Institute for Palestine Studies

11 Lives: Stories from Palestinian Exile

11 Lives: Stories from Palestinian Exile
Date: 
July 13 2023
Author: 
Maher Charif

أصدرت دار النشر OR Books في لندن ونيويورك، في سنة 2022، بالتشارك مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ترجمة إنكليزية لهذا الكتاب الذي أصدرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في كانون الأول/ديسمبر 2017، وذلك اعتماداً على منحة قدمها كلٌ من مؤسسة عبد المحسن قطان في فلسطين وصندوق الأمير كلاوس في هولندا.

عن هذا الكتاب

تشير الباحثة في مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيرلا عيسى في مقدمتها إلى أن هذا الكتاب هو نتاج ورشة تدريبية على الكتابة الإبداعية، بعنوان: "كتابة اللجوء الفلسطيني عبر السيرة الذاتية"، نظمتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية خلال شتاء سنة 2016-2017، وأدارها الروائي اللبناني حسن داوود.

وقد تمّ اختيار أحد عشر شخصاً للمشاركة في هذه الورشة، من خلال دعوة مفتوحة، تراوحت أعمارهم بين العشرينيات والخمسينيات، وكان معظمهم من النساء. وقد اشتملت هذه الورشة على اثنتي عشرة جلسة، كانت تُعقد الواحدة منها كل يوم أربعاء، وهدفت إلى تدريب لاجئين ولاجئات فلسطينيين من لبنان على كتابة السيرة الذاتية، لتجمع هذه السير في كتاب يروي قصصاً عن حياة اللاجئين الفلسطينيين، كتبها أبطال القصص أنفسهم. وتذكر بيرلا عيسى أن السبب الذي دفع مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى تنظيم هذه الورشة التدريبية هو الرغبة في التفاعل مع المجتمع الفلسطيني في لبنان بطريقة مغايرة لما هو سائد، وذلك من خلال إتاحة الفرصة لهؤلاء اللاجئين واللاجئات ليكتبوا هم عن حياتهم.

أما الروائي حسن داوود، الذي يعود إليه فضل كبير في إنجاز هذه الورشة التدريبية، وفي إصدار هذا الكتاب، فقد كتب تمهيداً له بعنوان: "عن المخيمات الأخوة"، ورد فيه: "فيما خصّني، أنا المشترك في لقاءات الأربعاء مع كتّاب هذه النصوص، والتي استمرت ثلاثة أشهر، هو أنني أُدخلت إلى المخيم لا كغريب هذه المرة، لا كرجل يقود سيارته بينما هو يعبر الطريق الملاصقة لمخيم عين الحلوة، مكتفياً، بل مذعناً، للقليل الذي يعرفه عن حياة أهله فيه. عيش منه كثير، فائض في العيش، أتاحته لي تلك اللقاءات...

هم الأحد عشر الذين كانوا يجيئون من المخيمات المتفرقة، أو من سكن مجاور لها، بدوا كأنهم في تلك اللقاءات، بل منذ بدايتها، كأنهم يكملون صداقة جمعت بينهم من قبل. لا شيء كان يعكر ذلك الإجماع العاطفي...هنا سنقرأ عن ماضي المخيم، وكذلك عن تشعب خطوطه حتى بلدان هي من الكثرة، بين أفراد العائلة الواحدة، بحيث تبدو فكرة إعادة "جمع الشمل" ضرباً من الإعجاز. كما نقرأ عن اللهو في المخيم، وعن الغزل فيه، وعن الجدران المنقوشة عليها كتابات الأحلام، وكذلك كتابات السخط. وقد نقرأ نصوصاً في مديح المخيم، ونصوصاً أخرى في هجائه، كما سنقرأ عن مشاعر أخرى، هي أكثر تعقيداً إزاءه". 

جدران المخيم تحوّلت إلى "مرآة اللاجئين وأحداث الزمن"

سالم ياسين، شاب من مواليد سنة 1966، ومن سكان مخيم الميّة ميّة القريب من مدينة صيدا، عاش لهيب الحرب الأهلية في لبنان، وتعلّم في مدارس وكالة الغوث، واختار أن يكتب عن جدران المخيم التي تحوّلت إلى "مرآة اللاجئين وأحداث الزمن"، وحافظة أسرار أهالي المخيم "بدءاً بهمسات الحب التي تشكّل حياتنا، وانتهاء بوقوفها شواهد على أضرحة موتنا الصامتة"، مستفيضاً في الحديث عن عارف صديق بطل القصة الذي تغيّر و"دقّ" على زنده وشوماً حقيقية "كلمة فلسطين ورسماً لعقرب"، كأنما "ضاقت جدران المخيم بكلماته وبدأ بحفر كلمات الرجال على جسده"، والذي اختفى عن الساحة فجأة بعد أن انضم إلى "الفدائية"، قبل أن يستشهد ورفاق له في قلعة "أرنون/الشقيف" في الجنوب اللبناني في إثر مواجهات شرسة مع العدو الصهيوني، وهو ما حفز بطل القصة، على أن يحمل في ليلة استشهاده، هو ورفاق له، "طاسات الدهان"، وينقشوا فوق كل شعارات الفحم والزفت: "قوات الشهيد البطل عارف العقرب" وفاء منهم للشهيد الذي دفن مع "عقربه" و "نام مع رضى أمه".

بعد أن اعتُبر لاجئاً، تبيّن أن الببغاء هو ابن ذوات

ميرا صيداوي، شابة من مواليد سنة 1984، تكتب قصة أشبه بالسيرة الذاتية عنوانها: "لم أمُت بعد"، وتتمنى أن تُدفن في عكا في مكان متسع، خلافاً لأبيها وأختها اللذين دفنا في قبر في مخيم البرج. كان لها صديق يُدعى أبو عماد، جلب إلى المخيم ببغاء، هدية من صديق لبناني، فجنّ المخيم وطبّل ورقص حول الببغاء، وتشارك الجميع في إيجاد قفص له، كما التقط الجميع صوراً مع الببغاء "الذي اعتُبر لاجئاً جديداً من فصيلة الببغاوات، ووجدوا له لقباً توافقياً، سمّوه "نصر" تيمناً بالنصر. وفي اليوم الثالث لإقامة الببغاء بدار أبو عماد، استفاق الرجل على حقيقة موت طائره، فأعلن موت الببغاء بصمت داخل الحارة، "حزن الجميع على وفاته، ومنهم من سخر قائلاً إن الببغاء لم يستطع التأقلم داخل المخيم، وأنه ببساطة ليس لاجئاً؛ هو ابن ذوات وحسب ونسب". بعدها بفترة، مات أبو عماد "أجمل ميتة على حد قول جارتنا أيوبة الداية المتقاعدة"، إذ بينما كان واقفاً مع بعض الشبان في مخيم مار الياس، "ألقى أحدهم نكتة ولم يستطع أبو عماد تمالك نفسه فضحك وقهقه حتى مات". وقد قررت بطلة القصة ترك المخيم والذهاب إلى بيروت لإكمال دراستها الجامعية، فوضّبت حقائبها، ورتّبت الكتب والصور التي تحب، وصعدت في سيارة الأجرة، فسألها السائق: "إلى أين؟"، "إلى فلسطين..أريد أن أتنفس قليلاً"، قالت؛ ضحك السائق طويلاً وقال: "اطلعي خيتا شكلك زهقاني زيي".

"من وين من فلسطين يا حبيبي؟"

طه يونس، شاب من مواليد سنة 1991، يقطن منزلاً في مخيم برج البراجنة، وينام في غرفة مع أخوته الأربعة، متعاكسين حتى تتسع لهم، تطل مباشرة على غرف منزل مهجور، قالت له جارته سعاد إنه مسكون بعشيرة من الجن، فصار يخشى الجن الذي رأى أحدهم في الليل، وقال له إنه سيخطف كل أولاد المخيم. سافر في إحدى المرات إلى إسطنبول، فتمّ تحويله إلى غرفة الأمن، لمجرد أنه يحمل وثيقة سفر لم يتمكن الموظف من فهم فحواها، فقال له: "من أين أنت"، فأجابه: "من فلسطين"، فنظر إلى وثيقته وقال: "أنت من لبنان"، فردّ عليه قائلاً: "لا أنا من فلسطين، أقيم في لبنان ريثما أعود إلى أرضي"، فلم يفهم الموظف الأمر، لكنه سمح له أخيراً بالمرور. وبعد أن ركب الطائرة، التقى بإمرأة في عقدها السادس، طلبت منه أن تجلس مكانه على النافذة، فأعطاها ما أردت، ثم سألته: "من أين أنت؟"، قال: "أنا من فلسطين"، ابتسمت وردت: "من وين من فلسطين يا حبيبي"، قال: "من عكا ياحجة"، قالت: "الدم يحن يا خالتي أنا من يافا"، ودار بينهما حديث طويل، علم خلاله أنها تحمل الجنسية اللبنانية، لكن إذا ما سألتها: "من أين أنت"، سترد فوراً: "أنا من يافا عروس فلسطين".

"يا حبيبتي أنت من ريحة الغوالي"

نادية فهد، فلسطينية من الشارقة ومن مواليد 1987، تكتب قصة بعنوان: "مذ أصبحت اماً كرهت الشتاء"، تحكي فيها عن إمرأة كانت تحب الشتاء لسبب وحيد هو "اختفاء الصراصير من المخيم في هذا الفصل"، لكنها صارت تكرهه مذ أصبحت أماً لأنه "تحوّل إلى نقمة وإلى همّ وعبء"، وخصوصاً عندما تسير في فصل الشتاء، مع ابنتها الرضيعة قمر، في طرقات المخيم، التي "لا تصلح في أغلبيتها للسير الآدمي أصلاً". وبعد أن منّ الله عليها بزيارة فلسطين، قررت مع زميلين لها العودة إلى قراهم التي هًجّر منها أهلهم. واستعانوا بأحد المقدسيين الشجعان ممن يهرّب العمال الفلسطينيين إلى الداخل ، الذي نجح في إيصالهم إلى قرية الشيخ دنون في قضاء عكا. وهناك، سألت صاحب ملحمة عن عائلة فهد، فأشار إليها بالاستمرار صعوداً، حتى وصلت إلى قرب بوابة حديدية، خلفها يجلس رجل مسن وإمرأتان يحتسون قهوة ما بعد الظهيرة. "عوافي يا حج، هون بيت عائلة فهد"، سألت، "آه ياعمي تفضلوا أهلاً وسهلاً"، أجاب المسن باستغراب وريبة، "يا إلهي أنا في منزل جدتي، أنا في قريتي، أنا في بلدي" قالت لنفسها، "لمَ لست هنا؟ لمَ أنا هناك لاجئة في مخيم بائس في لبنان". أتقدم نحوهم: "يعطيكو العافية. أنا من لبنان، أنا بنت خير فهد". "يتنهد المسن تنهيدة طويلة، وينهض من كرسيه ليغمرني: يا حبيبتي إنت من ريحة الغوالي، ونبدأ بالبكاء جميعاً".

"لم تعد تلك الأزقة والزواريب ملعباً للذكريات والحنين"

يوسف نعنع، من مواليد 1957 ومن سكان بيروت، يروي حكاية أرض الداعوق في بيروت الغربية التي لا تتعدى مساحتها الثلاثين متراً بأربعين، والتي تبرعت بها عائلة الداعوق لإقامة اللاجئين الفلسطينيين إلى حين عودتهم إلى ديارهم، وهو "مخيم" لم تضعه وكالة الأونروا ضمن نطاق برنامج خدماتها، فاستطاع أهاليه بالتعاون فيما بينهم حل كثير من مشاكلهم الخدماتية وتأمين متطلبات الحياة. وعاشوا "أسرة واحدة في بيوت متعددة، ومع حلول شهر رمضان، يصبح الداعوق بأهله بيتاً واحداً؛ تتنوع أصناف الطعام على المائدة ويتبادل الجيران أطباق المأكولات والحلويات، وفي أسبوعه الأخير لا تهدأ حوانيت باعة السميد والمكسرات والتمر والسمن بأنواعه، تجتمع النسوة كل مساء في منزل إحداهن لتحضير كعك ومعمول العيد لمجموعة منهن". بيد أن كثيراً من شباب الداعوق غادروا عائلاتهم إلى شتات جديد، "بعد أن عصفت بالداعوق أحداث كثيرة"، ولم يعد المكان كما كان، و "لم تعد تلك الأزقة والزواريب ملعباً للذكريات والحنين"؛ إذ إن بيوت الداعوق "لم تعد تلك البيوت، وما أعيد بناؤه بعد صراع طويل مع السلطات القائمة على الأرض ومنعهم من إدخال مواد البناء، غُيّب عنه ساكنوه"، وافتتحت محلات جديدة لأصناف مختلفة من الثمار والمأكولات الغريبة، بعد أن استقر كثيرون من الوافدين من بنغلادش وسيريلانكا في محيط الداعوق. 

"صقيع النكبة يا عزيزتي لا يقارن بصقيع كندا"

يافا طلال المصري، من مواليد سنة 1990، أسماها والدها  على اسم مسقط رأسه يافا، و"أراد أن ينادي على مدينته صباح كل يوم، وأن ترد مدينته عليه باسمة"، وهي تحكي قصة أشبه بالسيرة الذاتية. فقد قررت، بعد أن بقيت "متقوقعة داخل علبة كرتون تتراوح بين المنزل والمخيم ومدرسة الأونروا"، أن ترحل إلى كندا، مستعدة، كي تسافر إلى يافا، أن تُقسم "الولاء لملكة إنكليزية على أرض باردة في شمال القارة الأميركية أولاً"، وأن تصير شخصاً آخر كي تصير نفسها. وفي الليلة التي غادرت مع أخيها بيروت في اتجاه أرض الصقيع، بكت أمهما طوال الليل، ولا سيما وأنهما كانا يعيدان السيناريو ذاته الذي كتبه أخوتهما الثلاثة قبلهم. وقبل سفرها، استعاد خالها معها ذكرياته عن يوم مولده، مستذكراً أن الطقس يومها كان عاصفاً للغاية، "كان أشد الأيام ريحاً في السنة كلها، حتى إن الرياح لشدتها في تلك الليلة اقتلعت أوتاد خيمتنا..هكذا ولدت، لا أعرف متى، لكنهم كانوا يسمون تلك الفترة من السنة المربعانية، لكن طبعاً صقيع النكبة يا عزيزتي لا يقارن بصقيع كندا".

"بدي تضل صورتك حلوة بعيوني وقلبي"

حنين محمد رشيد، من مواليد سنة 1993 ومن سكان برج الشمالي في صور، تحكي حكاية حنين أبيها "لأيام كان اسمه فيها "الفدائي""، وهو الابن الثاني لعائلة بسيطة اتخذت من مخيم البرج الشمالي مسكناً، ظنوه موقتاً، وأورثوا أولادهم ظنهم هذا. أما المرأة الوحيدة التي لا بديل منها لديه، فهي والدته، و"جدتي، رحمها الله"، التي كانت "أجمل ما قدم جدي لأبنائه ثم لنا نحن الأحفاد". في إحدى ليالي سنة 1976، بعد إبلاغه ورفاقه بعملية عسكرية، ذهب للقاء والدته، "جدتي"، فحضنها وقبّل يدها، فمسحت على رأسه بكفها وكررت دعاءها: "الله ينصركو يمّا"، وأضافت: "يمّا برضاي عليك احكيلهم ما يًعلّقو صورتك قدام البيت إذا استشهدت، بدّيش أشوف صورتك مخزّقة عالحيطان، بدي تضل صورتك حلوة بعيوني وقلبي".

"انتفاضتنا أجدر أن تكون انتفاضة على الذات"

وداد طه، روائية شابة من مواليد سنة 1991، كتبت ما يشبه السيرة الذاتية، فذكرت أنها كانت طفلة لعائلة سكنت جنوب لبنان، وذلك قبل أن يسافر والداها إلى ليبيا، حيث ولدت، ثم إلى دولة الإمارات، حيث نشأت، وعرفت معنى التشرد والضياع والحنين للمرة الأولى وأمها تودعها على باب بيت جدها في حي الرمل في مدينة صور، فقصدت المدرسة مع أولاد عمها الذين عاشت بينهم في غرفتهم الوحيدة في بيت جدها. وعندما كبرت، قررت بنفسها أن تتحجب، وبدأت تشعر أنها "معلقة الهوية"، أو أن شعورها بفلسطين وانتماءها لها "كان شيئاً خاصاً" لم تتكلم عنه أمام أحد، وتأكدت من ذلك حين عملت في إحدى مدارس الأونروا بعد تخرجها من الجامعة، إذ شعرت بتفاقم الهوة بينها وبين محيطها الفلسطيني، الذي صار يؤلمها فيه "غياب صورة حقيقية ملموسة عن الوطن، غياب المواطنة بالمعنى المعيش"، بحيث "يتعاظم الفصيل ويؤسطر القائد بينما يغيب الوطن خلف الأقنعة والمسافات ويومياتنا العادية جداً"، الأمر الذي جعلها ترى "أن انتفاضتنا أجدر أن تكون انتفاضة على الذات"، وذلك قبل أن تدرك أنها كانت "طوباوية" وظلمت نفسها وشعبها بأن طالبت "بأقصى درجات الوعي وغفلت عن أننا بشر".

"لما كنت وردة وين كنت يا قردة"

انتصار حجاج، من مواليد سنة 1959، تحكي حكاية جدتها "خديجة أم أمها" التي لم تنفصل عن ماكينة الخياطة حتى وفاتها في مخيم عين الحلوة. ونظراً إلى القرب الجغرافي بين جنوب لبنان وشمال فلسطين، فقد كانت تتردد إلى سوق الخالصة في فلسطين كل ثلاثاء للتزود بالأقمشة والخيطان، وهناك تعرفت إلى عيسى الحمد وتزوجته، لكنها اكتشفت أنها لا تنجب، فقررت تبني ابنة أخيها فاطمة وأصبحت أماً لها، وذلك قبل أن يتزوج عيسى الحمد من إمراة أخرى، وتقرر خديجة هجره والانتقال إلى بلدة الناعمة في قضاء صفد. وهناك، تزوجت فاطمة من أستاذ في صفد والخالصة، وأنجبت في سنة 1947 ولداً، كان لا يزال في الأشهر الأولى "عندما هاجمت عصابة الهاغانا الصهيونية قرى الجليل، وارتكبوا المجازر الشنيعة بحق المدنيين"، فرحلت العائلة نحو الجنوب اللبناني مشياً على الأقدام، واستقرت في مخيم عين الحلوة، حيث عادت خديجة إلى الخياطة، وصار لها زبائن جدد، لكنها هرمت، مع الوقت، وضعف نظرها وسمعها، فتقاعدت هي وماكينتها. وصارت المرآة صديقتها الجديدة، تحكي معها وتتحسر على جمالها، وتقول: "هيك صرتي يا خديجة، يا حسرتي عليك". و"كنت وأخواتي البنات نراقبها ونضحك ونمازحها قائلين لها إن زمن جمالك ولى، فترد بعصبية مع بعض الشتائم لنا: لما كنت وردة، وين كنت يا قردة".

"بماذا علينا أن نحلم؟"

ربا رحمة، من مواليد سنة 1986 في مخيم اليرموك. هاجر والداها وأخوتها بعد اندلاع الأحداث السورية، بينما أصبحت هي في مخيم عين الحلوة، في بداية سنة 2016 ، أماً وأباً لأخيها صالح وأختها هزار، وجدة لابنة أختها فرح، التي هاجرت في أواخر ذلك العام مع أمها إلى ألمانيا، وبقيت وحيدة مع أخيها الأصغر صالح الذي بلغ عامه التاسع عشر، وكان يهوى رياضة الكاراتيه والبريك دانس، ويتهمها، أحياناً، بالتقصير أو بالاهتمام بطلابها في مجمع الكنائس وبأعضاء فرقتها الفنية، "فرقة لاجئ"، أكثر من اهتمامها به. أما هي، فقد اعتادت أن تشكو إلى البحر همومها وأحزانها، فيدعوها إلى الخوض فيه هرباً إلى أوروبا، فكانت تردعه في كل مرة يحاول إغواءها وتسرد له "الحكايات التي تروي قصص المتاجرين بالبشر (المهربين)، وأطفال وأمهات وآباء ماتوا غرقاً دون أن يرحمهم"، وحين كانت تحدثه عن أحلامها، يضحك هازئاً بها ويطلب منها أن تحدد فعلاً ماذا تريد وبماذا تحلم، فتتساءل: "بماذا علينا أن نحلم؟ أأحلم بالعودة إلى سورية إلى مخيم اليرموك؟ أم إلى طبرية التي لم أرها سوى في دموع جدي في فلسطين، أم أحلم بالهجرة عبر البحر إلى أوروبا حيث عائلتي؟"

"شو خص بيت خالتي تمام بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن!"

محمود محمد زيدان، من مواليد 1969 في مخيم عين الحلوة، يحكي حكاية ما لحق بمخيمه من تدمير وقتل وتخريب  خلال الاجتياح الإسرائيلي الذي عايشه في سنة 1982، فيصف الساعات الأولى من الاجتياح ويكتب: "كانت أمي صباح ذلك الأحد تغلي الغسيل في قدر من التنك على موقد نار أمام دارنا في المخيم...فجأة طغى صوت غارة لطائرات إسرائيلية، وكان أقوى مما اعتدنا سماعه في المرات السابقة". ويتابع: "سرت همهمات بين الجيران والأهل ممزوجة بهلع ورعب استطعت تخمينه من قرار الأهل بالنزول إلى ملجأ جامع البلد..بدأ الخوف يتسرب إلينا مع ازدياد حدة القصف، وبدأنا نطرح تساؤلات صغيرة ترافقت مع مشاعر نقيضة لكن دونما إجابة: لماذا يحاولون قتل السفير الإسرائيلي؟ وآخرون شعروا بالسرور لأن فدائيين حاولوا قتل واحد من أعدائنا من دون أن نفقه معنى كلمة سفير أو كلمة اجتياح، وأنا بدوري تساءلت: شو خص بيت خالتي تمام بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن؟ هكذا كنا نمضي الوقت". و "استعاد أهل بلدتنا ذكرى أليمة حلت بهم قبل أربعة وثلاثين عاماً حين هاجمت العصابات الصهيونية قرية الصفصاف وقتلوا سبعين رجلاً وإمرأة، واغتصبوا عدداً من نسائها".

Read The Original Content

Published on Institute for Palestine Studies (https://www.palestine-studies.org) Source URL (modified on 16/11/2023 - 10:55):https://www.palestine-studies.org/en/node/1654065