تطورات الحرب على غزة والمواجهات على الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية
Date:
20 novembre 2023
Auteur: 
Thématique: 

منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر، شهدت الجبهة بين لبنان وإسرائيل هجمات واشتباكات بين حزب الله والفصائل الفلسطينية في لبنان، من جهة، وبين الجيش الإسرائيلي من جهة ثانية.  وكانت هذه الهجمات تشتد وتتراجع حدتها، وفقاً لتطورات الحرب في غزة. الآن، بعد مرور أكثر من 44 يوماً على هذه الحرب، ومع تقدُّم القوات الإسرائيلية في شمالي القطاع واقتحامها المستشفيات هناك، يُطرح السؤال: كيف يمكن أن تؤثر هذه التطورات العسكرية في الوضع المتفجر على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية؟ وما هي الرؤية الإسرائيلية والخطط العملانية التي يعدّها الجيش الإسرائيلي لمعالجة الوضع على الحدود مع لبنان؟

لا أحد يريد حرباً شاملة على الحدود مع لبنان

 كان السؤال الأكثر إلحاحاً في الأسابيع الأولى للحرب: هل سيقرر حزب الله خوض حرب شاملة ضد إسرائيل لمساعدة "حماس" والتخفيف من الضغط العسكري عليها؟ والسؤال الأهم: هل تريد إسرائيل استغلال الحرب في غزة، وتخطط لضرب الحزب وبناه التحتية وترسانته العسكري في الجنوب؟

الجواب عن السؤال الأول، جاء في أعقاب خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في 3 تشرين الثاني/أكتوبر، وتأكد في خطابه في 11 تشرين الثاني/أكتوبر. لقد فهم المسؤولون الإسرائيليون جيداً من هذين الخطابين أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لا يريد حرباً شاملة، وأن التوجه هو نحو "جبهة مساندة". وعلى الرغم من الخسائر البشرية التي تكبّدها الحزب، فإنه حرص في هجماته على الالتزام  بقواعد الاشتباك المتعارف عليها، أي استهدافات عسكرية في الأساس واقتصار الهجمات على المنطقة المحاذية للحدود. 

أما فيما يتعلق بالنيات العسكرية الإسرائيلية بشأن لبنان، يتضح اليوم أنه على الرغم من تباين الآراء في داخل المجلس الوزاري المصغر للحرب، بين وزير الدفاع يوآف غالانت ورئيس الأركان هرتسي هليفي، اللذين دعيا إلى توجيه ضربة استباقية إلى حزب الله، منذ الأسبوع الأول لحرب غزة، فإن مجلس الحرب لم يوافق على ذلك، وتوصل في مطلع هذا الشهر، بعد جلسة استمرت 7 ساعات، إلى خلاصة أن إسرائيل غير معنية بالدخول في حرب على حدودها الشمالية في الوقت الراهن[1].

وفي الواقع، يستند هذا الموقف إلى أكثر من  عنصر، بينها:

  • رغبة الحكومة الإسرائيلية في تركيز الجهد العسكري على جبهة غزة، والسعي لتحقيق إنجازات ملموسة من العملية البرية في شمالي القطاع، وصولاً إلى تجريد حركة "حماس" من قدرتها العسكرية والسلطوية، والتوصل إلى صفقة تبادُل للأسرى مع حركة "حماس"، تهدىء قليلاً المخاوف الإسرائيلية من أن الجيش تخلى عن المخطوفين من أجل الحرب.
  • الاستجابة للضغوط الأميركية على الحكومة الإسرائيلية من أجل عدم توسيع الحرب إلى لبنان، خوفاً من الانزلاق إلى حرب إقليمية، تضطر الولايات المتحدة إلى المشاركة فيها، بعد الحشود العسكرية التي استقدمتها إلى المنطقة لحماية إسرائيل.[2]
  • الموقف الإيراني الذي ازداد وضوحاً في الأيام الأخيرة، ومفاده أن إيران لا تنوي زيادة حجم مشاركتها في القتال الدائر ضد إسرائيل، والذي بلّغه المرشد الأعلى علي خامئني لإسماعيل هنية خلال اجتماعه به في طهران، والذي جاء أيضاً  في الرسالة التي بعث بها الإيرانيون إلى الزعيم الصيني جي شاي بينغ، والتي نقلها إلى الأميركيين خلال لقائه الرئيس بايدن في كاليفورنيا.[3]

في ضوء جميع هذه المعطيات، تنتهج الاستراتيجيا الإسرائيلية في التعامل مع هجمات حزب الله سياسة الاحتواء والردود الموزونة والمدروسة ضمن قواعد الاشتباك المعروفة  من الطرفين. لكن هذا لا يعني أن القيادة العسكرية للجيش تخلت عن خططها واستعداداتها لمواجهة احتمال اشتعال الحرب الواسعة على الحدود مع لبنان في أي وقت، ويبرز ذلك  من خلال  الحفاظ  على حالة التأهب القصوى في الشمال الإسرائيلي، والإبقاء على الانتشار الكثيف لقوات الاحتياط على طول الحدود، وعلى جاهزية سلاح الجو الإسرائيلي للقيام بهجمات على  أهداف في داخل الأراضي اللبنانية.

هدف المرحلة المقبلة تغيير الوضع القائم في الجنوب اللبناني

على الرغم من كل ما سبق، فإن ثمة قناعة إسرائيلية راسخة بأنه لا يمكن، بعد الآن، تقبُّل التهديد الذي يشكله الوجود العسكري لحزب الله للمستوطنات الإسرائيلية المحاذية للحدود مع لبنان. فأهم درس تعلمته إسرائيل من هجوم "حماس" على مستوطنات "غلاف غزة" في 7 أكتوبر/تشرين الأول، هو أنه يجب عدم الاعتماد على مقولة إن حزب الله مرتدع، وأنه لن يخاطر بدخول مواجهة واسعة مع إسرائيل، نظراً إلى الثمن الباهظ الذي سيدفعه، والويلات التي سيجرّها على لبنان. ومن الآن فصاعداً، أصبح وجود قوة الرضوان على الخط الأزرق مشكلة تتطلب معالجة، ربما بالوسائل الدبلوماسية، من خلال تطبيق القرار 1701، الصادر عن مجلس الأمن، والذي أنهى حرب تموز/يوليو 2006، وباستخدام القوة، إذا فشلت هذه الوسائل.

وفي الواقع، أفرزت الاشتباكات على الحدود اللبنانية واقعاً جديداً في الجانب الإسرائيلي. فقد اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى إخلاء أكثر من 28 مستوطنة بالقرب من الحدود، حفاظاً على حياة السكان، وهؤلاء يرفضون العودة إلى منازلهم، قبل إبعاد الوجود العسكري لحزب الله في مواجهتهم، وهم لا يريدون أن يكون مصيرهم كمصير سكان "غلاف غزة"، ويطالبون بإجراء تغيير جذري للوضع.[4]

السؤال المطروح الآن على القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية: كيف يمكن تغيير الوضع الناشىء على الحدود مع لبنان، والذي يصفه بعض المحللين الإسرائيليين بأنه "ميني حرب"، بصورة تسمح بعودة السكان إلى المستوطنات في شمال إسرائيل، من دون الدخول في حرب شاملة؟

وفقاً للمحلل العسكري رون بن يشاي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" (12/11/2023)، هناك أمور دفاعية يمكن أن يقوم بها الجيش، قد تعيد الثقة إلى سكان المستوطنات، منها: تكثيف عديد القوات الإسرائيلية المنتشرة على الحدود؛ وتحصين السياج الحدودي ووسائل الإنذار، فضلاً عن تحصين جميع المنازل القريبة من الحدود. لكن هذا كله لا يحل مشكلة الانتشار العسكري للحزب، والذي لا يمكن حله بتراجع الحزب إلى ما بعد الليطاني، وتطبيق القرار 1701. لكن هذه المرة، تعدّ إسرائيل خطة عسكرية موثوقاً بها من أجل دعم تحرُّكها الدبلوماسي، للتأكد من انصياع حزب الله إلى هذه المطالب.

في الخلاصة، مشاركة حزب الله في المواجهة التي تخوضها "حماس" في قطاع غزة من جبهة لبنان، وبمرور الوقت، أصبح لها دينامية مختلفة عما كانت عليه في السابق، ففي جزء منها، هي مرتبطة بتطورات جبهة غزة،  لكن جزءاً آخر منها، له علاقة بمستقبل الوجود العسكري لحزب الله على الحدود، في ضوء الرفض الإسرائيلي الحاد لاستمرار الوضع الحالي، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة أُخرى مثيرة للقلق، بشأن تعامُل إسرائيل مع الوجود المسلح لحزب الله بالقرب من حدودها في المرحلة المقبلة.

 

[1] للمزيد من المعلومات، يمكن الاطلاع على الرابط الإلكتروني

[2]- للاطلاع على الموقف الأميركي، يمكن العودة إلى الرابط الإلكتروني

[3]-للاطلاع على  تفاصيل أكثر بهذا الصدد، يمكن مراجعة مقال رون بن يشاي في 16/11/2023، على الرابط الإلكتروني.

[4]- للمزيد، يمكن العودة إلى الرابط الإلكتروني.

 

 

Yasser Manna
Ayham al-Sahli
Maher Charif
Uday al-Barghouthi
Kareem Qurt
Yumna Hamidi
George J. Giacaman