The Peace Conference: Calendar of the Madrid Stage, Prospects for the Next Stages (Interviews)
Keywords: 
مؤتمر مدريد 1991
عملية السلام
عرب 1948
تسوية النزاعات
Full text: 

يحتوي هذا الملف على أجوبة عدد من الشخصيات الفكرية الفلسطينية والعربية، التي تمثل مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية، عن سؤال وجهته "مجلة الدراسات الفلسطينية" هو: في ضوء بدء أعمال "مؤتمر السلام" ما هي، في رأيكم، الآفاق التي يطرحها لحل أو عدم حل القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي؟ وقد أدرجنا الأجوبة أدناه بالتسلسل الأبجدي لأسماء هذه الشخصيات.

ويتضمن الملف أيضاً رسالة ربى الحصري من مدريد، ورسالة وليد العمري عن آراء فلسطينيي 1948 في عملية التسوية، ومقال أحمد خليفة عن المواقف الإسرائيلية من هذه العملية. وأوردنا وثائق مدريد كاملة في صدر باب "الوثائق" في هذا العدد.

 

إبراهيم غوشه* : المؤتمر مفرق

طرق بين المجاهدين والمتعبين

       نلاحظ من نظرة سريعة إجمالية إلى فعاليات مؤتمر مدريد – الذي مرّ عليه أسبوع تقريباً – أن الخطاب الأميركي كان أدنى في مبادراته من مبادرة بوش في السادس من آذار/مارس في السنة الحالية، بينما كان الخطاب الإسرائيلي عدمياً من أية مبادرة وقاحلاً كالصحراء، الأمر الذي أصاب البعض بخيبة الأمل، وخصوصاً للذين كانوا يعولون عليه. أما الخطاب الفلسطيني فكان متدنياً في سقفه، وأقرب إلى الشعر في لغته منه إلى السياسة. وبقية الخطابات العربية متوقعة: فالخطاب السوري ملتزم موقفه باستعادة الأرض في مقابل السلام، والأردني أكثر مرونة وحماسة لدخول المفاوضات الثنائية المباشرة، والإقليمية الشاملة. أما المجموعة الأوروبية، فكان خطابها أكثر إنصافاً للجانب العربي من الخطاب السوفياتي الذي بدا ضعيفاً منكفئاً على مشكلاته الداخلية، بينما جاء الخطاب المصري أكبر مما هو متوقع منه.

              ومع أن الجانب الفلسطيني قد حقق اختراقاً إعلامياً كبيراً في جدار الرأي العام العالمي، فإن الحقيقة الباردة والمجردة هي أن الفلسطينيين الذين قاتلوا اليهود أكثر من سبعين عاماً – وبعد ثلاثة وأربعين عاماً من حرب 1948 وإقامة الدولة اليهودية – قد جلسوا أخيراً مع باقي العرب وجهاً لوجه من غاصبي أراضيهم ومشردي شعوبهم، وقدموا لليهود الاعتراف العملي بشرعية الكيان اليهودي. وعلى الرغم من الهستيريا المفتعلة، وخصوصاً في الساحتين الفلسطينية والأردنية، بشأن كسب معركة السلام في فصلها الأول – والتي تذكرنا بهستيريا تحرير فلسطين عشية حرب 1967، أو هستيريا "أمّ المعارك" والحرب البرية عشية حرب الخليج الأخيرة – فإننا نخشى دورة جديدة من الإحباط واليأس سيمر بها الشعب الفلسطيني والعربي عندما يتأكد أنه ليس أمامه إلا الحكم الذاتي للسكان على المحور الفلسطيني، وتطبيع العلاقات وتوقيع اتفاقيات السلام على المحور العربي، وخصوصاً أن دولة عربية كبرى – مصر – قد مر عليها عقد من الزمان بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد، وزادت آلامها ومشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية، وغدت رهينة للسيد الأميركي يتحكم في كل شيء فيها، بدءاً برغيف الشعب وانتهاء بالقرار المصري.

لذلك، فإن آفاق الحل التي يطرحها مؤتمر مدريد آفاق خادعة ومكذوبة، تخدع النفس وتكذب الأمل. وهي في مجملها مصممة لتحقيق أهداف العدو اليهودي في تأمين الهجرة، وإنشاء المستعمرات، وفتح المجال للتوسع المستقبلي في البوابتين الشرقية والشمالية وربما البوابة الجنوبية أيضاً. وقد استخدم أنصار مدريد في الجانب الفلسطيني والعربي إعلاماً مركزاً، بعد أن كتموا الرأي الآخر وعتموا عليه، فتم الاتكاء على الوضع العربي المتردي مبرراً للذهاب إلى المؤتمر، مع أننا لاحظنا نشاطاً توحيدياً عربياً فلسطينياً، قبل المؤتمر وفي أثنائه، لإنجاح هذا المؤتمر المعدوم الثمار. وكان في الإمكان أن يقدم هذا النشاط التوحيدي لجمع الكلمة ورص الصفوف من أجل بلورة موقف قوي يقاوم الضغط الأميركي اليهودي. كما أن ترويج نظرية المتغيرات الدولية، سواء ما بعد حرب الخليج أو تفكك الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية و... إلخ، والاعتماد أيضاً على هذه النظرية مبرراً للذهاب إلى المؤتمر، بدّدا أية أوراق ضاغطة، مع أن عوامل التفكك سواء في الاتحاد السوفياتي أو في غيره هي عوامل ايضاً قابلة لتفعل فعلها في الولايات المتحدة نفسها وفي الكيان اليهودي نفسه، حيث العوامل العرقية والطائفية والاجتماعية موجودة هناك أيضاً. وبإدخال عامل الزمن سنرى أيضاً تفككاً في هذه الدول الاسبارطية أو الرومانية المظهر في الوقت الحاضر. أما التساؤل الأخير الذي يوجه إلى قطاعات الشعب المذهول: ما البديل؟ فالجميع يعلم أن التمسك بمفتاح مستقبل الأجيال المقدس والصبر والوحدة، وفسح جميع مجالات الحرية والديمقراطية، والاعتماد على الذات، ووحدة النسيج بين الحاكم والمحكوم، وأخيراً استمرارية الجهاد الفعلي، هذه كلها تعتبر البديل المجرب الذي سارت عليه شعوب قبلنا، مثل الشعبين الفيتنامي والجزائري وغيرهما، ونالت استقلالها وحررت أراضيها بعد أن دفعت الثمن المطلوب، والذي لا يمكن لأنظمة فردية لم تنبثق من إرادة شعبية ديمقراطية أن تختار هذا الطريق بل تختار الطريق الأسهل الذي يحافظ على مكتسباتها وامتيازاتها، وهو طريق التنازل والاستسلام مع الأسف.

لا شك في أن مؤتمر مدريد هو مفترق طرق بين المجاهدين والمتعبين، وبينهما الآن زاوية تتسع لتصل إلى 180 درجة. والشعوب العربية، ومنها الشعب الفلسطيني، محشورة بين هذين الاتجاهين وعليها أن تختار، إن آجلاً أو عاجلاً، أي الطريقين. ولا نجامل أحداً بأن الوحدة الوطنية ستكون ممتحنة في الفترة المقبلة. ونحن نلاحظ أن الانتفاضة المباركة التي أجمع الجميع عليها، وكانت تعبيراً مجسداً للوحدة الوطنية، أخذت التساؤلات الكبيرة تكتنفها من كل جانب. فالفريق الذي كان يريدها طريقاً إلى طاولة المفاوضات سيضيق ذرعاً بها، وسيعمل على التخلص منها بأسرع وقت. والفريق الذي كان يريدها طريقاً إلى توحيد الشعب الفلسطيني والعربي المسلم، تمهيداً لتطويرها كي تكون جهاداً متواصلاً يشارك الجميع فيه، جيلاً بعد جيل، سيعض عليها بالنواجذ. ونحن ننصح للمتعبين والمتعجلين بالتروي وعدم التصارع بشأن جلد الدب قبل اصطياده، وبترك القوى المعارضة لمؤتمر مدريد تعبر عن نفسها، فلربما كانت هي قارب النجاة الوحيد في ظلمات الهيمنة الأميركية واليهودية التي تظلل المنطقة في هذه الأيام.

 

أبو علي مصطفى*: ما يجري

لا يمنح الشعب الفلسطيني

الحد الأدنى من حقوقه

                        بداية، من المهم أن نوضح أن ما يسمى مؤتمر السلام هو ليس كذلك، إذ نفهم أن السلام يقوم بين قوى لها مصالح متناقضة تاريخية أو راهنة، تبحث عن تسوية أساسها مساومة. ومن البديهي أن يكون أحد الطرفين (أو الأطراف) معترفاً بمصالح الطرف الآخر. وفي التاريخ الحديث جرت منازعات شديدة بين دول وشعوب، كانت تنتهي بعقد تساومي متراض عليه.

إلاّ إن الصفة التي تأسس عليها الصراع العربي – الإسرائيلي، وفي مقدمته الجوهر والأساس فلسطين وقضية شعب فلسطين، لا يمكن أن توصف أو تقع في دائرة المنازعات، بل هي بدأت بوجودين متناقضين متناحرين، ما زال فيها طرف يصر على نفي وجود الطرف الآخر كلياً، وهو ما يحدد أيديولوجياً إسرائيل وسياستها، والمنفي هنا هو الشعب الفلسطيني.

إن العالم يدرك هذه الحقيقة، ولذا سجل نظرياً عشرات القرارات الدولية التي تستجيب لهذه الحالة. إلاّ إنه لم يقدم علاجاً، الأمر الذي جعل من مسألة الصراع مسألة مصيرية – تاريخية، ذات بُعد استراتيجي.

الآن نستطيع أن نرى الانتقال اللاجوهري في سياسة الإمبريالية نحو حل أزمة الشرق الأوسط، المنطلق من مسلمتين بحسب رؤيتها.

الأولى: السيادة الكونية ووحدانية الدولة الأعظم، والتي مهد لها الانهيار في المعسكر الاشتراكي، وكان خادمها الأمين في هذه السيادة الكونية برنامج غورباتشوف.

والثانية:    النتائج التي ترتبت عن أزمة وحرب الخليج، التي كرست انتصاراً للإدارة

الأميركية، ووظفت فيه لحظة الفوز بالقول للعرب إنكم مهزومون جميعاً، وإسرائيل منتصرة، ونحن نريد أن نخفف عنكم في التسوية شروط المنتصر.

من هنا تنطلق رؤية ما يسمى "مؤتمر السلام"؛ هل هو مؤتمر تسوية قاعدتها المساومة المنطلقة من المصالح؟ أم مؤتمر سلام الاستسلام المنطق من قاعدة القوة؟

              نحن نعتقد أن التشخيص الثاني هو الأدق؛ لذا اعتبرنا أن المساعي الأميركية، منذ جولاتها الأولى، برمجة عملية تصفوية استسلامية يفرض المنتصر فيها إرادته، تحت وقع مقولة أن الآخرين مهزومون.

              هناك حل تسوية مساومة كان له رأي عام دولي وعربي وفلسطيني مدعوم بسلسلة قرارات من منظمات وقوى إقليمية، يقوم على أساس مؤتمر دولي بإشراف الأمم المتحدة، وقراراتها الأساس القانوني، وحضور الأطراف كافة بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية إطاره، وتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية المغيبة لمدة 43 عاماً هدفه؛ هذا الحل أسقطته الإدارة الأميركية من اللغة السياسية الدولية والإقليمية، بفضل العاملين اللذين في حيازتها (وحدانية الدولة الأعظم، وانتصارها في حرب الخليج).

              إذاً، نحن أمام حل من نوع آخر، حل يقوم على فرض الشروط، شروط الأقوى، يفرض قواه ولا يضع المساومة أساساً – كما سموها هم الأرض في مقابل السلام – بل حولوها إلى فخ لاصطياد المخدوعين، وتحولت بذلك قاعدة التسوية اللاسلمية إلى سلام في مقابل سلام، وإنْ شئت الدقة استسلام. وهذه مقولات الحكومة الإسرائيلية السائدة في لغة المؤتمر كأساس، على الرغم من بلاغة الخطابة العربية، تؤكد هذا المنحى.

فإذا ما أخذت هذه القاعدة التي رسمتها الإدارة الأميركية، والتي قررت التحرك على خطوطها، يتبين لنا أكثر مكانة ودور اللاعب الفلسطيني المقررة سلفاً خطوط حركته، بحل عبر إدارة الحكم الذاتي، والذي بدأ مؤشر عدم السماح بخروجه عن خطوط اللعبة المقررة، في صوغ التمثيل وقبله، إسقاط الأمم الستة التي قررها المجلس في دورته العشرين بما فيها مسألة القدس قضية وتمثيلاً، ومسألة وقف الاستيطان إلخ... هذا المنحى يؤشر لقبول خطة رئيس الحكومة الإسرائيلية لسنة 1989، والتي هي إسقاط كامل للبرنامج الوطني الفلسطيني بعناصره الرئيسية. والآن يجري تطبيع التساوق مع المشروع الأميركي، بحيث تكون بصمة اليد الفلسطينية على هذا المجرى.

فالسؤال أي حل هذا؟ سوى أنه الحل الذي عرضه موشيه دايان سنة 1967، عشية حزيران/يونيو، على السيدين محمد علي الجعبري وعزيز شحاده.

أي حل هذا الذي يكرس الاحتلال وسيادته، بأمل أنه موقت وسيفتح الباب أمام البحث فيه نهائياً بعد ثلاثة أعوام؟ فإذا كانت الأمور على هذه السوية منذ اليوم، فما الذي سيكون الوضع عليه بعد ثلاثة أعوام في المحيط العربي (علاقات اقتصادية – سياسية – ثقافية – سياحية)؟

في كل الأحوال، ما يجري ليس الحل الذي ينشده الشعب الفلسطيني، ولا هو الذي كافح من أجله لنيل الحد الأدنى من حقوقه. وبالتالي، لا أرى أفقاً لسلام حقيقي ولاستقرار في المنطقة. وأتوقع أن يحدث الاختمار غير القادر على تحويل المسار في هذه الفترة، انفجارات هائلة في المنطقة، تعيد الصراع التناحري إلى مجراه الذي يؤكد أن لا سلام ولا استقرار في الشرق الأوسط من دون نيل الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية، وفي مقدمها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس.

إن الأجيال لا تحكمها الوثائق، ولا يقيد إرادتها مَنْ لا يستجيب لوعيها. وما يجري ليس نهاية المطاف. وما هو راهن ليس أبدياً. والإرادة الأميركية – الإسرائيلية ليست قدراً لا خلاص منه. 

 

الياس شوفاني*: الوفد الفلسطيني

تنكر للحق التاريخي لشعبه في وطنه

ليس فيما ينطوي "مؤتمر مدريد" عليه ما يمكن تسميته، ولو مجازاً، حلاً للصراع العربي – الصهيوني، وفي ضمنه القضية الفلسطينية، على الأقل من المنظور العام لحركة التحرر العربية، بمنطلقاتها وشعاراتها وأهدافها. وبالتالي فهو، من زاوية النظر هذه، ليس خياراً سياسياً. وعلى العكس، فإن ما يجري في سياق ذلك المؤتمر، وما يتم العمل على تحقيقه من خلاله، هو أقرب إلى تصفية تلك الأهداف القومية والوطنية منه إلى تسوية الإشكاليات المترتبة عليها. ومع ذلك، وعلى الرغم من التئام المؤتمر، فمن المبكر الحكم بوصوله إلى غاياته، وذلك بغض النظر عن المؤشرات الخطرة التي يدل عليها.

ولا يختلف عاقلان في أن عقد المؤتمر لم يأت نتيجة تبلور الأوضاع الذاتية للأطراف المنخرطة فيه، بحيث أصبح ذلك يستلزم إعادة صوغ العلاقات فيما بينها انسجاماً مع واقع جديد تشكل بفعل التطور الطبيعي للأمور. بل الواضح أن المبادرة إلى الدعوة إليه، بعد تمهيد الطريق أمام ذلك، وخلال فترة زمنية طويلة، جاءت من واشنطن، وأن تلبية الأطراف الأخرى للدعوة كانت نزولاً عند رغبة الإدارة الأميركية، طوعاً أو قسراً. وعليه، فالأكيد أن هدف المبادرة ليس خدمة مصالح شعوب المنطقة بقطاعاتها الواسعة، بل تكريس الهيمنة الأميركية عليها، بما يخدم مصالح احتكاراتها، في إطار منظور واشنطن للنظام العالمي الجديد، وموقعها فيه. وإذا استطاعت الولايات المتحدة تحقيق غاياتها من المؤتمر، فذلك يستوجب توضيب أوضاع الأطراف الإقليمية المعنية بما يمهد السبيل أمام ذلك. ويصبح السؤال: ماذا تريد الولايات المتحدة، وبالتالي كيف تنظر إلى مواقع تلك الأطراف في إطار استراتيجية تحقيق غاياتها، وهل تستطيع الجمع بينها على هذا الأساس؟

تروج هذه الأيام مقولة أن واشنطن في سعيها لقيادة العالم في مرحلة النظام الجديد، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة، وعقب حرب الخليج الثانية وما تمخضت عنه، وفي إطار تصورها لبروز مراكز قوى منافسة لها في أوروبا واليابان، وأهمية نفط الخليج بالنسبة إليها في هذا السياق، تريد أن تغير من الخط السياسي الذي كانت تنتهجه إزاء المنطقة في السابق، لا بهدف الانكفاء عن الأهداف، بل بغرض سلوك السبيل الأفضل للوصول إليها وتأمينها. وهذا يستلزم إجراء بعض التعديلات في مواقفها السابقة، الأمر الذي يتطلب من القوى المحلية إعادة النظر في مقولتها، والتكيف، سلباً أو إيجاباً، إزاء هذه المتغيرات، على قاعدة استخلاص الدروس من تجارب الماضي. وعمومية هذه المقولة تحدد شمولية الآخذين بها، وبالتالي اتساع دائرة رواجها، سواء بين مؤيديها أو معارضيها.

إن الإقرار الصادق بعدم توفر الأهلية لتحديد معالم السياسة الأميركية بدقة في المرحلة المقبلة، لا يلغي التأكيد المتواضع بضرورة الوقوف ضدها. انطلاقاً من الاقتناع الراسخ بأنها ترمي إلى جعل مصالح شعوب منطقتنا مادة لتحقيق أغراضها الإمبريالية، لا موضوعاً همُّه تحسين أوضاع هذه الشعوب، وبالتالي إعادة صوغ العلاقات بها بما يخدم ذلك. أما بشأن ما يترتب على هذا الموقف، وتحديداً الاشتباك بالشكل المتاح مع هذه السياسة الاستعمارية، فيستلزم بالضرورة معرفة أكثر دقة وتفصيلاً بالمسارات التي ستتخذها، مع تأكيد وجوب تحاشي الوقوع في المحظور، بإحداث الشرخ بين الذاتي المتكون من تبلور أوضاع القوى التي تشكل المعسكر الصديق، وبين الموضوعي المترتب على حركة الطرف المضاد وأثرها في الواقع. وفي هذا ما يساعد على منع حدوث الانفصام بين الشكل والمضمون في بناء أداة الاشتباك مع تلك السياسة، وبالتالي ما يقلص إمكان وقوع الخلل في أوجه النشاط، وتلافي الأزمات الذاتية. وهذا، بدوره، يستوجب من القوى المتضررة نتيجة هذه السياسة، وعليه، المعادية لها، أن تسارع إلى تشكيل جبهتها لمواجهة الخطر الداهم، وإلى تحديد التخوم والعلاقات بين القوى المنخرطة في الصراع، وعلى الجانبين، وخصوصاً أن مثل هذه السياسة الأميركية سيكون بالضرورة استغلالياً قمعياً، وإذا نجح في تبديد بعض التناقضات بين بعض القوى فإنه سيخلص تناقضات جديدة مع القوى الأخرى، الأمر الذي يبقي الصراع مفتوحاً في المنطقة، حتى لو اتخذ أشكالاً مختلفة.

وفي أية حال، فإن من المبكر الجزم بحدوث تغيرات جذرية في السياسة الأميركية، كما يحلو للبعض أن يروّج، حتى لو كان هناك مؤشرات أولية على ذلك. فهذه المؤشرات لم تختبر في الواقع بعد، والتكهنات بشأن مداها سابقة لأوانها. وإذا افتُرض جدلاً أن هناك توجهات جديدة لدى الإدارة الأميركية الراهنة، بدلالة إصرارها على جمع الأطراف التي تعتبرها معنية في مؤتمر مدريد، وإعلانها عزمها على متابعة بذل الجهد لتوصيل هذا المسار إلى الغايات التي أعلنها الرئيس بوش في خطابه لدى افتتاح المؤتمر، فإن ذلك لا يشكل إلى الآن ضمانة بأن المؤتمر سيحقق النتائج المرجوة منه. وهذا بإقرار الأطراف المشاركة فيه نفسها.

واستطراداً، وعلى أساس الافتراض أعلاه، فإن عَقْد المؤتمر جاء عشية بدء حملة بوش الانتخابية، والأكيد أن مجرياته ستسير على إيقاعها، ولعل نتائجه تكون مرتبطة بنتائجها ارتباطاً وثيقاً. وعليه، هل يستبعد سقوط مبادرة بوش بسقوط صاحبها، كما حدث مع سلفه كارتر؟ وإذا حدث العكس، ونجح بوش في الانتخابات، فهل ستتشكل على الساحة الأميركية قاعدة معقولة لدعم التوجهات التي يجري الكلام عنها، بحيث تتحول إلى سياسة ثابتة مستندة إلى أسس مستقرة نسبياً، تؤهلها للتقدم نحو إنجاز أهدافها؟ إن تاريخ السياسة الأميركية في المنطقة يشير إلى عكس ذلك، ودعوة بوش الحديثة إلى نسيان التاريخ موعظة هي بحاجة إلى من يمارسها أكثر ممن يبشر بها، وتعديل الخط السياسي الأميركي، في ضوء المتغيرات الكونية والمحلية أمر لا يزال يحتاج لا إلى الإثبات في الواقع الملموس فحسب بل أيضاً إلى تشكّل قاعدة مستقرة له في مركز القرار الأميركي، أي داخل مجموعة الاحتكارات الكبرى التي يشكل "البيت الأبيض" ممثلها في واشنطن، كما يشكل الكيان الصهيوني ممثلها في منطقتنا، كونه مركزاً إقليمياً مضاداً لمصالح شعوبها، وقاعدة للعدوان عليها، بهدف التحكم في المسارات الجارية في عواصمها، والمعبرة عن حركة جماهيرها.

إن نظرة سريعة إلى المسارات التي أدت إلى عقد مؤتمر مدريد، وما تمخض عنه هذا الحدث، سواء لناحية الشكل أو المضمون، وما ترتب عليه من مؤشرات على الخطوات اللاحقة، تبرز أنه ليس مسرحاً لدراما حيكت فصولها بإحكام مسبقاً، ولم يبق منها إلاّ عملية الإخراج؛ فالكل يعترف بأن المفاوضات ستكون معقدة وطويلة. وإذا كان هناك من يمتلك تصوراً شمولياً للعملية بكل جوانبها، فهو الطرف الأميركي فحسب. أما الأطراف الأخرى المشاركة، فلها تصورات ذاتية متباينة، لا تشكل عند الجمع بينها وحدة تكاملية تستطيع، في المسارات اللاحقة، أن تولِّد ظاهرة قابلة للحياة.

وفي الاستجابة للمبادرة الأميركية إلى عقد المؤتمر، يبرز سلوك كل من الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية في الطريق إلى مدريد، وهما الطرفان النقيضان بشكل قطبي، أو على الأقل من المفترض أن يكون الأمر كذلك. والواضح أن حكومة الكيان ذهبت إلى المؤتمر مكرهة، بينما الجانب الفلسطيني وصل متهافتاً. فهل ظاهر الأمر في المؤتمر يعكس باطنه، أم أن ذلك تعبير عن طبيعة الوفدين إلى المؤتمر فحسب، لا انعكاس حقيقي لموقع البُعدين اللذين يمثلانهما في الصراع، وبالتالي في الموقف من مؤتمر مدريد؟ وفي المؤتمر كان شمير أكثر أمانة بما لا يقاس في التعبير عن المنطلقات الصهيونية مما كان الوفد الفلسطيني في تعبيره عن ثوابت العمل الوطني الذي ادّعى تمثيله، أو على الأقل حمل اسمه. وليس أدلّ على ذلك من الخطابين اللذين ألقاهما رئيسا الوفدين في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر: فقد كان شمير وفياً إلى حد التزمت – للخرافة الصهيونية بشأن فلسطين، وأميناً – إلى حد التعنت – على صيانة مرتكزات المشروع الصهيوني؛ بينما تنكر الوفد الفلسطيني للحق التاريخي لشعبه في وطنه، وتجاهل مرتكزات وحدة هذا الشعب، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وكذلك نضالاً ومصيراً. وهذا، طبعاً، بصرف النظر عن السمات البلاغية للخطابين، حيث الفصاحة العربية سددت للرطانة العبرية طعنة نجلاء! وإذا كان تعنت شمير يعبر عن حرصه على صيانة مرتكزات المشروع الصهيوني، فإن تهاون الوفد الفلسطيني يشير إلى التخلي عن مقومات العمل الوطني الفلسطيني. لقد جهد شمير في تكريس الخرافة الصهيونية، بينما وظف الوفد الفلسطيني طاقته البلاغية في تمويه الحقيقة التاريخية.

إن قلق حكومة شمير مما تنطوي المبادرة الأميركية عليه، وبالتالي انعكاس مشاركة الكيان في المؤتمر على المؤسسة الحاكمة فيه، وما أحدثه ذلك من تعارضات داخلها، وبروز تشكلات وتكتلات متباينة في مواقفها، لا يسمح إلى الآن باستخلاص النتائج في شأن مصير العلاقة الخاصة بين الكيان والولايات المتحدة، وهي التي تشكل حجر الزاوية في أمنه على المستوى الاستراتيجي الأعلى، أي المتعلق بمبرر وجوده. فالخطاب الأميركي، وكذلك السلوك العام في الحركة، لا يتركان مجالاً للشك في عزم الولايات المتحدة الاستمرار في تدعيم الشق العسكري – الثكنة – من المشروع الصهيوني، بدلالة الإعلان المتكرر عن توطيد "التعاون الاستراتيجي" معه. ويبدو أن الشك يساور قيادة الكيان في شأن آهلية الشق اليهودي الاستيطاني من ذلك المشروع لمواكبة المتغيرات، وقدرته على إعادة صوغ الذات بما ينسجم مع الواقع الذي قد يتشكل، أي إمكان الحفاظ على وحدة مرتكزات هذا الشق، وهي العلاقة بين المستوطنين والشتات اليهودي، وبين الهوية والأرض، والمهم العلاقة بين القاعدة الاستيطانية و"البلد الأم".

فالكيان الصهيوني، الذي هو في الجوهر ثكنة استيطانية، لا يزال في قيد الإنشاء ولم يستكمل بناءه الذاتي بعد، كما أنه لم يحقق أهدافه العدوانية كاملة ليكرس مبرر وجوده كثكنة، دورها الأساسي في محيطها. وكونه انطلق، في بناء قاعدته الاستيطانية، من نقطة الصفر في العلاقة بين المهاجرين والأرض، وكذلك علاقتهم بالمحيط وبالبلد الأم، وراح يشيدها على أساس الموازنة بين هذه المرتكزات في نضوجها، فإن قطع الطريق على التنامي المتوازن بينها في مرحلة البناء يضعها في تعارض بعضها مع بعض، ويعرقل تفاعلها السليم عند الجمع بينها على طريق الاستكمال. وهنا يكمن سر القلق لدى القيادة الصهيونية، حيث كانت هذه المشكلة، ولا تزال، في صلب أزمة الكيان الاستراتيجية، والتي ظل يسعى للخروج منها من دون طائل إلى الآن، واختلفت في داخله الآراء بشأن تحديد معالم المحطات المرحلية لإنجاز الهدف النهائي، وانقسم جمهور المستوطنين فيه إلى نصفين متعادلين تقريباً، الأمر الذي يحول دون قدرة الكيان راهناً، وفي المستقبل المنظور، على تحديد حدوده البشرية والجغرافية والسياسية.

وجاءت المبادرة الأميركية لتزيد أزمة الكيان عمقاً، والتوتر داخل جمهور المستوطنين حدة، وبالتالي سلوك حكومة الكيان إزاء مؤتمر مدريد، وما يطرح فيه من مشاريع لا تشكل في نظرها محطات ملائمة للانطلاق إلى المراحل التالية من المشروع الصهيوني. وكان مجرد حضور المؤتمر سبباً كافياً لتصدع التكتلات الحزبية في الكيان، وعلى الجانبين، المعارضة والسلطة. أما وقد عقد مؤتمر مدريد، فإن حكومة الكيان ستعمل كل ما في وسعها لإفشاله وعرقلة مساراته، وستحشد كل دعم مستطاع لها في هذا السبيل. والأكيد أنها ستستغل هامش المناورة الذي تتيحه لها الحملة الانتخابية للرئاسة في الولايات المتحدة، لكنها في نهاية المطاف ستخضع لإرادة واشنطن، لأن لا مناص لها من ذلك. ويبقى السؤال: ما هو مضمون هذه الإرادة؟ ويبقى الجواب رهناً بنتائج الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة!

في المقابل، ذهب الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد وكأنه نهاية التاريخ، الذي بدايته في الانتفاضة قبل أربعة أعوام؛ فكان حضوره، شكلاً ومضموناً، تغييباً للحقيقة الفلسطينية، وتشويهاً للبعد الفلسطيني في الصراع القومي مع الكيان الصهيوني، ونفياً للخصوصية التي لهذا البعد في النضال ضده، سواء ما يتعلق بقاعدته الاستيطانية أو بدوره العدواني. والمفارقة الغريبة أن هذا الحضور الجزئي كان يشترط التغييب الكلي للبعد الفلسطيني، أي أن الجزء حضر على حساب الكل وليس من أجله أو في سبيله. وبغض النظر عن آهلية الوفد أو عدمها، الأمر الذي لا يغير كثيراً إذا حقق مؤتمر مدريد غاياته، فلا يجوز تحميل هذا الوفد المسؤولية عما آلت الأوضاع إليه.

فجذر الخلل في الحضور الفلسطيني لمؤتمر مدريد، منطلقاً ومآلاً، أرضية وسقفاً، هو في العجز القومي العربي، الذي ترتب عليه تحميل منظمة التحرير، وبرغبة جامحة منها، وهي أضعف حلقات النظام العربي، وزر القضية المركزية للأمة وكذلك في سلوك القيادة المتنفذة للمنظمة، التي حملت بدورها الانتفاضة ما لا قِبَل لها به، مشوهة بذلك طبيعة العلاقة الواجب قيامها بين الداخل والخارج في العمل الوطني الفلسطيني. فتلك القيادة سعت منذ البداية لتجيير مفاعيل الانتفاضة في سبيل حل أزمتها السلطوية، وانتهت إلى تجيير القضية الوطنية والثورة ومنظمة التحرير في سبيل توصيل وفد الداخل إلى مؤتمر مدريد، ليعلن، ومنذ بداية الشوط، قبوله بالحكم الذاتي الذي لا يعدو كونه تحسيناً محدوداً لشروط الوجود تحت الاحتلال. ويبقى السؤال: ألم يكن في الإمكان أحسن مما كان؟!

إن الرغبة الجامحة في رفع المعاناة عن كاهل شعبنا تحت الاحتلال، والحرص الشديد على صيانة مكتسبات الانتفاضة وعدم تبديد منجزاتها، يجب ألاّ يحجبا الخطر الذي يهدد وحدة الشعب الفلسطيني جرّاء مؤتمر مدريد، بحيثياته وغاياته. وإذا تحقق لأعداء شعبنا ما يريدون من المؤتمر، فإن ذلك سينعكس بصورة سلبية جداً على الشروط الموضوعية لوحدته، وخصوصاً لناحية مرتكزات الانتماء الذاتي. وإذا ضربت هذه المرتكزات، وظل الشعب الفلسطيني موحّداً بدلالة الآخرين السلبية في ظل الأوضاع القائمة في المنطقة، إضافة إلى الترتيبات التي يطرحها مؤتمر مدريد في الداخل، فستكون آثار ذلك مأساوية على هذا الشعب في تجمعاته كافة.

وكي تستقيم العلاقة بين الداخل والخارج في العمل الوطني الفلسطيني، فإنها يجب أن تقوم على أساس التكامل، وتسير على قاعدة جدلية تقدمية، بحيث يكون كل إنجاز يحققه أحد هذين الشقين يصب في مصلحة الشق الآخر. والحضور الفلسطيني في مدريد، بخلفياته وتوجهاته، ليس كذلك أبداً. والوحدة الوطنية لا يمكن أن تقوم إذا كان حضور الجزء منها يشترط تغييب الجزء الآخر. ومن هنا، ضرورة إعادة النظر في السياسة التي أوصلت الوفد الفلسطيني إلى مدريد، سواء في الداخل أو الخارج، والعمل سريعاً على تعديلها، ووضع الأسس لعلاقات سليمة بين هذين الشقين للعمل الوطني، بحيث تتاح لكل منهما درجة معينة من حرية الحركة، وفي حدود تمايز الأوضاع المحيطة بهما دون سقف التصرف في القضية الوطنية. إن مثل هذه العلاقة لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة كفاحية من أجل استمرار النضال لتحقيق أهداف العمل الوطني الفلسطيني. ولن يؤدي بناء العلاقة بين الداخل والخارج على قاعدة إنهاء الصراع وتصفية القضية، كما يهدف مؤتمر مدريد، إلاّ إلى نتائج سلبية، وإلحاق الضرر بالشعب ووحدته ومصيره. 

جميل مطر*: الأولوية

للقضية الفلسطينية

              سؤالكم، كأي سؤال يطرح هذه الأيام عن آفاق مؤتمر السلام، يثير على الفور عدداً من الملاحظات، أذكر منها ثلاثاً على سبيل المثال:

الملاحظة الأولى:        إن عَقْد مؤتمر السلام يمثل نقطة تحول جوهرية في تاريخنا المعاصر.

الملاحظة الثانية:      إن الأطراف العربية جميعها في مأزق، أو داخل نفق، أو محبوسة في

                                  قفص، منذ أن بدأت أزمة الكويت.

الملاحظة الثالثة:      إن النظام الدولي يمر في مرحلة سيولة. والأطراف الفعالة كلها،

                                  وخصوصاً الولايات المتحدة، تنتهز الفرصة لتعيد ترتيب أوضاع         السيولة وبدء تبلور شكل جديد للنظام الدولي.

وعلى الرغم من أهمية الملاحظتين الأولى والثانية، فإنه لا بد من التركيز على الملاحظة الثالثة؛ ففيها يكمن جزء أساسي من أجزاء الإجابة عن سؤالكم. إذ تدل مؤشرات السيولة على أن هناك اتجاهات رئيسية محددة:

أولها:        اتجاه نحو نظام دولي وحيد الأيديولوجية، رأسمالية وليبرالية سياسية، وسوق عالمية متناسقة ومفتوحة ومستقرة.

ثانيها:        اتجاه نحو إضعاف دور الأيديولوجيات المحلية أو الإقليمية، إذا كانت تتعارض مع الاتجاه الأول أو تعرقل مساره، وتشجيعها إذا كانت متسقة معه. فانتعاش القوميات قد يكون مفيداً في أوروبا الشرقية خلال مرحلة هدم الأيديولوجية الاشتراكية واندماج السوق الأوروبية. لكنه قد يكون ضاراً إذا حدث مرة أخرى في اليابان، أو استعاد فعاليته في المنطقة العربية، أو اتخذ راية الأصولية الإسلامية في المنطقة العربية والإسلامية عامة.

ثالثها:        اتجاه نحو التقليص من أهمية الحدود السياسية، أو تجاوزها عبر تعاون إقليمي اقتصادي، وعبر عملية خلط متعمد ومدروس لمصادر الثروة الإقليمية. ولتدعيم   هذا الاتجاه يتعين تسوية الخلافات السياسية داخل إقليم ما، أو إنهاؤها لو

تعذرت تسويتها.

استناداً إلى ما سبق، أعتقد أننا في وضع يستحيل فيه تصور عودة الأمور إلى ما كانت عليه، سواء بالنسبة إلى النظام العربي عامة أو بالنسبة إلى القضية الفلسطينية خاصة. أما مستقبل النظام العربي والقضية الفلسطينية فيتوقف على عناصر أهمها ما يلي:

أولاً:     قدرة الفلسطينيين على القيام بمهمات متعددة في وقت واحد:

  1. العمل بكل الطرق لمنع أي تأخير أو تعطيل للمفاوضات الثنائية الفلسطينية – الإسرائيلية. بمعنى آخر: لا يجوز أن تنتظر هذه المفاوضات أو تطول إلى ما بعد توصل أطراف عربية أخرى إلى اتفاقات صلح مع إسرائيل، أو إلى ما بعد التوصل إلى اتفاقات متعددة الأطراف، وخصوصاً في شأن المياه والتعمير الاقتصادي.
  2. استمرار الانتفاضة وأية أشكال أخرى من العصيان المدني.
  3. تماسك الوفد الفلسطيني، والجبهة الوطنية الفلسطينية.
  4. فتح كل المنافذ على الإعلام الأجنبي، وإحباط أية محاولة لعزل المجهود الفلسطيني في المحادثات. وبمعنى آخر: ضرورة المحافظة على الإنجاز الذي حققه الوفد الفلسطيني في بداية المؤتمر.
  5. تعبئة الرأي العام الإسلامي بصورة مستمرة في شأن قضية القدس، وإثارتها في كل عاصمة إسلامية، والسعي للحصول من الفاتيكان ومن الكنائس الشرقية على تعهدات خطية بشأنها.

ثانياً:    قدرة العرب على الخروج من المأزق أو النفق أو القفص، في الوقت الملائم، أي

            قدرتهم على تحقيق ما يلي وبسرعة:

  • عقد مصالحة تاريخية بين كل الأقطار والتوجهات السياسية العربية، بحيث لا يُبعث نظام إقليمي في المنطقة على أسس الخلافات الموروثة، كما حدث في الأربعينات عندما صاغ البريطانيون النظام العربي.
  • إثارة القضايا الأهم والتركيز عليها خلال المرحلتين المقبلتين من مراحل مؤتمر السلام. تحدثت عن واحدة منها وهي القضية الفلسطينية، لكن هناك أيضاً قضية نزع السلاح أو ضبطه، والأمن المتبادل؛ فهي القضايا التي تثير اهتمام الولايات المتحدة وأوروبا، أكثر من غيرها. وهناك كذلك القضايا التي يمكن أن تؤثر سلباً في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، وفي النسيج الإسرائيلي الداخلي.

المهم ألا يتدافع العرب داخل النفق أو القفص في اتجاهات متناقضة، فيدوس بعضهم بعضاً. واجبهم دفع الفلسطينيين إلى المقدمة، وواجب الفلسطينيين التمسك بموقعهم في المقدمة. إننا نعلم أن الإسرائيليين – وربما يشجعهم الأميركيون لأسباب مختلفة – يريدون إبقاء الفلسطينيين في المؤخرة، لأن أي تقدم في مجال آخر مع طرف آخر، أو بين الأطراف مجتمعة، يسبق التقدم في القضية الفلسطينية سيؤدي غالباً وفي مرحلة ما إلى عزل القضية الفلسطسنية، أو إخضاعها لضغوط عربية وغير عربية، أو إحاطتها بواقع دولي أو إقليمي جديد لا عهد لها به، أو يشجع الولايات المتحدة وإسرائيل على محاولة إنهاء القضية بدلاً من تسويتها، وهو أخطر احتمال يمكن أن تواجهه هذه القضية. 

جميل هلال*: دور مؤثر

للمنطقة في مسار المفاوضات

              لا بد من أن ينطلق الحديث عن آفاق مؤتمر السلام بشأن الشرق الأوسط من معطيات الواقع الراهن، وما يحمله من اتجاهات للتغير، وقدرة واستعداد الأطراف ذات المصلحة للتأثير في هذه الاتجاهات. بتعبير آخر: إن الآفاق التي يحملها مؤتمر السلام ستكون حصيلة موازين قوى، أي حصيلة صراع لن تكون حلبة المؤتمر إلا أحد أشكاله.

وعَقْد المؤتمر (جلسة الافتتاح والجلسة الأولى من المباحثات الثنائية حتى لحظة كتابة هذا التعليق) هو حصيلة موازين قوى جديدة على الساحتين الدولية والإقليمية، أبرز عناوينها: انتهاء الحرب الباردة، وانتهاء المنظومة الاشتراكية، والأزمة الداخلية التي يعيشها الاتحاد السوفياتي، وحرب الخليج وما ترتب عليها من نتائج ومعطيات إقليمية جديدة.

ولهذا يبقى عقد المؤتمر حدثاً تاريخياً مهماً، لأنه تعبير عن المرحلة الجديدة التي بدأت تعبرها المنطقة العربية والشرق الأوسطية، وتعبير عن التحولات المطلوبة من المنطقة في ظل تشكل ما بات يصطلح على تسميته النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. فلأول مرة منذ تأسيس دولة إسرائيل، تلتقي بصورة رسمية وحول طاولة المفاوضات وفود من جميع الدول العربية وفداً من الحكومة الإسرائيلية وبرئاسة رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي، يتسحاق شمير. وهذا، في حد ذاته، مؤشر على أن عملية التفاوض ستكون طويلة وصعبة، وسيتخللها – كعملية صراعية – تعرجات متنوعة قد تعطلها ولو لفترة زمنية.

وهو واضح تماماً، كذلك، من أن جلسات المؤتمر الأولى قد شهدت مواقف متعارضة ومتناقضة، لا على صعيد تصور الحل السياسي للصراع من الأطراف العربية من جهة والطرف الإسرائيلي من جهة أخرى فحسب، بل أيضاً على الصعيد الإجرائي (وهو غير منعزل عن الاستراتيجية السياسية)، وتحديداً فيما يخص مكان المفاوضات واقتران أو عدم اقتران المفاوضات الثنائية بالمفاوضات الإقليمية (أو المفاوضات متعددة الأطراف). وبات واضحاً أن إسرائيل تسعى لجعل مكان المفاوضات الثنائية والإقليمية جزءاً، أو عاملاً مساعداً في الوصول بأقصى سرعة إلى التطبيع بينها وبين الدول العربية. وهي تسعى، وللهدف ذاته، لعدم ربط التقدم في المفاوضات الثنائية بالتقدم في المفاوضات متعددة الأطراف. فالتقدم في المفاوضات الثنائية يعني الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، وبدء عملية انتقال السلطة والسيادة على هذه الأرض إلى أصحابها، في حين يعني التقدم في المفاوضات متعددة الأطراف التطبيع السياسي والاقتصادي والدبلوماسي بين إسرائيل والدول العربية.

إن المنظور الوطني الفلسطيني والعربي القومي الاستقلالي لآفاق مؤتمر السلام، ينطلق من قضية السيادة على الأرض (بكل ما تتضمنه هذه) وممارسة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في الاستقلال والعودة. وهو منظور يستمد قوته وقدرته على الضغط على الطرف الإسرائيلي، من استناده إلى الشرعية الدولية المتمثلة في قرارات الأمم المتحدة. وأحد عناصر القدرة على ممارسة هذا الضغط هو محافظة الأطراف العربية على درجة عالية من المواقف الموحدة، وعلى التنسيق المتواصل في شأن كل القضايا المطروحة والمستجدات. ولهذا تسعى إسرائيل لبعثرة المفاوضات الثنائية مع الأطراف العربية في المكان والزمان بحيث تصعب عملية التنسيق، وبما يمكّن إسرائيل من الاستفراد بكل طرف على حدة وزرع الشكوك بين الأطراف العربية.

صحيح تماماً أن المؤتمر يُعقد في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية الكبيرة التي شهدناها في السنوات الأخيرة؛ وهي متغيرات أَمْلَت القيود والشروط التي عُقد في إطارها مؤتمر السلام. لكن الصحيح، كذلك، أن هذه القيود والشروط ليست قدراً ولا ستاراً غير قابل للاختراق. بل يمكن أن يتم تحسين هذه الشروط إذا ما توفرت الاستعدادات لذلك، وتم إسناد التفاوضية بتحركات وبقوى على الأرض، وبحشد للرأي العام العالمي، وبإسناد القوى التي ترى في مصلحتها الوصول إلى سلام عادل واستقرار حقيقي في منطقة الشرق الأوسط. فعلى الرغم من القيود والشروط التي فرضت على التمثيل الفلسطيني (استبعاد القدس والخارج، والعلاقة العلنية المباشرة بمنظمة التحرير الفلسطينية)، فقد تمكن الوفد الفلسطيني، عبر المستشارين ووجود لجنة رسمية موفدة من منظمة التحرير إلى جانب الوفد، وعبر الخطاب السياسي الرسمي للوفد الفلسطيني، من إبراز أنه وفد مستقل يمثل كل الشعب الفلسطيني ويعكس وحدته. وتمكّن كذلك من أن يبرز علاقته بمنظمة التحرير، وأن يشير إليها إشارة لا لبس فيها. وتمكن الوفد الفلسطيني، بطواقمه المختلفة، من تحويل المؤتمر إلى منبر لعرض الحقوق الوطنية الفلسطينية ومطالب الشعب الفلسطيني المستندة إلى الشرعية الدولية. ونجح، إلى درجة كبيرة، في إظهار الموقف الإسرائيلي كموقف متصلب ومتعنت، وبدا أن الوفد الإسرائيلي لا يملك النية والاستعداد للتوصل إلى سلام عادل، وأنه يرفض الشرعية الدولية، ويرفض الأساس الذي تمت الدعوة إلى المؤتمر بناء عليه (مبدأ مقايضة الأرض بالسلام).

ولأول مرة في تاريخ الاحتلال تشكلت قيادة علنية للشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، معترف بها من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والعالم؛ وهي قيادة باتت تفرض وجودها على إسرائيل متخطية الأشكال السابقة السرية (لجنة التوجيه الوطني...)، وتستطيع أن تبني أطراً سياسية وطنية فرعية داخل مختلف مناطق الأرض المحتلة، وقادرة على أن تتحول إلى حكومة موقتة، وأن تتولى بالتدريج وظائف هذه الحكومة، وأن تفرض الوقائع على إسرائيل (مقرات، وحرية حركة، والتوجيه الوطني..).

لكن النجاح في المرحلة الثانية من المفاوضات، وهي المرحلة الأصعب والأكثر تعقيداً، والتي ستتم من دون الأضواء الإعلامية التي رافقت المرحلة الأولى (الافتتاحية – المراسيمية)، يتطلب توفير عدد من الشروط. أول هذه الشروط تأمين أقصى درجات من الدعم الجماهيري للمطالب والحقوق الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً إزاء الوقف الفوري للاستيطان، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي المحتلة منذ سنة 1967، بما في ذلك مدينة القدس، والإقرار بحق تقرير المصير وحق العودة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. كما يتطلب التمسك الحازم بمنظمة التحرير، باعتبارها التعبير التنظيمي عن الهوية والكيان الوطنيين للشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، والضغط المتواصل من أجل إشراكها العلني والشرعي في عملية المفاوضات، ودعوة الولايات المتحدة إلى الاعتراف بمنظمة التحرير، والتنسيق من أجل ذلك مع الاتحاد السوفياتي باعتباره طرفاً مشاركاً في الإشراف على عملية المفاوضات، وتحديداً بعد أن أعاد هذا علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل.

كما يجب الحذر من الضغوط والمحاولات التي ستجري لوقف الانتفاضة بأية حجة (مثل إجراءات بناء الثقة)، وربط وقف الانتفاضة بإزالة أسبابها، أي ربطه بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة ووضع هذه الأراضي تحت الإشراف والحماية الدوليين. بل يجب، في هذه المرحلة، توجيه كل الجهد من أجل استنهاض الانتفاضة وإعادة زخمها الجماهيري، وتنمية كل أشكال مقاومة الاحتلال.

ويتوجب، في إطار تأمين أفضل الشروط التفاوضية، الحرص على وحدة الشعب الفلسطيني ورفض الانجرار إلى لغة المهاترات والاحتراب، وتأمين أعلى درجات التنسيق بين الوفد الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وتأمين كل الدعم ذي الطابع الاختصاصي للوفد المفاوض من قبل منظمة التحرير. ويجب الحرص، كذلك، على مواصلة الجهد من أجل توحيد مواقف الدول العربية من كل القضايا المطروحة، ومنع إسرائيل من الاستفراد بكل طرف على حدة ودق الأسافين بين الأطراف العربية. كما يجب الحذر من الدخول في متاهات قضايا إجرائية بحتة، هدفها تمييع وتعويم القضايا الجوهرية، وعلى رأسها: الوقف الفوري للاستيطان، والانسحاب الإسرائيلي، والسيادة الوطنية على الأرض، وموضوع القدس، وحقوق اللاجئين الفلسطينيين.

صحيح أن المشاركة الفلسطينية جاءت مقيدة بالشروط الإسرائيلية – الأميركية، لكن الصحيح كذلك أنه على الرغم من هذه القيود، فإن منظمة التحرير تستطيع أن تقوم (عن طريق الوفد الفلسطيني المشارك) بدور مؤثر في مسار عملية المفاوضات، وفي تحويلها إلى ساحة صراع حقيقية مع إسرائيل لعزلها وتوليد الضغط الدولي عليها، وفتح جبهة متسعة داخل المجتمع الإسرائيلي داعمة للحل العادل القائم على احترام حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. 

 

جورج ديب*: الترتيب الأميركي

الجديد لأوضاع الشرق الأوسط

         هل كانت المصالح الأميركية في المنطقة ستتعرض للخطر، لو وافق الرئيس الأميركي جورج بوش على إعطاء ضمانة للقروض التي طلبتها الحكومة الإسرائيلية، والتي وصلت قيمتها إلى عشرة مليارات دولار أميركي، بدلاً من أن يطلب تأجيل البحث فيها لمدة 120 يوماً؟ الجواب هو بالتأكيد لا. ربما كانت هذه الضمانة قد عرضت عقد مؤتمر السلام للخطر، إلا إن المصالح الأميركية تبقى، حتى في هذه الحالة، في منأى عن كل خطر. لماذا، إذاً، خاطَرَ الرئيس بوش هذه المخاطرة الكبيرة ووقف موقف المجابهة مع الكونغرس الأميركي في الوقت الذي كان أعضاء الكونغرس قد جمعوا تواقيع سبعين عضواً من مجموع مائة عضو على عريضة تطالب بعدم تأجيل البحث في هذا الموضوع، في الوقت الذي كانت ولاية الرئيس بوش قد وقفت على عتبة دخول عامها الرابع، وهو عام الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة؟ الجواب عن هذا السؤال موجود في الآلية التي وضعتها الولايات المتحدة لسير مؤتمر السلام في الشرق الأوسط. فما هي هذه الآلية؟

تقوم آلية سير مؤتمر السلام على الخطوات التالية":

أولاً:       يفتتح المؤتمر أعماله برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وحضور

              الدول المشاركة وهي: لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر وإسرائيل، وحضور ممثل بصفة مراقب عن كل من مجلس التعاون الخليجي، والاتحاد المغاربي العربي، والسوق الأوروبية المشتركة، وهيئة الأمم المتحدة.

ثانياً:     عند انتهاء جلسة الافتتاح، يؤلف المؤتمر لجان عمل ثنائية إسرائيلية – لبنانية، وأخرى إسرائيلية – سورية، وثالثة إسرائيلية – أردنية / فلسطينية، وتبدأ هذه       اللجان أعمالها بمفاوضات ثنائية مباشرة بشأن الموضوعات التي تخص كلاً           منها.      

ثالثاً:     بعد مرور أسبوعين على أعمال اللجان الثنائية، تبدأ مفاوضات أخرى متعددة

              الأطراف، تضم إسرائيل والدول العربية المشاركة في المؤتمر، أي لبنان وسوريا         والأردن وفلسطين ومصر، يضاف إليها دول مجلس التعاون الخليجي التي       ينتقل دورها من دور المراقب إلى دور المشارك الفعلي في المفاوضات.      ويتضمن جدول أعمال هذه المفاوضات المتعددة الأطراف الموضوعات التالية:                                        

1- نزع السلاح؛ 2 – المياه؛ 3- البيئة؛ 4- التنمية الاقتصادية. وقد أضاف إليها        الرئيس جورج بوش، في الخطاب الذي ألقاه في جلسة المؤتمر في مدريد، موضوع اللاجئين. كذلك أدخلت الولايات المتحدة مؤخراً تعديلاً على هذه المرحلة، بأن قررت دعوة اليابان وبعض الدول الأوروبية وكندا ودول الاتحاد المغاربي العربي إلى المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف، وذلك بهدف إيجاد اتفاق دولي على الخطوات التي تتخذها في هذه المنطقة.

 

هذه الآلية تفرض الملاحظتين التاليتين:

الملاحظة الأولى، أنه لا يمكن للعرب أن يدخلوا مفاوضات لنزع السلاح من دون أن يطالبوا بإزالة الأسلحة الاستراتيجية المتطورة التي تملكها إسرائيل، وخصوصاً أن إسرائيل أصبحت الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك هذه الأسلحة، بعد أن قُضي على قدرة العراق على صنع مثل هذه الأسلحة. والحديث عن نزع السلاح لا بد من أن يقود إلى وضع ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، تكون دول الخليج في وسطها، الأمر الذي يجعل دخول إيران ضرورة ملحة.

الملاحظة الثانية، أنه لا يمكن التفاوض في موضوع المياه من دون تركيا. والواقع أنه كان قد تقرر عقد مؤتمر في تركيا بشأن المياه في منطقة الشرق الأوسط في الصيف الماضي، على أن يعقد المؤتمر في تشرين الثاني/نوفمبر من هذه السنة. غير أن عقد المؤتمر قد تأجل بعد أن نجح مؤتمر السلام في مرحلته الأولى في مدريد، وأصبحت مسألة المياه بنداً مدرجاً في جدول أعمال المفاوضات المتعددة الأطراف.

إن الآفاق الأميركية لمؤتمر السلام في الشرق الأوسط أصبحت واضحة الآن، وهي تأسيس منتدى، أو تجمع، لدول المنطقة يقوم على التعاون الاقتصادي والأمني، ويضم الدول العربية، بما فيها العراق يوم يسقط حكم الرئيس صدام حسين، وإيران بعد حل بعض المشكلات معها وفي طليعتها الإفراج عن الرهائن المخطوفين، وتركيا، وإسرائيل، تماماً كما فعلت الولايات المتحدة عندما أسست مؤتمر التعاون الأمني والاقتصادي للدول الأوروبية، وكما فعلت أيضاً عندما أسست منتدى التعاون الاقتصادي والأمني لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك).

أول ما يلفت النظر، في هذا الترتيب الجديد للمنطقة، أنه ينسجم انسجاماً تاماً مع النظام الدولي الجديد الذي تحاول الولايات المتحدة أن توجِده للعالم. ومن الواضح أن ترتيب العالم على أساس إقامة تنظيمات إقليمية تتعاون أمنياً واقتصادياً أصبح جزءاً لا يتجزأ من النظام الدولي الجديد. وواضح أيضاً أن هذا التنظيم الجديد للعالم يستجيب للمصالح الأميركية، وإلا لما عملت الولايات المتحدة على إيجاده أصلاً. وبعد انحسار الخطر الشيوعي أصبحت الولايات المتحدة تتصرف على أساس أن هناك خمسة مخاطر تهدد مصالحها تهديداً مباشراً. وهذه المخاطر هي:

1-  وجود دول في العالم الثالث تريد أن تؤدي دور الدولة الكبرى، بسبب السلاح الاستراتيجي، المتطور أو أسلحة الدمار الشامل التي تملكها. وهذا ما ينطبق على العراق، الأمر الذي أدى إلى ضرب قدرته على صنع هذه الأسلحة.

2-  الأصولية.

3-  خطف الأشخاص.

4-  خطف الطائرات.

5-  المخدرات.

هذه المخاطر التي ترى الولايات المتحدة أنها تهدد مصالحها تهديداً مباشراً، تجعل إدخال إيران في تجمع لدول الشرق الأوسط ضرورة ملحة، باعتبار أن الولايات المتحدة ترى أن إيران تجسد الأصولية الإسلامية، وباعتبار أن ضمها إلى هذا العدد من دول المنطقة سيؤدي حتماً إلى احتوائها.

              تبقى إسرائيل، والوصول إلى حالة تطبيع بين إسرائيل والدول العربية في المنطقة يثير قضايا تحسبت الولايات المتحدة لها، وجعلتها جزءاً لا يتجزأ من آلية مؤتمر السلام، بدءاً بالتفاوض في شأن القرارين رقم 242 ورقم 338 على أساس الأرض في مقابل السلام، مروراً بنزع السلاح واقتسام المياه والتعاون الاقتصادي، وصولاً إلى اللاجئين وفي طليعتهم الفلسطينيون الموجودون خارج فلسطين.

              في رأينا أن هامش التحرك عند إسرائيل والدول العربية لتغيير هذا الترتيب، كل في مصلحته، هو هامش ضيق جداً للطرفين. غير أنه في النهاية يمكن قول ما يلي:

              إن المفاوضة مع إسرائيل في شأن أي موضوع، مهما يكن صغيراً، هي عملية معقدة وشاقة ومضنية، ولنا في مسألة طابا أكبر برهان على ذلك. والموضوع الذي يشكل الخطر الأكبر على المفاوضات برمتها، هو موضوع نزع السلاح النووي الذي تملكه إسرائيل؛ فهل تقبل إسرائيل نزع هذا السلاح مهما تبلغ الضغوط الأميركية وغير الأميركية عليها؟ قد تقبل إسرائيل بالوصول إلى حد المراقبة والتفتيش فيما خص برنامجها للسلاح النووي، لكن من الصعب جداً أن تقبل هذا السلاح. آنذاك، أفلا يستدعي احتفاظ إسرائيل ببرنامجها للتسلح النووي أو ربما تطويره، من الدول العربية، وتحديداً سوريا، اقتناء هذا السلاح أو ما هو شبيه به؟ 

 

عبد الله حوراني*: الفلسطينيون الضحية

يقدمون أعظم فرصة لتحقيق السلام

يشكل التحرك نحو تحقيق حل للقضية الفلسطينية تياراً له فعالية خاصة بين التيارات التي تعززت في ضوء التطورات العالمية والإقليمية التي جرت في الأعوام الأخيرة. هذا القول لا يعني أن التيار نبع من فراغ، ولا يعني أنه تيار متجانس، حتى حين نلاحظ حيويته المستجدة أو الهوامش المشتركة، القليلة أو الكثيرة، بين الأطرف المنخرطة فيه. وما زالت هناك تباينات كبيرة بين آراء الأطراف المختلفة ومواقفها. وقد بقي التناقض بين الرؤية الفلسطينية لطبيعة الحل المطلوب وبين الرؤية الإسرائيلية، أكبر التناقضات. وعلى الرغم من ذلك فالملاحظ أن محصلة تمازج وتناقض العوامل المؤثرة في الوضع في الشرق الأوسط، تظهر ميلاً يدفع في اتجاه تحقيق تسوية، من دون أن تنفي الميل الآخر الذي يترتب عليه استمرار الصراع نفياً تاماً. وعلى هذا يصعب القول إن الأمور ستنتهي إلى حل ناجز وتام يحل معه السلام الصافي، مثلما يصعب القول إن القوى المعارضة لأي حل ينطوي على تبديل جوهري في الوضع القائم الآن، قادرة على تعطيل الاندفاع نحو التسوية.

              ولسنا إذاً، فيما أرى، أمام خيار الحل أو اللاحل، لكننا في وسط عملية معقدة تتداخل فيها المصالح المتفقة والأخرى المتباينة، وتختلط النيات أو تتمايز، فينجم عن ذلك حركة تتلمس الطرق، وتسعى لتخطّي العقبات في اتجاه السلام الذي فيه مصلحة للفرقاء جميعهم، من دون استثناء.

              في سياق هذه الحركة، التي لا أتوقع أن تبلغ غايتها في وقت قصير، يمكن للمرء أن يتنبأ بشتى الاحتمالات: تقدم وانتكاس وانحطاط؛ اتفاقات وخصومات؛ فترات سلام وفترات اشتباك أو حتى حرب.

وفي رأيي، أن المهم أن يُعرف أن التنبؤ منذ الآن بما سيؤول الحال إليه، في النهاية، أمر صعب للغاية. فالأطراف الداخلة في العملية لا توضح، في معظمها، ما الذي تريده في ختامها بالضبط. ولعلي لا أكون مخطئاً إذا جزمت أن عدداً من هذه الأطراف لا يعرف أو لم يحدد، بعد، ما الذي يجب أن تنتهي كل هذه الحركة إليه. أَضرب مثلاً بأهم الأطراف، وهو الولايات المتحدة؛ فهذه الدولة العظمى تجد نفسها إزاء تبدلات عالمية تتم لمصلحتها، وتجري بوتيرة سريعة تفوق أي تصور. وهي تجد أن الأوضاع المستجدة قد أتاحت لها أن تصبح القوة العظمى الوحيدة القادرة على التدخل لصيانة مصالحها في أي مكان في العالم، من دون معوقات كبيرة. هذا الوضع يرغم الإدارة الأميركية على إعادة تقويم كل شيء، وإعادة الحسابات السابقة، وإعداد حسابات جديدة بغية ترتيب أوضاع العالم بما يعزز هيمنتها عليه. وهي تجري هذا في كل مكان، بما في ذلك الشرق الأوسط وإزاء الصراع العربي – الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. ولا يظن أحد أن الولايات المتحدة قد أتمت عملية إعادة التقويم والحسابات، أو أنها ستتمّمها في وقت قريب؛ فالأمر بالنسبة إليها، كما هو بالنسبة إلى الجميع، أعقد من أن يُرى بجلاء ويعاد ترتيبه في وقت قصير.

من هنا نشهد أن الولايات المتحدة، التي تدفع الآن في اتجاه التسوية، لا تجد نفسها في عجلة من أمرها. لقد تعجلت الإدارة الأميركية تحقيق هدف واحد هو جمع الأطراف بعضها إلى بعض. أما بعد ذلك، فمن مصلحة هذه الإدارة أن تسير الحركة ببطء كي يتسنى لها ضبط إيقاع الحركة وتحديد أهدافها بما يتلاءم مع ما تكشفه دراساتها واستقراءاتها للوضع الأكثر ملاءمة لمصالحها العالمية، ولمصالحها في الشرق الأوسط، ولأدوار إسرائيل والعرب وغيرهم في العملية كلها.

على الجانب العربي، يستطيع المرء أن يرى معظم الأطراف العربية مجروراً إلى الحركة لا دافعاً لها. ومواقف معظم الأطراف تتأثر، بدرجة أو بأخرى، بما تقرره الولايات المتحدة، أو ستقرره. فهي، بالتالي، غير قادرة، ولا أهلاً للمساهمة بدور حاسم في رسم الصورة النهائية. وهذا يجعل التنبؤ أصعب، وخصوصاً لأن المصالح العميقة للشعوب العربية توجب أن تتخذ الدول مواقف أكثر حسماً ووضوحاً مما تفعل الآن. وما من أحد بقادر على جزم أن كل ما هو قائم في العالم العربي سيبقى على حاله.

على الجانب الإسرائيلي، هناك تباين بين مواقف مؤيدي التوصل إلى تسوية، وبين مواقف الآخرين الراغبين في التشبث بالوضع القائم. وهناك تباينات أخرى وسط كل طرف. كما أن هناك، إلى جانب التباين، إجماعاً بين القوى الرئيسية على نقاط سيؤدي التشبث بها إلى وقف عملية التسوية، مثل الموقف المشترك لليكود والمعراخ من أرض الجولان، والقدس، ومنظمة التحرير، والدولة الفلسطينية. لكن عملية السلام الجارية، وما يقوم في خلفيتها من مصلحة للجمهور الإسرائيلي في تحقيق السلام، يحدثان تحولات عميقة في أوساط هذا الجمهور. إلى أين ستنتهي هذه التحولات، وإلى أي شيء ستقود، وما الذي ستعكسه على قمة الهرم السياسي في إسرائيل؟ هذه كلها أمور يستطيع المرء أن يشهد تطورها، لكن يصعب إعطاء تنبؤات دقيقة في شأنها.

هنا أَصِل إلى الجانب الفلسطيني لأقول أن الأمور، على هذا الجانب، هي الأشد وضوحاً. أقول هذا لا لأني في موقع العارف بما يجري على هذه الساحة، بل لأن الأمور هي فعلاً كذلك. فمنذ تعزز الاتجاه على الساحة الفلسطينية نحو القبول بتسوية، تحدد الهدف الذي يريده الفلسطينيون والذي يرون أنه الشرط اللازم لإقامة سلام مستقر، وذلك هو انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها سنة 1967، والإقرار بحق شعب فلسطين في تقرير المصير وإقامة دولة على أرض وطنه. وقد روعي في منظمة التحرير، حين وضعت الخطط والتصورات لتحقيق ذلك، أن تجيء كلها، من دون استثناء، منسجمة مع الشرعية الدولية وقراراتها، التي لا يحتمل تفسيرها أي لبس.

هناك طبعاً خلافات وتباينات في الرأي والاجتهادات على الساحة الفلسطينية، لكن ذلك لا يزعزع تماسك الجمهور الفلسطيني حول برنامج المنظمة الذي عددت أهم نقاطه.

ومن خلال تأثير هذا في مستقبل الحركة من أجل السلام، تتأكد حقيقة ذات مغزى كبير؛ فالطرف الفلسطيني، الذي كان ضحية العدوان الإسرائيلي المستمر، وكان أبرز المتضررين، هو الذي يقدم أعظم الفرص والمبادرات لتسهيل الوصول إلى السلام. وفي رأيي أن هذا أمر مهم جداً، لا لأن من واجب الشعب الفلسطيني أن يفعل أي شيء يوصله إلى حقوقه ويوفر له السلام فحسب، بل أيضاً لأن اتّباع الشعب الفلسطيني، ممثلاً في منظمة التحرير، هذا السلوك قد وفّر له الاحترام في كل مكان، واجتذب مزيداً من المؤيدين والأنصار لقضيته ومطالبه العادلة.

في ضوء كل ما هو قائم، أرى أن هناك فرصة جدية لتحقيق السلام في المنطقة، وأرى – في الوقت نفسه – أن الوصول إلى السلام لن يتم فوراً ولن يجري من دون انتكاسات. وفي يقيني أن للشعب الفلسطيني مصلحة حقيقية في الثبات على النهج الذي يتبعه؛ نهج الاستمرار في مقاومة الاحتلال والاستمرار، في الوقت نفسه، في تسهيل عملية البحث عن السلام. وأظن أن الأعوام المقبلة ستشهد استمرار هاتين العمليتين.

اختتم بالقول إن التطورات والتغيرات التي يمكن أن تحدث في الساحة العربية شعبياً – حركة التحرر الوطني العربية – ورسمياً، وقدرة الجانب الفلسطيني على الاستفادة من هذه التطورات في تقوية موقفه النضالي أو التفاوضي، ستؤثر حتماً في حجم الحقوق التي يمكن للشعب الفلسطيني الحصول عليها في هذه المرحلة، أو في تحديد المدة الزمنية، طولاً أو قصراً.

كذلك، فإن التطورات والمتغيرات التي قد تحدث في الساحة الدولية، على مستوى موازين القوى، وهل ستبقى الولايات المتحدة هي القطب الدولي الوحيد أم ستنمو في مجرى الصراع الدولي قوى أخرى تشكل مراكز استقطاب؟ - كل ذلك أيضاً سيكون له أثره في نتائج عملية التسوية الجارية في الشرق الأوسط. 

 

عدنان أبو عوده*: نقطة تحول

مهمة في حياة المنطقة

لقد أنعش انتهاء الحرب الباردة آمال الشعوب عامة كي تحيا في ظل عالم يسوده السلام والاستقرار. وليست شعوب الشرق الأوسط التي عاشت، وما زالت تعيش، في ظل نزاعات متصلة منذ بدايات هذا القرن استثناء لهذا التطلع.

إن وسائل الاتصال المختلفة وفرت لهذه الشعوب فرصة المقارنة بين ما هو متخلّف وما هو متقدم، وبين سمات الحياة الأفضل وعلامات الحياة الأتعس. بل إن وسائل الاتصال المرئية والمكتوبة والمسموعة تساهم، على مدار الساعة، وبأشكال مختلفة، في إشعال جذوة التطلع لدى الشعوب الفقيرة والمقهورة إلى نزع ثوب الفقر والظلم كي تنعم بما تنعم الشعوب الأخرى به، وخصوصاً دول الشمال الصناعي، من حياة يسودها الاستقرار والديمقراطية والحرية والرخاء واحترام حقوق الإنسان.

لقد بشّر انتهاء الحرب الباردة بفرصة تحوّل الاقتصاد من اقتصاد عسكري إلى مدني، لعل الشعوب المتخلفة التي تنفق الكثير من إيراداتها على التسلّح تتمكن من توجيه تلك الموارد نحو البناء والإنتاج، وإيجاد فرص العمل، وبناء قدرة الدولة بشكل يمكّنها من توفير مظلة من الأمن الاجتماعي لمواطنيها.

وإذا كنت أرى أن مثل هذه الآمال مبرر لدى شعوب دول الكتلة الاشتراكية سابقاً، بل لدى شعوب الدول الغربية بمن فيها الشعب الأميركي، فإنني أشعر بالتحفظ إزاء انتعاش مثل هذه الآمال لدى دول العالم الثالث، ومنها شعوب الشرق الأوسط. فانتهاء الحرب الباردة أثّر تأثيراً مباشراً في شعوب الكتلتين اللتين أدامتا تلك الحرب. أما شعوب العالم الأخرى، فما زالت تنتظر وصول الآثار الملموسة لانتهائها؛ إذ إن ما وصل إلى شعوب العالم الثالث حتى الآن هو مجرّد دفقة جديدة مغذية لتطلعها نحو الرخاء، وسيادة الديمقراطية، والتعددية السياسية، واحترام حقوق الإنسان. لكن التطلعات نفسها ما زالت خارج الحدود.

أما سر هذه الشحنة الجديدة لهذه التطلعات لدى العالم الثالث، فهو أن المنتصر في الحرب الباردة كان النظام السياسي والاقتصادي الغربي، الذي غدا للطرف الآخر هدفاً سامياً يسعى لتحقيقه، ووسيلة لتوفير الرخاء والديمقراطية لشعوبه. إنني أفهم من سؤالكم عن السلام في الشرق الأوسط أنه السلام المأمول من مؤتمر السلام الذي افتتح في مدريد في الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وما سيتبعه من محادثات بين أطراف النزاع.

إنني أجد، في الحقيقة، صعوبة كبيرة في القدرة على التنبؤ بما ستتمخض هذه المحادثات عنه. ويبدو أن الحكمة السائدة تقول إنه ما دامت الحرب الباردة بين الدولتين العظميين قد انتهت، فإن النزاعات الإقليمية، وهي الأقل ضرراً وخطراً، لا بد من أن تنتهي. إنني شخصياً لا أرى أن مقدمة هذه المقولة لا بد من أن تؤدي إلى مثل هذا الاستنتاج الذي يسود تفكير الكثيرين.

إن انتهاء الحرب الباردة سيساعد، بالتأكيد، في إزالة عقبة واحدة مهمة أمام تحقيق تسويات سلمية للنزاعات الإقليمية المختلفة؛ وهي العقبة التي كانت ناشئة في الحرب الباردة عن تنافس الدولتين العظميين، وهو التنافس الذي كان يدفع الواحدة منهما إلى إحباط جهد الأخرى إذا حاولت أن تبادر إلى مسعى لإحلال السلام في أية منطقة من العالم. نعم إن هذه العقبة قد أُزيلت؛ ولعل أكبر شاهد على ذلك هو الدعم الكامل الذي منحه الاتحاد السوفياتي للولايات المتحدة في مبادرتها الأخيرة لإحلال السلام في الشرق الأوسط.

لكن هناك عقبات أخرى وموازين قوى أخرى، وهي عقبات وموازين إقليمية ومحلية. وكما أن انتهاء الحرب الباردة أزال العقبة الناشئة عن التنافس بين الدولتين العظميين، فإن العقبات الإقليمية لا يمكن إزالتها إلاّ بتطبيق الشرعية الدولية على النزاع العربي – الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بهذا الموضوع تبرز إشارة استفهام كبيرة هي التي تجعل المرء عاجزاً عن التنبؤ بشأن السلام في منطقتنا.

أما إذا افترضنا أن الشرعية الدولية ستُحترم وستُطبق على النزاع، ففي اعتقادي أن المنطقة ستشهد سلاماً متنامياً بين سائر دول المنطقة وشعوبها، وذلك لأن إمكانات وحجم ودرجة الاعتماد المتبادل بين دول المنطقة كبيرة جداً، الأمر الذي سيعود بالمنفعة على شعوبها لو تحقق لها السلام؛ وهي الشعوب التي تطلعت، وما زالت تتطلع إلى حياة أفضل، لا يوفرها إلا السلام والأمن والاستقرار.

ويزيد في اقتناعي بذلك أن حرب الخليج قد كشفت عن حقائق، في النظام العربي، ما كانت لتكتشف لولا هذا الاختبار الكبير المؤلم.

فالنظام العربي الذي كان قائماً قبل حرب الخليج، وما زال قائماً، هو نظام مترنّح. فهل سيهوي هذا النظام ليحل محله نظام آخر؟ أم أنه سيصحو على نفسه ويعدل من ذاته؟ هذا أمر مرهون بأمور كثيرة لا أحد يمنكه التنبؤ بها. وحرب الخليج كشفت، كذلك، عن أن القطرية أعمق مما كان العرب يظنون. فهل ستزيد هذه القطرية رسوخاً؟ وماذا بعد ترسّخها؟ هل ستصحو الشعوب على أهمية التكامل العربي في ظل نظام عالمي يشكل فيه الاقتصاد العملاق أحد ملامحه؟ أم هل ستختار التبعية، من منطلق حاجتها إلى الأمن؟ وإذا بدت التبعية الأمنية مبررة للبعض، فكيف يمكن أن تحل مشكلات المياه والغذاء والاختلالات العلمية والثقافية والاجتماعية المختلفة، التي لا تعترف آثارها بالحدود السياسية القائمة بين الشعوب؟

لقد كشفت حرب الخليج، كذلك، أن النظام القيمي العربي السائد في الخمسينات تحول منذ زمن، وحل محله نظام قيمي انبثق من النزعة الاستهلاكية التي اشتدت بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وغذّتها وسائل الاتصال وارتفاع أسعار النفط. وهذا النظام القيمي، كما يبدو، قد أثر أكثر من غيره في تعميق القطرية، لأنه فردي في طبيعته. والسؤال هو: هل سيتعمق هذا النظام القيمي الجديد بحيث يبقى مؤثراً في النظرة السياسية للشعوب والقادة والمفكرين والمثقفين. أم أنه سيتعرض لتحول آخر؟ ومتى؟

إن منطقة الشرق الأوسط، في رأيي، تمر بنقطة تحول مهمة، وسيكون السلام في حال تحقيقه، أو الفشل في تحقيقه، عاملاً مهماً في صوغ مستقبل المنطقة. أما السلام فلن يكون مؤثراً بصورة إيجابية إلا إذا استند إلى الشرعية الدولية. فهل ستُحترم هذه الشرعية؟ 

 

علي الجرباوي*: يجب عدم

الوثوق بالنيات الأميركية

              كي نستطيع تقويم آفاق "مؤتمر السلام" بموضوعية، علينا أن نعي الدوافع التي قادت إلى عقده، والعوامل الأساسية المسيطرة على سياق حركته. وفي هذا المجال، تبرز ثلاث نقاط أساسية:

              (1)  كان السعي لعقد "المؤتمر"، منذ البداية، مشروعاً أميركياً خالصاً، تمّ وفقاً لرؤية أميركية تتمشى مع الحفاظ على استتباب مصالحها في المنطقة. وطبعاً، يوجد للولايات المتحدة مصالح متشعبة في المنطقة. فمن ناحية، يوجد للولايات المتحدة علاقة عضوية – استراتيجية مميزة تربطها بإسرائيل، وتقودها إلى الحفاظ على مصالح الدولة العبرية وضمان أمنها. ومن ناحية أخرى، يوجد للولايات المتحدة مصالح استراتيجية متعددة في أرجاء الوطن العربي، يقف على رأسها الحفاظ على استقرار أنظمة الحكم المساندة والموالية للسياسات الأميركية في المنطقة. وفي المقابل، فإن للولايات المتحدة مسؤوليات في المنطقة، ضمن المسؤوليات العالمية التي فرضها الواقع الدولي الجديد المتمثّل في انهيار الكتلة الشرقية، وغياب واقع توازنات وتنافسات "القطبين" على الساحة الدولية، الأمر الذي أفرز تفرداً أميركياً في حلبة السياسة العالمية.

              كانت حرب الخليج ذات دلائل وآثار كبيرة في المنطقة ككل، وفي داخلها. فقد قامت الولايات المتحدة ذاتها، مستخدمة غطاء "الشرعية الدولية"، بقيادة تحالف دولي دمّر العراق، وبيّن مدى القدرة الأميركية على تحقيق ما تريد، عندما تنوي ذلك وترغب فيه. وأُطلقت من داخل المنطقة صيحات تطلب من الولايات المتحدة التخلي عن "ازدواجية المعايير" و"عدم الكيل بمكيالين". وجرت مقارنات بين قضية الخليج من جهة، والصراع الفلسطيني/ العربي – الإسرائيلي من جهة أخرى. وفرضت قيادة الولايات المتحدة للحرب عليها، وخصوصاً ضمن الأوضاع الدولية الجديدة ومطالبات حليفاتها العربية في المنطقة، وبروز محدودية فعالية القدرات الإسرائيلية خلال الحرب، أن تُظهر توازناً بين مصالحها كدولة وبين مسؤولياتها كقوة عظمى ترفع شعار "الشرعية الدولية" في "النظام العالمي الجديد".

              لم يكن لدى الولايات المتحدة في المنطقة مخرج بعد حرب الخليج، يدرأ عنها الاتهامات ويمتصّ لها النقمة، سوى إظهار عزمها على حلّ "أُم القضايا" بالعزم نفسه الذي أظهرته في حسم "أُم المعارك". وكان توجهها نحو عقد "مؤتمر السلام" حثيثاً وواضحاً. ففي عَقْد مثل هذا "المؤتمر" كان يمكن استتباب مصالحها في المنطقة، وتثبيت وضعيتها المتفردة بالهيمنة عليها.

              (2)  إن "مؤتمر السلام" يُعقد في ظل وجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل لا ترغب، ولا تنوي التوصل إلى تسوية إقليمية للصراع الفلسطيني/ العربي – الإسرائيلي. وتصرّ هذه الحكومة في مخاطبتها الإسرائيليين، على أن تطرفها ودفعها في اتجاه تكثيف عملية الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة هما السبب الذي دفع بالعرب إلى التوجه نحو المؤتمر لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وبالتالي، فإن هذه الحكومة تجد أن استمرارية تطرّفها وسلبيتها تجاه مسألة التسوية ستجلب لها الإيجابيات من الجانب العربي.

أما الوضع السياسي داخل الساحة الإسرائيلية، فلا يُنبىء بإمكان تحقّق تحوّل ملموس في السياسة الإسرائيلية في زمن قريب. فالإسرائيليون منقسمون على أنفسهم بشأن متطلبات "السلام"، ولدى "أودع حمائمهم" الكثير من الشروط والمطالب لعقد تسوية إقليمية. وضمن الانقسامات الداخلية، والهرم الذي أصاب حزب العمل بالترهّل وفقدان البصر والبصيرة، أصبح الليكود يُمثّل الوسط في إسرائيل. والمعنى أنني لا أعتقد وجود إمكان قوي لتغيّر ملموس في شكل الحكومة الإسرائيلية وسياستها، في المستقبل المنظور. وعليه، فإن "مؤتمر السلام" محكوم في مساره المرحلي بالتركيبة السياسية الحالية في إسرائيل، وهي تركيبة لا تهدف في واقع الأمر إلى التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة مع العرب، بقدر ما تهدف من "المؤتمر" إلى المماطلة وكسب الوقت لتثبيت وقائع في الأراضي المحتلة، يُصبح معها إمكان التوصّل إلى تسوية إقليمية للصراع أمراً مستحيلاً في غضون أعوام قليلة.

(3)  إن "المؤتمر" يُعقد ضمن واقع عربي منقسم على ذاته، وخامل، وقليل التأثير في المجريات والتحولات الدائرة حوله في هذا العالم. فبعد حرب العرب للعرب، وانكشاف مدى تقوقع مصالح دولهم القطرية، وغياب الدوافع القومية المؤثرة في هذه المرحلة، يدخل العرب فرادى، لكن بشكل مجتمع، خضمَّ تسوية قضية قومية أساسية، هي قضية الصراع الفلسطيني/ العربي – الإسرائيلي.

أما الجانب الفلسطيني – أساس هذه القضية – فقد تعرّض، منذ توقُّف المدافع عن الهدير في الخليج، لحملة شعواء هدفت إلى التقريع والتأنيب والتيئيس. وإضافة إلى الدول الغربية التي حملت على الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية، ساهمت أطراف عربية عديدة في عملية التطويع والتجويع التي مورست على الفلسطينيين، ودفعت في اتجاه القبول بالذهاب إلى مدريد.

ضمن هذه الدوافع والوقائع، تمّ افتتاح "مؤتمر السلام" في مدريد. ويجد المتفحص للأمر أن الجانب العربي ذهب إلى "المؤتمر" ضمن اختلال واضح في وضعه بالنسبة إلى موازين القوى المحرِّكة، آملاً بأن تكون الولايات المتحدة جادة في عزمها على إيجاد حلّ للصراع ضمن معادلة منصفة. وعند استشرافنا لآفاق عملية السلام يجب ألا يغيب عن البال الشروط التي عقد "المؤتمر" بموجبها، وهي شروط إسرائيلية ملفّعة بقوالب أميركية استطاعت استغلال الوضع العربي الراهن لعقد تسوية "الحد الأدنى" مع الجانب العربي، أو بالأصح الجوانب العربية المتعددة.

في هذا السياق، يجدر ذكر ثلاثة شروط أساسية لعملية "السلام" الحالية: الأول، أنّ العملية لا تتم وفقاً لمؤتمر دولي يقوم على الشرعية الدولية ويهدف إلى تطبيقها، بل تتم بناء على مؤتمر إقليمي يستند إلى قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338، مع السماح المُسبق لكل طرف من الأطراف بتفسيرهما بطريقته الخاصة. وفي هذا فتح لمجال التفاوض بشأن التفسيرات، وليس العمل على فرض التطبيقات، وكأن مجلس الأمن لم يكن على وعي ودراية بمعنى القرارين عندما أصدرهما. والثاني، أنّ العملية بُرمجت لتتم وفقاً لمسربين افترضت الولايات المتحدة وإسرائيل وجوب أن يكونا منفصلين: أحدهما يعالج القضية الفلسطينية على مرحلتين، ليس واضحاً حتى الآن مدى ترابطهما؛ والثاني يعالج الصراع العربي – الإسرائيلي من زاويتين: الأول، مسار متعدد للمفاوضات الثنائية بين كل دولة عربية من دول الطوق مع إسرائيل، ويهدف إلى تفتيت الموقف العربي وإضعافه عن طريق التجزئة واختزال الصراع إلى قضايا ثنائية. والثانية، مسار مُجتمِع للبحث في قضايا إقليمية تودّ إسرائيل استغلالها لتطبيع علاقاتها بالعالم العربي، وتطويعه للقبول بها وبمصالحها في المنطقة. أما الشرط الثالث لعملية "السلام" الحالية، فهو الدخول بها ضمن محاولة التغييب الرسمي للممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، منظمة التحرير الفلسطينية، وفي إطار محاولة إسرائيلية – أميركية لفصل "الداخل" عن "الخارج" الفلسطيني، وطبعاً، فإن الهدف من هذه المحاولة اختزال حقوق الشعب الفلسطيني الشرعية بقضية حلّ مسألة "سكان" الأراضي المحتلة منذ سنة 1967.

على هذه الشروط الأساسية بدأت عملية "السلام" الحالية وهي لن تحقق، في اعتقادي، الكثير للعرب والفلسطينيين، إنْ بقيت تسير وفقاً للمرسوم لها أميركياً وإسرائيلياً. وبما أن الجدل في شأن جدوى القبول بالاشتراك في هذه العملية أصبح الآن أكاديمياً، ويدخل – أساساً – في باب تسجيل المواقف السياسية، فإن الواجب يحتّم على الجانب العربي رسم استراتيجية التحرك في اتجاه رفع سقف التسوية المقبولة عربياً، والضغط في اتجاه جرّ الولايات المتحدة وإسرائيل لمعالجة الأساسيات، عوضاً من التمسك بالبحث في الفرعيات.

وعلى الرغم من أن موازين القوى الحالية ليست في المصلحة العربية من ناحية، ومع أن الوضع العربي الذاتي يعاني حالياً الكثير من السلبيات من ناحية أخرى، فإن رفع سقف عملية "السلام" الحالية يبقى رهناً بكيفية إدارة الجانب العربي لمجرى وفحوى المفاوضات مستقبلاً. ويجدر في هذا المجال مراعاة النقاط التالية:

  • يجب على الدوام عدم الوثوق بالنيات الأميركية والتسليم بجدية الإدارة الأميركية في مسعاها لإيجاد حل مقبول للصراع الفلسطيني/ العربي – الإسرائيلي. فالدافع الأميركي إلى عقد "المؤتمر" يجب أن يكون واضحاً بالنسبة إلينا، وارتباط العلاقة الأميركية بإسرائيل يجب أن يكون ماثلاً أمامنا على الدوام. طبعاً، لا يعني هذا عدم التعامل مع الإدارة الأميركية والدفع في اتجاه تطوير مواقفها. لكن الحرص والانتباه هما من أساسيات الاحتفاظ بوضوح الرؤية وعدم الوقوع في المزالق المكلفة. وعليه، يجب التعامل مع الولايات المتحدة باللغة الأساسية التي تفهمها، وهي لغة المصالح وتبادل المصالح، عوضاً من التشفّع لديها بضرورة إحقاق المبادىء السامية، والتي طالما تذرعت بها وقلّما قامت بتطبيقها.
  • هناك ضرورة أساسية لتطوير التنسيق العربي كي يصبح السدّ المنيع أمام محاولات تفسيخ الموقف العربي عن طريق اختراع مسألة المسارب المنفصلة؛ فالمسارب المنفصلة ستعود بالضرر على كل طرف عربي على حدة. ولذا، يجب تثبيت الموقف العربي الموحّد ليكون حائلاً أمام آلية المسارب المُفتِّتة. ويجدر هنا التشديد على أن الحفاظ على مصالحح كل طرف عربي يجب أن يكون الدافع الأساس أمام توثيق عملية التنسيق؛ فالجميع في هذه العملية مستهدف.
  • يجب الدفع، منذ البداية، في اتجاه ربط مرحلتي معالجة القضية الفلسطينية إحداهما بالأخرى، بحيث تكون المرحلة الأولى الأساس المتين للمرحلة الثانية. وفي هذا المجال، يجب منع الحكومة الإسرائيلية من استخدام المرحلة الأولى لكسب الوقت وإيجاد وقائع مادية إضافية في الأراضي المحتلة. بل العكس؛ يجب أن يكون الهدف ضرورة البدء بتفكيك الوجود الاحتلالي الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة، وبصورة مباشرة. ولهذا، فإن إيقاف عملية الاستيطان، والاعتراف الإسرائيلي بأن الضفة الفلسطينية وقطاع غزة وهضبة الجولان هي أراض محتلة، وسريان معاهدة جنيف الرابعة على هذه الأراضي، ووقف استخدام إسرائيل لقوانين الطوارىء لسنتي 1936 و1945، هي من الأساسيات الأولية لتحقيق مدخل حقيقي إلى عملية "سلام" تحظى بمصداقية.

وفي النهاية، يمكن القول إن مسار عملية "السلام" الحالية حُدِّد بشروط إسرائيلية – أميركية... أما آفاقها فيجب أن تُحدَّد عربياً. 

 

السيد محمد حسين فضل الله:

لا نخسر شيئاً إذا لم ندخل المفاوضات

              في دراستي للأوضاع التي قادت إلى هذا المؤتمر، في الواقع العربي والفلسطيني، لاحظت أن هناك حالة من حالات الوزن السياسي والعسكري في هذا الواقع، في هذه المرحلة، بالدرجة التي لا يملك فيها أية فرصة ذاتية للحصول على أية نتائج إيجابية حاسمة لمصلحة العرب والفلسطينيين، في الوقت الذي يملك اليهود الكثير من مواقع القوة على المستوى الذاتي من حيث عناصر القوة في الموقع الإسرائيلي من جهة، ومن حيث العناصر السياسية في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، في التحالف الاستراتيجي، أو في المؤثرات الداخلية، ومن حيث الانفتاحات الجديدة على إسرائيل من قبل الاتحاد السوفياتي بعد التطورات الأخيرة فيه من جهة أخرى، الأمر الذي يستطيع اليهود فيه القيام بالكثير من الأعمال الضاغطة على العرب والفلسطينيين من أجل إسقاط مواقعهم ومواقفهم في ساحة المفاوضات.

هذا، بالإضافة إلى سقوط التوتر الحضاري لدى الفريق العربي – الفلسطيني من خلال الهزيمة النفسية الإيحائية التي اختزنها نتيجة الهزائم المتعددة الماضية ولا سيما في حرب الخليج، بعد اختلال توازن القوى من حوله والتمزق الداخلي، والاستلاب القومي والديني الذي حوّل الواقع العربي إلى مِزَقٍ متناثرة في الدوائر القطرية، أو المحورية التي أبعدت الحسَّ الحضاري المنفتح على العناوين الكبيرة في القضايا الحيوية للأمة على صعيد المستقبل، بحيث لم يكن هناك أي بُعد للامتداد السياسي الروحي والفكري في مضمون الشخصية الممتدة في الواقع للأمة.. الأمر الذي جعل الحق في الوعي السياسي الذاتي ينكمش ويتضاءل في الواقعية السياسية الجديدة الملتزمة بالأمر الواقع، ليتحول إلى حكم ذاتي يحمل بعض الفرص الضبابية الضائعة في الأحلام، وإلى تحرير لموقع صغير في هذه الدولة أو تلك، أو ليتمحور حول مفهوم السلام الغائم الحائر الذي يحمل الإيحاءات الحائرة للاسترخاء العربي المستقبلي لدى بعض العرب المتعبين، أو الواقعين تحت تأثير الاستكبار العالمي بصورة مباشرة، بحيث يصبح السلام عندهم قضية حيوية مرتبطة بمصير الموقع السياسي لهذه العائلة أو تلك، أو لهذا الشخص وذاك الشخص، الأمر الذي يثير حماسة التحرك لديهم، كما لو كان الموقف في نطاق مواقف الدفاع عن النفس، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك الخطوات السياسية لدى الذين يفكرون بالتوازن في الموقف لمصلحة الأهداف الكبرى.

أما اليهود فإنهم لا يزالون يرتبطون بالخط الحضاري لليهودية، كدين أو قومية أو عنصرية، بحيث تمثل المفردات التاريخية لديهم نوعاً من العناصر الحيوية للشخصية، بالمستوى الذي تُحرك فيه التوتر السياسي من خلال الحضارية اليهودية المنفتحة على حركة اليهودية العالمية التي تمثل أرض فلسطين المركز القاعدي للاستقطاب اليهودي، باعتبارها "أرض الميعاد"، وقاعدة الامتداد، ومركز التجربة الحيّة للنفوذ السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي على أساس ارتباطهم العضوي بالمنطقة في كل دوائرها ليكونوا الشركاء في الثروات القومية، والمسألة الأمنية، والحركية السياسية، الأمر الذي قد يتيح لهم الدخول في حركة الصراع الدولي بشأن ثروات المنطقة وتحوّلاتها ومواقعها الاستراتيجية، باعتبارهم القوّة الأكثر قرباً وفعالية، مما يجعل لهم البعد الواقعي في الامتداد اليهودي الذي يؤكد المضمون الحضاري للتاريخ، وللمرحلة المعاصرة لليهودية التي تسيطر على مقدّرات الإسلام والمسيحية، كمنطلق للهيمنة على الساحة كلها ليلتفت العالم إليها كمركز متقدم لاستقطاب مقدساته ومصالحه.

إن المشكلة المطروحة بين العرب واليهود، أو بين المسلمين و"إسرائيل"، هي أن حركة الثوابت السياسية الإسرائيلية، فيما هو "الحق" الجغرافي والسياسي، أو فيما هي الخطوط الحركية في إدارة الجدل السياسي أو المفاوضات المباشرة، لا تتغير ولا تتبدل تبعاً للمتغيرات العالمية في موازين القوى. فقد كانت عناوين المطالب الإسرائيلية في الاستراتيجية أو التكتيك، في أثناء الحرب الباردة بين القوتين العظميين، هي نفسها العناوين البارزة بعد انتهاء هذه الحرب بانكفاء الاتحاد السوفياتي.

أما العرب، أو المسلمون  المتحركون في ساحة الصراع العربي – الإسرائيلي، فإنهم ينطلقون في خط التراجعات التنازلية بحيث يخيّل للمراقب أنهم لا يملكون أرضاً ثابتة يقفون عليها، حتى أنهم قد يجدون في الأمر الواقع الجديد مبرراً للتنازل عن الهوية الفلسطينية المستقلة، حتى يتحول الحديث عن الدولة الفلسطينية إلى شعار متطرف. ثم قد يجد البعض في الحكم الذاتي الإداري خطوة إسرائيلية متقدمة للاعتراف بالشعب الفلسطيني، مع الالتزام بالمهلة الزمنية التي تمثل الفترة الانتقالية التي يستمر بناء المستعمرات خلالها، ريثما تجري المفاوضات – بعد ذلك، لتقرير مصير الأراضي المحتلة التي لن تبقى فيها أية مساحة لأي وجود فلسطيني مقبول، في الوقت الذي تكون المصالحات العربية – الإسرائيلية قد جعلت من علاقات الدول العربية بإسرائيل قاعدة للنظام الإقليمي الجديد، الأمر الذي يجعل المستقبل الفلسطيني شيئاً لا معنى له.

*  *  *

              إن هناك حديثاً عن النظام العالمي الجديد الذي لا يسمح لإسرائيل بالتمدد أو التوسّع، ولا يفسح لها المجال للتمرد على الإرادة الدولية، ولا سيما بعد أن فقدت إسرائيل دورها التقليدي في التصدي للقوى المضادة للمصالح الأميركية أو الأوروبية الخاضعة للنفوذ السوفياتي، أو في المحافظة على السيطرة الغربية على منابع النفط، مع ملاحظة جديرة بالاهتمام هي أن الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تؤكد زعامتها في السلام كما أكدت زعامتها في الحرب، الأمر الذي يفرض عليها الوقوف في وجه التعنّت الإسرائيلي لإيجاد حالة من التوازن بين العرب و"إسرائيل" على أساس مبادلة الأرض بالسلام في ضوء القرارين المشهورين رقم 242 ورقم 338.

ولكن هناك ملاحظات في شأن هذه النظرية:

1-  إن الولايات المتحدة لم توضح تفسيرها للقرار رقم 242 في مفهوم المساحة التي يجب أن تنسحب "إسرائيل" منها؛ فقد تتبنى الصيغة البريطانية، الأمر الذي يجعل الأرض تنكمش إلى أقل قدر ممكن.

2-  إن القرار يلحظ مسألة الفلسطينيين على أنها مسألة لاجئين، لا مسألة شعب يريد أن يقرر مصيره بنفسه، ولا سيما بعد التزام الولايات المتحدة برفض الدولة الفلسطينية جملة وتفصيلاً، وهو ما يجعل هناك إمكاناً لبقاء الحكم الذاتي الإداري مع بعض التوسعة فيه بالمستوى الذي لا يتحول فيه إلى كيان سياسي، على طريقة الحكم الذاتي للأكراد في العراق، من خلال اعتبار المسألة مسألة حقوق الأقلية في داخل "دولة إسرائيل".

3-  إن الكونغرس الأميركي قد قرر اعتبار القدس عاصمة أبدية لـ"إسرائيل". وإذا كانت الإدارة الأميركية لم تقرر ذلك، فلأنها تريد لتطور المفاوضات أن يصل إلى هذه النتيجة في غياب القدرة العربية أو الفلسطينية على الضغط لمصلحة اعتبار القدس عاصمة للدولة الفلسطينية.

4-  إن هناك علامات استفهام كبيرة في شأن القدرة الأميركية على تغيير الذهنية الإسرائيلية، والقرار اليهودي في الاحتفاظ بكل الأراضي المحتلة في فلسطين، وربما "الجولان"، باعتبار ارتباط ذلك بالعقيدة اليهودية التوراتية التي لا يمكن التنازل عن أية مفردة من مفرداتها الجغرافية والسياسية؛ وذلك من خلال اللعبة السياسية الإسرائيلية على مستوى الانتخابات الإسرائيلية التي تخلط الأوراق، أو الضغوط التي يمارسها اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة على صعيد الانتخابات الأميركية وما إلى ذلك، وهو ما يجعل الإدارة الأميركية عشية الانتخابات غير قادرة على التحرك بحرية في هذا المجال، الأمر الذي يدفعها إلى تخفيف الضغط على "إسرائيل" – إذا كانت لديها خطة حقيقية للضغط – أو للإطباق على الموقف العربي بصورة ضاغطة هائلة لا تترك للعرب مجالاً للتوازن أو للتكامل في موقف واحد.

5-  أن هناك فريقاً عربياً يستعجل الصلح مع "إسرائيل" انطلاقاً من خضوعه المطلق للسياسة الأميركية من جهة، ولتحقيق غاياته في إسقاط حركة التحرر العربي أو الإسلامي بالتحالف مع "إسرائيل" من جهة أخرى، من خلال الحديث عن شخصية قومية خليجية، أو مغاربية، بديلاً من القومية العربية، أو الانتماء الإسلامي بالمعنى السياسي الحركي، لأن بعض الأنظمة العربية تلتقي مع "إسرائيل" من ناحية المصالح أكثر مما تلتقي مع بعض العرب أو المسلمين.. الأمر الذي يجعل منها قوة ضغط في مصلحة التنازلات العربية لـ"إسرائيل" ضد الموقف العربي المتوازن.

6-  إن غياب أية قوة عربية فعالة في المرحلة الحاضرة، مع وجود أكثر من مشكلة جديدة مثارة في الواقع العربي، كالمسألة العراقية والليبية، مع ملاحظة بداية مشكلة المياه في التعقيدات التركية بالنسبة إلى سوريا والعراق، والأفريقية بالنسبة إلى مصر، وغير ذلك، هذا بالإضافة إلى حالة الشعب العربي على المستويين الرسمي والشعبي، والضغط الأميركي، وانحسار الضغط الأوروبي والسوفياتي – إن هذا كله يجعلنا نشعر بأن الآفاق المقبلة هي آفاق السقوط العربي – الفلسطيني أمام الضغط الإسرائيلي – الأميركي.

7-  إن وجود مصلحة إسرائيلية في الصلح مع العرب – كما يقول البعض – قد يجعل "إسرائيل" تستمر في هذه المفاوضات، لكنها ستعمل على تأخير الوصول إلى النتائج الحاسمة ريثما تستكمل خطتها في احتواء المهاجرين اليهود وتوطينهم في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، بعد حصولها على الضمانات الأميركية للقروض لمصلحة الاستيطان، وهو ما يجعل الانسحاب غير واقعي لأنه سيتصل بـ"حماية حقوق الإنسان اليهودي" التي لا تسمح بـ"تشريد" المستوطنين من أرضهم الجديدة.

لذلك، فإننا نعتقد أن الحل قد يكون على أساس الصلح العربي – الإسرائيلي، والحكم الذاتي الفلسطيني في نطاق الدولة الإسرائيلية، عبر الأوراق الـ 99% التي تملكها إسرائيل من خلال ميزان القوى العسكري والسياسي والجغرافي، ومن خلال الضغط الأميركي الذي يريد أن يجعل "إسرائيل" قوة عضوية في النظام الأمني الإقليمي في المنطقة، بحيث تتحول إلى ما يشبه القوة الكبرى. وهذا هو منطق الواقعية السياسية الجديدة التي تعتبر الأمر الواقع هو القيمة الإنسانية التي يجب أن يخضع الضعفاء بموجبها لسيطرة الأقوياء.

وسيكون الأفق الجديد للعلاقات الإسرائيلية – العربية المتداخلة في الواقع الاقتصادي والأمني والسياسي والمائي، أفق الإشراف الإسرائيلي على الواقع العربي الذي لن تسمح الولايات المتحدة له بأن يأخذ بأسباب القوة الذاتية، فيما تراه من الجولات الأميركية لوزير الخارجية الأميركي الذي يمنع كل دولة من دول العالم من بيع الأسلحة المتطورة للعرب، مع السماح ببيعها لـ"إسرائيل" لأن هناك التزاماً أميركياً بالأمن الإسرائيلي بصورة مطلقة، بقطع النظر عن طبيعة المعارك التي تخوضها "إسرائيل"، وبإبقاء التفوق النوعي العسكري لها على الدول العربية جمعاء.

ولا معنى – في هذا المجال – للتمنيات العربية بأن الولايات المتحدة قد ابتعدت عن الاعتماد على الوكلاء لحماية مصالحها، باعتبار أنها تمارس ذلك بصورة مباشرة، كما حدث في حرب الخليج.

لا معنى لذلك، لأن هناك أكثر من موقع، وأكثر من معركة قد تحتاج الولايات المتحدة فيها إلى الوكيل الإسرائيلي لخوض الحرب أو السيطرة على الموقع، عندما تكون المعركة المباشرة محرجة للولايات المتحدة، لتتدخل هذه فتأخذ دور الحكم الذي يحتوي نتائج المعركة لمصلحة فريقه، كما في الحرب المقبلة المحتملة ضد سوريا عندما تبقى في تمردها وتصلبها السياسي في المفاوضات.

*  *  *

لقد كنا نقول إن على العرب ألا يدخلوا المفاوضات مع "إسرائيل"، في هذه المرحلة، لأنهم لا يملكون أية ورقة للضغط، وأن على الفلسطينيين ألا يشاركوا في هذه اللعبة لأنهم الضعفاء على كل الأصعدة.

ولكن الهزيمة النفسية العربية، التي نفذت بعناصر الضعف الداخلي وعناصر الضعف الخارجي، قادت الجميع إلى المسلخ السياسي الذي سيكون النجاح فيه نجاحاً أميركياً – إسرائيلياً، لأن البداية كانت من خلال الشروط الإسرائيلية في العناوين العربية للوفود العربية، وفي العنوان الفلسطيني للوفد الفلسطيني.

*  *  *

إننا كإسلاميين نفكر بواقعية المستقبل في غياب إمكانات الحاضر، لن نشعر بأننا نخسر شيئاً إذا لم ندخل المفاوضات. بل سنجد الكثير من الفرص للتحرير إذا أحسنّا الأداء السياسي والعسكري على مستوى الخطة الواحدة من أجل المصير الواحد، تماماً كما هي التجربة الإسرائيلية التي كانت الدولة لديها خيالاً في الأحلام، فعملت على أساس التخطيط للمستقبل من خلال عناصر القوة في الحاضر وإمكانات النمو في المستقبل.. وهكذا تحوّل الخيال إلى حقيقة، وتحولت الأحلام إلى واقع. فلماذا لا نفكر في أن نكبّر الواقع، الذي لا تزال بقاياه في أيدينا، إلى واقع أشمل وأوسع على أساس فرص المستقبل...؟

هل هذه كلمات الأدب الحماسي الانفعالي الذي عشنا هزائمه في الماضي، كما يقول البعض..؟

إن الجواب هو أن المشكلة التي كانت، ليست في مفردات الحماسة بل في غياب الشخصية التي تعيش التوتر الحضاري الإسلامي الذي يدفع إلى التخطيط الدقيق الذي يعطي الحماسة بعض الدور، لكن لا يسمح لها بأخذ الدور كله. 

 

محمد سيد أحمد*: حرص أميركي

على استمرار المفاوضات شكلاً

حتى لو تعثرت مضموناً

              أنا أعتقد أن مؤتمر مدريد يعتبر نقطة تحول، لكن نقطة التحول هذه لن تفضي إلى السلام في أي مستقبل قريب أو منظور.

كان الوضع في السابق يحكمه نوعان من الاستقطاب معاً: استقطاب دولي بين معسكرين عالميين (رأسمالي واشتراكي)؛ واستقطاب إقليمي متمثل في إسرائيل ومن جانب الدول العربية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، من الجانب الآخر. طبعاً، لم يكن هناك تطابق فيما يتعلق بأسباب المواجهة على الصعيدين العالمي والإقليمي. لكن، عندما يكون هناك مواجهتان حادّتان على مستويين مختلفين، فمن الطبيعي أن يستثمر أطراف النزاع الإقليمي وأطراف النزاع الدولي وجود هذا النزاع الآخر في سبيل تعزيز مواقفهم. ومن هنا حدث نوع من التقارب القوي بين الجانب العربي يسانده الاتحاد السوفياتي، وكذلك الجانب الإسرائيلي تسانده الولايات المتحدة الأميركية، على الرغم مما تنطوي هذه العمومية عليه من قدر من التبسيط والإخلال.

الجديد الآن أن الاستقطاب على المستوى الدولي قد انتهى، وأن التقارب بين الشرق والغرب أنهى وجود ذلك الوضع السابق، بينما بقيت أسباب الاستقطاب الإقليمي قائمة كما هي ولم يجدّ فيها جديد. بل ربما العكس، لأن هناك اليوم، مع التصالح السوفياتي – الإسرائيلي، هجرة يهودية كثيفة من الاتحاد السوفياتي إلى إسرائيل تحكمها اعتبارات كثيرة. وبهذا المعنى، فإن الأسباب التي قررت من قبل استمرار النزاع، وإحساس الأطراف الإقليمية بأن مصلحتها تقضي بأن تستثمر الاستقطاب الدولي في سبيل دعم مركزها التفاوضي بدلاً من ممارسة التفاوض، هذا الوضع السابق لم يعد قائماً. وما حل محله الآن هو أنه مع اتفاق الدولتين العظميين على ضرورة أن تحل تسوية، انتهت مرحلة الاستقطاب الحاد إقليمياً بسبب انتهاء مرحلة الاستقطاب الحاد الدولي، وظلت فقط أسباب الاستقطاب الإقليمي مع حث المجتمع الدولي على إزالة هذا الاستقطاب.

إن مؤتمر مدريد يعكس التغيير أو الانتقال من وضع دولي أو نظام دولي لا يساعد في تسوية، إلى نظام دولي يشجع على إنجاز تسوية، من دون تغيير جوهري في أسباب النزاع محلياً. من هنا، فنحن في صدد مرحلة جديدة لم تتوفر فيها بعد كل متطلبات عملية السلام؛ لكنْ توفر لها، أول مرة، إصرار من قبل المجتمع الدولي، أو من قبل الدول ذات الكلمة الحاسمة في المجتمع الدولي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، من أجل التوصل إلى صيغة تسوية ما. وأُضيف إلى ذلك اعتبار آخر، هو أن أزمة الخليج قد حققت للولايات المتحدة الأميركية شيئاً جديداً مخالفاً لما كان الوضع عليه من قبل؛ فقد تبينت الولايات المتحدة، من خلال هذه الأزمة، أن هيمنتها على البترول العربي وضمان الاستقرار في هذه الهيمنة، أمر بالغ الأهمية في استراتيجيتها الكونية. والسبب في ذلك أنه في المرحلة الجديدة، مرحلة عالم متعدد الأقطاب يتميز بالتزاحم الاقتصادي بين أقطاب متعددة، لا مرحلة العالم الثنائي القطبية القائم على المواجهة العسكرية، فإن البترول العربي يقوم بدور حاسم في هذا الوضع الجديد. ومن هذه الوجهة، فإن الولايات المتحدة الأميركية حريصة على استقرار البترول، ولا تريد أن يكون النزاع العربي – الإسرائيلي سبب اضطراب، أو سبباً يعرض استقرار البترول للخطر.

يترتب على ذلك سؤال مهم: هل معنى ذلك أن الولايات المتحدة كانت في السابق تناصر إسرائيل فقط، فأصبحت اليوم لا تناصر إسرائيل فحسب بل لديها مصالح لدى أطراف عربية ممثلة في البترول العربي مثلاً؟

إن في طرح الموضوع على هذا النحو تبسيطاً مخلاً. إسرائيل جزء من القرار الأميركي. هناك ناس في إسرائيل وثيقو الارتباط بجهاز إصدار القرار في الولايات المتحدة الأميركية، وهذا ليس متوفراً في الأطراف العربية؛ بل حتى الأطراف العربية جميعاً، الواقفة والتي اصطفت إلى جانب الولايات المتحدة في أزمة الخليج، ليست بالأطراف ذات التأثير في القرار الأميركي. من هنا، فإن الأمر ليس بالبساطة كما قلت. إن ما يشغل الأميركيين هو ألا يكون هناك أسباب رفض في العالم العربي تهدد الأنظمة العربية المناصرة لهم، وفي مقدم أسباب الرفض الإحباط الناتج من عدم معالجة القضية الفلسطينية. وهذا يجعل الولايات المتحدة – إذا ما أرادت ضمان البترول – ألا تلتفت إلى المصالح الإسرائيلية فقط. وفي هذا الإطار وحده يمكن للولايات المتحدة الأميركية ألا تكون منحازة إلى الجانب الإسرائيلي فقط، فيما يتعلق بالمرحلة المقبلة؛ ليس لأن هناك طرفاً عربياً قادراً على الضغط، بل لأن هناك خطراً من قبل الساحة العربية، يتمثل في أن أطرافاً رافضة محبطة تستطيع أن تؤثر في استقرار الأنظمة العربية المنتشرة في مناطق البترول العربي، أو ذات تأثير في هذه المناطق.

من هذه الوجهة نحن في صدد مرحلة جديدة؛ لم نعد في صدد المرحلة السابقة التي كانت تستند إلى مبررات لعدم الإقدام على مفاوضات، بل أصبحنا في مرحلة تستطيع الولايات المتحدة الأميركية فيها أن تلزم الأطراف بأن تقدم على مفاوضات، لكن ليس معنى ذلك أن الأوضاع قد توفرت للسلام.

أنا لا أعتقد أن إسرائيل حريصة، في الوضع الراهن، على التعاقد في المستقبل القريب. ذلك بأن إسرائيل ما زالت تعلق الآمال على مزيد من الهجرة اليهودية والاستيطان. وهي لا تعتقد أن الوضع مؤات الآن كي تلزم نفسها بحدود نهائية. وبالتالي، فإنها ليست في عجلة، ولا ترى ضرورة لتبرم أي اتفاق الآن؛ إنها تلبي فقط ضغط الولايات المتحدة عليها من أجل الاشتراك في مؤتمر مدريد.

أما فيما يتعلق بالأطراف العربية، فإن الوضع الحالي ليس مؤاتياً للقضية الفلسطينية. من هنا، فإنه لا يوجد حافز في الشارع العربي، ولدى القوى الوطنية والقومية العربية، في سبيل اتفاق ينتهي ضد المصالح العربية. لكنْ، هناك عدد من الدول العربية ذو مصلحة هو الآخر في استقرار البترول، وربما كان مناصراً للولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بالجهود المبذولة في مؤتمر السلام.

لقد تبين من مؤتمر مدريد أن هناك مرجعيتين: مرجعية من قبل جميع الأطراف تُبنى على الشرعية الدولية؛ ومرجعية إسرائيلية ممثلة في حكومة شمير لا تلتزم، ولا تلتفت حتى إلى الشرعية الدولية أساساً للتسوية، بل تنطلق من رؤية صهيونية تتعلق بالقضية اليهودية – رؤية عتاة الصهيونية أمثال جابوتنسكي وغيره – وفحواها أن إسرائيل دولة كل اليهود، وأن على اليهود خارج دولة إسرائيل (في الشتات) أن يعودوا إلى دولة إسرائيل. إن مثل هذه المرجعية لا يطرح لغة مشتركة بينه وبين جيرانه، وبالتالي ليس هناك أساس لسلام ممكن في إطار ذلك. كما أنني أعتقد أن إسرائيل لا تعرض سلاماً في مقابل الأرض، بل تطرح ما تعتقد أنه حاجة الأطراف إلى التوصل إلى صيغة سلام، كي تستخدم إسرائيل الأرض العربية ورقة مساومة، أو ورقة تفاوض، أو ورقة إملاء شروط على الأطراف الأخرى، لأنها ليست في عجلة لإبرام أي شيء. وهي، من ناحية أخرى، لا تشعر بأنها مهددة بأي شكل بل لديها شعور بأنها قادرة، عن طريق ضغط اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، على أن تحفظ كل ما تريده. من هنا، أعتقد أن إسرائيل ستسعى، في الفترة المقبلة، لتسبق المفاوضات متعددة الجوانب المفاوضات الثنائية، أو تعلق المفاوضات الثنائية على نتائج ملموسة تحرزها في المفاوضات متعددة الجوانب. وذلك بينما أطراف عربية، وفي مقدمها سوريا، أكثر حرصاً على النقيض وعلى ألا يكون هناك التزام تجاه حسم المفاوضات متعددة الجوانب قبل أن تحسم المفاوضات الثنائية، وضمان استرداد الأرض على نحو أو آخر.

إنني أتصور أن الولايات المتحدة الأميركية حريصة – على هذا النحو أو ذاك – على ألاّ تعود الأمور إلى ما كانت عليه. فهي ستحافظ على شكل استمرار هذه العملية، حتى لو تعثرت مضموناً. لكن سيكون للولايات المتحدة حرص دائم على أن يكون هناك شكل يوحي بأن المفاوضات مستمرة، أياً يكن مدى التأثر باستمرارها، لأن هذا يُعد اختباراً للولايات المتحدة على نطاق العالم لا إقليمياً فقط. وفيما يتعدى هذا، أعتقد أن الموضوع شديد التعثر، وبالذات مع حكومة شمير. ربما إذا استطاعت الأطراف العربية أن تنتهج سياسة لا تطرح الطرف المقابل في صورة إسرائيل ككل، بل في صورة التيار المتزمت فتقدم على خطوات تشعر أطرافاً أخرى في إسرائيل بأنه يمكن التعايش مع الأطراف العربية، وتسقط حكومة شمير في مستقبل قريب أو بعيد، وتحل محلها حكومة أخرى وسياسة جديدة – ربما في مثل هذه الأوضاع قد يكون من الممكن إحراز قدر أو آخر من التقدم. لكنْ، ما دمنا نحن في صدد الحكومة الراهنة في إسرائيل، فلا أتصور أن يتحقق تقدم كبير، وستتعثر الأمور موضوعاً، بينما ستحرص الولايات المتحدة على الاحتفاظ بالعملية التي دشنت في مدريد شكلاً.

في هذا الإطار، من المهم للأطراف العربية أن تبرز تضامنها وتنسيقها؛ فإسرائيل ستبذل كل جهد ممكن من أجل تفرقة الأطراف العربية. ولا بد من أن يركز الجهد العربي على إحداث التفرقة في الصفوف الإسرائيلية، رداً على محاولات تفرقة الصفوف العربية. لقد رأينا خلال أيام المؤتمر في مدريد كيف أن إسرائيل حاولت أن تنتهج سياسة لينة إزاء لبنان والأردن، وسياسة متشددة إزاء سوريا والفلسطينيين. واتبعت أسلوب فرّق تسد، فحاولت دق إسفين بين لبنان وسوريا، وكذلك دق إسفين بين الوفد الفلسطيني والوفد الأردني في إطار الوفد المشترك.

لا بد من أن تتخطى الأطراف العربية مرارات أزمة الخليج وانقسام الصف العربي في شأن قضية الخليج، وذلك بأن تثبت القدرة على إجادة التنسيق والتشاور للحؤول دون استفادة إسرائيل، بل أن تنقل المعركة إلى إسرائيل عن طريق إبرازها للطرف الإسرائيلي، الحريص على التوصل إلى تسوية، أهمية مصالحه في السلام لا في تحدي المنطقة العربية المحيطة. 

 

نايف حواتمه*: العملية التي بدأت

في مدريد مفتوحة في أكثر من اتجاه

              كان مؤتمر مدريد، في الأساس، تظاهرة استعراضية متلفزة أظهرت، فيما أظهرت، حجم التباعد في المواقف بين الأطراف العربية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ومدى استمرار التعنت الإسرائيلي فيما يتعلق بالأراضي المحتلة، وبالتالي غياب الضغوط – أو محدوديتها – على إسرائيل لدفعها إلى الانصياع لقرارات الشرعية الدولية والجلاء عن الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة.

لقد مارست الولايات المتحدة ضغوطاً هائلة على الأطراف العربية عامة، وعلى الطرف الفلسطيني خاصة، كي تدفعها إلى المشاركة في "مؤتمر السلام" بالشروط التي وضعتها الولايات المتحدة لهذه المشاركة ولآلية عمل المؤتمر، في حين لم تمارس على إسرائيل سوى ضغوط مخملية، الأمر الذي جعل الصيغة الأميركية للمؤتمر شديدة القرب من التصورات والاشتراطات الإسرائيلية، في حين أن الأسس التي حددها الفلسطينيون (كما صيغت، مثلاً، في الدورة العشرين للمجلس الوطني الفلسطيني) لم يتم الأخذ بأي منها. وهكذا، شارك من شارك من الفلسطينيين في مؤتمر مدريد في ظل شروط تمثيل مجحفة، حيث جرى استبعاد أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني عن التمثيل، سواء فلسطينيي المهاجر والمنافي أو فلسطينيي القدس العربية. كما جرى استبعاد منظمة التحرير عن المؤتمر، وبالتالي تمت تجزئة الشعب الفلسطيني وتهميش أحد شقّي قضيته الوطنية، ذلك المتعلق بمشكلة المشردين من أبنائه وحقهم في العودة إلى وطنهم أو التعويض لمن يرغب في العودة، وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948. وهذا الشكل من التمثيل الفلسطيني، أي الاكتفاء بتمثيل سكان الضفة الغربية (من دون القدس) وقطاع غزة، هو الشكل الذي اشترطه يتسحاق شمير منذ البداية، والذي سلمت الإدارة الأميركية به وضغطت على الطرف الفلسطيني من أجل القبول به.

والمسألة هنا ليست مسألة شكلية. ولا يسعف أحد القول إن أي فلسطيني، من أي مكان كان، يمكن أن يمثل الشعب الفلسطيني كله. فهذه المسألة الشكلية تفهمها إسرائيل على أنها تعكس الجوهر: أي أن المشكلة ليست مشكلة شعب، ليست مشكلة وطنية، بل هي مشكلة مجموعة من السكان يمكن معالجتها في إطار ترتيبات داخلية محدودة في ظل استمرار الاحتلال، من خلال مشروع الحكم الإداري الذاتي، الذي يعتبره يتسحاق شمير حلاً نهائياً للمشكلة الفلسطينية ولمصير الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ولذلك نقول إن "مؤتمر السلام" انطلق من مواقع مغلوط فيها، سواء بالنسبة إلى صيغة التمثيل الفلسطيني التي لا تتلاءم مع كون القضية الفلسطينية جوهر النزاع في المنطقة، وهي بالتالي يجب أن تكون جوهر الحل، أو بالنسبة إلى الغموض القائم بشأن أساس عقل المؤتمر ومدى ترابط مساراته وحلقات ومراحل الحل المختلفة.

وإذا كان أداء الشخصيات الفلسطينية التي شاركت في مؤتمر مدريد، والتي لا نشكك في وطنيتها، قد حقق نجاحاً إعلامياً معيناً، فإن من الضروري أن نتنبه إلى أن الصدى الإعلامي شيء، وتحقيق نتائج تفاوضية ملموسة شيء آخر. وقد عودتنا إسرائيل امتصاص الضغوط الإعلامية عليها وإحناء الرأي موقتاً لها، من دون تقديم أي تنازل تحت تأثيرها. هذا ما حدث سنة 1982 بعد حصار بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا، وهذا ما جرى في العامين الأولين للانتفاضة الشعبية المجيدة، التي حققت تعاطفاً عالمياً كاسحاً ودخلت مشاهدها كل بيت في أنحاء العالم، من دون أن يقود ذلك إلى أي تغيير في سياسة التعنت الإسرائيلية.

ولا نريد بذلك أن نقول إن التعاطف العالمي، وتراكم المكاسب المعنوية، والاستحواذ على تفهم ودعم الرأي العام الدولي، هي أمور ثانوية ويجب عدم الاهتمام بها. بل العكس هو الصحيح. ففي عالمنا المعاصر، قلما تمكنت حركة تحرر وطني من أن تحقق الانتصار في مواجهات غير متكافئة بينها وبين الاستعمار والطرف المستبد، من دون دعم من الرأي العام العالمي، بما في ذلك، وخصوصاً، الرأي العام في البلد المستعمِر نفسه.

لكن العمل على كسب الرأي العام العالمي شيء، وتقديم تنازلات تخفض سقف المطالب الوطنية، حتى قبل أن تبدأ المفاوضات، شيء آخر. ولذلك نعتقد أن الصيغة الراهنة للمؤتمر لا تحمل معها أي إمكان للوصول إلى حل جدي يؤمن الحقوق الوطنية الفلسطينية ويعيد الأراضي المحتلة إلى أصحابها.

ولكن هذا الواقع، وواقع استمرار الانحياز الأميركي الواسع إلى جانب إسرائيل واشتراطاتها ومطالبها، ليسا قَدَراً. وفي إمكان شعبنا الفلسطيني، من خلال التمسك بوحدته وبرنامجه وقاسمه الوطني المشترك، ومن خلال ضمان استمرار انتفاضته وتطويرها؛ وفي إمكان الأطراف والدول العربية المعنية، إذا ما نسقت فيما بينها بالمستوى المطلوب، ووحّدت مواقفها من خلال استبعاد أي شكل من أشكال الحلول الجزئية والثنائية المنفردة، وأي تطبيع متدرج مع إسرائيل بمعزل عن ضمان انسحابها من الأراضي المحتلة والتزامها قرارات الشرعية؛ وفي إمكان المجتمع الدولي والقوى الرئيسية المؤثرة، من خلال ممارسة ضغوط ملموسة على حكام إسرائيل، ضغوط شبيهة بتلك التي مورست على حكومة بريتوريا الأفريقية الجنوبية لدفعها إلى التخلي عن سياستها العنصرية؛ في إمكان كل هذه الأطراف أن تدفع في اتجاه تصويب عملية التسوية والدفع نحو صيغ للتمثيل للمفاوضات تقترب من صيغ وأسس وقرارات الشرعية الدولية.

لذلك نقول إن من الممكن أن تصل العملية المنبثقة من مؤتمر مدريد إلى طريق مسدود، وبالتالي إلى إمكان تطور مناخ من عدم الاستقرار والاضطراب، وربما الانفجارات العسكرية. كما أن من الممكن، في حال تصويب هذه العملية على صعيد التمثيل وعلى صعيد أسس الحل وترابط مساراته ومراحله، شق الطريق في اتجاه حل القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي، وإنْ كان من الضروري التسلح بالكثير من الحذر واليقظة وعدم الركون إلى الآلية الذاتية لعملية التسوية، وبالتالية ضرورة الالتفات إلى ما يجري على الأرض، وخصوصاً في إطار المواجهة مع الاحتلال من خلال استمرار الانتفاضة وتجذيرها وتنظيم أنواع الدعم لها في مناطق اللجوء والشتات، بالإضافة إلى مختلف أشكال النضال الأخرى.

فبدء مفاوضات التسوية لا يعني نهاية المطاف، ولا يعني أن عملية التفاوض تجري في مسار محدد وفق آلية العملية نفسها، أو وفق إرادة الأطراف الراعية للعملية.

فما يجري على الأرض، بانعكاساته السياسية والدعاوية، يؤثر في عملية التفاوض، كما كان وا     ضحاً في إبان مراحل تفاوض الأخوة الجزائريين مع المستعمرين الفرنسيين أوائل الستينات، وكذلك مراحل تفاوض الشعب الفيتنامي مع الغزاة الأميركيين بين سنتي 1968 و1973.

فباختصار، نقول إن العملية التي بدأت في مدريد، والتي ستطول بالضرورة وتتقطع، وربما تنفجر بين حين وآخر، نظراً إلى حجم الاستعصاءات والتباعد الكبير في المواقف، هذه العملية مفتوحة في أكثر من اتجاه. والمطلوب أن تدفعها الأطراف العربية (والفلسطينية منها في الدرجة الأولى) في الاتجاه الذي يمكن أن يفتح الآفاق لإنجاز جلاء قوات الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى المحتلة، وتأمين الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وتحديداً حقه في العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة.

وإذا كان الموقف الإسرائيلي الحالي لا يترك أي مجال للتفاؤل على هذا الصعيد، وإذا كان الموقف الأميركي ما زال أقرب – فيما يتعلق بجوهر الأمور – إلى الموقف الإسرائيلي منه إلى المواقف الفلسطينية والعربية، فإن هذا وذاك ليسا قدراً. وفي إمكان شعبنا الفلسطيني والشعوب والدول العربية الأخرى المعنية أن تدفع الأمور في الاتجاه الصحيح، وتغلق الباب تماماً أمام أية مشاريع لتسويات جزئية ومنفردة وذات طابع تصفوي للقضية الفلسطينية وللحقوق العربية، وتفتح الآفاق أمام حل عادل وشامل لقضية الشعب الفلسطيني الوطنية وقضايا الصراع العربي – الإسرائيلي، يعكس قرارات وتوجهات الشرعية الدولية ومبادىء الانفراج وتوازن المصالح وحقوق الشعوب التي بات مسلماً بها في العالم، على الأقل على الصعيد النظري. 

Author biography: 

إبراهيم غوشه: المتحدث الرسمي باسم حركة حماس.

أبو علي مصطفى: نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

الياس شوفاني: عضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" – الانتفاضة.

جميل مطر: باحث مصري.

جميل هلال: باحث فلسطيني.

جورج ديب: أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية، مستشار الشؤون الخارجية في القصر الحكومي.

عبد الله حوراني: عضو اللجنة التنفيذية ورئيس دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية.

عدنان أبو عوده: المستشار السياسي للملك حسين.

علي الجرباوي: أستاذ مشارك في العلوم السياسية – جامعة بير زيت.

محمد سيد أحمد: كاتب مصري.

نايف حواتمه: الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

Read more