Israeli Assessments of the Future of the Intifada and the Reflection of the Palestinian Debate in the Press
Keywords: 
الانتفاضة 1987
الصحافة
الرأي العام
Full text: 

أولاً: تقويم الانتفاضة

              منذ نشوب الانتفاضة / الثورة الفلسطينية، قبل أربعة أعوام تقريباً، ظلت تتردد بين الفينة والفينة تقويمات لمسؤولين أو مراقبين صحافيين إسرائيليين، في شأن "خمود" الانتفاضة أو دخولها طوراً من "الهدوء النسبي". في البداية، كان مثل هذه التقويمات قطعياً، ينطلق من اعتبار الانتفاضة "اضطرابات" عابرة، جاءت نتيجة شعور "المخربين بالإحباط"،[1]  وأنها "ستخمد عما قريب"، و"أن الأمر لا يتعلق بعصيان شعبي بأية حال."[2]   وكان الاعتقاد السائد في أوساط المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن مواجهة الانتفاضة والقضاء عليها هما مسألة وقت فقط، وهذا ما حدا وزير الدفاع، في حينه، يتسحاق رابين على القول "إن الاضطرابات في المناطق لن تحدث ثانية حتى لو اضطررنا إلى استخدام قوة كثيفة، ولن نسمح بأية صورة أو بأي شكل لأحداث الأسبوع الماضي بأن تتكرر."[3]    وبالإضافة إلى القطعية التي ميزت تقويمات تلك الفترة المبكرة، كادت التقويمات المضادة تكون غائبة تماماً. غير أن تَواصل الانتفاضة – بما تضمنه من إفشال متكرر للتوقعات في شأن خمودها – أدى إلى إدخال التحفظ والحذر على التقويمات الإسرائيلية للانتفاضة عامة، من جهة، وإلى بروز تقويمات متضاربة، من جهة أخرى، وقد ظهرت هاتان السمتان/ بوضوح، في  الجدل الدائر منذ حزيران/ يونيو الناضي في شأن تقويم الانتفاضة، إنْ في الأوساط الرسمية أو في الأوساط الصحافية.

رسمياً: الانتفاضة مستمرة، لكن...

باستثناءات محدودة، يجمع المسؤولون الإسرائيليون، وخصوصاً العسكريين منهم، على أن الانتفاضة لم تنته، وإنْ كان إجماعهم لا يتعدى ذلك. فقد صرح رئيس هيئة الأركان، الجنرال إيهود براك، إلى مراسل إحدى الصحف، أن "ثمة في الأشهر الأخيرة انخفاضاً في مظاهر عنف الشارع في المناطق [المحتلة]. ومع ذلك، برزت في الأسابيع الأخيرة زيادة معينة في الأعمال التخريبية، التي تُستعمل فيها الأسلحة النارية، كالقنابل اليدوية والرصاص. إنني لا أعتقد أن الانتفاضة انتهت، بل إنها تخلت عن شكل، واتخذت شكلاً آخر..."[4]

أما قائد حرس الحدود، العميد مشولم عميت، فأشار – من جهته – إلى حدوث انخفاض في عدد "الحوادث" في الأراضي المحتلة مؤخراً، لكنه أضاف أن "من السابق لأوانه القول إن الانتفاضة تخبو." وفي تفسيره لذلك، قال عميت إن "ثمة موجات في الانتفاضة. ونحن نشهد الآن خطّاً بيانياً هابطاً من حيث عدد الحوادث، لكنْ وقع مؤخراً عدد من الحوادث الخطرة استُخدمت فيه الأسلحة النارية."[5]

إلى تقويم مشابه، توصل أيضاً الاجتماع الذي نظمه "منسق النشاط في المناطق" اللواء داني روتشيلد في أواخر حزيران/يونيو الماضي. فقد توصل المشاركون في الاجتماع إلى الخلاصة التالية:

ليس ثمة أي دليل على أن الانتفاضة خبت. بل على العكس، هنالك في أماكن معينة من المناطق اتجاه نحو ارتفاع مستوى العنف – وهو اتجاه نعتقد أنه سيستمر في الأشهر المقبلة.[6]

وأكد رئيس "الإدارة المدنية" في الضفة الغربية العميد غادي زوهر، من جهته، "أن الانتفاضة مستمرة، لكن نشيطيها يتخبطون الآن في شأن مواصلة الطريق."[7]   أما سلفه شموئيل غورين، فقال في مقابلة صحافية "إن الانتفاضة لم تمت، ولا يزال من السابق لأوانه تأبينها." وأضاف أن تغيرات معينة جرت فيها، كانخفاض مستوى العنف ضد اليهود، وتراخي مقاطعة البضائع الإسرائيلية... إلخ. "لكنْ ليس هناك تغير في دوافع السكان، والإسرائيلي الذي يدخل مخيماً للاجئين من دون احتياطات سيعرض نفسه للأذى"، هذا بالإضافة إلى توزيع البيانات التي لا تدعو إلى وقف طعن اليهود ورجمهم بالحجارة، وعدم قيام أية هيئة جدية مستعدة لتجاهل منظمة التحرير الفلسطينية، والتمرد عليهأ. وأضاف غورين "أن الهدوء النسبي السائد اليوم، ومجرد الحديث عن موت الانتفاضة، قد يستثيران  جهات معينة ويستفزانها للعمل من أجل البرهنة على أن الانتفاضة مستمرة."[8]

في خط مواز لهذه التقويمات، وبما ينسجم معها، كانت مصادر الجيش الإسرائيلي تعلق، من حين إلى آخر، على حوادث العنف التي تتخلل الانتفاضة. فتعليقاً على قتل أحد مستوطني مستعمرة بكعوت في غور الأردن، في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو، صرح مصدر أمني رفيع المستوى أن الانتفاضة لا تخبو، بل إنها على العكس من ذلك تستجمع المزيد من الزخم. وتوقع المصدر استمرار تلك الحوادث بسبب "الجمود القائم في المسيرة السياسية، والمزاعم القائلة إن الانتفاضة وصلت إلى مرحلة من الخمود."[9]   وذهب مذهبَ القول نفسه قائدُ الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، العميد شموئيل تسوكر، في معرض تعقيبه على حادثي إطلاق نار منفصلين على إسرائيلييْن في القطاع في أوائل شهر تموز/يوليو الماضي.[10]   ولفتت مصادر عسكرية رفيعة المستوى النظر إلى "الزيادة الحادة" في استعمال الأسلحة النارية في الأراضي المحتلة خلال الأسابيع الأخيرة، إذ وقع مؤخراً من ثماني إلى عشر عمليات مسلحة. وأضافت  المصادر أنه "يجب النظر بجدية إلى هذه الحوادث والاستعداد بما يلائم."[11]

في مقابل هذه التقويمات الرسمية، التي أجمعت على أن الانتفاضة مستمرة، على نحو أو آخر، عبّر وزير الدفاع موشيه آرنس عن رأي لم يشاطره فيه أحد من المسؤولين تقريباً. فقد قطع بأن الانتفاضة هي في طور الخمود الآن، وبأن استخدام الأسلحة النارية – كما جرى مؤخراً – هو تعبير عن يأس نشطاء الانتفاضة وإحباطهم، لأن "نضالهم لم يوصلهم إلى أي مكان."[12]

 

الصحافة: الانتفاضة انتهت؛ لم تنته؛ تذوي

إذا كان المسؤولون الإسرائيليون قد أبدوا، إجمالاً، قسطاً كبيراً من الحذر والتحفظ في تقويمهم للانتفاضة، فإن المراقبين الصحافيين كانوا، عامة، أقل حذراً وتحفظاً، وقدموا تقويمات متناقضة تماماً، تتراوح بين القول إن الانتفاضة انتهت، بل وضع تاريخ محدد لذلك، من جهة، وبين القول إنها  على عتبة مرحلة جديدة من التصعيد، من جهة أخرى.[13]

وكما تميّز الوزير آرنس بقطيعته، كذلك كان الصحافي داني روبنشتاين. فقد انفرد، بين زملائه، مبشراً بـ"نهاية الانتفاضة"، في يوم الثلاثاء، 11 حزيران/يونيو 1991 بالذات، حين عقد عدد من النشطاء الفلسطينيين البارزين ندوة في مسرح الحكواتي في القدس، في موضوع "إعادة تقويم الانتفاضة".[14]   وفي اليوم التالي، كتب روبنشتاين مقالة عنونها، وكأنه يستدرك، "نهاية الانتفاضة، لا نهاية النضال". وفي رأيه، أن حرب الخليج هي المنعطف الرئيسي في الطريق إلى إنهاء الانتفاضة، إذ أدرك الفلسطينيون بعد الحرب أن الإنجازات السياسية التي تحققت قد تبددت، في معظمها، بعد أن دفعوا ثمناً لها، ولم يبق لهم سوى الأضرار المتمثلة في مستوى الحياة المنخفض، والبطالة الواسعة، وتدهور المستوى التعليمي، وسيطرة الخوف من اللجان الضاربة.[15]

في المقابل، توصلت تحليلات بعض الصحافيين المعروفين، ومنهم زئيف شيف ويهودا ليطاني، إلى نتائج مغايرة تماماً لتلك التي توصل روبنشتاين إليها. فالمحلل العسكري شيف اعتبر، في مقالته المعنونة "ليست نهاية الانتفاضة"، أن لا أساس للتصريحات المتهورة بأن الانتفاضة انتهت. ولفت النظر، في سبيل دعم رأيه، إلى "عدد من الحقائق على الأرض": اضطرار الجيش الإسرائيلي، أوائل أيار/مايو، إلى استدعاء قوات من النخبة من أجل اقتحام رفح بعد أن سيطر الملثمون عليها؛ وقوع هجمات لا يقل عددها عن 290 في الفترة الممتدة من أواسط أيار/مايو حتى أواسط حزيران/يونيو؛ ازدياد الهجمات المسلحة في الفترة المذكورة بحيث بلغت 24 هجمة؛  مقتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة 49 في الفترة نفسها... إلخ. وأضاف شيف أن الفلسطينيين لا يريدون إنهاء الانتفاضة، وإنما تغييرها، وإعطاءها زخماً جديداً، والعودة بها إلى مصادرها الأولى: إلى الجماهير. وأعرب عن شكه في إمكان وقف الانتفاضة بـ"كبسة زر"، بناء على أوامر من القيادة في الداخل أو الخارج.[16]

أما يهودا ليطاني، فقد أشار إلى ازدياد "مظاهر التعب" لدى الفلسطينيين فيما عنى الانتفاضة في الأشهر الأخيرة، مثل: تجدد نشاط فرق كرة القدم، والأعراس والاحتفالات؛ والسماح للمطاعم بفتح أبوابها حتى ساعات ما بعد الظهر المتأخرة؛ وعدم الانصياع لأوامر "القيادة الموحدة" بعدم استعمال السيارات خلال أحد الأيام... إلخ، علاوة على الانتقادات الحادة التي يوجهها زعماء من الضفة الغربية إلى ظاهرة قتل "المتعاونين"، وعلى التوجه إلى تأليف حزب جديد يعارض الكفاح المسلح ضد إسرائيل ويدعو إلى إجراء مفاوضات مباشرة معها. وعلى الرغم من ذلك، كما يشير الكاتب فإن الانتفاضة لم تصل إلى نهايتها، بل إن زيادة جدية في عدد من فعاليات الانتفاضة قد حدثت في الأشهر الأخيرة بالذات، بحسب المصادر الأمنية، مثل: نشاط "اللجان الضاربة"، وارتفاع متوسط الهجمات في الشهرين الأخيرين إلى ضعفي ما كان عليه. كما أن جيوب البطالة لا تزال قائمة وتشكل طاقة كامنة لتفجرات غير متوقعة، ولا يزال مئات المطلوبين يتجولون علناً في بعض المناطق "المحررة"، وخصوصاً في قرى رام الله وجنين ونابلس. ويعرض ليطاني، في سبيل وجهة نظره، عناوين الصحف الصادرة في الفترة ما بين 12 أيار/مايو و12 حزيران،/يونيو 1991، والتي تتناول فعاليات الانتفاضة.[17]

إلى ذلك، فإن التقويمات الصحافية الأخرى كانت تقف، إجمالاً، في منزلة وسط بين القول بخمود الانتفاضة والقول النقيض باستمرارها. وفيما يلي بعض الأمثلة لهذه التقويمات.

الصحافي يزهار بار يلخص تقويمه للانتفاضة على النحو التالي:

لا شك في أن التصريحات بشأن انتهاء الانتفاضة متهورة، لكن مع ذلك ثمة ما يشهد على أن شيئاً جديداً يحدث في المناطق [المحتلة]. لقد بدأ المسار بانتهاء حرب الخليج، التي أثبتت للفلسطينيين أن قادتهم اقترفوا، مرة أخرى، خطأ جسيماً تؤثّر نتائجه – الاقتصادية أساساً – في الشعب الفلسطيني بأكمله.[18]

أما آفي بنياهو، فقد اختار لمقالة مطولة كتبها، العنوان المعبر التالي: "هدوء نسبي ومتوتر ومضلِّل". وهو يرد هذا الهدوء إلى مجموعتين من الأسباب:

1-  مجموعة متعلقة بالفلسطينيين أنفسهم: اليأس السائد في صفوف السكان الفلسطينيين، الذين يناقشون الآن علناً مسألة "الانتفاضة إلى أين!"؛ الحزن بسبب الخطيئة المقترفة في شأن إلحاق الأذى الشديد بالتعليم المدرسي خلال أعوام الانتفاضة؛ الإدانة العلنية الواسعة لقتل المشبوهين بالتعاون مع سلطات الاحتلال؛ وخصوصاً، الوضع الاقتصادي الصعب، الذي تفاقم بسبب نقصان عدد الأذونات الممنوحة للعمل في إسرائيل والانخفاض الدرامي في مستوى الحياة؛ نتائج حرب الخليج التي أثّرت في اتجاه إيجاد مناخ من الكآبة لدى الفلسطينيين. لكن ذلك، في رأي بنياهو، لا يعني أن الفلسطينيين يعيدون النظر في الانتفاضة؛ فالعداء للولايات المتحدة وحلفائها العرب شديد وملموس، و"النواة الصلبة" من نشيطي الانتفاضة تسعى للإبقاء على "جمرة الانتفاضة" متوهجة، وتعارض لقاء الشخصيات الفلسطينية مع ممثلي الإدارة الأميركية.

2-  مجموعة متعلقة بالتغيرات في أسلوب عمل القوات الإسرائيلية وفي سياسة الإدارة المدنية: يقوم أسلوب العمل الجديد على الحد الأدنى من الاحتكاك بالسكان العرب، من دون التخلي عن العمليات الهجومية ضد نشيطي "النواة الصلبة". وقد نتج من هذا الأسلوب انخفاض عدد القتلى والجرحى انخفاضاً ملموساً. كما أن الإدارة المدنية جعلت من قطاع غزة، في الأشهر الأخيرة، نموذجاً لتطبيق التغيير في سياستها ولإجراء إصلاح اقتصادي ومنح السكان تسهيلات، في ضوء توصيات اللجنة التي ترأسها عزرا سدان في هذا الخصوص. فأجرت الإدارة إصلاحاً ضريبياً، ومنحت 120 جهة أذونات لإقامة معامل ومناطق صناعية، ووافقت على تحويل 80 بيارة حمضيات إلى دفيئات للزهور، بسبب معاناة البيارات نسبة ملوحة عالية في تربتها. وأدخلت الإدارة المدنية في الضفة الغربية تعديلات موازية في سياستها.

ومع ذلك كله، يحذر قادة الجيش الميدانيون، و"بفم ملآن"، من مغبة تفسير الهدوء النسبي بغير ما هو عليه. ويؤكد بنياهو أن هذا الهدوء قد أوجد "وهماً خطراً" لدى قطاع من الإسرائيليين، كما هو الحال عند موشيه بوخريم وأمنون يهلومي، اللذين تعرضا لكمينين مسلحين في القطاع، أوائل تموز/يوليو. ويشير الكاتب إلى أن قادة الجيش ومسؤولي الإدارة المدنية ينتظرون ويحاولون الاحتفاظ – بكل ما أوتوا من قوة – بهذا الهدوء وإنْ كان متوتراً وموقتاً ومضللاً. غير أن اليأس ينتشر في صفوفهم أيضاً، مع مرور الوقت.[19]

من جهته، كان عاموس غلبواع، العميد (احتياط) الذي عمل مستشاراً في الشؤون العربية، بين القائلين إن الانتفاضة تلفظ أنفاسها، لكن بحذر. وقد عرض مظاهر هذا الوضع كما يلي: حساب النفس الذي يجريه الجمهور الفلسطيني علناً في هذه الأيام؛ قيام هيئة جديدة من معتقلين سابقين باسم حزب الاتحاد الوطني الفلسطيني تدعو إلى وقف الكفاح المسلح؛ كفّ الجماهير عن الخرج إلى الشوارع؛ ضعف ميْل التجار إلى الإضراب، وفتح المطاعم في الأَمْسِيَة، وبدء أولياء الأمور بمنع العنف في المدارس. ويرد غلبواع أسباب هذا الخفوت المباشرة إلى: حرب الخليج؛ ضعف منظمة التحرير الفلسطينية؛ الأزمة الاقتصادية الشديدة التي تبعت ذلك؛ السياسة الإسرائيلية "الحصيفة" على المستويين الأمني والمدني.

ومع ذلك كله ينهي الكاتب مقالته بما يلي:

لكن الانتفاضة لم تمت بعد! لا يزال ثمة "حماس"، ولا يزال هناك الكراهية، ولا يزال هناك الحوادث غير المتوقعة، والمزيد من كهانا.[20]

ثانياً: النقاش الفلسطيني الداخلي

أولت الصحافة العبرية اهتماماً واضحاً للنقاش الفلسطيني الداخلي الذي يدور على صفحات الصحف العربية المقدسية منذ آذار/مارس الماضي. وقد كرّس عدد من الصحافيين الإسرائيليين مقالاته، جلّها أو معظمها، لعرض مقالات نشرها فلسطينيون، أو لترجمة شبه كاملة لمثل هذه المقالات. هكذا، مثلاً، فعل يزهار بار إذ لخص مقالة كتبها رئيس بلدية طولكرم المنتخب حلمي حنون؛[21]   وميخل سيلع التي عرضت مقالة لنبهان خريشة؛[22]   ويهودا ليطاني الذي نشر بالعبرية مقاطع واسعة من رسالة واصف الشيباني المفتوحة إلى نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني.[23]   كما اهتمت الصحافة الإسرائيلية بالذروة التي وصل النقاش الفلسطيني إليها، متمثلة في الندوة التي عقدت في مسرح الحكواتي، وبالحزب الجديد الذي أُعلن تأليفه على خلفية ذلك النقاش.

وقد لاحظ داني روبنشتاين أن النقاش ظل، إلى ما قبل شهرين، يتعلق بعدد من المقالات المحدودة في الصحافة الفلسطينية، وبحوارات داخلية بين مجموعات المعتقلين الإداريين في معتقل كتسيعوت. أما منذ الأسبوعين الأولين من حزيران/ يونيو، فقد كاد النقاش يبلغ مستوى "الطوفان": مقالة تتلو أخرى في صحيفة "الفجر"، ومقالات في صحيفة "النهار" وفي الصحيفتين الأسبوعيتين "البيادر السياسي" و"الأسبوع الجديد" وغيرها. وجاءت الندوة في مسرح الحكواتي، وهي الندوة العلنية الأولى من نوعها، لتخرج "مارد النقد الداخلي من القمقم."[24]   وعاد روبنشتاين، في مقال آخر، إلى معالجة موضوع النقاش من خلال عرض المقالات التي نشرتها مجموعة من "خريجي السجون" البارزين، ضمت كلاً من: راضي الجراعي، وطلال أبو عفيفة، وسرحان سلايمة، ونبهان خريشة. وخلص الكاتب إلى القول:

بناء على ردات الفعل في الضفة وغزة، وبناء على ندوة النقد التي عقدت في القدس الشرقية هذا الأسبوع، يبدو حقاً أن هؤلاء المتحدثين يعبّرون بصدق عن جيل الانتفاضة الفلسطينية التي تبحث حالياً عن طريق جديد.[25]

وعاد روبنشتاين فتناول مقالة نشرتها "النهار"، تنتقد القيادة الفلسطينية في الخارج والداخل. وعلق على المقالة بقوله إن أية من الصحف الفلسطينية لم تجرؤ طوال أعوام على توجيه مثل هذا النقد العلني إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وأنصارها في الأراضي المحتلة. وقد قال له أعضاء هيئة تحرير "النهار" إنهم لم يتلقوا شكاوى أو احتجاجات على نشر المقالة. بل إنه سمع أن الصحيفة تلقت عدداً من التهاني لجرأتها على نشر تلك الانتقادات.[26]  أما عاموس غلبواع، كما رأينا، فقد اعتبر هذا النقاش (والتوجه نحو بناء حزب جديد) من المظاهر الدالة على أن الانتفاضة تلفظ أنفاسها.[27]

وفي واحد من التعليقات الرسمية القليلة، قال رئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية:

... ثمة أدلة كثيرة على حدوث تغير في الجو، أدلة على أن إعادة التقويم ليست على مستوى الصحف في القدس فقط، وإنما ايضاً على مستوى الإنسان البسيط، الذي يعيد حساباته فيما عنى محاسن الانتفاضة وقيودها بالنسبة إليه.[28]

وقد تناولت افتتاحية لـ"هآرتس" أصوات النقد الداخلي في الأراضي المحتلة، فحذرت من الوقوع في خطأ الافتراض أن هذه الأصوات تدل على تغيير جوهري في المواقف الأساسية التي تتبناها الشريحة القيادية في تلك المناطق. ذلك بأن هذه الشريحة تسعى لتحقيق الأهداف نفسها، لكن بواسطة طريق وأسلوب جديدين. ومع ذلك، شددت الافتتاحية على ضرورة الإصغاء جيداً إلى هذه الأصوات، واغتنام فرصة ضعف الانتفاضة لتشجيعها؛ وذلك باتباع سياسة سليمة تبحث عن الوسائل الآيلة إلى إنهاء الانتفاضة، من خلال التحادث مع "العناصر المعتدلة الجديدة".[29]

إلى ذلك، تناولت الصحافة العبرية موضوع إنشاء حزب جديد في الأراضي المحتلة، تحت اسم حزب الاتحاد الوطني الفلسطيني. ووفقاً للمصادر الصحافية، يضم الحزب ثلاثين إلى أربعين سجيناً محرراً، أعضاء في حركة "فتح"، كانوا قد اختلفوا مع ياسر عرفات في إبان الانتفاضة، "لأنهم لم يتقلدوا مناصب". وكان هؤلاء أجروا اتصالاً بالأردن في أيار/مايو 1988، خلال زيارة نائب مدير وزارة شؤون الأرض المحتلة. ووزعوا، في صيف السنة التالية، خمسة بيانات تعارض فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية. وقبل نصف عام، أجروا اتصالاً بالسفارة السعودية في عمان. كما أعربوا، عشية مبادرة بيكر، عن استعدادهم للقاء الأميركيين.[30]

أما مبادىء الحزب الجديد، فقد عرضها كامل طبنجة، الوحيد الذي تحدث علناً باسم المجموعة، في لقاء صحافي، كما يلي: مقاومة الاحتلال بوسائل غير عنيفة من أجل حشر إسرائيل في الزاوية، ودفعها إلى إجراء مفاوضات مع وفد عربي شامل. وقد أكد "أننا لا نريد أن نكون بديلاً من م. ت. ف.، وإنما أن نمشي في طريق موازية." كما نفى وجود أية صلة بين المجموعة والأردن.[31]

لكن روبنشتاين، الذي أجرى اللقاء مع طبنجة، أعرب عن شكه في وجود الحزب. فالجمهور الفلسطيني لا يعلم شيئاً عن الحزب، وينظر إلى طبنجة نفسه بعين الريبة. كما أن المحامية ليئا تسيميل، التي دافعت عن طبنجة قبل عشرة أعوام، أعربت عن ريبتها بسبب السرية التي ينشط الحزب بها. ونقل روبنشتاين عن فتيان التقاهم في القرية التي يسكنها طبنجة دهشتهم عندما علموا أن ابن قريتهم، الذي حمل السلاح فيما مضى، تحول فجأة إلى داعية سلام. ونقل روبنشتاين عن أحدهم  قولاً أنهى به مقالته: "للأسف الشديد، هنا واثقون بأن لا شيء ينفع سوى الكفاح المسلح."[32]

وابدت صحافية أخرى شكوكاً مشابهة تجاه الحزب الجديد، فقالت إن لا أحد في الأراضي المحتلة سمع شيئاً فيما يتعلق بوجود هذا الحزب. كما أن وصف "محرري صفقة جبريل"، التي وُصف أعضاء المجموعة بها، غير ذي أهمية في نظر الفلسطينيين، إذ إنه لا يصف موقفاً سياسياً أو أي موقف آخر، باستثناء الواقعة الزمنية انهم حُرروا في أيار/مايو 1985.[33]

[1]   على حد تعبير رئيس الحكومة الإسرائيلية، يتسحاق شمير، في الجلسة التي عقدتها الحكومة في الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر 1987. أنظر: "دافار"، 14/12/1987.

[2]   كما جاء في التقارير التي قدمها رئيس هيئة الأركان وكبار الضباط في جلسة الحكومة. أنظر: "دافار"، 14/12/1987.

[3]  "هآرتس"، 29/12/1987.

[4]  المصدر نفسه، 10/7/1991. أنظر أيضاً: المصدر نفسه، 13/6/1991.

[5]  "هآرتس"، 19/6/1991.

[6]  المصدر نفسه، 30/6/1991.

[7]  المصدر نفسه، 3/7/1991.

[8]  "دافار"، الملحق الأسبوعي، 21/6/1991، ص 13.

[9]  "هآرتس"، 30/6/1991.

[10] أنظر: المصدر نفسه، ص 9/7/1991.

[11]  "هآرتس"، 2/7/1991.

[12]  "دافار"، 6/6/1991. أنظر أيضاً: "معاريف"، 6 – 7/6/1991.

[13]  عن الاستعداد للتصعيد، أنظر: ميخل سيلع ويورام ليفي، "دافار"، 4/6/1991.

[14]  "هآرتس"، 12/6/1991. التفاصيل عن تناول الندوة ستأتي لاحقاً في هذا المقال.

[15]  "هآرتس"، 13/6/1991. للاطلاع على رأي مشابه، لكن متحفظ، أنظر: أ. شفايتزر، "هآرتس"، 21/6/1991.

[16]  "هآرتس"، 19/6/1991.

[17]  "عال همشمار"، 14/6/1991.

[18]  "هآرتس"، 24/6/1991.

[19]  "عال همشمار"، 12/7/1991.

[20]  "معاريف"، 13/6/1991.

[21]  "هآرتس"، 29/3/1991.

[22]  "دافار"، 26/6/1991.

[23]  "عال همشمار"، 14/6/1991.

[24]  "هآرتس"، 13/6/1991. أنظر، أيضاً، مقالة روبنشتاين عن الندوة، في: "هآرتس"، 12/6/1991.

[25]  "هأرتس"، 14/6/1991.

[26]  المصدر نفسه، 8/7/1991.

[27]  "معاريف"، 13/6/1991.

[28]  "هآرتس"، 3/7/1991.

[29]   المصدرنفسه، 13/6/1991. من اللافت أن افتتاحية صحيفة أخرى في اليوم ذاته ("معاريف"، 13/6/1991) تناولت ظاهرة النقاش الداخلي – بأبعادها المتنوعة – وخلصت إلى النتيجة ذاتها التي وصلت "هآرتس" إليها، إذ قالت: "الأمر المهم الآن هو عمل كل شيء من أجل تحرك سياسي يعزز الاتجاه نحو إنهاء الانتفاضة."

[30]  "عال همشمار"، 14/6/1991.

[31]  أجرى اللقاء داني روبنشتاين، أنظر: "هآرتس"، 27/6/1991.

[32]  "هآرتس"، 27/6/1991.

[33]  ميخل سيلع، "دافار"، 13/6/1991.

Read more