حديث للرئيس حافظ الأسد بشأن مشاركة سوريا في مفاوضات السلام والرقابة على التسلح في الشرق الأوسط، دمشق، 2/6/1992
Full text: 

[.......]

س ـ ما هو شعوركم بعد انقضاء ستة شهور على بدء عملية السلام. إن العملية مستمرة، والجانب العربي قبل قرارات الأمم المتحدة التي من شأنها الاعتراف بإسرائيل.

هل ازدادت آمالكم خلال هذه الشهور أم ازدادت أسباب قلقكم؟

ج ـ كانت دائماً لدينا قناعة بأن الحكام في إسرائيل لا يريدون السلام. يريدون أراضي واحتلالاً وتوسعاً، توسعاً متتابعاً بين وقت وآخر، ومع ذلك في ضوء التطورات الجديدة والحديث عن أهمية تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وجدنا أنه قد تكون هناك فرصة لتحقيق سلام عادل بتنفيذ هذه القرارات، ولكن الأشهر الستة التي مضت لم تعط أية مؤشرات أن حكومة إسرائيل تسعى أو تريد تحقيق سلام في المنطقة، بل أكدت خلال هذه الأشهر وتؤكد في كل يوم وعلناً وتتحدث بلسان مسؤولين مختلفين وعديدين فيها عن ضرورة التمسك بالأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، وعن ضرورة أن يوقع العرب على ما يسمونه في إسرائيل "السلام" مع احتفاظ إسرائيل بالأراضي العربية التي احتلتها، ومع هذا نرى أن هناك على الأقل جانباً من جوانب الفائدة، أو فائدة ما، مما دار خلال هذه اللقاءات التي جرت حتى الآن بين العرب والإسرائيليين كوفود مفاوضة، وهي أن العالم سواء برأيه العام ككل، أو بالنسبة للكثير من المسؤولين في دول العالم، لا بد أنهم أدركوا بشكل أفضل من هو مع السلام ومن هو ضد السلام [....]

[.......]

س ـ ما الذي تدعو الحاجة إلى عمله لكي تنجح عملية السلام، إذ إن العملية لا تسير بالسرعة اللازمة؟

ج ـ تدعو الحاجة أن يقوم المجتمع الدولي وبشكل خاص المؤسسة الدولية أي مجلس الأمن، أن يقوم بتنفيذ التزاماته بموجب الميثاق وأن ينفذ قراراته وخاصة أن هذا المجلس يضم من الدول الفاعلة من تؤكد على القول إن عالم اليوم هو عالم الشرعية الدولية. ويستطيع مجلس الأمن والدول الفاعلة فيه أن ينفذوا قرارات الشرعية الدولية، قرارات مجلس الأمن، وهذا هو الطريق المضمون تماماً إلى تنفيذ السلام.

[.......]

س ـ إذا واصلت إسرائيل تحت أي ظرف من الظروف تعنتها، فهل تتوقعون عملية مماثلة لتلك العملية التي حدثت في الخليج ضد العراق لحمل إسرائيل على قبول شروط الأمم المتحدة؟

ج ـ أنا لا أريد أن أنصح مجلس الأمن بشيء محدد، أو أن أحاول أن أتمسك بشيء إجرائي محدد، أو إجراءات محددة، إنما نحن نتمسك بقاعدة هي: إن الهيئة الدولية الملزمة بالحفاظ على السلام بموجب الميثاق وبموجب قرارات دولية كثيرة عامة، من واجب هذه المؤسسة التي تتخذ القرارات، أن تبحث عن السبل الفعالة والأكيدة والمضمونة لتنفيذ هذه القرارات، وعندما يتمسكون بهذا الهدف سيجدون الوسيلة والطريق إلى تنفيذ قراراتها.

وفي كل الحالات نحن لا نريد معايير مختلفة ومتناقضة في التعامل مع دول العالم، ولذلك لا نريد أن نرى تطبيق قرارات مجلس الأمن في مكان ما، ودفنها في الأدراج في مكان آخر.

[.......]

س ـ لقد زال بلد كان حليفاً رئيسياً لكم، إذ تلاشى الاتحاد السوفياتي تاركاً منطقة الشرق الأوسط في حالة انعدام توازن فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، وليس سراً أن إسرائيل تملك أسلحة نووية.

وأنا أعرف أن هنالك خططاً لمحاولة الرقابة على الأسلحة الاستراتيجية في هذه المنطقة، وإنْ كنا لا نعرف إلاّ القليل عنها.

هل لديكم أية اقتراحات في هذا الشأن؟

ج ـ على كل حال، سوريا والعرب كانوا يدافعون عن حقوقهم قبل أن يكون الاتحاد السوفياتي حليفهم، والصراع العربي الإسرائيلي بدأ قبل أن يكون الاتحاد السوفياتي حليفاً للعرب، وأكثر من هذا بدأ في وقت كانت فيه إسرائيل تنال دعماً مناسباً من بعض الدول الشرقية في ذلك الوقت، وبعد ذلك تطورت العلاقات بين العرب وبين سوريا والاتحاد السوفياتي. والآن تغيّر هذا الوضع كما تقولون، لم يعد الاتحاد السوفياتي موجوداً، لكن الشعوب تتأقلم مع الظروف وفي كل الأوقات تستطيع أن توجِد وأن تبدع ما يساعدها في الدفاع عن ذاتها.

فيما يتعلق بالرقابة على السلاح وأسلحة الدمار الشامل، نحن نؤيد الرقابة على السلاح إذا كانت عادلة ومتوازنة، وعندما نقول رقابة على السلاح في الشرق الأوسط فهذا يعني أن تكون هناك قيود تؤدي إلى نتائج متجانسة بالنسبة للعرب ولإسرائيل. وهذا غير مطروح من قبل من يطرحون الرقابة على السلاح، فلم يطرح أحد أن يراقبوا إنتاج إسرائيل من السلاح، ولا استيراد إسرائيل من السلاح، أنتم تسمعون الضجيج أحياناً حول ما يتصوّرون أنه آتٍ إلى بلد عربي، هنا يتحدثون وبأصوات عالية جداً، وأعلاها هو الصوت الإسرائيلي وكأنه يوجِّه الآخرين، يتحدثون عن رقابة السلاح. نحن نريد أن يكون هناك حدّ من السلاح ورقابة على السلاح، ولكن كما قلت على الجميع، وبحيث تؤدي إلى نتائج متساوية، أعني هنا أن الرقابة على السلاح لا تعني الرقابة على ما تستورده البلدان من هذا السلاح، إنما قبل هذا يجب أن تكون الرقابة على ما تصنّعه هذه البلاد، فعندما يعطي بلد غربي المصانع الإسرائيلية وهي قائمة وتزوّد كل يوم بما يجب، وهذه المصانع هي نفس المصانع القائمة في الغرب، وتصنّع من المسدس حتى الصاروخ البعيد المدى، وحتى الطائرة والدبابة إلخ... فإذاً يجب أن نراقب في وقت واحد ما يُصنع وأن نحدد ماذا يحق لمصانع السلاح في إسرائيل أن تنتج نوعاً وكماً، وأيضاً ماذا تستورد وعلى الآخرين الشيء ذاته.

مثل هذه الرقابة نحن معها بحيث لا تسمح بأن تزداد الفوارق بين العرب والإسرائيليين والقائمة الآن أصلاً. والدول التي تنادي بالرقابة على السلاح ولا تتقيد بهذا إنما تعمل على تضليل المجتمع البشري كله، وعلى كل حال هذه المواضيع بحثناها مع الدول التي اهتمت بهذا الأمر وناقشت معنا في وقت من الأوقات، وقيل لنا إن هذا سيؤخذ بالاعتبار، أو بما معناه أن هذا الأمر صحيح وأساسي، ولكن لم نجد له أثراً على أرض الواقع.

وعلى كل حال في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن رقابة السلاح ويقصد به عملياً السلاح الآتي إلى سوريا، فمن المفيد أن نذكّر بأن سوريا التي تُكافَح عندما تستورد بعض الدبابات.

أنا وأنتم الآن نجلس في هذا المكان وهو في قلب مدينة دمشق، فعلى مسافة أقل من مئة وخمسين كيلومتراً من هذا المكان توجد الأسلحة الذرية الإسرائيلية والصواريخ القادرة على حمل الرؤوس النووية، والقادرة على حمل رؤوس من مختلف الأنواع، وجميعها من صنع إسرائيل وبإمدادات ووسائل أخذتها من بعض دول الغرب. فبعض الدول تهتم بدبابة آتية إلى سوريا ولا تهتم بالسلاح النووي والكيميائي والبيولوجي الموجود والجاهز للاستعمال ضمن ترسانة السلاح الإسرائيلية.

نحن نرى أن على المجتمع الدولي أن يسارع إلى منع تصنيع الأسلحة النووية في إسرائيل وتدمير الأسلحة الذرية الموجودة، وهذا يبرهن ويؤكد حرص هذا المجتمع على السلام وعلى منع كوارث بشرية ضخمة يمكن أن تقع، وإلاّ ماذا يعني الحدّ من السلاح؟

س ـ اسمحوا لنا أن نوضح هذه النقطة توضيحاً كاملاً. هل أفهم من كلامكم أنكم اقترحتم على بلدان غربية بينها الولايات المتحدة تخفيضات متعادلة ومتوازنة في الأسلحة، ولكنكم لم تجدوا استجابة؟

ج ـ نعم، هذا كان موضوع حديثنا مع الولايات المتحدة الأميركية عندما طرح هذا الأمر، أي عندما طرح موضوع الرقابة على السلاح، وكان واضحاً وأخذ وقته المناسب في التوضيح.

[.......]

 

المصدر: "البعث" (دمشق)، 3/6/1992. وقد أدلى الرئيس الأسد بهذا الحديث إلى بعثة هيئة الإذاعة والتلفزة البريطانية.