التحول السياسي للفلسطينيين في إسرائيل: من الإذعان إلى التحدي
Keywords: 
الفلسطينيون في إسرائيل
الدولة اليهودية
الديمقراطية
النزاع العربي - الإسرائيلي
Full text: 

لقد كان الدور الذي قام به المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل، على كلا جانبي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، محدوداً حتى هذا التاريخ. فقد أخفقوا، باعتبارهم مواطنين إسرائيليين، في التأثير في السياسة الإسرائيلية إزاء الصراع، كما أنهم نأوا بأنفسهم عن القيام بدور ملموس في تشكيل طبيعة دولة إسرائيل. وباعتبارهم فلسطينيين، فهم يبدون بصورة متزايدة أمارات دعمهم للقضية الفلسطينية. غير أن مساهمتهم السياسية في النضال الفلسطيني من أجل الاستقلال وتقرير المصير كانت محدودة. وإذ مر السكان العرب بعدد من  التحولات المهمة خلال الأعوام الأربعين الأخيرة، فقد أصبح في إمكانهم القيام بدور متزايد الأهمية، باعتبارهم من مواطني إسرائيل، وقطاعاً من قطاعات الشعب الفلسطيني.

سوف تعرض هذه الدراسة التغيرات الرئيسية التي شهدها المجتمع العربي في إسرائيل. وسوف تبين كيف أن هذه التغيرات أرست صيغاً جديدة للتفاعل المتبادل مع إسرائيل، ومع الشعب الفلسطيني. غير أن الدراسة سوف تركز على تأثير هذه التغيرات – الفعلي منها والمحتمل – في إسرائيل، وستتناول بالتحليل التفاعل المتبادل بين التطورات الطارئة على المجتمع العربي في إسرائيل وافتضاح التناقض الفاحش في إسرائيل – من حيث أنها تبغي أن تكون دولة لليهود وفي الوقت نفسه دولة ديمقراطية تساوي بين مواطنيها. كما ستعرض الدراسة للتأثير الناتج من هذا التناقض في طبيعة إسرائيل كدولة قومية (nation-state)، وفي طبيعة الحكم فيها.

 التفاعل بين إسرائيل ومواطنيها العرب

 لقد نوقشت سياسة إسرائيل تجاه مواطنيها العرب بشيء من التفضيل في العديد من الأبحاث.(1) ويمكن إيجاز السياسات الرئيسية فيما يلي:

  1. الإمساك بزمام الموارد العربية، من أراض وعمالة، وتسخيرها لمصلحة السكان اليهود؛
  2. استبعاد العرب من الأهداف، والمشاريع، والعديد من المؤسسات القومية؛
  3. كَفْل الهيمنة والرقابة اليهوديتين على السكان العرب من خلال مختلف الآليات، كتشجيع التجزئة الاجتماعية للمجتمع العربي واعتماده على الأغلبية اليهودية، واسترضاء زعاماته كلما تسنى ذلك؛
  4. محاولة الحيلولة دون تنمية الزعامات والمنظمات والمؤسسات القومية (العربية)؛
  5. نشر نظام أمني شامل، يوجَّه بادىء ذي بدء نحو منع النشاطات المناهضة، وتقليص التنظيمات السياسية، وإبقاء السكان تحت الرقابة الأمنية الدقيقة. (تم إرخاء بعض الضغط الذي يفرضه هذا النظام على السكان بصورة عامة بعد إلغاء الحكم العسكري سنة 1966. ويمكن أيضاً تمييز قدر من التغييرات على مستوى المراقبة الفردية)؛
  6. ممارسة التمييز الصريح، الراسخ في القانون ذاته، في منح حق المواطنة لليهود؛
  7. عدم المساواة في توزيع الموارد والخدمات؛
  8. التمييز التنظيمي في الخدمات الاجتماعية (وإنْ لم يكن ذلك متأصلاً في النظام القانوني)؛
  9. تطبيق الخطوط العامة للديمقراطية، لا الديمقراطية التامة.

تشكلت هذه السياسات بفضل ثلاثة مبادىء طاغية: أن إسرائيل قد تأسست كدولة لليهود؛ أنها تأسست كديمقراطية غربية؛ أن لها اهتمامات أمنية خاصة تتصل بسكانها العرب. وأن هذه الاهتمامات سوف تسود ما دام الصراع مع الدول العربية والفلسطينيين بلا حل.*

طبقاً للمبدأ الأول، تأسست دولة إسرائيل لبناء مجتمع يهودي. وتمتد مسؤولية إسرائيل فيما وراء حدودها لتشمل اليهود في شتى أرجاء العالم. ولهذا، فإن "جمع الشتات" يتصدر سلم أولوياتها. والواقع أن معنى الدولة اليهودية لا يتجلى في رموز الدولة القومية والرسمية والثقافية والسياسية ووسائل التعبير عنها فحسب، وإنما أيضاً في المفهوم القائل أن إسرائيل كوطن تنتمي، على وجه التخصيص، إلى الشعب اليهودي، لا إلى مواطنيها من يهود وعرب. ومن الأمور المشكوك فيها ما إذا كان معظم المواطنين اليهودي يجد من المقبول أن ينظر المواطنون العرب إلى هذا الوطن على أنه وطنهم أيضاً. والواضح أن جهاز الدولة التشريعي لا يجد هذا الأمر مقبولاً.(2) إن الأولويات القومية، والعديد من المشاريع القومية والمؤسسات القومية، تعد حكراً على اليهود. ولا يؤدي ذلك إلى تجاهل المواطنين العرب فحسب، وإنما أيضاً إلى تكريس الموارد العربية لخدمة الأهداف اليهودية.(3)

وطبقاً للمبدأ الثاني، أُسست إسرائيل باعتبارها دولة تقوم على مبادىء الديمقراطية الحرة. وهي تتمتع، من حيث سكانها اليهود، بمستويات ديمقراطية تماثل تلك الراسخة في الديمقراطيات الغربية. أما فيما يختص بسكانها العرب، فإن الأغلبية العظمى قد مُنحت حق المواطنة بعد تأسيس الدولة. ويتمتع العرب بالحرية العبادية التامة، والمساواة الرسمية أمام القانون، هذا باستثناء قانون العودة والجنسية. وقد أوردت إسرائيل في إعلان الاستقلال أنها سوف "تحافظ على المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لسكانها كلهم، من دون تمييز على أساس العقيدة أو الجنس أو النوع." أما الدرجة التي يتمتع العرب بها، بثمار الديمقراطية الإسرائيلية عملياً، فهي مفتوحة للجدال. غير أن معظم الباحثين يتفق على أن العرب لا يتمتعون بالمساواة التامة، (4) أو  الديمقراطية التامة، على الرغم من استفادتهم من الديمقراطية.

وأخيراً، فإن مقولة ضرورات أمن إسرائيل القومي قد أثرت تأثيراً ملحوظاً في سياستها نحو مواطنيها العرب. لقد فُرضت إسرائيل فرضاً على مواطنيها العرب، على رغم من إرادتهم، وتورطت على الفور في صراع "غالب ومغلوب" مع الفلسطينيين والدول العربية الأخرى. وبالتالي، فكثيراً ما ادعت إسرائيل أن السكان العرب، الذين ينتمون قومياً وحضارياً إلى الأمة العربية والشعب الفلسطيني، يمكن أن يشكلوا عبئاً أمنياً. وبناء على هذه المقولة، فإن إسرائيل أصبحت محتاجة إلى اتخاذ خطوات لمنع وقوع أية مخالفات أمنية من جانب العرب.

إن هذا الأساس الثلاثي، الذي يكمن وراء سياسة إسرائيل تجاه سكانها العرب، مشحون بالتناقضات والتضارب. فالمبدآن الثاني والثالث متضاربان، لأن مقولة ضرورات إسرائيل الأمنية تحتم تقليص حقوق العرب الديمقراطية. كما أن المبدأين الأول والثاني ينطويان على تناقض جذري، لأن الدولة التي تعرّف بأنها تنتمي إلى شعب واحد فقط، في حين أن سكانها مؤلفون من شعبين، لا تستطيع أن تقدم فرصاً متكافئة لسكانها كلهم. وعلى الرغم من أن التناقض بين الاثنين يعد متأصلاً في طبيعة الدولة نفسها، فهو لم يظهر على السطح قبلاً بسبب ثلاثة عوامل رئيسية:

  1. حين سئلت إسرائيل، فسّرت سياساتها نحو العرب بأنها مدفوعة باعتبارات أمنية. وبهذا المعنى، استغلت إسرائيل التوتر القائم بين متطلباتها الأمنية وبين الديمقراطية والمساواة الكاملتين، لتمويه التناقض المتأصل في النظام. وطبيعي أن يكون سكان إسرائيل اليهود قد تقبلوا المقولة الأمنية. وعلى الصعيد الدولي، فإن الاهتمام الضئيل الذي أثاره الموقف لم يكن كافياً لحفز نوع من التدقيق في الوضع. وقد نُظر إلى أمن إسرائيل على أنه مبرر كاف ومفهوم عادة.
  2. يتمتع العديد من هذه السياسات بدعم لا يستهان به من جانب الجمهور الإسرائيلي، مهما تكن المبادىء التي توجه خطواتهم. وتدعم نسبة كبيرة من السكان (47% - 75%) اتباع سياسات غير ديمقراطية وتمييزية بصورة واضحة ضد العرب (الحاشية 4). وقد أوجد ذلك، إلى جانب التوتر المتزايد في العلاقات اليهودية – العربية داخل إسرائيل، جواً عاماً استبعد إمكان الجدال بين اليهود الإسرائيليين الذي يمكن أن يبرز التناقض.
  3. فسّر العديد من العرب السياسات بأنها مدفوعة، في معظمها، بأيديولوجية الدولة لا بالاعتبارات الأمنية. غير أن بنية العرب الأساسية، الاجتماعية والسياسية والتنظيمية، لم تكن جاهزة لمقاومة هذه السياسات بصورة فعالة، أو بتوفير الاستجابة الملائمة للإدعاء الرسمي في شأن الدوافع، حتى منتصف السبعينات. وقد قلّل الإحساس بأن الموقف موقت حتى إيجاد حل دائم من حوافز العرب على أخذ المسؤولية على أنفسهم في مواجهة هذه السياسة.

لكن، في المدة الأخيرة، بدأت المقاومة العربية المتزايدة للسياسات الإسرائيلية ضد العرب تترك آثارها في كل من المبادىء الثلاثة، وفي التناقضات الثنائية المختلفة بينها. غير أن هذه المقاومة لم تخرج إلى حيز الإمكان إلا بعد التغييرات بعيدة الآثار التي حولت المجتمع العربي في إسرائيل خلال الأعوام الأربعين الماضية. وفيما يلي نعرض ثلاث فئات رئيسية للتغييرات، مع محاولة إظهار كيف أن التطورات في معظم هذه المجالات قد ساعدت في إبراز التناقضات بين هذه السياسات من ناحية، وبين جوهر الديمقراطية والمساواة من الناحية الأخرى.

لكن حتى الآن، فإنه في حين أن المجتمع الفلسطيني قد بدأ يعي بصورة متزايدة دلالات هذا التناقض بالنسبة إلى طبيعة علاقاته المستقبلية بإسرائيل، فإن نسبة لا يُعتدّ بها من عناصر المجتمع الإسرائيلي لديها الاستعداد لمواجهة ذلك. ويمكن للتغيرات المستقبلية في المجتمع العربي أن تدفع بالتناقض نحو النقطة التي لا يملك المجتمع اليهودي عندها أن يتجنبها أو يتجاهلها أو ينكرها، أو إلى حيث يضطر النظام بأسره إلى مواجهة هذا التناقض. والآن نعرض المجالات الرئيسية الثلاثة للتغيير.

 التطورات الديموغرافية والتعليمية

النمو الديموغرافي

دفع النمو الديموغرافي والتطور التعليمي بالعرب عبر عتبات جديدة. وطبقاً للأرقام المستمدة من أحدث "كتاب سنوي إحصائي"(5) إسرائيلي، وصل عدد المواطنين العرب في إسرائيل إلى 660,100 في نهاية سنة 1988 (هذا باستثناء 139,100 عربي يقيمون في القدس ولا يتمتعون بحق المواطنة، و 18,000 عربي في مرتفعات الجولان). يمثل هؤلاء 15,41% من المواطنين الإسرائيليين. وطبقاً لأشد التقديرات تحفظاً، التي أجراها المكتب المركزي للإحصاء،(6) سوف يصل عدد السكان العرب إلى 902,300 مواطن في سنة 2000؛ بنسبة 18,1% من المواطنين الإسرائيليين. (سيصل عدد السكان العرب المقيمين في القدس الشرقية إلى 191,700؛ وفي مرتفعات الجولان إلى 20,200).

أدت الزيادة في عدد السكان العرب إلى نمو البلدات الكبيرة. فمن بين البلدات والمدن الإسرائيلية التي يزيد فيها عدد السكان على 500 نسمة، والتي تبلغ 106 بلدات، توجد 37 بلدة عربية، يزيد عدد السكان في سبع منها على 10,000 مقيم. غير أن التوسع المادي للبيئة لم يتلاءم مع الزيادة السكانية، بسبب مصادرة الأراضي وانعدام التخطيط الحضري في الأغلبية العظمى من المدن العربية. وعلى الرغم من ذلك، فإن التواصل المادي بين المدن في تطور، الأمر الذي يرسي القاعدة لإنشاء مناطق حضرية عربية كبرى في بعض مناطق الجليل والمثلث.(7) وفضلاً عن ذلك، فإن العرب يقيمون في مدن مختلطة مثل: حيفا والرملة واللد ويافا وعكا والناصرة العليا، التي بنيت كمدينة يهودية. وقد بدأ العرب مؤخراً بالانتقال إلى كرميئيل والخضيرة ونهاريا وإيلات وبئر السبع.(8)

ينظر المجتمع الإسرائيلي إلى النمو العربي على أنه يشكل تهديداً. والواقع أنه أطلق عليه اسم "الشيطان الديموغرافي" أو "الخطر الديموغرافي" قبل استخدام هذا المصطلح في الأراضي المحتلة بزمن طويل. وهناك رغبة تسيطر على اليهود، بدءاً من رئيس الحكومة والمنظمات الاجتماعية وحتى المقترحات وحلقات الجدل التشريعي في الكنيست، في زيادة معدلات المواليد اليهود أو معدلات الهجرة اليهودية لمواجهة هذا "الخطر الديموغرافي".

نجمت عن الزيادة العددية والتوسع المادي للبلدات العربية قوة وثقة أكبر بالنفس، إلى جانب إحساس متزايد بالتماسك المجتمعي. فقد بدأ العرب يتحدّون، بصورة متزايدة، الاهتمامات الديموغرافية الإسرائيلية، ويشككون في دوافعها. وإذا كان هناك ارتباط متلازم بين النمو الديموغرافي العربي والزيادة في المخالفات المتصلة بالأمن، أو الارتفاع المطرد الملحوظ في مستوى هذه المخالفات، فإن من المنطقي أن نستخلص أن الهموم المتصلة بالأمن لها ما يبررها. لكن هذه المخالفات لا تتزايد من حيث الأعداد، كما أنها لم تكن قط ذات أهمية تذكر. وطبقاً لأحد التقارير، تمت إدانة بضع مئات فقط من العرب بتهمة الخروقات الأمنية منذ تأسيس الدولة.(9) كما أن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الخروقات تشمل الاشتراك في التظاهرات وإلقاء الحجارة وحرق الإطارات.

لقد أصبح العرب يقتنعون بصورة متزايدة بأن الهموم الديموغرافية مستمدة من الأيديولوجية. ولقد بدأ استياؤهم يتزايد من مصطلح "الخطر الديموغرافي"، وبدأؤا يرفعون أصواتهم بالاعتراض على الملأ. ومن ثم، فإن إسرائيل سرعان ما ستواجه مجموعة من المواطنين الذين يطالبون علناً بإلغاء المصطلحات المهنية وما تنطوي عليه من دلالات تتصل بسياسة التمييز. وإذ تتداعى مصداقية التفسيرات الأمنية، سوف يضطر يهود إسرائيل إلى مواجهة خيار أساس: إما تغيير السياسة وما يرتبط بها من مصطلحات، وإما مواجهة الطبيعة العنصرية لكليهما.

 التعليم

في  العام الدراسي 1987/1988، انتظم في النظام التعليمي 227,223 طالباً عربياً. من هؤلاء، كان 38,237 في المدارس الثانوية (في مقابل بضع عشرات سنة 1948).(10) وعلى الرغم من الزيادة المبهرة في عدد المدارس الثانوية، فإن 57,9% فقط من التلاميذ الذين تجاوزا سن  المرحلة الثانوية يلتحقون بالكليات.(11) لكن كون فرص التوظيف المتاحة لخريجي الجامعات من العرب محدودة في إسرائيل، جعل المدارس العليا تجتذب الخريجين مرتفعي الكفاءة، الذين لم يجدوا فرص العمل في مجال تخصصهم. والنتيجة هي أن 68,5% من المدرسين العاملين في المدارس العربية يحملون درجات أكاديمية، في مقابل 64,1% في المدارس اليهودية.(12) وهكذا، فإن التمييز ضد خريجي الجامعيات قد ساعد، من دون قصد، في تحسين نوعية التعليم العربي. وساعد هذا، بدوره، في تحسين مستوى التعليم الذي يحصل عليه طلبة المدارس الثانوية العرب، الأمر الذي يتيح لأعداد متزايدة منهم، بل يحفزهم على الالتحاق بالجامعات الإسرائيلية والأجنبية.

قُدِّر إجمالي عدد خريجي الجامعات العرب (ممن يحملون درجة البكالوريوس أو درجة أعلى) بـ 600 بين سنة 1948 وسنة 1971.(13) وأظهر مسح أُجري على الخريجين بين سنة 1961 وسنة 1971، أن هناك 328 خريجاً عربياً. في سنة 1961، تخرج من الجامعات ستة طلاب؛ وفي سنة 1971، بلغ عدد المتخرجين 82 طالباً. أما الآن فيقدَّر العدد بنحو 1000 خريج سنوياً.(14)

قُدِّر العدد المتراكم لخريجي الجامعات في نهاية سنة 1987 بنحو 14,000 خريج، بما في ذلك العدد الكبير منهم الذي درس في الجامعات الأجنبية (ويبرز بين هؤلاء، الدارسون الذين حصلوا على منح دراسية من خلال الحزب الشيوعي الإسرائيلي، للدراسة في جامعات الدول الاشتراكية، والعدد الكبير من دارسي الطب الذين تخرجوا من جامعات إيطاليا ورومانيا).(15) وطبقاً لإحصاءات عام 1984/1985، يشكل الطلبة غير اليهود (ومعظمهم عرب) 7,9% من إجمالي عدد الدارسين لدرجة البكالوريوس، و 3,2% من دارسي الماجستير، و2,7% من دارسي الدكتوراه. أما عدد الطلبة العرب الحاصلين على تعليم تتراوح مدته بين 13 عاماً و15 عاماً، فقد بلغ 27,500 في نهاية سنة 1988.

يعتقد بعض الإسرائيليين أن هذه التطورات "سلبية للغاية من وجهة النظر اليهودية."(16) والواقع أن موقف الدولة والأغلبية اليهودية من التعليم ليس واضحاً وضوحه في المسألة الديموغرافية. لكن، في أحوال كثيرة، حيث تثار مسألة "الخطر الديموغرافي" العربي، تبدو التطورات التعليمية جزءاً من المشكلة نفسها. وعندئذ، من حق المرء أن يتساءل: لماذا ينظر إلى التطورات في المستوى التعليمي للمواطنين العرب أنها تضر بالأغلبية اليهودية؟ ولماذا يُنظر إلى التغيرات النوعية بين المواطنين العرب في إطار "الغالب والمغلوب"؟ لا توجد علاقة تلازمية بين المستوى التعليمي والعدد التافه من الخروقات الأمنية. كما أنه لا توجد أية علاقة بين التعليم والمواقف السياسية.(17) ومن ثم، فإن مصدر هذه الاستجابة السلبية للتعليم العربي هو الهدف السياسي للدولة، باعتبارها لليهود فقط. وإذا ما تم إدماج العرب المتعلمين واستيعابهم في البنية الأساسية للدولة، فسوف يغيرون تغييراً ملحوظاً من طبيعة الدولة اليهودية ومؤسساتها. فإذا كانت هذه دولة اليهود، مثلما يريدها معظم يهود إسرائيل أن تبقى، فلماذا تقبل مؤسساتها غير اليهود في المناصب العليا؟

سوف تشكل الأعداد المتزايدة من العرب المتعلمين وخريجي الجامعات تحدياً خطراً للنظام. وفي حين كان في الإمكان، خلال الأربعين عاماً الأولى، إنكار حق العرب في الوصول إلى المناصب المستديمة وغير المتصلة بالأمن في مجالات الصناعة والحكومة والمناصب العامة بحجة الأمن، فإن الأعداد المتزايدة التي تسعى للحصول على الوظائف اللائقة، وانحسار الدواعي الأمنية، سوف تؤدي على الأرجح إلى جعل القضية مسألة اجتماعية / سياسية، وتفرض درجة من الجدال في المجتمع الإسرائيلي بشأن الدوافع الكامنة وراء إغلاق أبواب التوظيف في وجه الخريجين العرب.

التطورات السياسية

 خلقت كل من التغييرات الديموغرافية والتعليمية جواً مساعداً للتغيير السياسي. وأدت التغييرات الاقتصادية / الاجتماعية المصاحبة إلى دعم الوعي السياسي والتنمية الاجتماعية أكثر.

ففي حين شجعت السلطات الإسرائيلية استمرار الهياكل التقليدية التقسيمية القائمة بين السكان العرب فعلاً، لأنها تسهل سياسة الدولة في الهيمنة والرقابة.(18)  خلقت المصادرة الواسعة للأراضي العربية في الوقت ذاته، ومن دون قصد، خلفية حدثت فيها تغييرات عميقة في الهيكل الاجتماعي / الاقتصادي والقيم الاجتماعية للمجتمع العربي.(19) وفي حين تم تحويل المجتمع الريفي العربي في الأعوام الأولى إلى بروليتاريا غير ماهرة،(20) شهدت الأعوام الخمسة عشر الأخيرة ظهور البروليتاريا الصناعية الماهرة.(21) وبالمثل، فإن الطبقة المتوسطة البورجوازية، المؤلفة من المحترفين وصغار المقاولين ورجال الأعمال، بدأت تظهر هي الأخرى. لكن لا توجد أمارات على نشوء طبقة متوسطة تقوم على القطاع الصناعي المنتج، بسبب الغياب التام تقريباً للتصنيع في القطاع العربي. وبناء على ذلك، تغيرت القيم والمواقف الاجتماعية للتعامل مع الواقع الجديد.(22)

حفزت هذه التغيرات بدورها عملية تغيير سياسي دينامية لا تزال نشيطة. ولأغراض المناقشة، تم تقسيم التغييرات إلى فئتين رئيسيتين: السياسية / الأيديولوجية، والسلوكية/ التنظيمية. وسوف نناقش هذه التغييرات، مع التركيز الخاص على عملية التفاعل المتبادل بينها، والمبادىء الثلاثة للسياسة الإسرائيلية التي تحدثنا عنها آنفاً.

 التغييرات السياسية/ الأيديولوجية:

من معدومي الهوية إلى مواطنين فخورين

في العقدين الأولين من عمر إسرائيل، كان المجتمع العربي يشق طريقه ويقارع قوى سياسية جعلت من المستحيل عليه تقريباً أن ينمي هوية جماعية متلاحمة. فقد خمدت هويته الفلسطينية حين انصهرت داخل القومية العربية الأشمل بعد سنة 1948. وفضلاً عن ذلك، فإن عزلتهم المادية الكاملة عن غيرهم من الفلسطينيين والعالم العربي، حالت دون حدوث التفاعلات الحيوية اللازمة لتشكيل الهوية السياسية. علاوة على ذلك، فقد بذلت إسرائيل الكثير لطمس علامات الوطنية الفلسطينية داخل حدودها، بالإضافة إلى إنكارها السيكولوجي والسياسي، لا لوجود الفلسطينيين الحالي فحسب، وإنما أيضاً لشرعيتهم التاريخية.

اقترن خمود الهوية الفلسطينية وانعزال المجتمع التام عن العالم العربي بنقاط ضعف هيكلية في المجتمع العربي (انعدام القيادة، والتجزئة، وانعدام التنظيم وما شابه). وقد يظن البعض أن إسرائيل، في تلك الأوضاع، كانت تملك فرصة مثلى لإدماج نوع من "الإسرائيلية" في هويتهم الجماعية. والحقيقة أن العديد من الباحثين افترض حدوث ذلك فعلاً.(23) في الأعوام العشرين الأولى من عمر الدولة، توفرت لإسرائيل فرصة تاريخية لغرس هوية إسرائيلية بديلة في هؤلاء السكان، تقوم على المساواة بينهم وبين المجتمع الإسرائيلي وصهرهم داخله. وتمشياً مع الركيزة الأيديولوجية الثانية (الديمقراطية)، منحت إسرائيل العرب داخلها حق المواطنة والتصويت وغير ذلك من الخدمات. لكن تمشياً مع الخط الأول للسياسة (الدولة اليهودية)، امتنعت إسرائيل – بناء على أسس أيديولوجية – من إدماج العرب داخل الهوية القومية الإسرائيلية. وترجم تعريفها الذاتي، على أنها دولة لليهود لا دولة لكل مواطنيها، إلى سياسات أوضحت للعرب بجلاء أن الهوية الإسرائيلية لا تشملهم.

بحلول نهايات الستينات، بدأ تفجر الوعي القومي وانبعاث الهوية الفلسطينية يأخذان طريقهما، ووجد العرب في إسرائيل وسيلة لملء جزء من الفراغ الذي فشلت إسرائيل في ملئه. وشددت الحركة الوطنية الفلسطينية في الشتات على التاريخ والمصير المشتركين، والرموز القومية والثقافية، والإصرار على حل المعضلة الفلسطينية الأشمل، وهي أمور أعطت عرب إسرائيل كلهم إحساساً بالهوية القومية والفخار. وهكذا ردت إليهم فلسطينيتهم، وأصبحوا يرون أنفسهم أنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. وفي حين أن سلوكهم السياسي الأخير لا يترك مجالاً للشك في هذه العملية، فقد أظهرت مسوح العلوم الاجتماعية أن "فلسطنة" عرب إسرائيل قد اكتملت في أوائل الثمانينات.

أوضحت النتائج التجريبية لمسح أُجري سنة 1982،(24) أن عرب إسرائيل يحسون سيكولوجياً بأنهم ينتمون إلى الشعب الفلسطيني، أكثر من انتمائهم إلى إسرائيل. ومن أفراد عينة منهاجية قطرية انتخبت من أوساط السكان البالغين (باستثناء الدروز والبدو)، اختار 68% مصطلح "عربي فلسطيني" أو فلسطيني" لوصف هويتهم الجماعية؛ و 6,1% مصطلح "فلسطيني إسرائيلي"، و18,2% مصطلح "عربي إسرائيلي". واختار 0.5% فقط مصطلح "إسرائيلي" و 6,9% فقط مصطلح "عربي". ومن الممكن أن تكون نسبة الذين استخدموا كلمة "فلسطيني" في وصف هويتهم الجماعية قد زادت أواخر الثمانينات. إن أي إحساس بالوطنية أو بالفخر أو بارتباط قومي لدى عرب إسرائيل مستمد من هويتهم الفلسطينية والعربية.

لقد بدأ العرب يعون بصورة متزايدة استبعادهم من المجتمع الإسرائيلي والهوية، بل الدولة الإسرائيلية. إنهم يدركون أنهم يحملون جواز السفر الإسرائيلي، لكنهم لا يتمتعون بالولاء ولا يجدون استعداداً من جانب إسرائيل لاعتبارهم مواطنين كاملين في الدولة. إن عرباً قلائل يطالبون اليوم بالهوية الإسرائيلية، أو بأن يشملهم تعريف الهوية الإسرائيلية. وحتى حين يطالب بعضهم بذلك، فإن إسرائيليين كثيرين – بمن فيهم اليساريون – يجدون هذا أمراً يصعب قبوله.(25) وتشير التطورات الأخيرة في الساحة الفلسطينية، والتي يظهر فلسطينيو إسرائيل حساسية شديدة تجاهها، إلى أن سلسلة الحلول التي يدعو الفلسطينيون إليها تشتمل على التقسيم بشكل أو بآخر. الأمر الذي يعني أن يظل العرب مواطنين في إسرائيل بغض النظر عن الحل السياسي الذي يتم بلوغه. وفي هذه الحالة، لن تكون هويتهم الحالية كفلسطينيين في إسرائيل كافية. ومن ثم، فسوف تُفرض على النظام الإسرائيلي ضغوط أكبر لإجراء التعديلات الملائمة لإيواء مواطنيها الفلسطينيين. وسوف يتطلب ذلك إصلاح إسرائيل كدولة قومية تقوم على الإسرائيلية (لكل مواطني إسرائيل) لا على اليهودية (التي تشمل كل المواطنين اليهود في الدول الأخرى كلها، وتستثني مواطني إسرائيل غير اليهود). لكن إسرائيل لن ترغم على مواجهة استحالة الترتيبات الحالية بالنسبة إلى مواطنيها العرب، إلا إذا طالبت الأقلية العربية مطالبة فعالة بإجراء هذا الإصلاح.

 التغييرات السياسية / الأيديولوجية

من الارتباك إلى الإجماع

قياساً بحالة الفوضى والاضطراب في العقدين الأولين، والانقسام الداخلي في العقد الثالث، يبدو الإجماع الذي بدأ يظهر في الأعوام العشرة الأخيرة لافتاً للنظر، على اعتبار أنه يشمل الموقف من القضية الداخلية لوضع العرب في إسرائيل، والمشكلة الفلسطينية الأشمل، والأدوات السياسية المشروعة لتحقيق الأهداف السياسية.

جاءت أوضح الإشارات على ظهور الإجماع السياسي العربي في وثيقة قدمها سنة 1980 نحو 100 شخصية بارزة، وعرفت لاحقاً باسم "وثيقة 6 حزيران/يونيو 1980". جاءت الوثيقة ردة فعل إزاء تزايد التدابير القمعية في الضفة الغربية وغزة، ووقّعها فيما بعد أكثر من 5000 مواطن عربي، وأصبحت جوهر ورقة عمل لـ" مؤتمر الجماهير العربية"، الذي كان من المقرر أن يعقد في 6 كانون الأول/ ديسمبر 1980. وشمل منظمو المؤتمر شتى محافل الحياة السياسية: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والمجموعات القومية الخارجة عن نطاق الجبهة، والشخصيات المرتبطة بالأحزاب الصهيونية. وفي 1 كانون الأول/ ديسمبر، صدر أمر من وزير الدفاع، مناحم بيغن، بحظر المؤتمر، استناداً إلى أنظمة الطوارئ الانتدابية لعام 1945.(26) غير أن الإجماع الذي ظهر في الاجتماع التحضيري ظل قائماً.

أُعدت مقترحات قرارات المؤتمر في تشرين الأول/ أكتوبر  1980. وفيما يتعلق بالقضية الداخلية، نصت المقترحات على أن حق العرب في العيش مواطنين متساوين في إسرائيل هو حق غير قابل للجدل. وأدرج واضعو المقترحات تسع فقرات تصف "حقوقهم القومية والمدنية"، بما في ذلك الاعتراف بعرب إسرائيل كأقلية قومية، وإلغاء الإجراءات والأنظمة الموضوعة لمصادرة أراضي العرب، وغيرها من الفقرات التي تشير إلى المساواة التامة في توزيع الموارد والخدمات. وفيما عنى القضية الفلسطينية، شدد الاقتراح على السلام الفلسطيني – الإسرائيلي باعتباره المكون الأساس للتسوية السلمية في المنطقة. وذكر الاقتراح أن عناصر التسوية يجب أن تكون انسحاب إسرائيل من كل المناطق التي احتلتها في حزيران/يونيو 1967، وبناء دولة فلسطينية في هذه المناطق، بما فيها القدس العربية، والعيش في سلام مع إسرائيل. كما دعا الاقتراح إلى الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. وأخيراً، ففي حين لم يحدد المؤتمر التكتيكات السياسية، فإنه شدد على التعاون مع "قوى السلام والديمقراطية" في المجتمع اليهودي.(27)

منذ سنة 1980، ترسخ هذا الإجماع بظهور "القائمة التقدمية للسلام" سنة 1984، التي تقاسم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة البرنامج السياسي نفسه تقريباً، وبتأييد العرب العاملين داخل الأحزاب الصهيونية، إلى حد كبير، للعناصر الإجماعية ذاتها.(28) وتعطي البحوث الاجتماعية دعماً إضافياً إلى حقيقة أن البرنامج السياسي الذي وصفناه آنفاً قد حظي بدعم العرب في إسرائيل، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية.(29)

أظهرت الإضرابات الثلاثة، التي تم تنظيمها بين تموز/ يوليو 1987 وآذار/ مارس 1988، أن الإجماع يحظى بالتأييد الشامل من الشعب. وكانت رسالة الإضراب الذي نظم في حزيران/ يونيو 1987 رسالة واضحة: "المساواة، وليس أقل من المساواة." أما الإضرابان الآخران اللذان نظما في 21 كانون الأول/ ديسمبر 1987 و 30 آذار/مارس 1988، فقد جاءا دعماً للانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، واحتجاجاً على السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين هناك. لكن المتحدثين الذين مثلوا كل الاتجاهات السياسية عبروا عن عناصر الإجماع سالفة الذكر في الاجتماعات التحضيرية وفي اللقاءات الإقليمية لدعم الانتفاضة.

ساعدت الإضرابات في تنامي عنصر ثالث من عناصر الإجماع – الإجماع على التكتيكات السياسية. وقد قوبلت الخروقات الطفيفة التي وقعت في أثناء الإضراب السلمي في كانون الأول/ديسمبر 1987،(30) بردات فعل سلبية للغاية من جانب اليهود الإسرائيليين.(31) ورداً على ذلك، تحمل منظمو الإضراب عناء كبيراً لتجنب حدوث مثل تلك الخروقات في إضراب آذار/مارس 1988، إذ لم يتم تسجيل أية خروقات. وأدانت كل الاتجاهات السياسية العربية بشدة الحوادث الطفيفة التي وقعت في اعتداءات على سيارات النقل العام، وأعلنت عدم ارتباطها بتلك الحوادث.(32) ورداً على هذه الحوادث، أوضحت القيادة العربية أن عرب إسرائيل لن يتصرفوا إلا في حدود القانون.(33) وجادل البعض في أن وضعهم يختلف عن وضع غيرهم من الفلسطينيين، وأنهم لذلك سوف يعبرون عن جهودهم بأساليب أخرى – مختلفة عن الأساليب المتبعة في الضفة والقطاع.(34)

في مقابل الإجماع اليهودي السلبي أواخر الثمانينات، تجلى إجماع سياسي إيجابي عربي. وهذه عناصر إجماع المجتمع العربي في مقابل عناصر إجماع المجتمع اليهودي: المساواة التامة في مقابل المساواة الجزئية؛ تأييد إقامة الدولة الفلسطينية في مقابل رفض إقامة الدولة الفلسطينية؛ الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية في مقابل عدم الاعتراف بها؛ الانسحاب من الأراضي المحتلة كلها في مقابل عدم الانسحاب؛ القدس العربية عاصمة للدولة الفلسطينية في مقابل القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل.

ينظر العرب إلى إجماعهم أنه ديمقراطي وسلمي التوجه، من المنظورين المحلي والإقليمي. وبالتالي، فقد بدأوا يسعون لضم "القوى الديمقراطية" اليهودية إلى صفوفهم، في جهودهم للتأثير في العملية السياسية في إسرائيل. وكان نجاحهم في ذلك محدوداً، وعاد ذلك إلى حد كبير إلى أن وعيهم لأهمية مثل هذا الدور، واستعدادهم للقيام به، وقدرتهم على ذلك، كانت محدودة.

يمكن أن يؤدي الصدام بين طرفي الإجماع القومي – إجماع المجتمع العربي وإجماع المجتمع اليهودي – إلى مواجهة إسرائيل بتهديد متأصل لا في الاعتبارات الأمنية التقليدية، وإنما في التحدي لأيديولوجية السيطرة والامتيازات والحقوق الخاصة لليهود – أي التحدي لتطبيق الأيديولوجية الصهيونية نفسها.

 التغييرات السياسية/ الأيديولوجية:

من "فلسطنة" الهوية إلى فلسطنة السياسة

باكتمال فلسطنة الهوية الجماعية للعرب بحلول أوائل الثمانينات، حذا نشاطهم السياسي الحذو نفسه. وأصبحت الهوية الفلسطينية نقطة الإرتكاز بالنسبة إلى المجموعات القومية التي اتخذت فيما بعد شكل القائمة التقدمية للسلام. ويجب ألا يفهم من ذلك أن الهوية الفلسطينية لم تكن نقطة مركزية بالنسبة إلى راكح [القائمة الشيوعية الجديدة] أو الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (التي تتمركز حول راكح)، وإنما "راكح" لا تزعم أنها قائمة فلسطينية القواعد والدوافع، مثلما يفعل الجناح العربي في القائمة التقدمية للسلام. وأصبح التركيز على الهوية الفلسطينية، باعتبارها القوة الأساسية المانحة للمشروعية، يشكل قضية مهمة في التنافس بين القائمة التقدمية والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. وأبرز هذا التنافس إلى السطح تلك العملية التي بدأت تتبلور  في ثلاثة أشكال متميزة ومرتبطة.

في انتخابات سنة 1984، توجهت القائمة التقدمية والجبهة الديمقراطية إلى الناخب العربي، وفي جعبتيهما برامج متطابقة تقريباً، فيما يتصل بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وأهداف العرب في إسرائيل. غير أن القائمة التقدمية، التي تنافست في كسب أصوات العرب أول مرة سنة 1984، حاولت أن تستمد شرعيتها من جذورها وهويتها وطموحاتها الفلسطينية المتميزة. وقد حدا هذا التركيز الجبهة التقدمية على أن تحاول تجنيد الدعم الصريح من جانب زعماء الضفة الغربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكسب دعم موسكو في هذه القضايا.(35) كان من الملامح المميزة لحملة سنة 1984 الانتخابية في القطاع العربي ذلك التنافس النشيط في كسب دعم منظمة التحرير الفلسطينية.(36) وأصبح استحثاث منظمة التحرير الفلسطينية ورموزها من الموضوعات المهيمنة في حملة سنة 1988 الانتخابية.

يمكن أن نستمد دليلاً آخر على دور منظمة التحرير في منح المشروعية من تشديد "راكح" على الدعم الذي تقدمه موسكو للنضال الفلسطيني ولمنظمة التحرير الفلسطينية. والحقيقة أن القائمة التقدمية تستخدم ضد "راكح" أية علامات تشير إلى هبوط دعم موسكو فيما دون الدعم الشامل.

كان ظهور القائمة التقدمية دليلاً على حدوث نوع آخر من التغيير تحت سطح المجتمع الفلسطيني: وهو امتداد المناظرات الأيديولوجية والسياسية، والائتلافات، والاختلافات بين المجتمع الفلسطيني في المنفى وداخل الأرض المحتلة، إلى العرب المقيمين في إسرائيل. وتبلور الجدال بعد اتفاقية عمان في شباط/فبراير 1985، التي قسمت المنظمة بشكل فعال إلى مؤيدين ومعارضين. وبدأت الائتلافات السياسية تتكون عبر الخط الأخضر، محاكية تلك الموجودة داخل المنظمة. على سبيل المثال، بدأت الاختلافات بين القائمة التقدمية والجبهة الديمقراطية للسلام تتبلور عبر الخطوط نفسها التي فرقت الفصائل الفلسطينية حتى دورة المجلس الوطني الفلسطيني الثامنة عشرة، التي عُقدت في الجزائر سنة 1987. فقد أيدت القائمة توجه عرفات تأييداً مطلقاً، في حين مالت الجبهة الديمقراطية نحو "التحالف الديمقراطي"، الذي كان مؤلفاً من الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية والحزب الشيوعي الفلسطيني.

كانت الإشارة الصريحة إلى منظمة التحرير الفلسطينية دائماً من القضايا الحساسة بالنسبة إلى العرب في إسرائيل. وكان ذلك يرجع في جزء منه إلى موقف إسرائيل القانوني منها، وبشكل أكبر إلى موقف الشعب الإسرائيلي. فمنظمة التحرير تستثير مزيجاً من المشاعر السلبية العميقة لدى معظم الإسرائيليين، الذين يعتقدون اعتقاداً جازماً أنها منظمة إرهابية" مكرّسة لتدمير إسرائيل. ولهذا، فإن أية إشارة إلى دعم المنظمة أو الارتباط بها لا تعرض العرب لتعقيدات قانونية فحسب،(37) وإنما تستنفر عداوات مترسخة من جانب الشعب الإسرائيلي. وإذ تحرك موقف المنظمة بوضوح، وبصورة متزايدة، نحو تأييد المفاوضات والحل القائم على دولتين، توفر لعرب إسرائيل مجالاً أرحب قليلاً للمناورة. فقد تواترت اللقاءات بين أعضاء الكنيست العرب ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية؛ وبدأ ظهور الدعم العلني لمواقف المنظمة ونشاطها السياسي؛ وانطلقت دعوات إلى توحيد صفوفها؛ وظهرت تعبيرات عن الأسف لانهزامها.

وإدراكاً من العرب لحساسية إسرائيل، فقد أجروا اتصالاتهم بالمنظمة على الملأ. ولم تكن هناك محاولة (صريحة) واحدة لتجاوز حدود النظام القانوني الإسرائيلي، أو انتهاك الإجماع العربي على العمل في إطار القانون الإسرائيلي فقط.

 التغييرات السلوكية / التنظيمية:

من الاسترضاء إلى الوعي الانتخابي

شهدت انتخابات الكنيست سنة 1984 الاختفاء النهائي لقوائم المرشحين العرب المرتبطين بالأحزاب الصهيونية(38) من النطاق السياسي. فمنذ الانتخابات الأولى للكنيست، التي أُجريت سنة 1949، والأحزاب الصهيونية تتنافس في كسب الأصوات العربية، من خلال رعاية وتمويل مجموعة من الشخصيات العربية المرتبطة بهذه الأحزاب. وقد اعتمد حزب ماباي (العمل فيما بعد) اعتماداً كبيراً على هذه الشخصيات العربية، في أثناء نشاطه الانتخابي في القطاع العربي حتى سنة 1977. واختار هذا الحزب مرشحيه وفق التقسيمات الدينية والإقليمية والحمولية، مستغلاً تقسيم المجتمع العربي بحسب هذه القواعد، وعاملاً على سرمدة هذه التقسيمات.(39) ومن خلال منح زعماء الحمائل قدراً محدوداً من الامتيازات الشخصية لاستقطاب الأصوات الشعبية، استرضى ماباي وغيره من الأحزاب قادة تقليديين، محاولاً استقطاب أتباعهم أيضاً.(40)

لكن بعد انتخابات سنة 1981، تبين أن التغيرات الاجتماعية / السياسية والاقتصادية التي بدأت تأخذ مجراها داخل المجتمع العربي في إسرائيل، كانت تنقل محور ارتكاز الولاء من الانتماء إلى العائلة الكبيرة (أو الحمولة) والعقيدة الدينية والمعارف الشخصيين إلى هوية قومية جماعية. وقد انطبق ذلك على الأقل في حالة الانتخابات العامة. فعلى الرغم من أن قائمتين من المرشحين العرب الموالين لأحزاب صهيونية تنافستا في الانتخابات وخسرتا في سنة 1981، فقد تجلى بوضوح منذ سنة 1984 أن الولاء العائلي والديني لم يعد أساساً كافياً للسياسة العامة. وبدلاً من ذلك، شهدت انتخابات سنة 1984 ظهور "فاعل" سياسي يقوم على التركيز على الهوية الوطنية الفلسطينية، وهو القائمة التقدمية؛ وشهدت انتخابات سنة 1988 أيضاً ميلاد حزب عربي يحاول عقد التوازن بين الوطنية الفلسطينية والانخراط الكامل في النظام الإسرائيلي.

في سنة 1984، منح نحو خمسين في المائة من الناخبين العرب الجبهة الديمقراطية للسلام والقائمة التقدمية أصواتهم. أما الخمسون في المائة الآخرون، فقد أعطوا الأحزاب الصهيونية أصواتهم مباشرة، فكان نصيب حزب العمل نصف أصوات هؤلاء.(41) في سنة 1988، هبطت نسبة الأصوات المعطاة للأحزاب الصهيونية إلى أدنى حد لها، فبلغت نحو 40%. وفي حين أن تصويت العرب لمصلحة القائمة والجبهة كان مفهوماً على أنه سياسي التوجيه، ومرتبط مباشرة بهويتهم الجماعية، فإن الأصوات الممنوحة للأحزاب الصهيونية كانت ذرائعية التوجيه أي وسيلة للحصول على مكاسب شخصية أو جماعية. وقد أدى "التسييس" المتزايد بين العرب إلى استقالة عبد الوهاب دراوشة، عضو الكنيست العربي، من حزب العمل سنة 1988، وتأسيسه فيما بعد حزباً خاصً به، يتبنى كل عناصر الإجماع العربي.(42) كما أسفر هذا "التسييس" عن رفض سمير درويش، مثلاً (وهو رئيس مجلس محلي بارز)، مؤخراً ترشيحه لعضوية الكنيست عن حزب العمل، وذلك بسبب عدم الاستجابة لشرطيه في أن تُكفل له الحرية التامة داخل الكنيست للسعي نحو تأييد تقرير المصير  والدولة الفلسطينية، وأن يتضمن برنامج حزب العمل قضية المساواة التامة بالنسبة إلى المواطنين العرب في إسرائيل.(43)
            ولّد ظهور التعبير المنظم عن الوعي القومي والسياسي في نمط التصويت العربي استجابة فورية من جانب الكنيست الإسرائيلي، الذي شحذ التناقض الرئيسي بين المبادىء الثلاثة الرئيسية التي قامت إسرائيل عليها. فطبقاً لتعديل أُجري على القانون الأساسي، أطلق عليه اسم التعديل رقم 7 لعام 1985:

لا تشترك قائمة مرشحين في انتخابات الكنيست، إذا كانت أهدافها وأفعالها، المعلنة أو الضمنية، تشير إلى واحد من الأمور التالية:

  • إنكار وجود دولة إسرائيل باعتبارها دولة الشعب اليهودي؛....(44)

اقترح عضو الكنيست توفيق طوبي (راكح) أن يقوم حظر القائمة على شرط "إنكار وجود دولة إسرائيل." ثم اقترح عضو الكنيست متتياهو بيليد (القائمة التقدمية للسلام) أن يشير التعديل إلى إسرائيل على أنها "دولة الشعب اليهودي ومواطنيها العرب." لكن الكنيست رفض الاقتراحين. ورد طوبي بأن التعديل "يعني أن نقول لـ 16% من مواطني دولة إسرائيل أنهم ليس لهم دولة... أو أنهم بلا دولة." ويعني ذلك التعديل، عملياً، أن العربي الذي يريد ترشيح نفسه لانتخابات الكنيست لا بد من أن يعتنق جوهر الصهيونية علناً. ويثير هذا التعديل سؤالاً جوهرياً: هل الاعتبارات الأمنية هي التي أدت إلى وضع قانون ينتهك المبادىء الديمقراطية بهذا الوضوح، أم هل كانت أيديولوجية الدولة هي الدافع؟

 التغييرات السلوكية/ التنظيمية:

النزعة نحو التنظيم

كانت النزعة إلى التنظيم على صعيد المجتمع المحلي، وليدة ثلاثة دوافع رئيسية، اختلف التشديد عليها من منظمة إلى أخرى: الاستجابة لمتطلبات ومطاليب معينة لقطاع من السكان قوبلت مشكلاتهم بالإهمال، أو لم تنل الاستجابة الكافية من جانب السلطات المختصة؛ المشاركة في المجهود العام للسكان العرب لتحقيق المساواة؛ دعم التحرك الفلسطيني نحو تقرير المصير والاستقلال. كانت المنظمة تبدأ في حالات كثيرة بالهدفين الأولين، أو بالهدف الأول وحده، لتنخرط في نهاية الأمر في الأهداف الثلاثة مجتمعة.

بدأ التنظيم على مستوى القيادة في العقد الأول، فكانت الزعامة الوحيدة المنظمة ذات الشأن هي تلك التي ظهرت داخل الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وفي أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، حاولت "حركة الأرض" تنظيم صفوفها على صعيد قطري، إلا إن القانون حظرها. وشهدت السبعينات جهوداً تنظيمية متسارعة على صعيدي القيادة والمجتمع المحلي، فبدأت التنظيمات السياسية القومية تظهر (أبناء البلد، والصوت، والنهصة)، وبدأت قطاعات مختلفة من المجتمع تنظم صفوفها بدعم من الحزب الشيوعي والقيادات القومية، ومن خلال التنافس بين الاثنين. وفي السبعينات، أيضاً، انبثقت التنظيمات الطالبية الدينامية النشيطة ذات الوعي السياسي في الجامعات الإسرائيلية كلها (باستثناء الجامعة العبرية، حيث نشطت مجموعة منذ الخمسينات). وكان "الاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب" على رأس هذه التنظيمات. وسرعان ما لحق اتحاد الطلاب الثانويين بالركب. وتولت فيما بعد لجنتان قطريتان مناصب القيادة هما: لجنة رؤساء المجالس المحلية العرب، التي أُلفت سنة 1974 استجابة للحاجات الداخلية للبلدات العربية، وكردة فعل للتمييز في الميزانيات الحكومية؛ ولجنة الدفاع عن الأراضي التي ألفت سنة 1975، كردة فعل لموجة مخططة لمصادرة الأراضي. وخلال الثمانينات، انبثقت المنظمات المهنية للوفاء بحاجات معينة لدى المجتمعات المحلية: من أخصائيين اجتماعيين وأطباء ومحامين ومعلمين وكتاب، واشترك جميعاً في تنظيم المؤتمرات، ورفع الوعي، وحفز الاهتمام بالخدمات الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية والثقافة والفن الشعبي، وما إلى ذلك.

تم أيضاً تأليف لجنة لمتابعة شؤون المواطنين العرب، تشكلت حول لجنة رؤساء المجالس المحلية العربية. واحتضنت هذه اللجنة أوسع نسبة تمثيل عربي، فضمت أعضاء الكنيست العرب، والأعضاء العرب في اللجنتين المركزية والتنفيذية للهستدروت، وأعضاء معظم اللجان والتنظيمات المذكورة آنفاً، إلى جانب ممثلي التنظيمات والمجموعات القومية. وتمثلت في اللجنة الفروع الأربعة الرئيسية للقيادة (الشيوعيون، والقيادات القومية، والقيادات المرتبطة بالأحزاب الصهيونية، والجماعات الإسلامية).

وقد فُسرت هذه النزعة التنظيمية بأنها متضاربة مع المصالح والاهتمامات الإسرائيلية. فقد فسّر الكثيرون من المراقبين العرب واليهود حظر "مؤتمر الجماهير العربية" سنة 1980 بأنه استجابة لاعتبارات أيديولوجية وسياسية بحتة.(45) وكان المفروض أن يبحث المؤتمر في، ويقر إعلاناً سبق التصريح به، يمثل الإجماع العربي، ويماثل برنامج راكح السياسي. كما كان المؤتمر يعتزم استيعاب المجتمع السياسي بأسره، بما فيه ممثلو الأحزاب الصهيونية والمجموعات اليهودية اليسارية في إسرائيل. وفي نيسان/أبريل 1981، صدر حظر مماثل لمحاولة تنسيق النشاطات السياسية لخمس مجموعات وطنية، تحت اسم "لجنة التنسيق الوطني".

 التغييرات السلوكية / الأيديولوجية

من انعدام الزعامة إلى الزعامة الوطنية

في مقابل الانعدام التام للزعامة الوطنية سنة 1948، تبلورت في الثمانينات قيادة عربية وطنية، استمدت المشروعية والدعم من الأغلبية العظمى في المجتمع العربي. وكان الجوهر العملي لهذه الزعامة يكمن في لجنة متابعة شؤون المواطنين العرب.

تمثل المنظمات والجماعات التي تضمها هذه اللجنة أربعة اتجاهات مختلفة في الفكر السياسي، شكلت ائتلافاً في بعض المسائل فيما بينها على مدى الأعوام الأربعين الأخيرة. ويمثل هذه الاتجاهات الحزب الشيوعي، والقيادات القومية، والقيادات المتصلة بالصهيونية، والجماعات الإسلامية. وقد نشطت هذه المجموعات كلها، باستثناء الجماعات الإسلامية، بأشكال مختلفة منذ العقد الأول من الحكم الإسرائيلي. أما الجماعات الإسلامية فلم تظهر على الساحة إلا أواخر السبعينات. وتستمد هذه المجموعات الإسلامية أكبر الدعم وأبرز القيادات من المثلث. غير أنها تحظى بدعم بارز من قبل بعض البلدات في الجليل. وعلى الرغم من خلافها مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، فهناك علاقة عمل تربطها بالقائمة التقدمية للسلام. ولا تعتزم هذه الجماعات الانخراط حالياً في الانتخابات، وإنْ كانت قيادتها لا تنادي بمقاطعة الانتخابات.(46)

كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي يمثل القيادة المنظمة الوحيدة خلال السنوات الحرجة التي أعقبت سنة 1948. فقد قاد سلسلة الاحتجاجات والنشاط السياسي في ظل الحكم العسكري، واضطلع بالدور الإرشادي في مجال النشاط السياسي. وسرعان ما وجه الحزب اهتمامه نحو حاجات العرب اليومية، الأمر الذي أكسبه دعماً واسعاً من جانبهم، واستطاع الحزب، من خلال صحفه ومجلاته، أن يوفر قناة للتعبير السياسي والإبداع الأدبي، جعلته يجتذب الصفوة الثقافية التي بدأت بالظهور. وباستثناء عملية انشقاق رئيسية داخل الحزب سنة 1965، لم يطرأ على هيكله وقيادته إلا بعض التغييرات الطفيفة. فقد ظل الحزب ملتزماً خطه السياسي ودعوته إلى المساواة التامة للمواطنين العرب. كما استمر، منذ سنة 1976، في دعمه إقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة. واهتم الحزب بإيجاد إجماع سياسي عربي، وقدم دعماً أساسياً لإرساء التنظيمات السياسية. كما أنه كان له دور رئيسي في تأليف لجنة المتابعة، التي اتسع نطاق تمثيله فيها.

أما القيادات القومية فقد مرت بمراحل مختلفة، بدءاً بحركة الأرض أواخر الخمسينات، ومروراً بعدد من التنظيمات المحلية المستقلة في مختلفة أرجاء البلد في السبعينات. ومن الصعب أن نزعم أن القيادات القومية الحالية هي استمرار للعناصر القومية الأولى التي ظهرت أواخر الخمسينات. غير أن هناك تشابهاً كبيراً بين الاثنين، يحدو بعض الباحثين على الخروج بهذا الاستنتاج.(47) والقيادات القومية الممثلة حالياً في القائمة التقدمية وغيرها من المجموعات لها

ممثلوها في لجنة المتابعة.

مرت القيادة المرتبطة بالأحزاب الصهيونية، هي الأخرى، بمراحل مختلفة. وجرت العادة في الماضي أن تختار الأحزاب الصهيونية زعماء تقليديين من غير المتعلمين، ينقصهم الوعي السياسي والنفوذ. وكان هؤلاء الزعماء أدوات ملائمة لتنفيذ السياسات واجتذاب أصوات الناخبين العرب. وفي مقابل هذا، أصبح العديد من الزعامات العربية المرتبطة بالأحزاب الصهيونية في الثمانينات جيد التعلم، ويملك الوعي السياسي، ويتوافق مع الإجماع العربي. فهو ينظر إلى اختياره للعمل مع الأحزاب الصهيونية أنه يقوم على اعتبارات براغماتية. وتجادل هذه الزعامات في أنها تستطيع التأثير في السياسة الإسرائيلية تجاه العرب (والقضية الفلسطينية) من خلال نشاطها داخل التيار السياسي السائد. وعلى الرغم من أن هذه الزعامات ليست صهيونية، فهي لا تنادي باتخاذ مواقف حازمة في مناهضة الصهيونية، ولا تتنافس في كسب المشروعية من خلال الدعم الكلامي للقضية الفلسطينية.

هناك بالتأكيد خلافات سياسية وأيديولوجية بين الكتل الأربع. وكثيراً ما تتباين آراؤها في التكتيكات السياسية. لكن التعاون النشيط بين مختلف الاتجاهات السياسية في إطار لجنة متابعة شؤون المواطنين العرب، ساعدها في أن تحتل مرتبة القيادة المشروعة. وتجلت أبرز علامات مشروعيتها في قدرتها على تنظيم ثلاثة إضرابات قطرية خلال أقل من عام (بين حزيران/ يونيو وآذار/مارس 1988) بأقل قدر متاح من البنية الأساسية التنظيمية. ويتجلى الدعم الممنوح لهذه القيادة في الاستجابة الطاغية لدعوات الإضراب، وفي استعداد الجماهير للامتثال لتعليمات اللجنة.

لقد حظيت اللجنة باحترام الجماهير العربية من خلال إظهارها لوحدتها، على الرغم من  الانقسامات السياسية بين صفوفها. وقد احتلت اللجنة مرتبة القيادة القطرية لأنها تمثل الهموم اليومية والحاجات القومية والآراء السياسية التي يجمع عرب إسرائيل عليها. وما من سلطة أخرى سبق أن حظيت بمثل هذه المكانة داخل المجتمع العربي.

 الخلاصة

تطور عرب إسرائيل، على مدى الأعوام الأربعين الأخيرة، من مجموعة غير منظورة معدومة الهوية ومعرضة لطمس فلسطينيتها، إلى شريحة دينامية نشيطة وواعية من شرائح الشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من عزلتهم الجغرافية عن بقية الشتات الفلسطيني، بل عن العالم العربي أيضاً، خلال العشرين عاماً الأولى من الحكم الإسرائيلي، فقد ارتبطوا برباط وثيق لا فكاك منه بالمد والجزر في السياسة الفلسطينية. وسرعان ما انعكس تركيب القوى الإقليمية على مواقفهم وتنظيماتهم السياسية الخاصة. فهم، من الناحية السيكولوجية، قد تغلبوا على اضطرابهم بسبب هويتهم الفلسطينية. لقد بدأوا يتحدون علناً، وبافتخار، الحملة الإسرائيلية لقمع هذه "الفلسطينية" وطمسها، بل إنهم جعلوا من فلسطينيتهم محوراً لسلوكهم السياسي واهتماماتهم الثقافية وهويتهم الجماعية. ومن سخرية الأقدار أن ثقتهم بأنفسهم تستمد وقودها من الإحساس بالأمان، الذي يمنحه وضعهم كمواطنين إسرائيليين، إلى جانب مساواتهم الرسمية أمام القانون الإسرائيلي.

لقد تكيف العرب، في أغلبيتهم العظمى، إزاء وضعهم كمواطنين إسرائيليين، وبدأوا ينظرون إلى هذا الوضع أنه يمثل انتماءهم المدني المستديم المحتمل. لقد نضج العرب ليشكلوا مجتمعاً دينامياً متلاحماً، يمارس نشاطه بشكل ملحوظ، ويبدي استعداداً متزايداً لتقديم مساهمات دائمة وبارزة في الحياة السياسية في إسرائيل. إنهم مستعدون أيضاً لممارسة الضغط على النظام، حتى يحصلوا على نصيبهم من الموارد. والحق أنهم لن يقبلوا بعد الآن أن يحتلوا تلك المرتبة الثانية في البلد. وكلما مارس فلسطينيو إسرائيل ضغطاً أشد على الدولة للحصول على حقوقهم المتساوية، زادت حدة التناقض في السياسة الإسرائيلية بين كونها دولة للشعب اليهودي ودولة ديمقراطية. لقد بدأ التضارب ملحوظاً بصورة متزايدة في مختلف أنواع التفاعل المتبادل بين الأقلية العربية والدولة، غير أنه نادراً ما أُقرّ به علناً.

لقد طوّر العرب في إسرائيل شبكة عريضة من التنظيمات السياسية، ونموا إجماعاً سياسياً وقيادة وطنية لها مشروعيتها الملحوظة في أعين السكان. ويمثل الإجماع الذي حققوه برنامجاً سياسياً فريداً في كونه يستجيب لكل من الحاجات الإسرائيلية والفلسطينية. وربما تجبر معايير السلوك السياسي العربي الجديدة – التي ترفع من وعي العرب وتنظم الشبكات السياسية من ناحية، وتقلل من حجم الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية كمبرر للسياسة من الناحية الأخرى – الإسرائيليين في النهاية على مواجهة التناقض الذي اكتنفه الغموض طوال أربعين عاماً. إن قدرة العرب الكامنة على حمل الإسرائيليين على مواجهة هذا التناقض المتأصل – سواء بصورة علنية درامية أو من خلال إثارة القضايا بصورة مطردة في كل مجالات التفاعل مع الدولة – هي التي تشكل تحدياً وجودياً لإسرائيل.

لقد نضج عرب إسرائيل إلى النقطة التي لم يعد ممكناً فيها أن يتجاهلهم الإسرائيليون والفلسطينيون. وهم يتجهون نحو القيام بدور سياسي جديد، يشكل "قوة ديمقراطية" في إسرائيل، تسعى للمشاركة الاستراتيجية مع القوى اليهودية المماثلة، من أجل الضغط على النظام للاستجابة لإجماعهم السياسي. إنهم يسعون للحصول على صوت في الجدال العام – صوت جديد لا يشاركهم في تفرده أحد. وقد تتطور رؤيتهم لإسرائيل على أنها دولة قومية (nation-state) على أساس "الإسرائيلية" لكل مواطني إسرائيل، لا على "اليهودية" التي تحتضن غير المواطنين وتستثنيهم هم. إنهم لم يحاولوا بعد، أن يمارسوا ضغطاً حقيقياً على النظام للاستجابة لرؤية تكفل المساواة. لكن إذا حاولوا ذلك، وما أن يحاولوا، فسوف يكون على إسرائيل أن تواجه عدم التوافق المتأصل بين تعريفيها الأيديولوجيين المختارين: كدولة يهودية، ودولة ديمقراطية. وإذا عجزت إسرائيل عن الاستجابة لحاجة العرب إلى المساواة، حتى بعد اكتسابهم مزيداً من القوة والتنظيم، فسوف تضطرهم عند نقطة معينة إلى استجابة جماعية تبحث عن التدابير التي تحقق المساواة. وسوف يتوقف الشكل الذي ستتخذه هذه الاستجابة، إلى حد كبير، على التأثيرات الإقليمية، وخصوصاً حالة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

 

المصادر:

(1) أنظر:  

Jiryis, The Arabs in Israel (New York: Monthly Review Press, 1976); Lustick, Arabs in the Jewish State (Austin, Texas: University of Texas Press, 1980), Zureik, The Palestinians in Israel (London: Routledge and Kegan Paul, 1979); Jacob Landau, The Arabs in Israel (London: Oxford University Press, 1969); Mark Tessler, “Arabs in Israel,” American Universities Field Staff Reports-Asia 1, 1980, pp. 1-25; Sammy Smooha, “Existing and Alternative Policy towards the Arabs in Israel,” Racial Studies 5 (1982), pp. 71-98;

إميل توما، "طريق نضال الجماهير العربية في إسرائيل" (عكا: دار أبو سلمى، 1982).

* ليس من المفترض أن يتساوى وزن كل من المبادىء التي يتم على أساسها تحديد السياسات الإسرائيلية. وإذا نظرنا إلى هذه المبادىء على أنها ثلاث نقاط من مثلث، فإن النقطة الأقوى تكون الشخصية اليهودية للدولة، حيث أن هذا هو القوة الأيديولوجية الكامنة وراء مشروع تأسيس إسرائيل.

(2) أنظر مناقشة التعديل رقم 7 للقانون الأساسي في القسم الخاص بالتصويت في هذا البحث. وانظر أيضاً الحاشية رقم 44.

(3) أبدى هذا الرأي عدة باحثين. أنظر، على سبيل المثال:

Sabri  Jiryis, The Arabs in Israel, op.cit., Ian Lustick, Arabs in the Jewish State: Israel’s Control of a National Minority; Elia Zurei;, The Palestinians in Israel, op.cit.               

(4) م. تسيمح، "موقف الأكثرية اليهودية إزاء الأقلية العربية" (القدس: مؤسسة فان لير، 1980)، (بالعبرية). ذكرت تسيمح أن 47,3% من العينة القومية للسكان اليهود البالغين يؤيدون تفضيل اليهود دائماً، أو في معظم الحالات، في القبول في التعليم العالي. وتؤيد نسب مماثلة تفضيل اليهود في الوظائف العامة وفي بدلات السكن والضمان الاجتماعي. ويؤيد ثلاثة أرباع العينة عدم تكافؤ الفرص في المناصب الحكومية العليا في كل الحالات، أو معظمها، أو حالات قليلة. ويعارض 65% بيع الأراضي للعرب.

(5) Israel, Central Bureau of Statistics, Statistical Abstract of Israel (Jerusalem: Central Bureau of Statistics, 1988).                                                                                                                     

في هذا المرجع، يشمل إجمالي عدد العرب في إسرائيل سكان القدس الشرقية العرب وسكان الجولان؛ يجب طرح عدد عرب القدس والجولان من الرقم الإجمالي للمكتب المركزي للإحصاء حتى نصل إلى عدد المواطنين العرب في إسرائيل داخل حدود 1967. (يحمل بعض عرب القدس حق المواطنة الإسرائيلية، لكن أعدادهم لا تذكر بالنسبة إلى هذه الحسابات).

(6) يتضمن التقدير الذي وضعه مكتب الإحصاء المركزي العرب المقيمين في القدس الشرقية والجولان. وكي يتسنى لنا تقدير عدد المواطنين العرب (باستبعاد سكان القدس الشرقية والجولان)، افترض أن المعدل السنوي لزيادة السكان العرب في القدس الشرقية والجولان متساو مع مثيله بالنسبة إلى سكان إسرائيل العرب. وقد تم تقدير عدد سكان القدس الشرقية والجولان العرب، وحسمه من التقدير الإسرائيلي. ويقدر أن تصل نسبة العرب، بمن فيهم سكان القدس الشرقية والجولان، إلى 21,5% سنة 2000.

(7) أنظر: أرنون سوفير: "عرب إسرائيل – من القرية إلى المركز المديني، ماذا بعد؟"، "همزراح هيحداش"، عدد في قيد الطباعة (بالعبرية).

(8) أرنون سوفير، "الجغرافيا والديموغرافيا في أرض – إسرائيل سنة 2000"، في: ألوف هارإيفين، "حرب أخرى أم توجّه نحو السلام" (القدس: مؤسسة فان لير، 1988)، (بالعبرية).

(9) يقوم هذا الرقم على المعلومات الموجودة في:

Alouph Hareven, How to Answer (Jerusalem: The Van Leer Institute, 1985).      

في هذا الكتاب، يقدم هارإيفين إجابات عن التساؤلات التي كثيراً ما يثيرها التلامذة اليهود في شأن العلاقات العربية – اليهودية في إسرائيل. وهو يقول إن عدد العرب "الذين نشطوا في مناهضة الدولة وأمنها يقدر بـ 10 – 20 في السنة"؛ ومن مجموع 650,000 عربي، "تؤكد المصادر الأمنية أن 99,9% من السكان العرب لم يتعرضوا للدولة أو أمنها بالأذى مطلقاً." ولا يقدم الكتاب تعريفاً للأعمال المناهضة للدولة وأمنها.

(10) Statistical Abstract of Israel (1988).

تشمل الأرقام الخاصة بعدد التلاميذ إسرائيل والقدس الشرقية.

(11) Ibid.

(12) لمزيد من القراءة عن التباين في التعليم بين العرب واليهود، أنظر:

Sami Mar’i, Arab Education in Israel (Syracuse: Syracuse University Press, 1978).                        

 أما الأرقام الأحدث، فيمكن أن تجدها في تقرير أعدته لجنة التعليم، المرتبطة بلجنة رؤساء المجالس المحلية العربية، نشر بالعربية سنة 1988.

(13) إن الجامعات الإسرائيلية لا تعلن عدد الطلبة أو الخريجين العرب. وتزعم الجامعات أن الانتماء القومي لطلبتها لا يُسجل في وثائق. وتقوم الأرقام الواردة في النص على:

Eli Rekhess, A Survey of Israeli Arab Graduates From Institutions of Higher Learning in Israel, 1961-1971 (Tel-Aviv: The Shiloah Center, Tel-Aviv University, 1974). (Mimeograph).

وقد حدد ريخيس الخريجين العرب من أسمائهم، من خلال لائحة بأسماء الخريجين نشرتها الجامعات.

(14) هذا العدد مستمد من: سوفير، "عرب إسرائيل..."، مصدر سبق ذكره. وسوفير هو عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة حيفا. وليس من الواضح ما إذا كان العدد يشمل خريجي الجامعات الأجنبية عبر البحار. أنظر الحاشية رقم 15.

(15) Statistical Abstract of Israel (1987).

وهذا المرجع يحدد رقم حملة الشهادات الجامعية من العرب بـ 11,000. ويشمل هذا الرقم خريجي الجامعات في الخارج. وتعد نسبة الطلبة العرب في جامعات الخارج مرتفعة بصورة مزيدة. وفي تقدير قدمه المؤلف إلى المؤسسة الأميركية الفلسطينية العربية للتعليم سنة 1982، تبين أن عدد الطلبة العرب في الجامعات في الخارج يقدر بـ 1102، بنسبة 40,5% من إجمالي عدد الطلبة الذين شملهم البحث. (وقد شمل البحث كل المدن والقرى العربية، ولم يُستثن منه إلا العرب المقيمون في المدن المختلطة. ومن كل الطلاب الدارسين عبر البحار، كان 71,3% (أو 786) يدرسون الطب (300 منهم في إيطاليا، و216 في رومانيا، و 124 في دول اشتراكية غير رومانيا، و 146 في أوروبا والولايات المتحدة ودول أخرى). وبالإضافة إلى ذلك، كان 65 طالب طب يدرسون في الجامعات الإسرائيلية، الأمر الذي جعل نسبة طلبة الطب وما يتصل به من مهن تشكل 31,8% من إجمالي الطلبة العرب في إسرائيل والخارج.

(16) أنظر: سوفير، "الجغرافيا والديموغرافيا..."، مصدر سبق ذكره.

(17) تم توثيق انعدام التوازن بين المستوى التعليمي والاراء السياسية لعرب إسرائيل بشكل مسهب. أنظر مثلاً:

Sammy Smooha, The Orientation and Politicization of the Arab Minority in Israel (Haifa: Haifa University Press, 1980); and Nadim Rouhana, “The Arabs in Israel: Psychological, Political, and Social Dimensions of Collective Identity” (unpublished Dissertation, Wayne State University, 1984).                                                                                           

(18) أنظر، لتوثيق هذا الرأي:

Lustick, Arabs in the Jewish State, op.cit.,; and Jiryis, The Arabs in Israel, op.cit.      

(19) أنظر مثلاً:

Elia Zureik, “Transformation of Class Structure among the Arabs in Israel: From Peasantry to Proletariat,” Journal of Palestine Studies 6, No. 1 (Autumn 1976), pp. 39-66.

(20) أنظر مثلاً:

Najwa makhoul, “The Proletarianization of Palestinians in Israel: A Study of Development and Class Formation” (unpublished Ph.D. thesis, MIT, 1978).            

(21) Najwa Makhoul, “Changes in the Employment Structure of Arabs in Israel,” Journal of Palestine Studies 11, No. 3 (spring 1982), pp. 77-102.                                                        

(22) أنظر:

Rouhana, “The Arabs in Israel,” op.cit.

(23) إن الرأي القائل أن للعرب في إسرائيل بعدين متساويين في هويتهم الجماعية، بُعدٌ فلسطيني وآخر إسرائيلي، يجد أفضل تقديم له في:

Smooha, The Orientation and Politicization…, op.cit.       

أنظر أيضاً: رمزي سليمان، "بنية الهوية الوطنية والمدنية للمثقفين العرب في إسرائيل" (رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة حيفا، 1983)، (بالعبرية). وهناك نموذج مختلف، يرى سيطرة البعد الفلسطيني للهوية الجماعية وتبعية البعد الإسرائيلي. وستجد هذا النموذج في:

Nadim Rouhana, “The Civic and National Sub-identities of Arabs in Israel: A Psychopolitical Approach,” in E. Hofman and S. Mar’i, Arab-Jewish Relations in Israel (Bristol, Indiana: Wyndham Hall, 1988).                                                              

(24) أنظر:

Rouhana, “The Arabs in Israel,” op.cit.

(25) أنظر ملخص الرسالة المتبادلة بين أنطوان شماس و أ. ب. يهوشواع في:

Manny Erez, “The Law of Return: Refuge of Racism,” New Outlook (May/June 1986), 53-55.

(26) أنظر:

The Black Book: The Prophibited Conference, published by the Ad Hoc Committee for Rescinding the Decision to Prohibit the Conference of Arab Masses (Haifa: Al Ittihad Press, 1981).

(27) Ibid.

(28) أنظر:

Nadim Rouhana, “Collective Identity and Arab Voting Patterns,” in A. Arian and M. Shamir, Elections in Israel, 1984 (N.J.: Transaction Books, 1986).

(29) أنظر مثلاً:

Smooha, The Orientation and Politicization…, op.cit.; Nadim Rouhana, “The Arabs in Israel,” op.cit.

(30) أنظر: على سبيل المثال، التحقيق الذي نشرته "حداشوت" 28/12/1987، والذي ورد فيه أن وزير الشرطة بلّغ الحكومة أن "انتهاك النظام لم يسجل إلا في ست مدن عربية فقط." ولمّحت تقارير الصحف العربية في إسرائيل إلى أن الحوادث تافهة من حيث عددها، وأنها وقعت في القليل من المراكز المحلية العربية التي يصل عددها إلى 120.

(31) كانت ردة الفعل الرسمية والشعبية فظة في المجتمع اليهودي. فقال رئيس الدولة الإسرائيلي، حاييم هيرتسوغ، إن التظاهرات يمكن أن تؤدي إلى فصل آخر في المأساة الفلسطينية (Jerusalem Post, 25/12/1987). وفسّر عضو الكنيست توفيق طوبي (راكح) هذه الملاحظة بأنها تهديد بترحيل السكان العرب ("معاريف" 25/12/1987). وصرح رئيس الحكومة، يتسحاق شمير، في مقابلة أجرتها معه التلفزة الإسرائيلية، أن "العرب لا يعرفون معنى الديمقراطية" ("حداشوت"، 25/12/1987). وصرح نائب الوزير للشؤون العربية، روني ميلو، أن المكاتب الحكومية سوف توقف التعامل مع لجنة رؤساء المجالس المحلية العربية (Jerusalem Post, 24/12/1987). وقدمت كتلة "هتحيا" في الكنيست اقتراحاً بسحب المواطنة الإسرائيلية من المواطنين العرب المتورطين في إثارة المنظمات الإرهابية أو التعاون معها (هآرتس"، 21/12/1987). ورأت "هاتسوفيه"، صحيفة الحزب الديني القومي، في الإضراب عملاً "من أعمال الاستثارة المكشوفة ضد جوهر الدولة" ("هاتسوفيه"، 22/12/1987). واقترح كوفمان، زعيم الليكود في الكنيست، إعادة فرض الحكم العسكري على العرب (Jerusalem Post, 22/12/1987).

(32) "أدانت لجنة رؤساء المجالس المحلية العربية انتهاك النظام في يوم السلام" ("دافار"، 25/12/1987؛ "معاريف"، 25/12/1987). ومنذ ذلك الحين، دان "راكح" والقائمة التقدمية للسلام، و"أبناء البلد" أعمال العنف الاحتجاجية داخل إسرائيل. وقد أوضح كل ممثلي الزعامات العربية، بما لا يدع مجالاً للشك، أنهم يعارضون إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة على السيارات. أنظر أيضاً الحاشية رقم 33.

(33) كان موقف "راكح" واضحاً دائماً في دعمه الخاص للعمل السياسي المشروع، وفي التزام القانون الإسرائيلي. وبالمثل، فقد أوضحت القائمة التقدمية موقفها في دوريتها الأسبوعية "الوطن". (أنظر، على سبيل المثال، مقال كامل ظاهر يوم 12 شباط/فبراير 1988، ولقاءه مع كوتيرت راشيت"، 30/12/1987).

(34) كتب كامل ظاهر (الناطق باسم القائمة التقدمية للسلام، الذي اعتقل ابنه في نيسان/أبريل 1988 بتهمة إلقاء الحجارة) في صحيفة "الوطن" 22/2/1988، مدافعاً عن حق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة في استخدام كل الوسائل لمقاومة الاحتلال، بما في ذلك القوة؛ "ولكننا كمواطنين إسرائيليين لا نستطيع أن ننتهك سيادة الدولة والقانون... إن نضالنا، وتضامننا مع إخواننا في الضفة الغربية وغزة، يجب أن يكون سياسياً وقائماً على الدعم الشعبي."

(35) أنظر:

S. Harrison, “Where the Arab Vote Went,” Middle East International, August 1984.

(36) أنظر:

Rouhana, “Collective Identity,” op.cit.

(37) في حزيران/يونيو 1980، طبق الكنيست قوانين جديدة، ضمن تعديل لقانون الإرهاب لعام 1980، اعتبرت أن أي شكل من أشكال الارتباط بـ"منظمة إرهابية" يعد عملاً خارجاً على القانون.

(38) Rouhana, “Collective Identity,” op.cit.

(39) أنظر:

Jiryis, The Arabs in Israel, op.cit.

(40) Ibid.; and Lustick, Arabs in the Jewish State, op.cit.

(41) أنظر:

Rouhana, “Collective Identity,” op.cit.

(42) أعلن عضو الكنيست عبد الوهاب دراوشة استقالته من حزب العمل في تظاهرة جماهيرية في الناصرة، بتاريخ 23 كانون الثاني/ ينايير 1988، تضامناً مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وعقد حزبه الجديد، الحزب العربي الديمقراطي، اجتماعه التأسيسي في الناصرة بتاريخ 9 نيسان/أبريل 1988.

(43) أحجم سمير درويش، رئيس المجلس المحلي لقرية باقة الغربية، عن التنافس في الترشيح ضمن قائمة حزب العمل. لكنه ظل عضواً في الحزب ("الاتحاد"، 20/5/1988).

(44) القانون الأساسي: الكنيست (التعديل رقم 7)، 1985. ستجد مناقشة التعديل، بما في ذلك اقتراحات عضوي الكنيست توفيق طوبي ومتتياهو بيليد في: "ديفري هاكنيست" (محاضر الكنيست)، 31/7/1985.

(45) كان هذا هو الرأي الذي اشترك فيه المنظمون العرب الذين مثلوا أوسع نطاق من الانتماء السياسي؛ تجد ردة الفعل العربية في Black Book, op.cit.. وقد شارك بعض اليهود العرب في مخاوفهم من أن حظر عقد المؤتمر ربما يكون مدفوعاً بأسباب سياسية. أنظر مثلاً: ش. ألوني، "عال همشمار"، 7/12/1980؛ ب. عفرون، "يديعوت أحرونوت"، 4/12/1980؛ إ. أغريس "دافار"، 5/12/1980.

(46) مقابلة مع زعيم الحركة الإسلامية، الشيخ عبد الله نمر درويش، في: "الصنارة"، 4/4/1988.

(47) أنظر مثلاً:

  1. al-Hajj and A. Yaniv, “Uniformity or Diversity: A Reappraisal of the Voting Behavior of the Arab Minority in Israel,” in A. Arian, ed., The Elections in Israel, 1981 (Tel-Aviv: Ramot, 1983).

يشير هذا المصدر إلى المجموعات القومية في السبعينات باعتبارها استمراراً لحركة الأرض. وكثيراً ما تشير الصحافة الإسرائيلية إلى القائمة التقدمية للسلام بالطريقة نفسها.

Author biography: 

نديم روحانا: محاضر في قسم علم النفس، وباحث في مركز الشؤون الدولية في جامعة هارفارد.

Read more