The American Approach to the Palestinian Issue
Keywords: 
النزاع العربي - الإسرائيلي
منظمة التحرير الفلسطينية
الدولة الفلسطينية
حق تقرير المصير
السياسة الأميركية تجاه فلسطين
العلاقات الإسرائيلية - الأميركية
Full text: 

شكل اهتمام الولايات المتحدة بالمسألة الفلسطينية جزءاً لا يتجزأ من اهتمامها بالصراع العربي – الإسرائيلي وبمنطقة الشرق الأوسط، ومن اهتماماتها الدولية بصورة عامة. وقد جرى تحديد مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خلال العقود الأربعة الماضية، في سياق الحرب الباردة والتنافس الشديد بين المعسكرين الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، بشأن بسط النفوذ في هذه المنطقة المهمة استراتجياً واقتصادياً. وقد حاولت الولايات المتحدة، في هذا المجال، احتواء توسع النفوذ الشيوعي الذي رأت فيه مصدر تهديد لمصالحها في المنطقة. وتطلبت عملية حماية وتعزيز المصالح الأميركية في الشرق الأوسط دعم وحماية أنظمة الحكم الموالية للغرب في المنطقة مما وُصف بخطر امتداد النفوذ الشيوعي، وفي مواجهة الحكومات والحركات الثورية والراديكالية المناهضة للغرب. وفي هذا السياق، رأت الولايات المتحدة في إسرائيل رصيداً وحليفاً استراتيجياً، ولا سيما أن مصالح إسرائيل والولايات المتحدة كانت – في معظم الأحيان – منسجمة أو حتى متطابقة، وذلك على الرغم من نشوء تباين موقت ناجم عن اختلاف في تصورات كل طرف لمصالحه الخاصة به. لكن البعض يعتقد أن علاقة واشنطن الوثيقة بإسرائيل شكلت، في الوقت نفسه، عبئاً على الولايات المتحدة لأن الدعم الأميركي شبه المطلق لإسرائيل دفع بعض الدول العربية، كمصر وسوريا، إلى السعي من أجل إقامة علاقات أوطد مع الاتحاد السوفياتي.

وكان الدعم الأميركي لإسرائيل ناجماً، أيضاً، عن التزامات خلقية وسياسية. فقد تعاطفت أميركا مع إنشاء دولة لليهود الذين تعرضوا للاضطهاد والعداء للسامية في دول أوروبا. يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة نظرت إلى إسرائيل، منذ نشأتها، أنها دولة ديمقراطية موالية للغرب. وشكل وجود لوبي صهيوني قوي في الولايات المتحدة عاملاً مهماً جداً في ضمان وتوفير الدعم الأميركي لإسرائيل. 

مواقف الولايات المتحدة

من المسألة الفلسطينية

              في ضوء ذلك كله ظلت المسألة الفلسطينية، وخلال أعوام طويلة، مسألة غير ذات أهمية بالنسبة إلى السياسة الأميركية في المنطقة، حيث تعاملت الحكومات الأميركية مع هذه المسألة على أنها مسألة لاجئين فحسب.

بعد سنة 1967، رفضت الولايات المتحدة النظر إلى حركة المقاومة الفلسطينية كحركة تحرر وطني، واعتبرت التنظيمات الفلسطينية المنخرطة في حركة المقاومة تنظيمات إرهابية. ولذلك تعاطفت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، خلال أحداث أيلول/سبتمبر 1970، مع ضرب حركة المقاومة وإخراجها من الأردن. كما أن واشنطن لم تكن راضية عن القرار الذي اتخذه مؤتمر القمة العربية في الرباط، في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1974، واعتبر فيه منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

واستغرق أمر إقرار الولايات المتحدة بوجود بُعد سياسي للمشكلة الفلسطينية وقتاً طويلاً. ولم يكن هذا الإقرار، في أية حال، واضحاً أو جازماً، بل كان يتسم بالغموض والتردد وعدم الثبات. وقد عكست الخطط أو المبادرات التي تبنتها الولايات المتحدة، أو دعمتها، لحل المشكلة الفلسطينية تطور المنظور الأميركي للمسألة الفلسطينية. كان هدف أول مبادرة أميركية بعد حرب 1967، وهي مبادرة روجرز لشهر كانون الأول/ديسمبر 1969، هو تحقيق حل أميركي منفرد للصراع بين مصر وإسرائيل. وتعاملت المبادرة مع المسألة الفلسطينية كقضية لاجئين؛ فقد جاء في المبادرة ما يلي: "لن يكون هناك سلام دائم من دون تسوية عادلة لمشكلة أولئك الفلسطينيين الذين شُردوا جراء حربي 1948 و1967."[1]   ولم تشر اتفاقيات فصل القوات بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا سنة 1974 وسنة 1975، والتي رعتها الولايات المتحدة، إلى المشكلة الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني.

              ومع ذلك، فقد جاء في خطاب لوزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر، ألقاه في 16 أيلول/سبتمبر 1975 ما يلي: "إننا ندرك تمام الإدراك أنه لن يكون هناك سلام دائم إلا إذا اشتمل على ترتيبات تأخذ في الاعتبار المصالح المشروعة للشعب الفلسطيني."[2]    لكن كيسنجر شدّد، في الخطاب نفسه، على موقف الولايات المتحدة الرافض للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية: "من المستحيل على الولايات المتحدة أن توصي بالتفاوض مع م. ت. ف. حتى تقبل م. ت. ف. بوجود إسرائيل كدولة شرعية. وما دامت مبادىء م. ت. ف. تدعو، بصورة أو بأخرى، إلى تدمير إسرائيل، فإننا لا نرى كثيراً من الأمل لإجراء مفاوضات مع المنظمة."[3]   وفي مناسبة أخرى، علق كيسنجر على قرار الرباط بالقول إن هذا القرار "جعل التفاوض في شأن الضفة الغربية أمراً مستحيلاً."[4]    ويبدو أن كيسنجر كان يفكر، في ذلك الحين، في محاولة التوصل إلى اتفاقية لفصل القوات بين الأردن وإسرائيل، تشبه اتفاقيات فصل القوات بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا. لكن الواضح من تصريحات كيسنجر أن الولايات المتحدة كانت تنظر إلى منظمة التحرير الفلسطينية على أنها عقبة أمام حل الصراع العربي – الإسرائيلي. وفي سنة 1976، وخلال شهادة أمام مجلس النواب الأميركي قدمها هارولد سوندرز، نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في إدارة الرئيس جيرالد فورد، تحدث سوندرز عن تطلعات العرب الفلسطينيين ومصالحهم المشروعة. كما أشار إلى كون الفلسطينيين عاملاً سياسياً لا بد من التعامل معه إذا ما كان للسلام أن يسود بين إسرائيل وجيرانها.[5]

              أما اتفاق كامب ديفيد سنة 1978، والذي تمّ برعاية إدارة الرئيس جيمي كارتر، فلم يتعامل مع الفلسطينيين كلاجئين أو كشعب له حقوق سياسية كاملة ومتساوية، بل دعا إلى منح الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة "حكماً ذاتياً كاملاً"، على أن تُجرى بعد فترة انتقالية مدتها خمسة أعوام مفاوضات بين مصر وإسرائيل والأردن وممثلين منتخبين عن سكان الضفة والقطاع، لتقرير الوضع النهائي لهاتين المنطقتين. وقد ساد الاعتقاد أن الهدف من اتفاق كامب ديفيد ومشروع الحكم الذاتي لم يكن الإقرار في النهاية بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وخصوصاً حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية، وذلك لأن الاتفاق لم يُشر إلى مثل هذا الخيار؛ فبدلاً من ذلك، أشار مشروع الحكم الذاتي إلى أن المفاوضات بين الأطراف الأربعة المذكورة "ستكون قائمة على بنود قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 ومبادئه.[6]

              وذكر المشروع، أيضاً، أن الفلسطينيين سيشاركون في تقرير مستقبلهم عبر عدد من الإجراءات المختلفة. لكن اياً من هذه الإجراءات، بمفرده أو كلها مجتمعة، لم يرتق إلى تمكين الفلسطينيين من ممارسة فعلية لحق تقرير المصير. لقد كان اتفاق كامب ديفيد يعني، عملياً، أن الضفة الغربية وقطاع غزة سيخضعان للسيادة الإسرائيلية مدة خمسة أعوام، وأنه بعد أن يتقرر الوضع النهائي لهاتين المنطقتين فإنهما ستُلحقان بإسرائيل، أو بالأردن، أو بكليهما. واستتبع ذلك، من الناحية العملية أيضاً، وكأحد الخيارات المحتملة، إنْ لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل هاتين المنطقتين، أن تقوم إسرائيل بضمهما، أو أن يستمر الحكم الذاتي إلى أجل غير مسمى. ولهذه الأسباب كلها، رفضت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق كامب ديفيد ومشروع الحكم الذاتي.

وجاء خطاب رونالد ريغان في الأول من أيلول/سبتمبر 1982، الذي أصبح يعرف فيما بعد بـ"مشروع ريغان"، ليشكل استمراراً في السياسة نفسها. فبينما تحدث المشروع عن "الحقوق المشروعة للفلسطينيين... وتطلعاتهم السياسية"، واقر بأن القضية الفلسطينية هي أكثر من قضية لاجئين، شدّد من ناحية أخرى على ضرورة التعامل مع الشعب الفلسطيني من خلال ربطه بدولة أخرى ذات سيادة، وهي الأردن، وفي الوقت الذي ركز مشروع ريغان على مشروع الحكم الذاتي المشمول في اتفاق كامب ديفيد فإنه اختلف عنه في أنه استثنى، بصورة صريحة، خيار إقامة دولة فلسطينية، وحدّد مسبقاً الوضع النهائي للضفة الغربية وقطاع غزة. فقد جاء في خطاب ريغان ما يلي:

وبعد الفترة الانتقالية، وفيما يتعلق بمستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة، يبدو واضحاً لي أن السلام لا يمكن أن يتحقق من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة في تلك الأراضي. ولا يمكن تحقيقه، أيضاً، في إطار السيادة أو السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفة الغربية وقطاع غزة. لذلك، فإن الولايات المتحدة لن تدعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولن تدعم كذلك ضمهما أو السيطرة الدائمة عليهما من قبل إسرائيل.[7]

              تجدر الإشارة إلى أن الفلسطينيين رأوا جانباً إيجابياً في مشروع ريغان، الذي رفضته إسرائيل، وإلى أنه يجب النظر إلى الاتفاق الأردني – الفلسطيني سنة 1985 من وجهة النظر هذه. ومما تجدر الإشارة إليه، أيضاً، أن الولايات المتحدة رحَّبت بهذا الاتفاق لأن مبادئه كانت تتطابق مع مشروع ريغان، إلى حد بعيد. فالاتفاق لم يشر إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، بل تحدث عن تقرير الفلسطينيين لمصيرهم داخل إطار كونفدرالية أردنية – فلسطينية. وقد نصّ مشروع ريغان أيضاً على أن

الوضع النهائي لهذه الأراضي سيتحدد من خلال مفاوضات تقوم على الأخذ والعطاء. لكن، من رأي الولايات المتحدة الثابت أن الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالاشتراك مع الأردن، يتيح أفضل الفرص لتحقيق سلام متين عادل ودائم.

ونحن نبني مقاربتنا صراحة على أساس أن الصراع العربي – الإسرائيلي يجب أن يُحل من خلال مفاوضات تنطوي على مقايضة الأرض بالسلام. وهذه المقايضة مكرسة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، وهو – بدوره – ما بُني عليه اتفاق كامب ديفيد بكل أجزائه. إن القرار رقم 242 يبقى صالحاً كلياً كحجر الأساس في مسعى الولايات المتحدة من أجل السلام في الشرق الأوسط.

ومن رأي الولايات المتحدة أن بنود الانسحاب – في مقابل السلام – التي ينص قرار مجلس الأمن عليها، تنطبق على الجبهات كلها، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة.[8]

ولم يقصر مشروع ريغان في التذكير مجدداً بالتزام الولايات المتحدة الثابت تجاه أمن إسرائيل: "ولا يخطئن أحد الظن، فإن الولايات المتحدة ستعارض أي اقتراح – من أية جهة جاء وفي أية مرحلة من مراحل المفاوضات – يعرض أمن إسرائيل للخطر. إن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل التزام لا يتزعزع."[9]

              بعد تصريح ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، علانية بنبذ الإرهاب، وقبوله قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338، وتأكيده حق إسرائيل في الوجود مستجيباً بذلك لشروط الولايات المتحدة من أجل فتح الحوار مع المنظمة، باشرت إدارة ريغان هذا الحوار في كانون الأول/ديسمبر 1988.

              اعتُبر قرار الولايات المتحدة نقطة تحول، على الرغم من أن مباشرة الحوار كانت أقل مما وُعِدَتْ منظمة التحرير به في حال اعترافها بشرعية وجود إسرائيل كدولة؛ فقد كان هنري كيسنجر قال إن الولايات المتحدة ستفاوض منظمة التحرير الفلسطينية لا أنها ستباشر "حواراً جوهرياً" معها إذا ما اعترفت بإسرائيل.

              ومع أن مباشرة الحوار لم تعنِ، في حد ذاتها، اعترافاً رسمياً بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ولا أن الولايات المتحدة قد اعترفت، بأي وجه من الوجوه، بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإنشاء دولة، فقد فُسِّرت تلك المباشرة بأنها اعتراف فعلي بالمنظمة وبأنها قد زادت في فرص اعتراف الولايات المتحدة بها في المستقبل، أو ربما أيضاً بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وفي إنشاء دولة مستقلة. لكن، منذ مباشرة الحوار حتى تعليقه في 20 حزيران/يونيو 1990، لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً يذكر للدلالة على أي تغيير  في سياستها حيال الفرص المفترضة.

              فقد حاولت مقترحات بيكر سنة 1989، على نحو غير مباشر، إشراك منظمة التحرير الفلسطينية في عملية السلام، وذلك بإعطائها بعض التحكم في اختيار فريق المفاوضين الفلسطينيين إلى محادثات القاهرة لمناقشة خطة الانتخابات التي اقترحها شمير من أجل الحكم الذاتي في الضفة وقطاع غزة. ومع ذلك، فإن جل توجهات هذه المقترحات حيال هاتين المنطقتين وسكانهما، قد ظل غامضاً. ذلك بأن مقترحات بيكر، خلافاً لمشروع ريغان، لم تنص صراحة على وجوب ارتباط الضفة الغربية وقطاع غزة بالأردن، بل أن جوهر مقترحات بيكر كان – من هذه الناحية – أقرب إلى مشروع كامب ديفيد للحكم الذاتي؛ فقد تركت وضع الضفة الغربية وقطاع غزة في المستقبل معلقاً. ولم تشر مقترحات بيكر، كغيرها من المقترحات الأميركية لحل النزاع، إلى حق الفلسطينيين في تقرير المصير وفي دولة مستقلة، ولا إلى كون منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً لهم.

              وفي إثر هجوم فاشل شنته في 30 أيار/مايو 1990 جبهة التحرير الفلسطينية، وهي من الفصائل المؤلفة للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أمر الرئيس بوش بتعليق الحوار المستمر منذ 18 شهراً؛ وذلك بسبب امتناع منظمة التحرير من إدانة الهجوم، ومن التبرؤ من جبهة التحرير الفلسطينية، ومن اتخاذ خطوات عملية لتأديب أبي العباس زعيم الجبهة.

وعقب حرب الخليج، أحيت إدارة بوش مساعيها لتحقيق حل للنزاع العربي – الإسرائيلي وللمشكلة الفلسطينية – الإسرائيلية. وقد جاءت المبادرة الأميركية الجديدة جزءاً من خطة أشمل للشرق الأوسط في فترة ما بعد حرب الخليج. وهدفت هذه الخطة إلى معالجة مسائل مثل: الترتيبات الأمنية، والحد من التسلح، والتعاون الاقتصادي في المنطقة، بالإضافة إلى حل النزاع العربي – الإسرائيلي. وقد جاءت آراء الرئيس بوش لفترة ما بعد الحرب، ولا سيما المتعلقة منها بحل النزاع العربي – الإسرائيلي، في خطابه أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي في 6 آذار/مارس 1991:

لا بد من أن يُبنى السلام الشامل على قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338، وعلى مبدأ مقايضة الأرض بالسلام. ولا بد من بلورة هذا المبدأ بحيث يتيح لإسرائيل الأمن والاعتراف بها، وللفلسطينيين الحقوق السياسية المشروعة في الوقت نفسه. وسيخفق كل ما عدا ذلك في اختباري العدل والأمن. لقد آن الأوان لوضع حد للصراع العربي – الإسرائيلي.[10]

              جربت الولايات المتحدة في مساعيها لحل النزاع، كلياً أو جزئياً، آواليات (mechanisms) عدة. فقد استخدمت، في هذا المجال، الاتفاقات الثنائية (مشروع روجرز، واتفاق كامب ديفيد)، والترتيبات الانتقالية الثنائية (اتفاقيات فصل القوات الإسرائيلية – المصرية والإسرائيلية – السورية، ومقترحات بيكر)، والاتفاقات الشاملة (مؤتمر جنيف سنة 1973، ومؤتمر السلام الإقليمي في مدريد، الذي عقد في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1991).

              لم تزل الخطط الأميركية لحل قضية فلسطين تتسم بموقفين ثابتين:

1-  فقد دأبت هذه الخطط باطراد على رفض ما لم يزل الفلسطينيون ومنظمة التحرير الفلسطينية يصرون على اعتباره أساساً مقبولاً لحل الأزمة: تقرير المصير، وإقامة دولة مستقلة، وتمثيل منظمة التحرير لهم.

إن بصيص الخروج الأول عن هذا الموقف هو إشارة كارتر الغامضة إلى وطن فلسطيني. ففي 16 آذار/مارس 1977، تحدث كارتر عن الحاجة إلى وطن فلسطيني: "لا بد من توفير وطن للاجئين الفلسطينيين الذين عانوا منذ أعوام كثيرة جداً."[11]   لكن في 12 تموز/يوليو 1977، أشار كارتر إلى أنه يفضِّل شخصياً "أن يكون الكيان الفلسطيني... مرتبطاً بالأردن، وألاّ يكون مستقلاً."[12]

وقد بدرت إشارة أخرى إلى "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني" يوم الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1977، في بيان مشترك صدر عن حكومتي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.[13]   وكان هذا البيان، الذي تخلت إدارة كارتر عنه لاحقاً نتيجة ضغوط اللوبي الإسرائيلي واليهودي في الولايات المتحدة، قد صدر في إطار المناقشات الهادفة إلى استئناف مؤتمر جنيف الذي عقد سنة 1973.

ويذهب البعض إلى أن "التصريح النهائي"[14]  الذي صدر عن إدارة كارتر في شأن تقرير المصير للفلسطينيين، كان ذلك الذي أدلى به الرئيس كارتر في أسوان في 4 كانون الثاني/يناير 1978، حيث تحدّث عن "حل المشكلة الفلسطينية بوجوهها كافة. ولا بد للمشكلة [كذا] من أن تقر بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ومن أن تمكّن الفلسطينيين من المشاركة في تقرير مصيرهم الخاص."[15]

وقد تحدث مشروع ريغان المعلن في أول أيلول/سبتمبر 1982 عن "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني." وتحدث الرئيس بوش، في خطابه أمام اللجنة المشتركة للكونغرس في السادس من آذار/مارس 1991، عن "حقوق الفلسطينيين السياسية المشروعة."[16]   كما أن نائب مستشاره الأمني، روبرت غيتس، كان أدق عبارة عندما تحدث عن "الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني...."[17] 

غير أن أي تعريف دقيق لكلمتي "سياسية" و"مشروعة" لم يصدر عن الإدارات الأميركية المتعاقبة. وربما كان هذا التملص مقصوداً، لأن من شأن أي تعريف أن يعبّر عن التزام مواقف سياسية محددة في هذا الموضوع. لكن سفير  الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، توماس بيكرينغ، قد حذّر من الشطط في تأوُّل هذا التغيير في العبارات، ونَسَب الفارق بينها إلى الاختلاف في اختيار الألفاظ لا إلى تطور في السياسة.[18]

2- لم تزل الخطط التي ترعاها الولايات المتحدة تستبعد، لأعوام عديدة، الاتحاد السوفياتي عن المساعي المبذولة لحل الصراع. والمرة الوحيدة التي شهدت التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كانت مؤتمر جنيف سنة 1973، إذ رأست الدولتان العظميان المؤتمر. لكن، تجدر الإشارة إلى أن المؤتمر لم يكن خطة ترعاها الولايات المتحدة. وقد أخفقت المساعي التي بذلت من أجل إعادة عقده لاصطدامها بمسألة تمثل الفلسطينيين بمنظمة التحرير الفلسطينية. فبينما اعترضت الولايات المتحدة على مشاركة المنظمة في المؤتمر، دعا البيان السوفياتي – الأميركي المشترك في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 1977، إلى أن يشارك في أعمال المؤتمر "ممثلون عن جميع الفرقاء الضالعين في النزاع، وضمنهم ممثلو الشعب الفلسطيني."[19]   لكن كان من الواضح، مع ذلك، أن تلك لم تكن إشارة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، بل إلى وفد أردني – فلسطيني مشترك، أو وفد عربي موحد. وقد تغير هذا الموقف الآن؛ ذلك بأن نهاية الحرب الباردة، وتغير العلاقات الأميركية – السوفياتية، قد جعلا مشاركة السوفيات في حل الصراع العربي/ الفلسطيني – الإسرائيلي أقل عرضة لممانعة الولايات المتحدة. والواقع أن الآلية الأخيرة المقترحة لحل النزاع، "المؤتمر الإقليمي"، تشير إلى الاتحاد السوفياتي باعتباره شريكاً في رعاية المؤتمر.

لم يزل المؤتمر الدولي، كآلية لحل النزاع العربي – الإسرائيلي، إحدى القضايا الشائكة في طريق المساعي الهادفة إلى إيجاد حل سياسي لهذا النزاع. فالولايات المتحدة لم توافق إلا مرة واحدة على عقد مؤتمر دولي للسلام، مؤتمر جنيف في كانون الأول/ ديسمبر 1973، لحل النزاع العربي – الإسرائيلي على أساس قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 ورقم 338. وعندما انهار مؤتمر جنيف بُعَيْد عقده، استغرق الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة أعواماً أربعة للاتفاق على صيغة لإعادة عقد المؤتمر. وقد جاء هذا الاتفاق في البيان السوفياتي – الأميركي المشترك في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1977.

وعلى الرغم من الاتفاق على عقد المؤتمر، فإنه لم يكن من المؤكد أن الجبارين كانا يفكران بالطريقة نفسها. إذ برزت الخلافات لاحقاً في شأن الفرقاء الذين يجب دعوتهم إلى المشاركة في المؤتمر، وفي شأن نوع السلطة التي لهذا المؤتمر. وقد زاد الخلافات بين الجبارين حدةً التباين الشديد بين الآراء العربية – الفلسطينية وآراء إسرائيل. فقد أصر العرب والفلسطينيون على وجوب تمتع المؤتمر بالسلطة الكاملة، وعلى ضرورة مشاركة منظمة التحرير في المؤتمر بصفتها ممثلاً مستقلاً للفلسطينيين، أو بصفتها عضواً في وفد أردني – فلسطيني أو في وفد عربي. وقد اعترضت إسرائيل على مشاركة المنظمة بأي شكل من الأشكال، وأصرت على أن المؤتمر يجب ألا يتعدى دوره كمظلة بروتوكولية، ثم استبعدت لاحقاً فكرة المؤتمر جملة وتفصيلاً. وفي أية حال، فقد وضعت زيارة السادات للقدس سنة 1977 حداً لكل المساعي الهادفة إلى إعادة عقد المؤتمر.

وبعد اتفاق كامب ديفيد في أيلول/سبتمبر 1978، لم تعد الولايات المتحدة تؤيد فكرة المؤتمر الدولي للسلام. لم تعد الولايات المتحدة تهتم بإعطاء الاتحاد السوفياتي دوراً في حل النزاع العربي – الإسرائيلي قد يعود عليه بالفائدة، ولا سيما بعد أن لمست قدرتها على تحقيق الحل والتمتع وحدها بما يتيحه لها من رصيد. ولم يتغير موقف الولايات المتحدة من منظمة التحرير الفلسطينية. وعَقْد المؤتمر قد يعني دعوة منظمة التحرير الفلسطينية إلى المؤتمر، وهو أمر تعارضه الولايات المتحدة وإسرائيل كلتاهما.

في الولاية الثانية لإدارة ريغان، أعربت الحكومة الأميركية عن عدم معارضتها المبدئية لفكرة عقد مؤتمر دولي للسلام في شأن الشرق الأوسط. وأعلنت إدارة ريغان أن على هذا المؤتمر أن يكون "جيد التنظيم" (properly structured)، وأن يُعقد في "الوقت الملائم" (appropriate time). إلا أن هذه الإدارة لم تفصح عما تعنيه بعبارتي "جيد التنظيم" و"الوقت الملائم"، على وجه التحديد.

وقد كررت إدارة بوش، أيضاً، المبدأ نفسه. غير أن هذه الإدارة قد وجدت نفسها، في وقت لاحق، متورطة في محاولات لرعاية محادثات ثنائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين في القاهرة، بشأن خطة لإقامة الحكم الذاتي للفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

ثم أن إدارة بوش نشّطت، عقب حرب الخليج، مساعيها لحل النزاع العربي – الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. وقد عملت عدة عوامل على تنشيط هذه المساعي:

أولاً: تعرضت الولايات المتحدة، في أثناء أزمة الخليج وما عقبها من حرب تالياً، لانتقادات على استعمالها وزنين ومكيالين؛ فردّة فعل الولايات المتحدة تجاه احتلال الكويت لم تكن لتتقايس، بأي شكل من الأشكال، مع ردة فعلها إزاء احتلال إسرائيل للأراضي العربية. كما أن الولايات المتحدة قد رفضت، خلال أزمة الخليج، ما تقدم صدام حسين به من ربط بين إنهاء احتلاله الكويت وبين إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. لذلك أعلنت الولايات المتحدة أنها ستحول انتباهها إلى مشكلة الشرق الأوسط بعد انتهاء أزمة الخليج.

ثانياً: تهتم الولايات المتحدة بأن تقيم في الشرق الأوسط نظاماً من الترتيبات الأمنية لضمان الاستقرار، وحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. ومن شأن حل ما للنزاع العربي – الإسرائيلي وللقضية الفلسطينية، أن يسهل للولايات المتحدة المضي قدماً في تنفيذ خطتها الأمنية في المنطقة.

ثالثاً: تحاول الولايات المتحدة أيضاً إدخال الشرق الأوسط في سياق رؤيتها لـ"النظام العالمي الجديد". وسيكون الشرق الأوسط عبئاً على "النظام العالمي الجديد" إذا لم تُحل المشكلات التي تملأ المنطقة بالصراعات وعدم الاستقرار.

فور انتهاء حرب الخليج أعلن وزير الخارجية الأميركي، جيمس بيكر، "مقاربته ذات الخطين" لحل النزاع العربي – الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، وشرع في دبلوماسية مكوكية أشبه بدبلوماسية كيسنجر؛ فزار عواصم الشرق الأوسط أربع مرات في غضون أشهر قلائل. وقد صممت مقاربة بيكر لحل مشكلات إسرائيل مع الدول العربية على خط، وحل المشكلة الفلسطينية – الإسرائيلية على خط آخر. والمفترض أن تقدم المقاربة ذات الخطين هذه آلية لحل طائفتين مختلفتين من المشكلات. وقد اقترحت فكرة المؤتمر الإقليمي لإطلاق عملية المفاوضات الثنائية المباشرة ذات الخطين.

العوامل المؤثرة

في السياسة الأميركية

لا بد لفهم وتفسير السياسة الأميركية حيال القضية الفلسطينية من تفحص دور السلطتين التنفيذية والتشريعية، فضلاً عن دور اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة في تشكيل هذه السياسة.

لقد اعتبرت الولايات المتحدة منظمة التحرير الفلسطينية، منذ لحظة تأسيسها، حركة معادية لأميركا وللصهيونية وموالية للسوفيات. وتمتعت منظمة التحرير بحضور أدبي وسياسي ومادي في معظم الدول العربية. وقد حسّن الاتحاد السوفياتي صورته في العالم العربي بتأييده هذه الحركة.

تأثر موقف الولايات المتحدة من منظمة التحرير، تأثراً ملحوظاً، بصورة المنظمة كحركة تدعو إلى سلخ مناطق [عن إسرائيل] (irredentist)، وكمنظمة متورطة في أعمال إرهابية. وقد ولّد إدراك المنظمة على هذا النحو ردة فعل سلبية جداً ضدها، لدى الرأي العام الأميركي والكونغرس. لكن يبدو أن نفور الولايات المتحدة من منظمة التحرير يصدر عن رفض ما تمثله هذه المنظمة. بعبارة أخرى: كان من الممكن لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تحظى بمزيد من التأييد لو أنها كانت مستعدة للتخلي عن برنامجها الوطني الداعي إلى تقرير مصير الفلسطينيين بأنفسهم، وإقامة دولة مستقلة.

ومع ذلك، فثمة ذرائع أخرى كثيراً ما يُتذرع بها لتسويغ الموقف الأميركي من المسألة الفلسطينية. فقد انتقدت الولايات المتحدة بشدة موقف منظمة التحرير الذي عدَّته مؤيداً للعراق في أزمة الخليج. لقد عارضت المنظمة احتلال العراق للكويت، لكنها لم تقدم على إدانته. كما أنها عارضت تدخل الولايات المتحدة في الخليج. وبينما حاولت المنظمة التوسط لإيجاد تسوية عربية للأزمة، كان الشعور الشعبي الفلسطيني مع العراق. وقد أشار أحد كبار المسؤولين الأميركيين، خلال زيارات وزير الخارجية الأميركي ومساعيه لحل النزاع العربي/ الفلسطيني – الإسرائيلي عقب انتهاء حرب الخليج، إلى أن مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات السلام ستكون "شديدة الصعوبة في ظل قيادتها الحالية."[20]  

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تزعم أنها لا تسعى لتجاوز منظمة التحرير،[21]   فمن الواضح أنها لن تعارض بروز قيادة بديلة من المنظمة في تمثيل الشعب الفلسطيني، ولا سيما المقيمون منه في الأراضي المحتلة؛ ففي حين رفضت الاتصال بالمنظمة لأعوام عديدة، ولم تجر إلا حواراً محدوداً جداً معها سنة 1988 قبل تعليقه بعد 18 شهراً، فإنها لم تضع اية قيود أو حدود على اتصالاتها بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

فالولايات المتحدة تأمل بأن ترضى قيادة بديلة من المنظمة بحل من دون السيادة الفلسطينية، كما تأمل بأن تقبل قيادة كهذه بحل للقضية الفلسطينية ضمن إطار الدولة العربية أو الدولة الإسرائيلية.

إن مواقف السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة ليست متطابقة دائماً حيال المشكلة العربية/ الفلسطينية – الإسرائيلية. وبينما تخضع السلطتان لضغط محلي متعاطف مع إسرائيل، فالظاهر أن للسلطة التنفيذية مزية على الكونغرس في انتقاد إسرائيل. بيد أن هذا الانتقاد لا يترجم أبداً إلى ضغط فعلي، حتى عندما يبدو أن إسرائيل تتخذ مواقف قد تعود بالضرر على المصالح والسياسات الأميركية في الشرق الأوسط. فمن ذلك رفض إسرائيل التزام مبدأ "الأرض في مقابل السلام" الذي تدعو الولايات المتحدة إليه، ومن ذلك مضي إسرائيل في سياسة بناء المستعمرات التي تعتبرها الولايات المتحدة غير شرعية. ولم تُمارَس في الحالين أية ضغوط رسمية أميركية. وأهم اختلاف بين موقف الإدارة وموقف الكونغرس حيال إسرائيل وقع في أيلول/سبتمبر 1991 عندما هدّد الرئيس بوش باستعمال حق النقض في شأن عريضة تقدم الكونغرس بها، تهدف إلى منح إسرائيل ضمانة قروض بقيمة عشرة مليارات دولار. ففي حين طالب بوش بمهلة 120 يوماً، مال الكونغرس ومعه اللوبي الإسرائيلي إلى منح الضمانة فوراً؛ فكان على الكونغرس واللوبي أن يتراجعا.

والغالب أن يكون السبق للسلطة التنفيذية في تحديد السياسة الأميركية حيال النزاع العربي – الإسرائيلي والمسألة الفلسطينية. ففي أيلول/سبتمبر 1975، وقعت الحكومة الأميركية وإسرائيل اتفاقاً ينص على ألاّ تعترف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وألاّ تفاوضها ما لم تعترف المنظمة بإسرائيل وتقبل بقرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر سنة 1967. وفي أيام الحديث عن عودة مؤتمر جنيف إلى الانعقاد، كان التعهد المقتصر أصلاً على المشاورات المتعلقة بعقد المؤتمر، يفسر بأنه ينطبق على أية اتصالات بين الولايات المتحدة والمنظمة، ثم راح يكرره كل الرؤساء ووزراء الخارجية الأميركيين.

وافق الكونغرس الإدارة، لكنه وسّع تأول التعهد بحيث بات يعني أن على الولايات المتحدة ألا تقيم أية اتصالات بمنظمة التحرير، كما ضُمِّن تعهد سنة 1975 في قانون. ثم أن الكونغرس أضاف شرطاً على التعهد بألاّ تعترف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير، أو تفاوضها، ما لم تتخل المنظمة عن الإرهاب.

لكن الكونغرس لا يساير الإدارة دائماً، ولا سيما في شأن منظمة التحرير. ففي سنة 1987، طبق الكونغرس سياسة مناهضة المنظمة على مكاتب المنظمة في الولايات المتحدة. فاحتفظت بمكتبين في الولايات المتحدة: الأول في نيويورك وقد أُسس في سنة 1974 ليقوم بدور بعثة المراقبة في الأمم المتحدة؛ والثاني في واشنطن وقد أُسس في سنة 1978 للقيام بمهمة مكتب معلومات. واستجابة لضغوط الكونغرس، اعتبرت وزارة الخارجية مكتب واشنطن مكتباً غريباً، وأمرت بإغلاقه في أيلول/سبتمبر 1987؛ لكن الوزارة عارضت محاولة إغلاق مكتب منظمة التحرير في الأمم المتحدة، لأنها اعتقدت أن الولايات المتحدة ملزمة، بموجب اتفاق مقر الأمم المتحدة لسنة 1947، بأن تضمن حرية دخول مقر الأمم المتحدة للدول الأعضاء فيها كافة، أو للمدعوين إليها كافة.

وعلى الرغم من معارضة وزارة الخارجية، فقد قضى الكونغرس باعتبار عمل مكتب منظمة التحرير في الولايات المتحدة أمراً غير شرعي. وأمرت وزارة العدل بإغلاق مكتب المنظمة في نيويورك، لكن المحاكم الأميركية حكمت بأن الولايات المتحدة ملزمة بالسماح لمنظمة التحرير بدخول مقر الأمم المتحدة بموجب اتفاق مقر الأمم المتحدة لسنة 1947 المذكور. وقد بقي مكتب منظمة التحرير بصفة مراقب في الأمم المتحدة عاملاً، كما أن مكتب المعلومات الفلسطيني الجديد قد فتح في نيسان/أبريل 1988 في واشنطن برعاية جامعة الدول العربية. وفي 26 تشرين الثاني/نوفمبر 1988، رفضت الولايات المتحدة منح ياسر عرفات تأشيرة دخول الولايات المتحدة لحضور دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة المخصصة لمناقشة القضية الفلسطينية المدرجة في جدول الأعمال، في كانون الأول/ديسمبر 1988.

وقد جاء في البيان أن لدى الولايات المتحدة "بيّنات مقنعة" على أن منظمة التحرير الفلسطينية متورطة في أعمال إرهابية ضد الولايات المتحدة، وأن ياسر عرفات بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان مطلعاً وراضياً عن أعمال منظمة التحرير الإرهابية ضد الأميركيين، وكان "محرِّضاً على الإرهاب". لذلك، كان في وسع الولايات المتحدة أن تحظر دخول عرفات أراضيها، لأنه يمثل تهديداً لأمن الولايات المتحدة. وقد أيد الكونغرس وزير الخارجية في رفضه منح عرفات التأشيرة.

وقد أثارت الشائعات في آب/أغسطس 1989 بأن عرفات قد يطلب تأشيرة أميركية لحضور دورة الأمم المتحدة، موجة أخرى من مطالبات أعضاء الكونغرس البيت الأبيض بالامتناع من منح أعضاء منظمة التحرير تأشيرات دخول. ففي أواسط أيلول/ سبتمبر، كان 68 عضواً في مجلس الشيوخ قد وقعوا رسالة إلى وزير الخارجية، جيمس بيكر، يطالبونه فيها بالامتناع من منح التأشيرة، لكن عرفات لم يتقدم بطلب هذه التأشيرة. وقد حدث الشيء نفسه سنة 1990؛ لم يتقدم عرفات بطلب التأشيرة، وانتقل مجلس الأمن إلى جنيف للاستماع إلى عرفات.

وفي حين تعرب السلطة التنفيذية عن بعض الانتقادات لإسرائيل أحياناً، فإن للكونغرس سجلاً حافلاً في تأييد إسرائيل وتحاشي أي انتقاد لها. ففي أثناء أزمة الخليج، انتقدت إدارة بوش بشدة تصريحاً أدلى به زلمان شوفال، السفير الإسرائيلي في واشنطن، واتهم فيه الحكومة الأميركية بأنها "تراوغ" إسرائيل في شأن طلبها ضمانات لقروض إسكان بقيمة 400 مليون دولار من أجل توطين المهاجرين اليهود السوفيات في إسرائيل.[22]   وعلى الرغم من هذا الانتقاد، فقد أُفرج عن الضمانات لاحقاً. وفي مناسبة أخرى، أوصى وزير الخارجية بيكر البيت الأبيض بألا يستقبل وزير الإسكان الأميركي جاك كمب وزير الإسكان الإسرائيلي أريئيل شارون، خلال زيارة شارون الخاصة لواشنطن في أيار/مايو 1991. واستجاب كمب لتوصية بيكر، لكنه عقد اجتماعاً مع شارون في السفارة الإسرائيلية في واشنطن.

وقد حاول الكونغرس، أيضاً، أن يحدّ من الحوار الأميركي مع منظمة التحرير الفلسطينية يوم كان قائماً، وذلك على أساس أن المنظمة لم تلتزم تخليها عن الإرهاب فعلاً. كما أن الكونغرس أيّد تعليق الحوار الذي قررته الإدارة في أيار/مايو 1990.

وعلى الرغم من أن موقف منظمة التحرير المؤيد للعراق في أزمة الخليج أغضب الإدراة الأميركية، فقد حرص الكونغرس على التأكد من أن المنظمة تدفع ثمن الموقف الذي اتخذته. فمن ذلك أن الرئيس بوش كان مرناً في شأن استئناف الحوار، في حين راح الكونغرس يفرض شروطاً جديدة لاستئناف ذلك الحوار. وعندما سئل بوش عن استئناف الحوار بعد حرب الخليج، قال: "... نحن لا نستبعد شيئاً، لكن ليس لدينا أية نية في استئناف حوارنا مثلاً."[23] 

وفي الأول من أيار/مايو 1991، صوتت اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية الخاصة بأوروبا والشرق الأوسط في مجلس النواب الأميركي، على إدخال تعديل يضع قيوداً أشد على الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية. ويستلزم التعديل الذي أُدخل على شروط الحوار، والذي تقدم به النائب مل ليفين (الديمقراطي عن كاليفورنيا)، أن تعدل منظمة التحرير ميثاقها بحيث يتضمن اعتراف المنظمة بإسرائيل، لأن لغة الميثاق لا تتلاءم مع اعتراف المنظمة المعلن بحق إسرائيل في الوجود.

كان موقف الإدارة أقرب إلى المرونة. ذلك بأن نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا، جاك كوفي، قال إن "الإدارة وإنْ كانت تقدر المشاعر الكامنة وراء هذا التعديل"، فهي ترى أنه قد يعقّد مساعي الولايات المتحدة الهادفة إلى دفع عملية السلام قدماً. وقال كوفي أيضاً: "إن من شأن تشريع كهذا أن يعمل على وضع منظمة التحرير على الخريطة وتسليط الأضواء عليها مرة أخرى." وقد ذهب كوفي إلى أن دور المنظمة المركزي في عملية السلام هو الأمر الذي لم يكن على الإدارة أن تعالجه، لأن المنظمة قد "تلطخت صورتها" مع كل الفرقاء في المنطقة جراء تأييدها صدام حسين.

والكونغرس أميل إجمالاً إلى التصلب في شأن منظمة التحرير الفلسطينية من الإدارة؛ فهو اشد تأثراً بالضغوط المحلية، وقد يكون أشد التزاماً تجاه إسرائيل بناء على أهميتها الاستراتيجية للولايات المتحدة، وعلى أنها ديمقراطية. لكن الضغوط المحلية واللوبي القوي النفوذ يقومان بدور حاسم في هذا المجال. كما أن وجود عدد من اليهود في جملة أعضاء الكونغرس يسهل أمر حشد التأييد لإسرائيل.

من العسير أن نحدد الدوافع الحقيقية التي تحدو بعض أعضاء الكونغرس على التحرك لسن أشد التشريعات موافقة لإسرائيل، بدلاً من مجرد تأييد خطوات كهذه. فبينما يشار عادة إلى الالتزامات الاستراتيجية والخلقية تجاه إسرائيل، ثمة اعتبارات أخرى، لا يعترف بها على النحو نفسه، لكنها ربما قامت بدور أهم في إملاء التأييد لإسرائيل.

إن أهم عامل في هذه الاعتبارات هو دور اللوبي الموالي لإسرائيل، الذي تقوده اللجنة الإسرائيلية الأميركية للشؤون العامة (أيباك / }AIPAC). ولا يستطيع أعضاء الكونغرس أن يتجاهلوا رغبات هذا اللوبي بسهولة، لأن لديه القدرة على الثواب والعقاب. فأعضاء الكونغرس غالباً ما يقلقون على تأمين الأصوات والأموال الكفيلة بانتخابهم، أو بإعادة انتخابهم. واللوبي الإسرائيلي شديد الفعالية في تحفيف هذين الشرطين. وهذه الفعالية يمكن أن تكون دافعاً كافياً لدفع بعض أعضاء الكونغرس إلي سن  أشد التشريعات ملاءمة لإسرائيل، بدلاً من الاكتفاء بمجرد تأييدها. وكلما كان تأييد اللوبي الإسرائيلي ضرورياً لبقاء عضو في الكونغرس في قيد الحياة السياسية، كان هذا العضو أميل إلى تأييد إسرائيل.

وللجان العمل السياسي (باكس/ PACs) المؤيدة لإسرائيل نفوذ عظيم في انتخابات الكونغرس. فمن ذلك أن هذه اللجان تسيطر على حملات بعض الشيوخ البارزين الانتخابية. والهبات التي يتلقاها أحد الشيوخ من إحدى هذه اللجان المؤيدة لإسرائيل تظهر كيف سيصوِّت هذا الشيخ على المسائل المتعلقة بإسرائيل. فأعضاء لجان الكونغرس المعنية مباشرة بسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كلجان تخصيص الأرصدة، وخدمات التسلح، والعلاقات الخارجية، يتلقون عادة مساعدات من لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل لخوض معاركهم الانتخابية. ففي سنة 1990، تلقت الحملات الانتخابية لأربعة أعضاء في الكونغرس – وهي حملات بول سايمون (الديمقراطي عن إللينوي)، وكارل ليفين (الديمقراطي عن ميتشيغان)، وتوم هاركن (الديمقراطي عن أيوا)، وكلايبورن بيل (الديمقراطي عن رود آيلاند) – أكثر من 20% من نفقات كل منها، من لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل. ولهؤلاء الشيوخ الأربعة سجلات تصويت تدل على تأييدهم المطرد لإسرائيل في قضايا الشرق الأوسط.[24]  ويبدي الشيوخ الجمهوريون أيضاً ميولاً مؤيدة لإسرائيل في سجلات تصويتهم، تنسجم مع تلقيهم دفعات كبيرة من لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل، ولا سيما: رودي بوشوفيتز (مينسوتا)، ميتش مكونيل (كنتكي)، لاري برسلر (داكوتا الجنوبية)، وليام كوهن (ماين). وتسيطر "أيباك" سيطرة تامة على نصف أموال لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل.[25]

وفي وسع اللوبي الإسرائيلي أن يحجب الدعم عن بعض أعضاء الكونغرس الذين لا يستجيبون لما يراه اللوبي في مصلحة إسرائيل. فهو يستطيع أن يعرقل مساعي هؤلاء الأعضاء، ويلطخ سمعتهم، أو حتى أن يحاربهم علانية. لذلك، كان بعض أعضاء الكونغرس يصوت على الإجراءات النافعة لإسرائيل، أو لا يعارض تلك الإجراءات خوفاً على سيرته السياسية. فالشيوخ الذين يجرؤون على مساءلة السياسة الأميركية حيال إسرائيل يخاطرون برؤية أنفسهم يخسرون مراكزهم في الانتخابات. فمن الأمثلة المهمة لذلك، هزيمة الشيخ تشارلز بيرسي (جمهوري، من إللينوي)، رئيس لجنة العلاقات الخارجية؛ وعن هذه الهزيمة قال المدير التنفيذي لـ "أيباك"، توم داين: "يهود أميركا كلهم، من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي، اجتمعوا لإسقاط بيرسي."[26]

ولا يخفي أعضاء آخرون في الكونغرس خوفهم من "أيباك"، أشد منظمات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة سطوة. وقد رُوي عن رئيس لجنة تخصيص الأرصدة في الكونغرس، روبرت بيرد (ديمقراطي، من فرجينيا الغربية)، قوله ملمحاً إلى "أيباك": "نحن عبيد لبعض جماعات اللوبي. ما علي أن أسمي الأسماء، لكن ذلك في وسعي."[27]

ورُوي عن شيخ آخر قوله: "يعتقد زملائي أن 'أيباك' منظمة شديدة القوة جداً، وشديدة اليقظة جداً جداً، ولا تعرف الرحمة. ثمانون في المائة من أعضاء مجلس الشيوخ هنا يدورون عيونهم عجباً لدى بعض ما يتم التصويت عليه. وهم يعلمون أن ما يفعلونه مغاير لما يعتقدون أنه حق فعلاً، لكن لِمَ يقاتلون في حال هم عرضة معها لأن يُنال منهم؟"[28]

لهذا السبب، نجد أن أعضاء الكونغرس الذين يخالفون "أيباك" أو يشتكون "شدة وطأتها يميلون إلى أن يفعلوا ذلك همساً – هلعين من أن يوصموا بوصمة 'العداء للسامية'، أو حتى بما هو أسوأ منها بوصمة 'اليهودي الذي يكره نفسه'."[29]  ولهذا السبب وغيره، تتمتع "أيباك" بالنفوذ والعلاقات الوثيقة بالكونغرس. ففي مؤتمرها السياسي السنوي الثاني والثلاثين، في آذار/مارس 1991، لبّى نصف أعضاء الكونغرس وثلث أعضاء مجلس النواب الدعوات التي وصلتهم لحضور المؤتمر.[30]

ومهما تكن الحال، فلا بد من النظر إلى نفوذ اللوبي الإسرائيلي في إطار النظام السياسي الأميركي. فالجالية اليهودية الأميركية تتمتع بالموهبة، والثروة، والتنظيم السياسي. وهي طويلة الباع أيضاً في الأعمال الخيرية، على نحو ظاهر. زد على ذلك، أن هذه الجالية شديدة الضلوع في السياسة ووسائل الإعلام والدوائر الجامعية، وغير ذلك من الأوجه المهمة في الحياة الأميركية. ولدى اليهود الأميركيين جاذبية إضافية جراء الآلام التي عاناها الشعب اليهودي ككل.

ولئن كان الكونغرس مستعداً جداً لتأييد إسرائيل، فإن الجالية اليهودية واللوبي الإسرائيلي لا يدعان فرصة تفوت؛ فهما يطاردان دائماً أعضاء الكونغرس الذين يمضون قسطاً وافراً من وقتهم خارج مكاتبهم، يجمعون الأموال، ويجيبون عن أسئلة قواعدهم الانتخابية.

وفي حين تطرأ اختلافات في الرأي بشأن بعض المسائل داخل الجالية اليهودية، فإن هذه الجالية واللوبي الإسرائيلي لم يزالا متفقين على الحاجة إلى دعم إسرائيل. فمن ذلك أن بعض الخلافات قد ينشأ في شأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وبناء المستعمرات اليهودية في تلك الأراضي، فضلاً عن قضايا تتعلق بحقوق الإنسان والسياسة الداخلية الإسرائيلية. لكن الجالية اليهودية شديدة الاتحاد عندما يتعلق الأمر بتأمين العون لإسرائيل، سواء من الحكومة الأميركية أو من الهبات الخاصة. فمن البديهي أن يكون الالتزام اليهودي إزاء بقاء إسرائيل وأمنها التزاماً مطلقاً.

واليهود الأميركيون الذين يخالفون إسرائيل في بعض سياساتها، لا يميلون عادة إلى انتقاد الدولة العبرية علانية. ذلك بأنهم يخشون أن يؤدي الانتقال العلني إلى إضعاف موقف إسرائيل، وتشويه صورتها في أعين الرأي العام الأميركي والعالمي. ولهذه الأسباب لا تستطيع الحكومة الأميركية أن تستغل الخلافات داخل الجالية اليهودية في اتباع سياسة أكثر تكافؤاً حيال المسألة الفلسطينية والنزاع العربي – الإسرائيلي.

لم تزل المقاربة والدبلوماسية الأميركيتان حيال المسألة الفلسطينية تتسمان بالغموض الذي وُصف أحياناً بـ" الغموض البنّاء". وهما تتسمان أيضاً بازدواجية المعايير. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتحدث اليوم عن الشرعية والإجماع الدوليين، فهي لم تزل الفريق الذي انحرف عن هذين المبدأين في شأن المسألة الفلسطينية، وهي الفريق الذي سبّب الشلل للأمم المتحدة في شأن هذه المسألة عينها. والولايات المتحدة تمانع في الضغط على إسرائيل، وفي السماح للمجتمع الدولي بالضغط عليها. لذلك يذهب الفلسطينيون إلى أن "انتهاء الحرب الباردة وما عقبها من انسجام في مجلس الأمن لا يمثلان، في ذاتيهما، فرصة جديدة من أجل العمل لحل الصراع العربي – الإسرائيلي. بل أن ما هو مطلوب بالنسبة إلى فلسطين، إنما هو التغير في السياسة الأميركية، لا التغير في المناخ الدولي."[31] 

ويرى الفلسطينيون، أيضاً، أن التصريحات فيما يتعلق بالسياسة الأميركية إزاء المسألة الفلسطينية تتناقض باستمرار مع السياسة الأميركية الفعلية: "فالولايات المتحدة تعارض المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة، لكنها تمول بناءها؛ وهي تسلم بأن للفلسطينيين حقوقاً سياسية مشروعة، لكنها ترفض أبسط حقوقهم في تسمية الناطقين باسمهم؛ وهي تدين سياسة القبضة الحديدية التي تتبعها إسرائيل، لكنها تستعمل حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن بالرقابة على التجاوزات الإسرائيلية وإيقافها."[32]

من الناحية النظرية، يمكن للموقف الأميركي من الفلسطينيين ومن منظمة التحرير الفلسطينية أن يتغير. فالاعتراض الأميركي على منح الفلسطينيين حق تقرير المصير يصدر، فيما يرى البعض، عن "القلق على أمن إسرائيل" ونتيجة أسباب "أعمق جذوراً في السياسة [الأميركية] الداخلية."[33]    وكثيراً ما يشير المدافعون عن الولايات المتحدة إلى أن الحكومة الأميركية وإنْ تكن لا تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، فهي لن تعارض الفكرة مبدئياً إذا ما وافق أطراف النزاع، ولا سيما إسرائيل، على خيار كهذا. لكن هذا الموقف لم تصرح الإدارة الأميركية به يوماً بصورة رسمية. بل إن الموقف الذي لم يزل يعلن هو على العكس من ذلك تماماً؛ فقد صرح الرئيس بوش أن "موقف الولايات المتحدة لم يزل، وها أنا أكرر ذلك الآن، ان الدولة الفلسطينية ليست هي الحل."[34]

إن الرفض الأميركي لحق الفلسطينيين في تقرير المصير مشكوك في سلامته، من الناحيتين الجيوسياسية والخلقية؛ فالمخاوف القديمة المتعلقة بتحول الدولة الفلسطينية إلى موطىء قدم للتطرف الموالي للسوفيات، وإلى خطر على المصالح الأميركية تالياً، قد باتت اليوم بلا أساس. ولم يعد من الممكن الاقتناع بأن من شأن هذه الدولة المصغرة، المنزوعة السلاح ربما، والبارزة إلى الوجود على مراحل، والمقيدة بالإجراءات الإسرائيلية والضمانات الدولية، أن تشكل أي خطر على إسرائيل. وليس ثمن من بيّنات كافية لدعم الحجة بأن هذه الدولة ستكون من عوامل عدم الاستقرار في المنطقة.

أما على الصعيد الخلقي، فلن يكون في وسع الولايات المتحدة أن تمضي إلى ما لا نهاية في حرمان الشعب الفلسطيني من حق مشاع للجميع، وتتزعم الدفاع عنه في أنحاء أخرى من العالم. ولا يمكن لإسرائيل أن تتمتع بالأهمية الاستراتيجية نفسها بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الباردة؛ فالشيوعية في المنطقة ما عادت الخطر الذي يستعان بإسرائيل على درئه. وإنْ كان هذا العامل من أكبر الاعتبارات في تسويغ الدعم الأميركي القوي لإسرائيل، فيجب إذاً أن تؤذن نهاية الحرب الباردة بتراجع هذا الدهم. إن الدعم الأميركي القوي لإسرائيل لم يتغير حتى الآن. لكن ربما تغير في المستقبل. وإذا لم يتغير، فلا بد من أن ينظر المرء إلى عوامل غير الاحتجاج بأهمية إسرائيل الاستراتيجية للولايات المتحدة، من أجل تعليل التزام هذه الأخيرة تجاه إسرائيل ودعمها القوي لها؛ ذلك بأن ما تبقى من دول عربية "راديكالية" بات متشوقاً إلى إقامة علاقات ودية مع الولايات المتحدة، تعود بالمنفعة على الطرفين. كما أن الفلسطينيين باتوا ينافسون الإسرائيليين في الفوز بتفهم الولايات المتحدة، وتعاطفها، ودعمها.

سيمضي أنصار إسرائيل والمدافعون عنها في الولايات المتحدة، في الترويج لأهمية إسرائيل الاستراتيجية بالنسبة إلى المصالح الأميركية.كما أنهم سيواصلون الاستعانة بالتزامات الولايات المتحدة الخلقية تجاه "الدولة اليهودية الوحيدة والديمقراطية الوحيدة" في منطقة عربية يصعب التنبؤ بما قد يحدث فيها. فبعد انحسار الخطر الشيوعي، ستحاول إسرائيل وأصدقاؤها التشديد على أهمية إسرائيل في مكافحة الإرهاب. فاسم إسرائيل سيشهر دائماً في وجه الأصوليين الإسلاميين الذين قد يشكلون، في نظر المدافعين عن إسرائيل، خطراً على المصالح الأميركية في المنطقة.

ومع ذلك، فإن من شأن العلاقات الأميركية – الإسرائيلية أن تتعرض لتقلبات شتى مثلما كانت في الماضي. فنظرات البلدين إلى المسألة الفلسطينية لم تكن متطابقة دائماً فيما مضى. فقد رفض الإسرائيليون، مثلاً، مشروع ريغان ومباشرة الأميركيين الحوار مع م. ت. ف. كما أن اعتراف المنظمة بحق إسرائيل في الوجود، وقبولها قرار مجلس الأمن 242، ونبذها الإرهاب، صعَّبت على الولايات المتحدة أن تمعن في تأييدها الأعمى لإسرائيل، واحتمالها لما تتسم سياسة إسرائيل به من تصلُّب. وقد ظهر هذا الوضع بعد مشاركة دول عربية أساسية في التحالف المناهض للعراق الذي تزعمته الولايات المتحدة. ولقد استجرت سياسة إسرائيل الاستيطانية، ومعاملتها الفظة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بعض الانتقادات من الولايات المتحدة. لكن ليس من الواضح بعد ما هي الأوضاع التي قد تتباين فيها وجهات النظر الأميركية والإسرائيلية، إلى درجة من الجدية بحيث تعترف الولايات المتحدة معها بالمنظمة، وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، هذا إنْ كان تباين كهذا ممكناً على الإطلاق. 

[1]  مشروع روجرز، كانون الأول/ديسمبر 1969، في:

The Quest for Peace: Principal United States Public Statements and related Documents    

      on the Arab-Israeli Peace Process 1967-1983 (Washington: United States

      Department of State, 1984), pp. 23-29.

[2]          Address by Secretary of State Henry Kissinger, September 16, 1975 (extract),” The Quest for Peace…, op.cit., p. 65.                                                                                     

[3]           “The Second Egyptian-Israeli Disengagement Agreement, September 1975,” The Quest for Peace…, op.cit., p. 57.                                                                                                                                                                                             

[4]   “Address by Secretary of State Henry Kissinger,” The Quest for Peace…, op.cit., p. 61.

[5]  House of Representatives, “The Palestine Issue in the Middle East Peace Efforts,”     Hearing, Committee on International Relations, 94th Congress (Washington,        

1976), p. 176.                                                                                                           

[6]   “Framework for Peace in the Middle East, Agreed at Camp David, September 17,     1978,” The Quest for Peace…, op.cit., pp. 76-81.                                                    

[7]  “Address by President Ronald Reagan, September 1, 1982,” The Quest for Peace…, op.cit., pp. 108-114.                                                                                             

[8]  Ibid., p. 113.

[9]  Ibid., p. 114.

[10]  كلمة الرئيس بوش أمام جلسة الكونغرس المشتركة، في مبنى الكابيتول، واشنطن العاصمة، 6 آذار/مارس 1991.

[11]  “President Jimmy Carter’s Comments Regarding a Palestinian Homeland, March-July 1977,” The Quest for Peace…, op.cit., p. 66.                                                               

[12]  Ibid.

[13]  “Joint Communiqué by the Governments of the United States and the Union of Soviet Socialist Republics, October 1, 1977,” The Quest for Peace…, op.cit., pp. 70-73.

[14]             Seth P. Tillman, The United States in the Middle East: Interests and Obstacles (Bloomington: Indiana University Press, 1982), p. 59.                                      

[15]  “Remarks by President Jimmy Carter, Aswan, Egypt, January 4, 1978,” The Quest for Peace…, op.cit., p. 73.                                                                                       

[16]  كلمة الرئيس بوش أمام جلسة الكونغرس، مصدر سبق ذكره.

[17]  خطاب روبرت غيتس أمام جمعية ناشري الصحف الأميركية، فانكوفر، بريتش كولومبيا، 7 أيار/مايو 1991.

[18]  محادثة شخصية بين الكاتب والسفير توماس بيكرينغ، فيينا/ النمسا، في 27 أيار/مايو 1991.

[19]  “Joint Communiqué…, op.cit., p. 71.

[20]  Brent Scowcroft, The National Security Advisor, “This Week with David Brinkley,” March 3, 1991.                                                                                                          

[21]  افصح عن هذا الموقف مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية خلال مقابلة مع المؤلف في شباط/فبراير 1991.

[22]  مؤتمر الرئيس بوش الصحافي المشترك مع الرئيس الفرنفسي فرانسوا ميتران في المارتينيك، 14 آذار/مارس 1991.

[23]  قانون المساعدات الخارجية للعام المالي 1992 والعام المالي 1993، اللجنة الفرعية للتوصيات، 1 أيار/مايو 1991.

[24]  “Pro-Israel PACs, the Gulf Crisis, and 1990 Senate Campaigns”، تقرير للمعهد العربي الأميركي، تشرين الأول/ أكتوبر 1990، ص 2.

[25]  Ibid., p. 3.

[26]  Lloyd Grove, “On the March for Israel,” The Washington Post, June 13, 1991, p. D 10.

[27]  Ibid.

[28]  Ibid.

[29] Ibid.

[30]  Ibid.

[31]  Mohammad Hallaj, “U. S. Policy: Help of Hindrance to Arab-Israeli Peace?.” in The Palestinians After the Gulf War: The Critical Questions (Washington D. C.:       

The Center for Policy Analysis on Palestine,1991), pp. 29-30.                            

[32]  Ibid., p. 28.

[33]  Tillman, op.cit., pp. 60, 62.

[34]  مؤتمر الرئيس بوش الصحافي المشترك مع الرئيس ميتران، مصدر سبق ذكره.

Author biography: 

زياد أبو عمرو: أستاذ العلوم السياسية المساعد في جامعة بير زيت في الضفة الغربية. وهو الآن باحث زائر في جامعة جورجتاون في واشنطن.

 

Read more