

تتابع الأخبار طوال الوقت عبر جهاز تلفزيون قديم، وإلى جانبها قبل النوم تشغّل راديو صغيراً رديئاً، صوته أعلى من صوت راديوهات الهواتف الحديثة، يصل مداه إلى طوابق عليا. لطالما استيقظتُ من نومي ذاهباً إليها كي أخفف صوت الراديو، الذي بات يصلني في الأعلى، لأقول لها إن الصوت عالٍ جداً، فلا ترد، وتستمر في مهماتها الصباحية المتمثلة في إعداد الطعام السريع وكوب الشاي، قبل إتمام الاستماع إلى الأخبار، ثم الانتقال إلى جلستها المعتادة على كرسي قديم مقابل للتلفاز.

بنى أبي لها بيتاً صغيراً في طابقٍ تحت بيتنا.

بهذا الشكل كانت ترافقنا طوال حياتنا، وباتت جزءاً من عائلتنا الكبيرة. كانت أول مَنْ نزوره في الأعياد، قبل الانطلاق إلى جولة العيد العائلية. ينطلق فوج العائلة إليها، من كبيرها المتمثل في أبي، إلى أصغر صغارها، آخر الأطفال المولودين في ذلك العيد، نصل إليها، هناك نحظى بقبلتيْن على الخدّ وكلمة منها، تفوح معها رائحة الذكريات والسخرية من موقفٍ قديم، فهي التي تحفظ كل ذكرياتنا بجيدها وسيئها.

اعتادت لسنوات العمل في بيع الملابس في السوق، فهي لا تحب الجلوس ولا البقاء وحيدة. حاولت التغلّب على الزمن بالخروج والانطلاق كل نهار، تتعب وتعمل، تكافح من أجل عيشها.

في كل مرة عندما تعود، عوّدتنا أن تأتي لنا، نحن أبناء أخيها، بالحاجيات والحلويات والطعام.

ظلّت في ذاكرتنا صاحبة مخزن من الشوكولاتة والطعام والسكاكر والحلوى، في كل مرة نحتاج فيها إلى شيء طيّب، نذهب إليها. كانت هذه طفولتنا، تعطينا نصف شيكل لنشتري، أو تعطينا حبة شوكولاتة، أو حبة من حلوى "الجيلي" اللذيذة. تتقرّب منا بذلك، ونحبها أكثر لذلك.

بقيت هذه الطريقة، طريقتها حتى عندما بتنا كباراً. شارفتُ على عقدي الرابع من العمر، وبقيت هي كذلك، تناديني عندما أغيب عنها، لأجدها خبأت لي "إشي زاكي" كما تقول، وكعادتها، تقول "ما تحكي لحد، خبّيها". لكنها لاحقاً أصبحت في كل مرة تضع لي ثلاث حبات من كل شيء، واحدة لي، وواحدة لزوجتي، وواحدة لابنتي سلوان.

نعم، أصبح عندي طفلة، وهي لا تزال تعاملني كطفل.

هكذا عرفتُ أن الإنسان يحب أن يعامَل كطفل طويلاً، كي يبقى مع الذكريات التي يحن إليها. أحياناً نريد أن نبقى كذلك في جانب من الحياة، وهكذا كانت عمتي، هي المدخل إلى ذكريات الطفولة، وهي الوحيدة التي تعاملني في جانب ما كطفل، باهتمامها ودلالها اللذين لم ينقطعا.

أورثت هذه العادة الجميلة إلى أطفالنا؛ بات أولاد إخوتي وأخواتي يذهبون إليها، كما كنا نذهب نحن، كي يأخذوا منها الحاجيات والحلويات والسكاكر.

لا أعرف زوجها ولا شيئاً عن حياتها الشخصية كثيراً. يقولون إنها كانت متزوجة وتطلّقت فيما بعد، لم يكن لها ولد ولا طفل.

عاشت حياتها وحيدة في بيتها، نرافقها نحن في الاطمئنان عليها، وفي إعداد الطعام لها، وتلبية طلباتها ورغباتها، لكن كل ذلك لا يكون جيداً، حين تكون كبيراً في السنّ. في هذه الأوقات عرفتُ معنى أن يكون لك رفيق للأيام، أو ابنٌ يعينكَ على صعوبتها. عانت كثيراً في أيامها الأخيرة؛ في العام الماضي أخذنا دوراً في خدمتها كل صباح، في نقلها إلى الحمام، وفي تنظيفها، ومساعدتها في إعداد الإفطار، وتلبية طلباتها، قبل أن تأتي الحرب.

في الحرب لم تستوعب شيئاً، ولم تصدّق شيئاً، باتت في أيامها الأخيرة ما قبل هذه النكبة الجديدة، تنسى كثيراً.

تسأل كثيراً عن أشياء لا تتذكّرها، وعن أشخاص وتفاصيل، تعيد تكرارها. يتطلّب الأمر منّا جهداً وإرهاقاً أكبر في التوضيح.

أغيب عنها لأيام، في الأشهر الأخيرة، أعود من عملي آخر النهار متعباً ولا أجد الوقت للاستماع إلى تفاصيل مرهقة ومتعبة منها، وأسئلة عن التاريخ والعمل والحياة وابنتي الصغيرة التي تكرر السؤال عن عمرها في كل مرة. بعد أيامٍ من الغياب تتصل بي، أو بزوجتي، وتسأل عني وتقول لي "تعال بدي ياك في شغلة"، وفي مرة أُخرى ترسل أحد الصغار إلى بيتي، أو تطلب من أشقائي ذلك.

أذهب إليها، أعرف ما في جعبتها، بعض الكعكات والشوكولاتة، وأشياء الصغار، أذهب إليها فرحاً، ومتعباً، عارفاً خيبتها مني ومن غيابي الطويل، وأتجهّز لساعة كاملة من العتب والسؤال والهدهدة، ومن الأسئلة الغريبة عن الوضع والسياسة والشارع. أعود بعد أن أتأكد من أنها سعيدة، وليست حزينة ولا تحمل عتباً. أحمل بعض الحاجات، وأعِدها بزيارة أُخرى.

في الحرب، نزحنا أول مرة، كانت معنا، ولم تكن تستوعب ما يحدث. تسألني عن الوضع، عن مكاننا الذي أوينا إليه هرباً من القصف، أرد عليها، وأطلب منها أن تكون أفضل، وأن تسمع كلام الآخرين، وأن تخفف عبئها قليلاً، فعبء الحرب أكبر. بعدها نزحت إلى الجنوب، من دون أن أستطيع مكالمتها طوال هذه الأشهر. أسأل عن حالها، وعن صحتها، وتفاصيلها، وعن تعبها الذي أعرف فيه، وأنا لا أعرف؛ هل لا زالت تذكرني في زحمة التفاصيل من نزوح وهرب وقصف وغياب، أم غيّب الألم ذكراي عنها.

أبكي شوقاً إليها، كما بكيت في اليوم الأول لوفاتها، أحزن كلما فكّرت فيها، تفر دمعتي من العين إلى الخدّ، كما تفر الذكرى من العقل إلى القلب.

دفنوها هناك، قرب البيت، حيث لا أستطيع العودة. دفنوها من دون أن أستطيع وداعها، ولا أخذ قبلة صغيرة على خدّها، كما اعتادت في كل الأعياد. جاء العيد وأنا بعيد، ثم سيأتي آخر، في ذلك لم أكن موجوداً، وفي القادم بعد أيام لن تكون هي.

الآن سيزيد شوقي إلى العودة إلى البيت شوقيْن؟

شوق إلى رؤية البيت والراحة فيه، وشوق آخر، كي أراها.

الأول كنت أتأمل إدراكه، لكن أملي انتهى، والثاني كنت أنتظر إدراكها، لكن انتظاري الآن انتهى نهاية أبدية، فأنا أعرف أنني سأعود يوماً -إن عدت-، كي أتأمل باب بيتها، وفراشها، وكرسيها المفضّل، من دون أن أجدها. لن أسمع نداءها بعد الآن، ولا ألمها وهي تبحث عنّا كي نساعدها على الجلوس أو الذهاب لأداء حاجة، لن أسمع صوتها وهي تنادي في الهاتف من دون أن تسمعني بوضوح، ولن أراها من جديد، ولن أعاملها كطفلة، كما عاملتني كطفلٍ طويلاً، فهي لم تعد هناك.

دُفنت في تراب غزة الذي لم تطأه قدماي منذ سبعة أشهر، بعددٍ قليل من إخوتي وأبناء العائلة؛ قبّلوها، صلّوا عليها، وودّعوها. كان وجهها ندياً طيباً هادئاً، كما لم يره أحدٌ من قبل، لكني لم أره، ولم أحظَ بتقبيلها ولا احتضانها للمرة الأخيرة.

ولن يحدث ذلك.

ستبقى عمتي فاطمة آخر ما تبقى من زمن فلسطين.

وآخر ما تبقى من زمن آخر بالنسبة إليّ.. رحلت ورحل الزمن، كما رحل زمننا أيضاً. إليها وإلى روحها السلام والرحمة.