حزب العمل: برنامج "ثوابت" صقرية
Keywords: 
الكنيست الإسرائيلي
الانتخابات الإسرائيلية
الأحزاب السياسية الإسرائيلية
حزب العمل الإسرائيلي
برامج الأحزاب
شمعون بيرس
Full text: 

حسم حزب العمل في وقت مبكر، في نطاق استعداداته الانتخابية، مشكلتين مهمتين خيمت ظلالهما على الحزب فترة طويلة، وكاد ينجم عنهما تصدع كبير في صفوفه، هما مشكلة زعامة الحزب ومشكلة البرنامج السياسي.

 رابين زعيماً

              حرص حزب العمل على تسوية مشكلة الصراع بشأن الزعامة في وقت مبكر، في محاولة لتحسين صورته العامة والظهور بمظهر الحزب المتحد الذي طوى صفحة الصراعات الداخلية.

ومع ترشيح يتسحاق رابين نفسه منافساً لشمعون بيرس في رئاسة الحزب، أحجم باقي المرشحين الذين اعتُبروا في وقت منافسين جديين لبيرس (أمثال: جاد يعقوبي، وموشيه شاحل، ومردخاي غور) عن خوض المنافسة، وتقدم لها فقط إثنان آخران كان هدفهما إظهار المكانة التي يتمتع كل منهما بها في صفوف الحزب، وهما يسرائيل كيسار وأورا نمير.

وقد فاز رابين، في الانتخابات الداخلية التي جرت في 20 شباط/ فبراير 1992، بأكثرية 39,155 صوتاً (40,59%)، بينما حصل بيرس على 33,571 صوتاً (34,80%). أما كيسار ونمير فحصلا على 18,106 أصوات و5247 صوتاً على التوالي.[1]

ومما لاشك فيه أن تغيير أسلوب الانتخاب قام بدور مهم في النتيجة التي أسفر التنافس عنها. فعوضاً من انتخاب الرئيس من قبل اللجنة المركزية للحزب، عُدِّل هذا الأسلوب بحيث يتم انتخابه عن طريق إجراء انتخابات أولية (primaries) يشترك فيها جميع أعضاء الحزب المسجلين، الذين يبلغ عددهم 150 ألفاً تقريباً.

وكان بين الاعتبارات الكامنة وراء التأييد الذي ناله رابين، توصل قطاعات عريضة من الحزب إلى اقتناع بأن بيرس، كقول أحد المعلقين، "لا يمكن تسويقه للجمهور." فقد فشل في قيادة الحزب إلى النجاح في أربع معارك انتخابية متتالية، وتكونت له في ذهن الشارع الإسرائيلي صورة "المتلوّن السياسي"، الذي تتميز مواقفه بالمناورات والتقلب.

في المقابل، يتمتع رابين بشخصية أكثر كارزمية، وتتجاوز شعبيته الإطار الحزبي، نظراً إلى مواقفه السياسية التي تتقاطع أحياناً مع مواقف الليكود. وكان المغزى الواضح لتفضيله على بيرس أن الحزب آثر أن يتقدم إلى الناخب الإسرائيلي بزعيم ذي صورة متشددة، وأنه وضع رهانه عليها وعلى الخط الذي تمثله لتحقيق هدفه في استعادة السلطة.

ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن الأمل الوحيد لحزب العمل بتسلم زمام السلطة، هو جذب مقترعين يقفون إلى يمين الحزب. وقد أكد رابين أن هدف الحزب "اقتحام خزان أصوات الليكود"، في محاولة لاجتذاب ما يعادل خمسة مقاعد أو ستة مقاعد لحزب العمل. واللافت أن الجناح المعتدل أيد وجهة النظر هذه أيضاً، وألقى بثقله إلى جانب رابين.

غير أن بعض المحللين يطعن في هذه النظرية، ويرى أن الشعبية التي يتمتع رابين بها بين أنصار الليكود لها دلالة واحدة فقط، هي أن هؤلاء يفضلونه على بيرس لرئاسة حزب العمل. لكن عندما يأتي أوان التصويت، من المستبعد أن يفضلونه على يتسحاق شمير.

وفي مقابل هؤلاء، يرى محللون آخرون أن النقمة الاجتماعية التي سببتها سياسات الليكود في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وخصوصاً البطالة في مدن التطوير التي يتجمع أنصاره فيها، ومشكلات استيعاب المهاجرين السوفيات، من شأنها أن تشجع أعداداً كبيرة منهم على اجتياز الخط الفاصل بين الليكود وحزب العمل، وأن وجود رابين رئيساً لحزب العمل سيسهل عليهم نقل ولائهم إليه.[2]

مفاجأة القائمة الانتخابية

في مطلع نيسان/أبريل الماضي، انتخب حزب العمل قائمة مرشحيه للكنيست الثالث عشر. وقد انطوت القائمة الجديدة على تغيرات مهمة، إذ دخلها 14 وجهاً جديداً حتى المكان الأربعين (وهي الأمكنة التي تعتبر "حقيقية"، أي يتمتع شاغلها بفرصة قوية لدخول الكنيست)، واختفى منها عدد بارز من أركان الحزب المعروفين. وفي طليعة هؤلاء، كان هناك ستة أعضاء امتنعوا من ترشيح أنفسهم لولاية جديدة، وهم: يتسحاق نافون، وعيزر وايزمن، وآرييه إلياف، وحاييم بار – ليف، وعدنا سولودار، وشلومو هلّيل.[3]  وبالإضافة إليهم، لم يحصل ستة أعضاء قدماء على أصوات تؤهلهم دخول القائمة، وهم: جاد يعقوبي، وأبراهام كاتس – عوز، وميخائيل بار – زوهار، ونافيه أراد، وشوشانا آربيلي – ألموزيلينو، ويعقوب تسور.[4]   أما الوجوه الجديدة التي دخلت القائمة حتى المكان الأربعين، فهي: نسيم زفيلي، وأفيغدور كهلاني، وأفرايم سنيه، وياعل دايان، ويورام ليس، وماسا لوبلسكي، ورافي ألول، وداليا إيتسيك، وآفي يحزقيئيل، ويوسي كاتس، وأوري أور، ويعقوب شافي، وإيلي غولدشميدت، وجدعون ساغي.[5]

وقد فاز شمعون بيرس بالمكان الثاني (الأول بعد رابين)، الأمر الذي رد إليه بعض الاعتبار، وعزز مكانته التي كانت تراجعت في إثر خسارته في التنافس بشأن رئاسة الحزب. كما احتل المعتدلون موقعاً مهماً في القائمة، ولا سيما ضمن الأماكن العشرة الأولى؛ وهو ما يعني أن بعضهم مرشح لتولي مناصب وزارية في أية حكومة تؤلف بقيادة حزب العمل، أو بالمشاركة مع الليكود.

 

البرنامج السياسي

              على الرغم من نجاح حزب العمل في حسم مشكلة الزعامة، فإن متابعة الصراع السياسي الذي دار فيه بشأن وضع البرنامج السياسي للحزب وإقراره، تدل على أنه ما زال بعيداً عن "ترتيب البيت"؛ وهو الشعار الذي يرمز إلى انتهاء التوترات الداخلية، ووحدة الموقف السياسي. ومن هنا، فإن قراءة البرنامج السياسي الجديد لحزب العمل لا تغني عن مطالعة المناقشات السياسية التي سبقت إقراره، والتدقيق في مختلف الآراء التي طرحت في مراحل عملية صوغه. ومن شأن هذا التدقيق أن يظهر أن الحزب ما زال ينطوي على تشكيلة واسعة من الآراء، من المتوقع أن تؤدي إلى تأرجح بين اتجاهات متضاربة في المستقبل المنظور، وخصوصاً إذا استلم دفة الحكم. ومن غير المستبعد أن يؤدي تضافر أوضاع سياسية معينة إلى ترجيح كفة اتجاه معين على سواه، مع أن الأدلة تشير إلى أن التيار المتشدد ستكون له، في ظل قيادة يتسحاق رابين، اليد الطولى في تقرير سياسات الحزب خلال الفترة المقبلة.وبالإضافة إلى ذلك، فإن من شأن تلك المطالعة أن تظهر الثوابت التي تلتقي أجنحة الحزب حولها، ونقاط الخلاف الرئيسية، ووزن كل من القوى التي يتألف منها في صوغ مواقفه. كما أنها تساعد كثيراً في فهم عملية صنع القرار داخل الحزب.

أقر حزب العمل برنامجه الجديد في مؤتمره الخامس، الذي عُقد بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1991. وقد مرّ البرنامج بعدة صيغ في الهيئات الحزبية المعنية قبل إقراره، وعبرت الصيغ والصيغ المضادة التي تبودلت عن خلافات مهمة، بدا إلى حين ما أنها ستؤدي إلى انشقاق الحزب. وفي ظاهر الأمر، خرج حزب العمل من المؤتمر موحداً، غير أن ثمن ذلك كان ترسيخ بعض الخلافات، حفاظاً على التوازن في صيغ القرارات النهائية، التي جاءت  بنودها غير منسجمة ومتنافرة في الاتجاه العام.

وضعت لجنة حزبية سياسية مكلفة الصيغة الأولى للبرنامج. وقد ضمن هذه اللجنة مائة من أعضاء اللجنة المركزية، برئاسة اللواء (احتياط) أهارون ياريف، وتمثل فيها مختلف تيارات الحزب. وفي إطارها، تمكن "صقور" الحزب من فرض مواقفهم، وهزموا "الحمائم" بأكثرية تقارب الثلثين في مقابل ثلث واحد، لدى التصويت على البنود المقترحة للبرنامج.

 في مرحلة ثانية، قامت اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحزب بتعديل مسودة البرنامج تمهيداً لعرضها على المؤتمر، مستجيبة بذلك جزئياً لمواقف الجناح المعتدل في صوغ بنود البرنامج، عقب تدخلات قام بها رئيس الحزب آنذاك، شمعون بيرس، لدعمه.

وفي مرحلة ثالثة، وافق المؤتمر على مسودة البرنامج التي قدمتها اللجنة التحضيرية، من دون مناقشتها ومن دون التصويت عليها بنداً بنداً كما جرت العادة، وذلك أيضاً في إثر ضغوط مارسها بيرس على أطراف الخلاف، الذين اعتزموا طرح تحفظاتهم وصيغهم البديلة أمام المؤتمر من أجل الحسم. وفي ظل تهديد الجناح المعتدل بالانشقاق عن الحزب إذا هُزمت مواقفه، صوّت المؤتمر على سحب التحفظات المتبادلة، وأقر مسودة البرنامج كما هي.

وفي مرحلة رابعة، تراجع الحزب – في خطوة غير مألوفة – عن بعض القرارات، على الرغم من إقرارها في الدورة الأولى للمؤتمر، وأدخل تعديلات عليها نتيجة ضغوط داخلية عدة، في دورته الثانية التي عقدت بتاريخ 26 كانون الأول/ديسمبر 1991.

وفي مرحلة خامسة، نشر الحزب – في مطلع حزيران/ يونيو 1992 – برنامجاً انتخابياً موجزاً حُذفت منه جميع الفقرات "المثيرة للجدل" التي وردت في قرارات المؤتمر الخامس، ولا سيما تلك المتعلقة بالاتصال بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتطبيق السيادة الإسرائيلية على غور الأردن.

من متابعة المناقشات التي سبقت إقرار البرنامج، يتبين أن الخلافات الرئيسية في صفوف حزب العمل تمحورت حول الأمور التالية:

حقوق شرعية أو حقوق

وطنية للفلسطينيين

              في سياق مناقشات اللجنة السياسية، سعى الجناح المعتدل لتطوير موقف الحزب في اتجاه الاعتراف بحق فلسطينيي الأراضي المحتلة في تقرير المصير. ففي البند الذي يتناول مسألة "السلام مع الفلسطينيين والأردن"، تبنت اللجنة السياسية الصيغة التالية: "يجب أن يستند الاتفاق إلى ضمان حاجات إسرائيل الأمنية، وقراري الأمم المتحدة رقم 242 ورقم 338، والاعتراف بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وحاجاته العادلة، بحسب ما ورد في اتفاق كامب ديفيد."[6]   وأراد المعتدلون أن يضيفوا إلى هذه الجملة: "الاستعداد للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير"، غير أن اقتراحهم سقط بأكثرية 43 معارضاً في مقابل 21 مؤيداً.

أما في إطار اللجنة التحضيرية للمؤتمر، فقد تمكن المعتدلون من استبدال تعبير "الحقوق الشرعية" بـ"الحقوق الوطنية"، ونال هذا الاقتراح أكثرية 43 صوتاً في مقابل 34 صوتاً. غير أن مصطلح "الشعب الفلسطيني" اختفى، من دون تعليق، من الصيغة الأصلية، وظهر مكانه مصطلح "الفلسطينيين" المألوف. وأصبحت الصيغ النهائية التي وضعتها اللجنة التحضيرية لهذا البند على النحو التالي:

ستدعم إسرائيل المفاوضات الآيلة إلى اتفاق سلام يقوم على حل وسط مع الأردن والفلسطينيين. ويتعين أن يستند الاتفاق إلى حاجات إسرائيل الأمنية، وقراري الأمم المتحدة رقم 242 ورقم 338، والاعتراف بحقوق الفلسطينيين، بما في ذلك حقوقهم الوطنية، وعلى أساس مشاركتهم في تقرير مستقبلهم.

لا للتفاوض مع م. ت. ف.،

نعم لإلغاء قانون حظر

اللقاء مع أعضائها

              في سياق مداولات اللجنة السياسية، هزم اقتراح حمائمي دعا إلى فسح المجال أمام التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية. وقد عالجت اللجنة موضوع التمثيل الفلسطيني في صيغة القرار التي اقترحتها على النحو التالي: "ستواصل إسرائيل المفاوضات مع الهيئة التمثيلية، المتفق عليها والمعتمدة، للفلسطينيين من سكان المناطق، في شأن التسوية المرحلية وتطبيق الحكم الذاتي، سواء كان ذلك في إطار وفد مشترك مع الأردن أو في إطار وفد منفصل." وأراد الحمائم شطب الكلمات "من سكان المناطق"، وفسح المجال أمام "إمكان التفاوض مع م. ت. ف."، غير أن اقتراحهم سقط بأغلبية 42 معارضاً في مقابل 23 مؤيداً. وبعد فشل الاقتراح الحمائمي، طلب الصقور تشديد صيغة هذا البند، بحيث يضاف إلى الصيغة الأصلية ما يلي: "يجب عدم إجراء مفاوضات مع م. ت. ف. لكونها منظمة إرهابية ومنظمة من خارج المناطق." وقبل اقتراحهم بأغلبية 37 مؤيداً في مقابل 28 معارضاً.

              أما في إطار اللجنة التحضيرية للمؤتمر، فقد تمكن الحمائم من إلغاء الإضافة الأخيرة التي فرضها الصقور، ونال اقتراحهم في هذا الصدد أكثرية 55 مؤيداً ضد 26 معارضاً. وظهر هذا البند في مسودة البرنامج التي أقرتها اللجنة التحضيرية بالصيغة السابقة تقريباً، من دون أن يتطرق إلى إمكان التفاوض مع م. ت. ف.، أو ينص على رفض التفاوض معها صراحة. كما تمكن الحمائم من فرض صيغة معتدلة تؤيد إلغاء القانون الذي يحظر الاتصال بمنظمة التحرير. وهكذا، ورد في مقدمة الفصل السياسي من البرنامج:

انسجاماً مع تطلع حزب العمل إلى وضع حد للنزاع الإسرائيلي – العربي والتوصل إلى حل للمشكلة الفلسطينية، فإن حزب العمل على استعداد للتحاور مع شخصيات وجهات فلسطينية تعترف بإسرائيل، وترفض الإرهاب، وتوافق على قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338.

سيعمل حزب العمل على تغيير تعديل مرسوم الإرهاب المتعلق بحظر اللقاءات مع منظمات إرهابية، بحيث تطبَّق عقوبة اللقاءات فقط على من يمسّ بأمن الدولة أو ينوي المسّ به.

إطار أردني فلسطيني

لا دولة منفصلة

              مع أن تفسير "الحمائم" لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، لا يستبعد إمكان إقامة دولة فلسطينية منفصلة في مرحلة الحل الدائم،[7]   فقد تمحور الخلاف الحزبي في مناقشات اللجنة السياسية حول صيغة تكتفي بالإشارة إلى أن الحزب "لا يؤيد" قيام دولة فلسطينية منفصلة، وصيغة أكثر تشدداً تنص على أن الحزب "يرفض" قيام دولة كهذه.[8]

              أما اللجنة التحضيرية، فقد توصلت إلى الصيغة التالية:

سيشترك في المفاوضات بشأن الاتفاق الدائم مع الأردن والفلسطينيين كل من: إسرائيل، وهيئة تمثيلية فلسطينية، والأردن.

وستقرر في هذه المفاوضات الحدود الدائمة، والترتيبات السياسية والأمنية في المناطق التي ستجلوا إسرائيل عنها، ومجال التعاون مع إسرائيل. إن الواقع السياسي في المنطقة، والحاجة إلى حل مشكلة اللاجئين، وحاجات إسرائيل الأمنية، تستوجب اتفاقاً على إطار أردني فلسطيني يكون على استعداد لتعاون واسع النطاق مع إسرائيل، وليس دولة فلسطينية منفصلة غربي نهر الأردن.

غور الأردن: منطقة سيادة

إسرائيلية أم حدود أمنية؟

              تبنى حزب العمل في برنامجه، أول مرة، قراراً صريحاً يؤيد تطبيق السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال غرب البحر الميت. وفي هذا الصدد، وضعت اللجنة السياسية صيغة تقول: "إن إسرائيل ستصر، في وقت السلام، على أن يشكل غور الأردن وشمال غرب البحر الميت، تحت سيادة إسرائيل، الحدود الأمنية للدولة." إلى جانب ذلك، طالب الصقور بإضافة جملة تقول إن إسرائيل "ستطمح إلى تطبيق سيادتها على مناطق حيوية غير مزدحمة بالسكان العرب، كضواحي القدس وغوش عتسيون واللطرون." وأراد الحمائم شطب كلمات "تحت سيادة إسرائيل" غير أن اقتراحهم رفض بأكثرية 37 ضد 16. كما رفض اقتراح حمائمي آخر دعا إلى شطب جملة كضواحي القدس وغوش عتسيون واللطرون" بأكثرية 36 صوتاً في مقابل 21 صوتاً.

              أما مداولات اللجنة التحضيرية، فقد انتهت إلى تثبيت صيغة تطبيق السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال غرب البحر الميت، واستعاضت منها بصيغة "الاحتفاظ" بالمناطق الحيوية الأخرى، بحيث ظهر هذا البند في البرنامج بالصيغة التالية:

في أثناء المفاوضات، ستصر إسرائيل على أن يشكل غور الأردن وشمال غرب البحر الميت – تحت سيادة إسرائيل – الحدود الأمنية للدولة.

وستجرد المناطق التي ستجلو إسرائيل عنها من السلاح، ولن يعبر جيش أجنبي نهر الأردن، ولن يرابط إلى الغرب منه.

كذلك ستحتفظ إسرائيل بمناطق حيوية غير مزدحمة بالسكان العرب، كضواحي القدس وغوش عتسيون.

الجولان:

وجود استيطاني وعسكري،

مع أو من دون سيادة إسرائيلية

              تمكن صقور حزب العمل من فرض صيغ متشددة فيما يتعلق بمستقبل هضبة الجولان. وبعد إقرار البرنامج فرضوا على مؤتمر الحزب، في دورته الثانية، إعادة فتح ملف الجولان، وتعديل البند الذي يعالج موضوع الاستيطان فيه. في البداية، وضعت اللجنة السياسية صيغة تقول: "تعتبر إسرائيل هضبة الجولان منطقة شديدة الأهمية لأمنها، ولسلامها، ولتأمين مصادرها من المياه. وفي أي اتفاق سلام يعقد مع سوريا، وفي الترتيبات الأمنية التي تبرم معها، سيبقى هناك وجود إسرائيلي استيطاني وسيطرة إسرائيلية عسكرية في هضبة الجولان." غير أن الصقور طالبوا بتعديل هذه الصيغة، والإشارة صراحة إلى تطبيق السيادة الإسرائيلية عليها، بحيث تصبح كما يلي: "سيستمر الوجود والسيطرة الاستيطانية والعسكرية لإسرائيل في هضبة الجولان، التي يسر عليها القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية"، وتم قبول اقتراحهم.

وفي إطار اللجنة التحضيرية، رفضت صيغة تنص على أن اتفاق السلام مع سوريا سيستند إلى القرارين رقم 242 ورقم 338، وأضيفت إليها، بتأييد أكثرية 58 صوتاً في مقابل 28 صوتاً، جملة تقول إنه سيطبق في هضبة الجولان مبدأ الحل الوسط الإقليمي في إطار سلام قابل للبقاء تلبى فيه حاجات إسرائيل الأمنية.

أما فيما يتعلق بالنشاط الاستيطاني، فقد تبنت اللجنة التحضيرية صيغة تدعو إلى "استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز المستوطنات القائمة في هضبة الجولان"، وعدلت هذه الصيغة في الدورة الثانية للمؤتمر، بحيث تنص على أن حزب العمل يؤيد إقامة مستوطنات جديدة، بعد إقرارها من قبل مكتب الحزب وكتلته في الكنيست.[9]

المؤتمر:

إقرار مشاريع القرارات

المتخذة في اللجنة التحضيرية

              استمر الخلاف في شأن صيغة مشاريع القرارات التي أعدتها اللجنة التحضيرية، قائماً إلى حين عَقْد مؤتمر الحزب. وكان الموقف عشية عَقْد المؤتمر، كما لخصه أحد مراسلي الشؤون الحزبية الإسرائيليين، على النحو التالي:

قرر صقور الحزب، في اجتماع طارىء عقدوه أمس... خوض صراع عنيف ضد حمائم الحزب، واسترداد كرامة الحزب الضائعة... وتقرر، خلال الاجتماع، بذل كل جهد ممكن لإلغاء الصيغة التي تقترحها اللجنة [التحضيرية] فيما يتعلق بإجراء مفاوضات مع م. ت. ف.، وطبعاً، لرفض أي إمكان لاتخاذ قرار في شأن إقامة دولة فلسطينية، ووقف الاستيطان في هضبة الجولان. ويسعى الصقور لإضفاء مزيد من التشدد على البرنامج السياسي، ولتأكيد أن حزب العمل، في القرار الذي سيتخذه المؤتمر، يؤيد [تطبيق] السيادة الإسرائيلية على مناطق كغوش عتسيون، وشمال البحر الميت، والغور، ومناطق أخرى غير مزدحمة بالسكان.[10]

من جهة أخرى، ذكر المراسل أن عشرات التحفظات إزاء مسودة البرنامج التي أقرتها اللجنة التحضيرية، ومعظمها من جانب الصقور، قد قدمت إلى رئاسة المؤتمر بهدف مناقشتها في دورته. ولخص الموقف في جانب الحمائم بالصورة التالية:

إن جوهر مطلب الحمائم أن يحدد صراحة [في البرنامج] أن حزب العمل على استعداد لتأييد التفاوض مع فلسطينيين يعترفون بدولة إسرائيل، ويعارضون الإرهاب، حتى لو كان ذلك م. ت. ف. كذلك يطالب الحمائم بأن يشار صراحة، في البرنامج، إلى أن حزب العمل يعترف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، بما في ذلك حقهم في إقامة دولة مستقلة خاصة بهم.[11]

كما أشرنا آنفاً، لم يجر خلال مؤتمر حزب العمل اختبار لموازين القوى بين طرفي الخلاف، الأمر الذي ربما كان من شأنه توضيح المواقف على نحو أدق. ففي إثر خطاب مؤثر ألقاه شمعون بيرس، ودعا فيه إلى المحافظة على وحدة الحزب، أيد المؤتمر بأكثرية 720 صوتاً ضد 664 صوتاً إسقاط التحفظات.[12]  وبذلك أقر المؤتمر، تلقائياً، مشاريع القرارات التي وضعتها اللجنة التحضيرية برنامجاً للحزب.

خلاصة

إن الخلافات في صفوف حزب العمل يجب ألا تحجب عن الأنظار حقيقة أن الحزب، في نهاية الأمر، يشكل جسماً سياسياً واحداً، ويطرح برنامجاً واحداً يتضمن الخطوط العريضة لسياسته. ومن نافل القول إن تلك الخلافات لا تطال الثوابت التي تقوم سياسة الحزب عليها، والتي تشكل قاعدة الإجماع فيه. إن هذه الثوابت متضمنة في البرنامج، ولم يتطرق الجدل الحزبي إليها، لا من قريب ولا بعيد. وإذا قرأنا المواقف التي تصدر عن أطراف الحزب، ولا سيما في الجانب الحمائمي، في ضوء تلك الثوابت، فإن مغزاها يصبح مختلفاً جداً.

في مقدمة هذه الثوابت، مبدأ السيطرة على "مناطق حيوية" من الأراضي المحتلة منذ سنة 1967، وإيجاد "حل وظيفي" يضمن لإسرائيل التخلص من التهديد الكامن في استمرار سيطرتها على جميع الأراضي المحتلة بسكانها الفلسطينيين، عبر طي صفحة القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي. وقد خطا الحزب، في برنامجه الجديد، خطوة واسعة نحو تحديد المناطق التي يعتبرها حيوية، مع أنه لا يزال يتجنب تحديدها بوضوح كاف، ويستخدم لهذه الغاية صيغاً ضبابية متنوعة (تطبيق السيادة على؛ استمرار السيطرة على؛ سيطرة استيطانية/ عسكرية؛ الاحتفاظ بـ؛ حدود أمنية؛ إلخ)، والجدير بالملاحظة أن الخلاف بين معتدلي الحزب ومتطرفيه، فيما يتعلق بمفهوم "المناطق الحيوية"، ليس كبيراً، ولم يحتل الجدل الحزبي في شأنه حيزاً مهماً في مناقشة البرنامج. وفي الإمكان القول إن خريطة "المناطق الحيوية" متطابقة، إلى حد بعيد، في نظرة كل من حمائم الحزب وصقوره.

تبقى إذاً مشكلة المناطق غير الحيوية، المزدحمة بالسكان العرب. وهنا يوجد بعض الخلاف. فالجناح المعتدل يوافق على أن يُنشأ فيها كيان فلسطيني ما، ويتحدث بسخاء كبير – تحت سقف الإجماع على "المناطق الحيوية" – عن حق تقرير المصير "للسكان"، وعن دولة فلسطينية "منفصلة"، وحتى عن القبول بتمثيل منظمة التحرير (بعد أن تقبل بقيود متعددة) في المفاوضات لتطبيق حل من هذا النوع، وهو ما يفرغ تلك المصطلحات من أي مضمون حقيقي.

في المقابل، يقاوم الجناح المتطرف فكرة إنشاء كيان فلسطيني من أي نوع كان، ويتمسك بإلحاق المناطق التي تنسحب إسرائيل منها، في ظل التسوية الشاملة بالأردن. ولهذا، فهو يحارب كل نوع من أنواع الاعتراف بهوية فلسطينية مستقلة، مخافة أن تتطور الأمور في اتجاهات لا يمكن السيطرة عليها.

وفي إيجاز، يمكن القول إن البرنامج الجديد لحزب العمل يتميز، بصورة عامة، بمرونة في الشكل وتشدد في المضمون. وقد عرضنا أعلاه مواقف طرفي الحزب ضمن الإطار الحزبي. غير أن سياسة حزب العمل للفترة المقبلة ستتحكم فيها اعتبارات داخلية وخارجية عديدة، أولها موازين القوى التي ستنجم عن الانتخابات التشريعية. فإذا فاز الحزب بأكثرية تمكنه من تأليف حكومة عمالية، بمشاركة تكتل الأحزاب اليسارية وبعض الأحزاب الدينية (وهذا الاحتمال الأضعف). فمن الممكن أن يتعزز موقع التيار المعتدل، وأن يقوم بدور أكبر في توجيه سياسة الحزب. أما إذا أسفرت الانتخابات عن تعادل بين أحزاب اليمين واليسار، فسيؤدي ذلك إلى تأليف حكومة اتحاد يتقاسمها العمل والليكود؛ وهنا سيتمكن التيار المتشدد، برئاسة رابين، من توجيه سياسة الحزب.

أيار/مايو 1992

[1]   "دافار"، 21/2/1992.

[2]   أنظر مثلاً: دانيئيل بن سيمون، "عهد آخر، مغناة جديدة"، "دافار"، 23/2/1992.

[3]   "معاريف"، 2 – 3/4/1992.

[4]   المصدر نفسه.

[5]   المصدر نفسه.

[6]    استندنا في عرض مناقشات اللجنة السياسية واللجنة التحضيرية إلى صحيفتي "هآرتس" 11/11/1991، و"دافار" 17/11/1991، ما لم يشر إلى خلاف ذلك. أما قرارات اللجنة التحضيرية فمصدرها نشرة صادرة عن مكتب حزب العمل بعنوان: "المؤتمر الخامس لحزب العمل – مشاريع قرارات اللجنة التحضيرية"، وهي الوثيقة الرسمية التي أقرها مؤتمر الحزب برنامجاً سياسياً له. وقد استندنا إلى هذه الوثيقة التي تتضمن قرارات المؤتمر الموسعة، لا إلى البرنامج الانتخابي المقتضب الذي نشره الحزب في مطلع حزيران/يونيو الماضي.

[7]   أنظر: "هآرتس"، 21/11/1991.

[8]   "معاريف"، 14 – 15/11/1991.

[9]   "هآرتس"، 27/12/1991.

[10]   إيلان شيحوري، "هآرتس"، 20/11/1991.

[11]   المصدر نفسه.

[12]   "عال همشمار"، 22/11/1991.

Read more