Ehud Barak and Benjamin Netanyahu Discuss Their Conception of Peaceful Solutions and the Future of Israel in the Middle East
Keywords: 
إيهود براك
حزب العمل الإسرائيلي
حزب الليكود
بنيامين نتنياهو
عملية السلام
الشرق الأوسط
Full text: 

في ملف هذا العدد من "مجلة الدراسات الفلسطينية" مقتطفات من مقابلتين مهمتين مترجمتين عن العبرية: أُولاهما مع إيهود بَراك، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق والمرشح الأقوى لخلافة شمعون بيرس في زعامة حزب العمل في الانتخابات الداخلية، التي ستجرى في الحزب في حزيران/يونيو 1997؛ وثانيتهما مع رئيس الحكومة الإسرائيلية وزعيم الليكود بنيامين نتنياهو. وقد أجرى المقابلتين معهما، كلاً على انفراد، الصحافي آري شافيط.

في التعريف ببَرَاك يقول شافيط، بين أمور أُخرى:

عندما يكتب إيهود بَرَاك اسم الشعب المجاور لنا، فهو يكتب أحرف ذلك الاسم كما يلفظه اليسار الصرف: هَعام هَفلسطيني [أي الشعب الفلسطيني، بحسب اللفظ العربي، لا العبري]. وبعض حججه أيضاً حجج اليسار غير القابلة للتأويل؛ فهو يقول: لا يجوز أن نسيطر على شعب غريب، ولا يجوز أن نستغل جيراننا، ولا يجوز أن نقيم هنا نظام تفرقة عنصرية. لكن جزءاً لا بأس فيه من الثوابت التي يطرحها بَرَاك، هو عينه الذي نسمعه من رجالات اليمين بالذات: حذار أن نقتلع مستوطنات، وحذار أن نخلي التجمع الاستيطاني اليهودي في الخليل، وحذار الموافقة على إقامة دولة فلسطينية. وعلى صعيد "اللاءات": ليس صحيحاً أن مساحة الأرض [العمق] لم تعد ذات أهمية في عصر الصواريخ، وليس صحيحاً أن كل ما يبغيه الفلسطينيون هو الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس صحيحاً أنه إذا أمعنّا النظر بصورة أفضل سنكتشف أن الشرق الأوسط هو عملياً غرب أوروبا.

إن ما يجعل الإصغاء إلى أقوال بَرَاك مثيراً هو حقيقة أنك لن تعرف أبداً ما إذا كانت حجته التالية ستأتي من المخزون الفكري المتماثل مع اليمين، أم من المخزون المتماثل مع اليسار.

أمّا بالنسبة إلى نتنياهو، فيكتفي شافيط بتقديم بسيط ومختصر، ربما لأن نتنياهو لم يعد بحاجة إلى تعريف، سواء في إسرائيل أو خارجها. 

إيهود بَرَاك:
لا أريد رسم خريطة دقيقة[1]

  • لقد أحدث اتفاق أوسلو شبه ثورة كوبرنيكية [نسبة إلى العالِم الفلكي البولندي كوبرنيكوس (1473 - 1543)، الذي أحدثت نظرياته ثورة في علم الفلك] في عالم المفاهيم الإسرائيلي. فما اعتبر قبله سلبياً أُعيد تصنيفه كإيجابي، وما كان يُعتبر إيجابياً أُعيد تصنيفه كسلبي. وقد اقتنع الإسرائيليون في معظمهم بأنهم انتقلوا فعلاً إلى عالم جديد، إلى عصر جديد، وإلى شرق أوسط جديد. فهل يمكن أن تكون هذه الثورة الكوبرنيكية قابلة للارتداد عنها؟ وهل ما ظننا أنه واقع جديد لم يكن سوى سراب؟
  • كلا. لقد أحدث اتفاق أوسلو، بمعانٍ كثيرة، تغييراً في واقع الشرق الأوسط لا يمكن الارتداد عنه. إن ما حدث ليس النهاية السعيدة الموعود بها العالم، وليس الخروج من غرفة العداء والتناحر الحالكة إلى قاعة حفلات الشرق الأوسط الجديد. إنه انتقال عبر ممر طويل من المحتمل أن تتلقى فيه ضربات، وأن يكون عليك الرد بمثلها، لكنك على الأقل تخطو فيه سوياً مع مجموعة من الخصوم في اتجاه تلك القاعة المضيئة.

في هذا المسار التاريخي المختلف عن ثورة كوبرنيكوس في أنه لا يغير فقط طريقة نظرتنا إلى الواقع وإنما يتدخل أيضاً في الواقع ذاته، هناك أساس واحد راسخ وأكيد، وهناك أساس غير راسخ وغير أكيد. فالأساس الراسخ هو ذلك القرار التاريخي الحاسم الذي اتخذه يتسحاق رابين وشمعون بيرس بقطع ذلك الرباط المعقد الذي يربطنا بالفلسطينيين - لا محاولة فكه خيطاً تلو آخر، بل البدء من النهاية؛ البدء من إدراك ضرورة الانفصال، أي ضرورة تحقيق الإرادة السياسية للفلسطينيين بهذه الصورة أو تلك، لا تحت سيطرتنا ولا داخل دائرة سيادتنا.

أمّا الأساس غير الراسخ، الذي ما زال، بمعنى ما، مفتوحاً، بل هناك حتى عدم يقين إزاءه، فهو ما إذا كان سيتم التوصل فعلاً إلى حل دائم ينجم عنه توازن مستقر بين الطرفين. فهذه مسألة مرتبطة جداً بتطور المسارات وبمدى تصميم القيادتين على التوصل إلى اتفاق.

  • هل الطريقة التي تتصرف القيادتان بها منذ يوم الغفران الأخير [المقصود الأحداث التي نجمت عن فتح النفق في القدس] لا تقضي على فرصة التوصل إلى مثل هذا التوازن؟
  • آمل بألاّ يحدث ذلك، لكن هذا يتعلق بالطرفين فعلاً. فالمسؤولية عن أحداث الأسبوع الأخير تقع على عاتق عرفات أولاً وأخيراً؛ فهو الذي دعا إلى التظاهرات والإضراب العام، وهو الذي لم ينجح في السيطرة على أفراد شرطته الذين أطلقوا النار على الجيش الإسرائيلي، وتسببوا بنشوء وضع غير محتمل بالنسبة إلينا؛ وضع لا نستطيع التسليم به وينبغي عدم التسليم به.

إلى ذلك، فإن مساهمتنا، أو قسطنا من التصعيد كان مصدر إرباك شديد. فبصفتي شخصياً أمضي مئات من الساعات في مختلف المداولات التي كانت تسبق اتخاذ قرارات حساسة، في استطاعتي القول إن الأسلوب الذي اتُّخذ به القرار بفتح نفق الحشمونائيم كان أسلوب هواة ومدعاة إلى القلق الشديد. وفي الحقيقة، لا يمكن للعقل أني تصور أن يُتَّخذ قرار من هذا القبيل من دون أن يشارك في اتخاذه رئيس الأركان، وقائد المنطقة العسكرية، والجهات الأُخرى المسؤولة. وما لا يقل خطورة عن ذلك هو أن القرار عبّر عن نوع من الاستخفاف بحساسية الأمور. وبمعنى ما، كان القرار أشبه بتجريب صلاحية فتيل إشعال فوق برميل وقود مفتوح.

والسؤال الذي أطرحه على نفسي هو: ما الذي تسبب بذلك؟ وإذا كان السبب قلة خبرة رئيس حكومة غير متمرس بالحكم، فما زال هناك أمل. لقد كان الثمن الذي دفعناه في مقابل تعلّمه غالياً ومؤلماً، لكن يجوز أن نأمل بأن يتعلم من أخطائه ويواصل الطريق. وما يقلقني أكثر هو احتمال أن يكون القرار قد نبع من انغلاق فكري - أيديولوجي يجعل رئيس الحكومة عاجزاً عن رؤية الواقعز وإذا اتضح أن نتنياهو ينوي في الواقع، تحت غطاء من الألفاظ المنمقة، انتهاج تلك السياسة التي يوصي بها أشخاص مستقيمون، لكنهم خطرون ومتطرفون، مثل عوزي لنداو وبنيامين بيغن، وإذا اتضح أنه يفتش في الحقيقة عن ذرائع لتقويض العملية [السلمية]، فعندئذ ربما يحدث تدهور خطر فعلاً.

  • تتحدث قيادة الجيش عن خطوط تم تجاوزها وعن أدوات تحطمت. إنها تتحدث عن وضع جديد تماماً.
  • قيادة الجيش تحاول التنبيه، بلهجة لطيفة تتفق مع كونها تعمل في خدمة الدولة، إلى الاحتمال الذي أتحدث عنه. حتى الفترة الأخيرة، كنا في وضع متقدم جداً من ناحية بناء الثقة بين أجهزتنا وأجهزة الفلسطينيين. وقد أدى النسيج الحساس الذي تكوّن إلى قيام رجال منظمة التحرير الفلسطينية بتجريد أعضاء حركة "حماس" من سلاحهم، ثم دخلوا المساجد لمصادرة ما فيها من أدوات قتالية. وكان هذا مجرد البداية، لكن بداية ثابتة. أمّا الآن، عندما يثير رئيس الحكومة لدى الطرف الآخر الإحساس بأنه ينوي إفراغ المسار من كل مضمون، فإنه عملياً يساهم في تخريب هذا الإنجاز. إنه بذلك يرجع بنا، بفظاظة وبقلة دراية، إلى الوراء.

إن ما قاله ضباط الجيش تلميحاً هو أنه لا يمكن الإمساك بالعصا من طرفيها؛ فالقيادة السياسية يجب أن تقرر ما إذا كانت تريد [المضيّ في] هذا المسار أم لا. وما يجب أن يكون واضحاً هو أنه إذا انهار هذا المسار فلن ننعم هنا لا بالأمن ولا بالسلام، بل سنشهد مزيداً من إراقة الدماء.

  • هل ما زال ممكناً الحؤول دون ذلك؟ وهل يمكن إعادة المسار إلى وجهته؟
  • أنا مقتنع بأن الوقت لم يفت بعد. فلا شك لدي في أن المسار، في المدى الطويل والتاريخي، سينتصر. فلدى الطرفين ما يكفي من العقل السوي، وهذا العقل السوي سيمنعنا في نهاية المطاف من العودة إلى الوراء. وكلي أمل بألاّ ندفع ثمناً باهظاً جداً في الأرواح، فقط لنعود بطرق ملتوية إلى النقطة ذاتها التي كنا نقف عندها قبل بضعة شهور.

أيدت اتفاق أوسلو لأنه يتيح
لنا السعي لمشروع ألون موسَّع

  • شخصياً، كان لديك تحفظات حيال اتفاق أوسلو. فعندما طرح الاتفاق الأصلي لاتخاذ قرار بشأنه داخل الحكومة وجهتَ إلى الاتفاق انتقادات ثاقبة، وعندما طرح اتفاق أوسلو - ب على الحكومة، امتنعت من التصويت.
  • لقد أيدت، على طول الطريق، اتفاق أوسلو والقرار الاستراتيجي المتجسد فيه، الذي هو في نظري قرار بالفصل [بين الإسرائيليين والفلسطينيين]. إنني أؤمن، وبعمق، بأنه نظراً إلى وجود خمسة ملايين ونصف مليون إسرائيلي ومليونين ونصف مليون فلسطيني بين نهر الأردن والبحر، وإذا كنا لا نريد إقامة نظام هنا يقوم على التفرقة العنصرية ولا نظام على غرار البوسنة ولا نظام يقوم على فكرة الترحيل "Transfer"، فليس هناك سبيل آخر سوى الفصل بين الجماعتين السكانيتين. وهذا هو الأمر العظيم الذي فعله يتسحاق رابين وشمعون بيرس. وفي نظري، فالقرار الذي اتخذاه بالفصل قرار عظيم وبن - غوريوني [إشارة إلى قرار بن - غوريون بقبول التقسيم].

وهكذا، فالنقد الذي وجّهته إلى الاتفاق كان يتعلق بالتفصيلات فحسب. فقبل بلورة الاتفاق، عندما اطّلعتُ على مسودات الاتفاق في المادة الاستخباراتية التي حصلت عليها، قلت ليتسحاق [رابين] إن الخبراء القانونيين في الجانب الفلسطيني شطّار جداً، وجديون جداً. فقد فكروا في كل كلمة بصورة مركّبة وعميقة. ولذا، عندما طُرح الاتفاق على الحكومة وظن بعض الوزراء أنهم يبحثون في اتفاق غزة وأريحا أولاً، اقترحت عليهم أن يقرأوا النص جيداً وأن يدركوا أنه أبعد من ذلك كثيراً، وأنه ينقل إلى أيدي الفلسطينيين الكثير من الأوراق، وأنه بمعنى ما يُلقي على عاتقنا واجب البرهان وواجب المطالبة فيما يختص بالأشياء الحيوية التي نريد المطالبة بها في المفاوضات بشأن التسوية الدائمة.

وكان السؤال الذي واصلت طرحه على نفسي طوال الوقت هو: هل بسبب اتفاق أوسلو نفقد، أو لا نفقد، الأدوات التي تمكننا من التوصل إلى حل دائم معقول من ناحيتنا؟ والاستنتاج الذي توصلت إليه، بعد كثير من التفكير، هو أن هذا الاتفاق، مع عيوبه كلها، يتيح لنا بالتأكيد، بمجهود لن يكون سهلاً، السعي لمشروع ألون موسَّع، وأنه لا يجعل إمكان التوصل إلى حل بروحية مشروع ألون أمراً مستحيلاً.

  • هل هذه خريطة بَرَاك للتسوية مع الفلسطينيين؟ مشروع ألون موسَّع؟

ÿ لا أريد رسم خريطة دقيقة. لكنني أعتقد أن الحل الدائم يجب أن يشتمل على القدس موسعة وموحدة تحت سيادتنا، وأيضاً منطقة غوش عتسيون، وكتلة المستوطنات في غرب السامرة، وكتل المستوطنات في شمال السامرة، ووجود استيطاني وأمني في غور الأردن وفي أماكن حيوية في أعالي المرتفعات الجبلية. كذلك ينبغي أن يشتمل الحل على ممر واسع إلى القدس على امتداد طريق موديعين والمنحدرات إلى بيتار، وأيضاً بضعة تعديلات أُخرى على الحدود، على امتداد الخط الأخضر في أماكن مختلفة. وإضافة إلى ذلك، علينا أن نصر على عدم مرابطة جيش أجنبي غربي نهر الأردن، وعلى بقاء معظم المستوطنين الإسرائيليين تحت السيطرة الإسرائيلية، وعلى أن يكون هناك تنسيق في شأن المياه، وألاّ يكون هناك تطبيق لحق العودة [للاجئين الفلسطينيين]، كذلك على ألاّ يكون هناك تطبيق واسع النطاق لهذا الحق في المناطق الواقعة خارج مجال سيطرتنا.

  • إذا لم أكن مخطئاً، فهذا يشكل نحو 30٪ من مساحة يهودا والسامرة.
  • هذا ممكن. لم أفحص ذلك. ربما كان ذلك أقل قليلاً وربما كان أكثر قليلاً.
  • هل كان هذا أيضاً تصور يتسحاق رابين؟ هل عندما قبل بأوسلو كان تصوره للحل الدائم مستمداً من روحية مشروع ألون؟
  • أعتقد أن يتسحاق رابين كان يفكر، حتى يومه الأخير، في مصطلحات مشروع ألون. من المحتمل أن تقديره كان أننا سنبدأ بمشروع ألون موسَّع وننتهي بمشروع ألون مقلَّص. لكن من حيث الأساس، كان يفكر في مصطلحات مشروع ألون.
  • ماذا بشأن المناطق وراء الحدود؟ هل تقبل بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة في تلك المساحة الباقية من أراضي الضفة الغربية التي تتراوح بين 70٪ و80٪ من مساحتها؟
  • إن دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة تماماً ستعقِّد كثيراً فرص [التوصل إلى] الاتفاق. إن مثل هذه الدولة لن يشكل تهديداً لوجود إسرائيل، لكنه سينشئ واقعاً ينطوي على نزعة تحرير قومية فلسطينية. كما أنه سيوجِد سلسلة من المشكلات الأُخرى المعقدة جداً.

قضية العاصمة، مثلاً. إذا كان هناك دولة ذات سيادة كاملة، فإن مسألة العاصمة تصبح معقدة جداً، وإشكالية جداً. أو مسألة التسلح بصواريخ أرض - جو. فدولة كاملة السيادة لا يمكن مطالبتها بعدم تزويد جيشها بصواريخ أرض - جو؛ لكن إذا قامت دولة كهذه، وكان في حيازتها بطاريات صواريخ حديثة، وقامت بنشر هذه الصواريخ فوق التلال المشرفة على مدينة جنين، وفوق التلال المشرفة على منطقة اللطرون، فإن أية طائرة إسرائيلية لن تتمكن من الإقلاع من المطارات الرئيسية لسلاح الجو الإسرائيلي. ففي اللحظة التي تصل فيها الطائرات إلى ارتفاع الأشجار في القاعدة ستصبح عرضة للإصابة بالصواريخ.

وهناك قضايا أُخرى: أين سيطير سلاح الجو التابع لمثل هذه الدولة؟ وأين ستنتشر فرقها العسكرية المدرعة؟

لذلك، فإن مسألة دولتين لشعبين ليست بهذه البساطة؛ فدولتان فعليتان إلى الغرب من النهر قضية شائكة. وفي رأيي، إن مطلبنا يجب أن يكون كياناً فلسطينياً أقل من دولة، ويتعين علينا أن نأمل بأن ينشأ في الوقت الملائم، وبطريقة طبيعية، ارتباط كونفدرالي بين هذا الكيان وبين الأردن. وإذا ما نشأ مثل هذا الارتباط، فإن جميع القضايا الشائكة التي أشرت إليها ستضعف حدتها وتصبح قابلة للحل.

  •  لكن، أليس هناك تناقض، أو على الأقل إشكال داخلي، بين اتفاق أوسلو ومشروع ألون الموسَّع ومحاولة منح الفلسطينيين ما هو أقل من دولة؟
  • هناك إشكال معين. لكن لو كنا واصلنا السياسة السابقة القائمة على عدم الفصل [بين الإسرائيليين والفلسطينيين]، لوصلنا إلى نزاع دموي، لا نهاية له، لوصلنا فعلاً إلى وضع مماثل للوضع القائم في بلفاست، أو للوضع الذي كان قائماً في بيروت أيام الحرب. لذا، أعتقد أن هناك حكمة كبيرة في البنية المتدرجة لعملية أوسلو، التي تهدف إلى تمكين الطرفين من أن يتقبلا نفسياً حقيقة أن الصراع ليس صراع حياة أو موت؛ فهذه البنية تمكن من التقدم من خلال معالجة القضايا الأقل صعوبة من أجل الوصول في النهاية، وبصورة أكثر نضجاً، إلى القضايا الشائكة جداً، التي تنتظرنا على ما بقي من الطريق.
  • لقد عايشت عملياً الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني على النحو الأكثر حميمية وزخماً. فهل طورت لنفسك تصوراً ما لجوهره؟ هل هو صراع بشأن الوجود أم بشأن الحدود، وهل نقطة انطلاقه هي سنة 1967 أم سنة 1948، أم ربما سنة 1917؟
  • هذا صراع معقد جداً يحيط بمختلف جوانب الواقع المعاش. صراع يخترق جميع أبعاد هويتنا وهويتهم: الأبعاد السياسية والجغرافية والحضارية، وأيضاً البعد الديني. وفيه شيء من الصدام الجاري بين العالم الأول والعالم الثالث.

أعتقد أن نقطة الانطلاق الأقوى للصراع هي سنة 1948. لكن [ما حدث] سنة 1948 ما كان ليحدث لولا [ما حدث] سنة 1917 أو سنة 1882. وبهذا المعنى، فهو قطعاً صراع بشأن الوجود. لكنه في مدماك آخر منه صراع ديني أيضاً، مشحون جداً بالتوتر، ولا حل له في بُعده الأكبر، وهو بمعنى معين ينطوي على بعد يتصل بالرؤى الدينية لنهاية العالم ويوم القيامة. وفي مدماك آخر هو أيضاً صراع أهلي ومتعرج ومعقد داخلياً.

ولذا، لو كنت أظن أنه ليس هناك نوع من الحل يمكنه أن يحوّل الصراع إلى وضع علاقات جوار حسنة، أي إلى وضع تصنع السياجات العالية فيه جيراناً جيدين “High fences make good neighbors”، لقلت إن هذه مأساة فظيعة؛ مأساة خطرة مرشحة للتحول إلى شبه حرب أبدية داخل المجتمع الأهلي في مكان حساس جداً، يقع في مركز تيارات عالمية كبيرة.

لكنني لا أظن أن الوضع هو على هذا النحو. أظن أن الخطر قائم، وأنه إذا استسلمنا للأطراف الهاذية في كلا الجانبين، فربما نصل إلى ذلك. لكن، وفقاً لما هو عليه الوضع الآن، فإن هذه الرؤيا [رؤيا الأطراف الهاذية] مكتوبة بحبر قابل للمحو. فلم نتجاوز بعدُ نقطة اللاعودة في الطريق إليها. وحتى الآن لم نُجذب بعدُ إلى داخل ثقب أسود تاريخي.

علينا منع تحوّل
الصراع الإسرائيلي
 - الفلسطيني
إلى ثورة رمزية للصدام بين
الإسلام والحضارة الغربية

  • هل هذا التحليل هو أساس دعمك لعملية أوسلو؟
  • بسبب هذا الخطر، أعتقد أن الخطوة التي بدأ رابين وبيرس بها هي خطوة حاسمة جداً. فهذه خطوة تمكننا من استغلال إنجازنا الكبير في العقود الأخيرة، أي الإنجاز المتمثل في ضمان وجودنا بصورة راسخة، من أجل تحريك مسار طويل، أؤمن بأنه يمكن في نهايته تحويل حالة الصراع إلى حالة هدوء واطمئنان، إلى حالة تحتضن المجتمعين وتغير أنماط سلوكيهما ومقارباتهما الأساسية. والمشكلة تكمن في أنه بينما تحدث الاتفاقات السياسية بين القيادات على إيقاع شهور وأعوام، فإن التغييرات الجوهرية على مستوى المواقف الأساسية للشعوب تحدث على إيقاع أجيال.

لكن تقع على عاتقنا مسؤولية تحريك هذا المسار. ويتعيّن علينا استغلال تفوقنا الشامل، الاستراتيجي وفي غير ذلك من النواحي، من أجل تفكيك الصراع ونزع الكثير من مكوناته الخطرة. يتعين علينا أن نحول دون نشوء وضع يتحول فيه الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني إلى ثورة رمزية للصدام بين الإسلام والحضارة الغربية، بين الشمال والجنوب، بين الأغنياء والفقراء.

ونظراً إلى أننا ما زلنا لا نعرف نوع التحديات الجديدة التي تنتظرنا وراء المنعطف، في مدى سبعة أعوام - عشرة أعوام، فإن علينا استغلال الوضع الحالي المواتي من أجل إيجاد حالة من الاستقرار في محيطنا القريب، حتى إذا ما وصلنا إلى تلك التحديات الجديدة لا نصل إليها مع صراع دموي.

  • إجمالاً، النظرة إليك هي أنك ترى العرب من خلال جهاز التسديد في البندقية. فهل أنت قادر أيضاً على الشعور بتعاطف معهم؟ أن تتفهم مأساتهم؟
  • من الذكريات الأُولى لفترة صباي مشهد النساء العربيات السمينات اللواتي كن يرضعن أطفالهن، قبل سنة 1948، قرب حانوت البقالة في قرية وادي الحوارث العربية، التي كانت على بعد 300 متر تقريباً من مستوطنة مشمار هشارون، حيث منزل والديّ. ومنذ ذلك الوقت، انخرطت على امتداد كثير من الأعوام في مقاتلة الفلسطينيين في غارات وعمليات حربية كثيرة. وعندما تكون منهمكاً في أداء المهمات، وعندما يكون عليك استخدام سلاحك في قتال مباشر، فأنت لا تفكر أبداً في الدلالات الإنسانية للصراع، ولا بالنسوة اللواتي كن يرضعن أطفالهن، لكن لم أشعر خلال هذه الأعوام كلها، ولا مرة واحدة، بالكراهية. عندما كان يُقتل على مقربة مني أصدقاء كنت أشعر بالغضب، بالإحباط، لكن ليس بالكراهية. وهكذا، على الرغم من أن القتال في الظرف الذي كان يدور فيه كان دائماً مسألة حياة أو موت، بمعنى أنك إذا لم تسارع إلى إطلاق نار ستكون ضحيتها، كان يلازمك دائماً، بعد انتهاء المعركة، إحساس بأن هذا الصراع، في خطوطه الكبرى، لن ينتهي باختفاء أحد الطرفين.

نحن ندرك بالتأكيد أننا لن نختفي، وكما يبدو، لن يكون أيضاً في استطاعتنا أن نجعلهم يختفون. فما لم يتحقق في أعلى درجات حرب التحرير حرارة، عندما جرى تحرك كثيف للسكان الذين هربوا، وأُرغم جزء منهم على الهرب، لن يتحقق الآن أو في المستقبل. ولذا، كان واضحاً على الدوام أنه سيكون هناك حل لهذا الصراع في نهاية الأمر، وأنه سيخمد، وأنه لا بد من إيجاد حل له في هذه النقطة أو تلك.

بالإضافة إلى ذلك، فأحد الأمور التي أجدني متحرراً منها هو الإحساس بالذنب إزاء الفلسطينيين. فأنا على يقين من أن كل ما حدث، بما في ذلك حقيقة زوال قرية وادي الحوارث، كان ضرورياً. وأؤمن من أعماق قلبي بأن العمل الصهيوني كان عملاً مهماً جداً وصحيحاً. وأنا أوافق على الصورة التي يستخدمها عاموس عوز، ويشبّه فيها الوضع بالغريق الذي يتمسك بخشبة يجلس عليها آخر، ويطلب منه إخلاءها من أجله، فضلاً عن أن هذه الخشبة هي مُلكنا في الأصل. وأنا أدرك أن تمسكنا بالأرض هنا هو في أساسه حفاظ على الوجود، وينتج منه نوع من الظلم. لكن على المستوى التاريخي، يبقى هذا الظلم الذي حل بهم [أي بالفلسطينيين] أقل من العدل الذي حصلنا عليه، أو لنقل أقل من الظلم الذي كان سيلحق بنا لو حُرمنا هذا العدل.

  • ماذا بشأن الاحتلال، أي المناطق التي احتُلت سنة 1967؟
  • إن نظرية السلب [سلب الفلسطينيين أراضيهم] التي تشيعها ميرتس غير مقبولة لدي، وأنا أعارضها بشدة وحزم. وعندما أقول إنه لا يجوز لنا الاستيطان على تلة أُخرى قرب مستوطنة إفراتا أو قرب مستوطنة بيت إيل، فلا أقول ذلك لأنني أعتقد أن ليس لنا حق في الاستيطان هناك، أو لأننا سلبنا أحدهم شيئاً ما. بالعكس، لنا كامل الحق في الاستيطان هناك. لم نسلب أياً كان أي شيء. لدينا ارتباط عميق بهذه الأماكن. وعندما أقترح التنازل عن تلة معينة فإني أفعل ذلك لأنني أريد زيادة الفرس لنشوء توازن مستقر بيننا وبين الفلسطينيين على نحو يحافظ على النواة الداخلية لمصالحنا الحيوية، ويتيح لهم في الوقت نفسه مجالاً كافياً لتحقيق مصالحهم الحيوية أيضاً. ومن أجل هذه المسألة المهمة، لدي استعداد للنظر في عدم التطبيق الكامل لما أعتقد أنه حق لي.
  • هل الجبال إلى الشرق من منزلك، أي إلى الشرق من كوخاف يئير، هي أرض - إسرائيل أم أرض فلسطين؟
  • إنها أرض - إسرائيل. وعندما أراها لا يساورني شك، من ناحية عاطفية، في أنني أرى جبال أرض - إسرائيل. وأقول بوضوح: لا معنى لهويتنا ولكل ما يعنيه وجودنا هنا من دون ذلك الارتباط بشيلو وتكواع وبيت إيل وإفراتا. فهذه هي مرابع صبا هويتنا الثقافية. ما هي بيت إيل؟ من وضع حجر الأساس لميراثنا فيها؟ وما هي إفراتا؟ من رعى قطعان الغنم في حقول إفراتا؟

كذلك لا أعتقد أنه ينبغي النظر إلى المستوطنين اليهود المقيمين في هذه الأماكن، ولا بشكل من الأشكال، كأنهم خارجون على إرادة الشعب. هناك مجموعة صغيرة متطرفة وهاذية تقيم في تل الرميضة وفي إيل - دافيد وأماكن أُخرى، لكن الأكثرية الساحقة من سكان يهودا والسامرة وقطاع غزة أناس أتعاطف معهم على المستوى الإنساني، وإن كنت أختلف معهم سياسياً.

  • على الخط المتصل بين يوسي سريد ويسرائيل هرئيل، أين تضع نفسك؟
  • تماماً في الوسط. نعم في الوسط. ففي كل ما له علاقة بحلم إقامة دولة إنسانية ومنفتحة وليبرالية، أنا أقرب أكثر إلى يوسي سريد. لكن بالنسبة إلى ذلك البعد في الحياة الإنسانية، أن يكون للحياة طعم ومعنى ورسالة، أن تعيش في خدمة قضية أكبر منك، أنا أكثر قرباً إلى أشخاص مثل يوئيل بن نون وشيلا غال. وأيضاً من ناحية الصلة بالماضي البعيد المشترك فيما بيننا.

أنا لا أحب تصنيف نفسي، أن أضع نفسي في أدراج. وعندما سئلت ذات مرة عما إذا كنت "حمامة" أم "صقراً"، قلت إنني أشعر بأنني "حمامة" على المستوى الخُلُقي و"صقر" على المستوى الوجودي. فعندما يتعرض كياني الوجودي للتهديد، أنا "صقر" بمقدار ما هناك ضرورة لذلك. لكن من ناحية ضرورة تطعيم وجودنا بمضمون من التسامح والتوجه الليبرالي والخُلُقي [....] فأنا قطعاً "حمامة".

أتفق مع اليمين في رؤيته للبيئة المحيطة بنا
واختلف معه في أننا لا نستطيع التأثير فيها

  • قلتَ أكثر من مرة إنه لا توجد خلافات جذرية بينك وبين اليمين من ناحية فهم الواقع الأساسي.
  • أتفق مع اليمين في رؤيته للبيئة المحيطة بنا. فنحن حقاً نعيش في بيئة غير بسيطة، في ما يشبه "فيلاّ" في وسط غابة. ففي الداخل، عندنا نظام ونوعية حياة عالية، أمّا في الخارج، من حولنا، فالبيئة هائجة وعاصفة جداً. وهذه بيئة لا تمنح الضعفاء فرصة ثانية، ولا ترحم من لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

وبالتالي، فإن الجدل بيني وبين اليمين ليس بشأن فهم الواقع الأساسي، بل بشأن ما ينجم عن هذا الفهم. فخلافاً لليكود، أنا أؤمن بأن التاريخ ليس راكداً، وبأننا نستطيع التأثير فيه بأعمالنا. وأؤمن كذلك بأنه لا يجوز أن نكون أسرى الهلع الذي لازمنا في الشتات، وعلينا أن ندرك أننا لسنا داخل هذه الغابة أرنباً ولا غزالاً، بل نحن نمر أو فهد، أو على الأقل أسد حضاري، وأننا أقوياء جداً.

وهكذا، فمن ناحيتي، وبالذات لأن الواقع الخارجي صعب، يجب ألا نستسلم أو أن يصيبنا القنوط. ويجب ألاّ نواجه هذا الواقع، كما يفعل الليكود، من خلال خوف ضاغط، يتلفع بعباءة من الطيش والتفاخر بالقوة، ينتج منها نبوءات قاتمة تحقق ذاتها. وأنا لا أقبل ادعاء اليمين أنه لا يوجد هناك ما نفعله. علينا أن نمعن النظر في الواقع بيقظة وبهدوء نفسي، ومن خلال الإحساس بالقوة والثقة بالنفس. وعلينا أن نفهم، وبالذات لأننا قد نجد أنفسنا في مواجهة ظواهر تاريخية صعبة خارجة على سيطرتنا - كموجة جديدة من الأصولية الإسلامية أو سلاح نووي في حيازة دولة عربية - علينا أن نشخّص بصورة صحيحة ما هي الدائرة الداخلية لمصالحنا الحقيقية، وأن نركز عليها. وعلينا أن نخضع توقعاتنا للحساب، وأن نبذل جهداً معقولاً لتخفيف حدة توتر الصراع في الحلقة الداخلية المحيطة بنا.

  • تحتل فكرة نافذة الفرص موقعاً مركزياً في فكرك. فهل المقصود بذلك الفترة الزمنية بين انتهاء التهديد الوجودي كما عرفناه في الماضي، وبين الظهور الممكن لتهديد وجودي من نوع جديد؟
  • أقصد بذلك الوضع الذي نشأ منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وبالتحديد منذ هزيمة العراق في حرب الخليج؛ هذا الوضع الذي نمتلك فيه تفوقاً على محيطنا كله. فلو كان الشرق الأوسط يحلق في الفضاء، في مركبة فضائية معزولة عن أي وجود آخر، لقلتُ: ما الذي يدعونا إلى العجلة؟ لقد حاربنا مئة عام، فلنحارب عشرة أو عشرين عاماً آخر.

لكن نظراً إلى أن الشرق الأوسط ليس منعزلاً عن العالم، ولأن هناك أبعاداً أُخرى، فإني أعتقد أن علينا أن نحسم أمرنا. علينا أن نُدخل المنطقة في إطار اتفاقات سياسية في الأعوام القريبة المقبلة. توجد سلسلة من الظواهر - أصولية، إرهاب، وسائل حديثة ومتطورة لإطلاق الصواريخ، أسلحة للإبادة الجماعية عامة وأسلحة نووية خاصة - من شأن تضافرها معاً أن يجعلها قابلة للانفجار، وسيكون انفجاراً خطراً جداً. فإذا لم نتصرف بحكمة، من خلال استغلال نافذة الفرص، فقد نوجِد في المستقبل ذلك الخطر الوجودي الذي لم يعد قائماً في الحاضر.

ومن هنا خطورة الانقلاب السياسي [الذي أحدثته الانتخابات] سنة 1996، لأن الانتظار في ظل الأوضاع السائدة هو تصرف غير مسؤول، ولا سيما أنه ليس أكيداً أن الوقت يعمل لمصلحتنا. لست متأكداً من أن في الإمكان حل هذا الصراع خلال خمسة أو ستة أعوام. وعلى أية حال، لا يجوز أن نقبل بالحل السياسي بأي ثمن، ولا يجوز أن نصل إلى وضع نمارس فيه ضغطاً نفسياً على أنفسنا، لكن يجب أن ندرك أن السلام هو فعلاً مصلحة أمنية عليا وأنه حتى إذا اتضح أنه لا يمكن تحقيقه، فعلينا على الأقل أن نكون متأكدين من ذلك، لأننا جربنا التوصل إليه. وعلينا أن نكون قادرين على القول لأبنائنا إن حكومات إسرائيل بذلت كل جهد معقول من أجل إحلال السلام، ومن أجل الحؤول دون استئناف الحروب.

  • قمتَ بدور مركزي في المفاوضات مع السوريين. واستناداً إلى الخبرة التي راكمتها، أطلب منك الإجابة عن سؤالين بسيطين: هل في مقابل تنازل كامل عن الجولان يمكن التوصل إلى سلام مع السوريين؟ وهل من دون التنازل الكامل عن الجولان يمكن تحقيق السلام مع السوريين؟
  • بحسب تقديري، إن السوريين مستعدون لسلام وفقاً للنموذج المصري. ومعنى ذلك الحصول على جميع أراضي [الجولان] حتى ذرة الرمل الأخيرة فيها، وتفكيك المستوطنات، وعدم فرض قيود جوهرية على الجيش السوري، وتحقيق التطبيع على مدى جيل من العمر، أي ببطء شديد.

وهذا النموذج غير كافٍ من ناحيتنا؛ ذلك بأن السلام مع السادات كان له دور خاص في شق الطريق، ولأن الجولان ليس سيناء، وأيضاً لأن التسوية مع السوريين ستغلق دائرة اتفاقات السلام في الحلقة الداخلية لجيراننا. ولذا، يجب أن ندعمه بآليات تطبيع تحول دون الانجراف نحو العنف مجدداً.

لهذه الأسباب، نحن لسنا مستعدين لأن نقبل بهذا النوع الضعيف جداً من السلام الذي يريده [الرئيس] الأسد، سلام حتى أنقص من السلام مع مصر.

هل يمكن التوصل إلى سلام مع السوريين من دون إعطاء هضبة الجولان؟ لا أستطيع الرد على هذا السؤال بثقة. آمل بأن يحدث ذلك.

  • هل صحيح القول إن المفاوضات مع السوريين تجري تحت عبء السابقة مع مصر؟
  • من دون أدنى شك. وهذا هو العبء الملقى علينا. والمشكلة الحقيقية ناشئة عن وجود سابقة بالنسبة [إلى الرئيس] الأسد، فهو يقول أنه لم ينتظر سبعة عشر عاماً ليحصل على أقل مما حصل المصريون عليه. هذا هو أساس موقفه. في المقابل، ومن ناحيتنا، هناك أهمية خاصة لضرورة عدم تكرار هذه السابقة، وخصوصاً في الوقت الذي ندخل فيه مفاوضات مع الفلسطينيين بشأن الحل الدائم.
  • ما تقوله عملياً هو أن السلام وفق الصيغة المصرية أمر يمكن تحقيقه، لكن لا يجوز الموافقة عليه؟
  • بالضبط. لا يمكن أن نأخذ السلام مع مصر ونفرضه فرضاً على واقع مغاير تماماً مع سورية. فمثل هذا الأمر سيكون عملاً غير مسؤول.
  • من ناحية أمنية، هل هناك فارق كبير جداً بين الحدود الدولية مع سورية وبين خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967؟
  • من ناحية أمنية، الفارق ليس كبيراً جداً. إنه مهم من ناحية عملية في عدد من الأماكن، ومن ناحية مبدئية في عدد آخر. وهو مهم رمزياً. لكن بحسب رأيي، فالحدود الدولية أيضاً ليست من الأمور التي يجب أن نتعهد بها للسوريين.

بادئ ذي بدء، يجب أن نرى ما الذي لدى السوريين هم على استعداد لتقديمه من ناحية الترتيبات الأمنية، ونظام الإنذار، وتخفيض القوات وبنية الجيوش، والتسويات الأمنية والتسويات المتعلقة بالتطبيع. وعندئذ نجلس ونفكر في ما لدينا استعداد للانسحاب منه.

ومن ناحيتي، أكتفي بالصيغة التي وضعها يتسحاق رابين في حينه: "عمق الانسحاب كعمق السلام." أو بالصيغة التي أقترحها: "عمق الانسحاب كعمق السلام ونوعية الترتيبات الأمنية."

فإذا كان [الرئيس] الأسد قادراً على ضمان سلام بيننا كالسلام القائم بين هولندا وبلجيكا، فهناك ما يمكن الحديث عنه. لكن إذا لم يكن قادراً - وهو غير قادر - فليس واضحاً البتة أنه يستطيع الحصول على انسحاب كامل.

  • هل أنت من القائلين إنه لا يجوز، في أية حال من الأحوال، أن نوافق على خط الرابع من حزيران/يونيو 1967؟
  • نعم، لا يجوز ذلك في أية حال من الأحوال.
  • هل من الصحيح القول إن في أساس المفاوضات مع سورية تفاهم "جنتلمان" إسرائيلياً - أميركياً غير مكتوب وغير موقّع، فحواه أنه في حال الاستجابة لمطالب إسرائيل الأمنية تنسحب إسرائيل من الجولان؟
  • هذا القول ليس دقيقاً تماماً. أولاً، الأمر لا يتعلق بمطالب أمنية، بل بتحقيق مطالبنا الأمنية كافة. وهنا أؤكد: المطالب كافة معناها، بين أمور أُخرى، كل ما له علاقة بالإنذار المسبق، ببناء القوات، بالإرهاب، بالمياه، بالتطبيع وبالتعاون الاقتصادي. ثانياً، إن ما هو موجود لدى الأميركيين ليس تعهداً بل تصورات نقلها يتسحاق رابين إليهم، وإليهم فقط. وعلى حد علمي، حظر عليهم بوضوح نقل ذلك إلى السوريين. لقد قُدم ذلك إلى الأميركيين ليتمكنوا من التوجه إلى [الرئيس] الأسد بضمير هادئ والقول له إنّ أمامه محاوراً جاداً، وإنّ ليس هناك محاولة لاستغفاله أو تحقيره.
  • هل الانتشار الجديد للقوات السورية في منطقة البقاع وعلى منحدرات جبل الشيخ خطوة محدودة الأهمية، أم أن الأمر يتعلق ببداية تغيير أساسي لقواعد اللعبة في المنطقة؟
  • إن ما يجري على الجبهة الشمالية محاولة سورية للتلميح إلى أن البديل من المفاوضات الجادة ليس الوضع الراهن فقط، بل أيضاً الاحتكاك والتدهور. إنهم يحاولون التلميح إلى أنهم في أوضاع معينة لا يستثنون إمكان استخدام القوة، على نحو محدود من حيث الأهداف، لكن غير محدود من حيث الحجم والدلالة السياسية. كما يبدو الأمر، إذا كانت المسألة مجرد تلميح ليس وراءه قدرة أو نية مبيّتة، فهو ليس مهماً.

وفي استطاعتهم أن يواصلوا ذلك، وفي استطاعتنا تجاهله. لكن المشكلة هي أن مثل هذه التداعيات في الشرق الأوسط يمكن معرفة أين سيبدأ ولا يمكن معرفة أين سينتهي.

[.......]

بنيامين نتنياهو:
شرق أوسط جديد؟
يا لها من فكرة مسلية[2]

[.......]

  • اقتحمتَ الساحة الدولية سنة 1983 بمقال شامل نشرته في Wall Street Journal، وقلت فيه إن المشكلة الفلسطينية ليست هي لب الصراع الشرق الأوسطي. هل هذه هي وجهة نظرك اليوم أيضاً؟
  • في رأيي، إن المحرك الأساسي للصراع هو الصدام بيننا وبين العالم العربي، الذي اعتبرَنا، وإلى حد ما لم يزل يعتبرنا، عنصراً أجنبياً ليس له الحق في الوجود في هذا المكان. المشكلة الفلسطينية هي نتيجة هذا الصدام لا السبب الأساسي لنشوئه. من الافتراضات الرائجة جداً في البلد أننا إذا حللنا المشكلة الفلسطينية فسنحل الصراع الإسرائيلي - العربي. أنا لا أوافق على هذا الافتراض. ليته كان صحيحاً.

حتى لو توصلنا إلى تسوية ثابتة مع الفلسطينيين، وهذا ما آمل به وأؤمن به، فلن نحل الصراع الإسرائيلي - العربي في مجمله. هذا الصراع سينتهي فقط عندما يقتنع العالم العربي بأسره، وكذلك إيران غير العربية، بأن إسرائيل حقيقة قائمة أو، كبديل، عندما تحدث في الدول المحيطة بنا إصلاحات ديمقراطية.

  • تميّز في كتابك بين السلام الكَنْتِيّ [نسبة إلى عمانوئيل كنت]، الذي هو سلام منسجم يمكن أن يسود بين ديمقراطيات فحسب، وبين سلام الردع، سلام القوة، الذي يمكن المحافظة عليه أيضاً في الشرق الأوسط بحالته الراهنة. هل ما تقترحه علينا هو أن نحد من توقعاتنا؛ أن نكون متواضعين أكثر كثيراً في تصورنا للسلام؟
  • إن إحدى مشكلاتنا هي أننا نغذي توقعات غير حقيقية. من الضروري أن يكون لدينا دائماً تطلع وأمل؛ فمن دون ذلك من المحال التقدم، من المحال العيش، وبهذا المعنى، فإن حياة الشعب تشبه حياة الفرد. لكن من ينفصل عن الواقع، من يحلّق في الأوهام ويفقد الصلة بالواقع، فمآله السقوط والتحطم على صخور واقع الشرق الأوسط.

إننا، فيما يتعلق بهذا الأمر، نميل بين فينة وأُخرى إلى تنمية توقعات عالية ووردية للغاية، تتلوها لحظات من اليأس. وإنني، في المقابل، أقترح أن ننظر إلى بيئتنا بصورة أكثر اتزاناً وروية، وأن نفهم أن العداء الأساسي تجاه إسرائيل لا يزال واسعاً للغاية. لذلك، فإن قدرتنا على التوصل إلى سلام مع جيراننا قائمة في الدرجة الأُولى بفضل قوتنا الرادعة، وبسبب تقدير أوساط عريضة في العالم العربي أن إسرائيل تملك قوة كبيرة. وفي اللحظة التي يتحطم فيها هذا التقدير، فإن التقدم السياسي كله الذي حققناه حتى اليوم سيتحطم أيضاً.

  • هل ترفض فوراً فكرة الشرق الأوسط الجديد؟
  • هذه الفكرة سمة نموذجية لأناس يعيشون في حصار طويل، ويريدون تغيير ما يجري وراء الأسوار عن طريق تخيل واقع مختلف. أنا لا أبتنى سيكولوجية المحاصرين هذه. إنني أتطلع بصورة موضوعية إلى ما يجري هناك في الخارج، وأعلم بأن استعداد العرب، في المستقبل المنظور، للقبول بدولة إسرائيل والعيش معها بسلام في ظل هذه التسوية السياسية أو تلك لا يزال مرهوناً بقدرتنا على أن نوضح لهم أننا لسنا حدثاً عابراً.

هناك حديث كثير عن التطبيع. والتطبيع والتغيرات السيكولوجية والعلاقات الاقتصادية هي فعلاً أمور شديدة الأهمية، وعلينا تنميتها. لكن يجب أن نفحص ما يجري، مثلاً، للتطبيع بيننا وبين مصر بعد عشرين عاماً. يجب أن نفحص مدى عمق التصور هناك بأن السلام مع إسرائيل هو وضع غير قابل للعكس. يجب أن نفحص إلى أي مدى استوعبت النخبة المصرية، فعلاً، قول السادات: "لا حرب بعد اليوم، لا سفك دماء بعد اليوم."

الجواب، مع الأسف، هو أن هذا القول لم يُستوعب هناك بما يكفي. إنني أتذكر يتسحاق رابين، رحمه الله، يتحدث معي بحدة شديدة للغاية، وحتى بمرارة، عن موقف مصر منا؛ عن أن في مصر أمواجاً ترتفع وتهبط، ولا يوجد ثبات في موقف النخب القائدة تجاه إسرائيل. ويُضاف إلى ذلك حقيقة أن ظاهرة ناصرية جديدة تتفشى اليوم بين شرائح مصرية مهمة.

ما الذي يحافظ، والحالة هذه، على السلام مع مصر؟ يحافظ عليه ثلاثة أمور: الأول، استيعاب معين للسلام مع إسرائيل لدى قسم من القيادة المصرية؛ والثاني، مقدار جزئي، جزئي جداً، من التطبيع؛ والثالث، الردع والترتيبات الأمنية الفعالة. ومن بين هذه الأمور الثلاثة، يشكل الردع والترتيبات الأمنية الشرط الحتمي، الذي من دونه لا يمكن أن يكون هناك تطبيع، ومن دونه لا يمكن أن يكون هناك استيعاب. مع ذلك، من المهم أن أؤكد أن هناك أيضاً تطورات إيجابية كثيرة في علاقاتنا بمصر، ويجب أن نشجعها بكل وسيلة. إنني أيضاً أعتبر الرئيس مبارك شريكاً في دفع هذه التطورات إلى الأمام. لكن يجب أن يكون واضحاً لدينا أن ثمة شكّاً كبيراً في أن تتمكن إسرائيل ضعيفة من المحافظة على علاقات سلام بمصر.

حتى إشعار آخر
نحن نعيش في الشرق الأوسط
في عصر "الأسوار الحديدية"

  • هل يجب إذاً الاستمرار في سياسة "السور الحديدي"؟
  • حتى إشعار آخر نحن نعيش في الشرق الأوسط في عصر "الأسوار الحديدية". ما تفعله الأسوار الحديدية هو أنها تشتري لنا الوقت، والأمل هو أن تحدث في العالم العربي، بمرور هذا الوقت، تغييرات داخلية إيجابية تمكننا من خفض الأسوار الواقية وربما حتى الاستغناء عنها في يوم من الأيام. إن هذه العملية جارية فعلاً بالتدريج، لكن كي تكتمل، علينا أن نجعل العالم العربي يفهم، بصورة لا رجعة فيها، أن الفكرة القائلة إننا سنختفي من هنا في فكرة باطلة، وأنه خلافاً لما يفكر فيه قسم من النخب في الدول العربية، فإن إسرائيل ليست نوعاً من كيان صليبي جديد آخذاً في التقلص، ومآله إلى التلاشي في وقت ما.

في هذا السياق، عليّ أن أقول إن إحدى المشكلات التي اكتشفتها عندما توليت هذا المنصب هي أنه حدث في الأعوام الأخيرة تأكّل مطرد في قوتنا الرادعة. لقد ارتكبت الحكومة السابقة خطأً مفاهيمياً فادحاً: قدّرت أن السلام بمفرده سيوفر الأمن، ولذا سمحت لنفسها بعدم تنمية قوتنا، وكان لا بد من أن ينتج من ذلك أيضاً تراجع واضح في حافز الخدمة في الجيش الإسرائيلي وتأكّل في مِنعتنا الوطنية. ونشأ نتيجة ذلك مسار خطر للغاية اتسم بالإقدام على مجازفات سياسية وعسكرية في الوقت نفسه، وبتأكل أمني مترافق مع تقلص جغرافي. إنني أعتزم تغيير هذا الاتجاه. وقد بدأت ذلك. إنني أعتقد أنه إذا نُظر إلى إسرائيل على أنها ضعيفة في المفاوضات الشديدة الصعوبة بشأن الوضع الدائم، فسيكون هناك ذريعة لمهاجمتها. يجب أن نفهم أن معاهدات السلام تدعم الأمن حقاً، لكنها لا يمكن أن تشكل بديلاً منه. بل العكس هو الصحيح. إن القوة العسكرية شرط للسلام. وإبراز قوة الردع بوضوح شديد هو وحده الكفيل بالمحافظة على السلام وتوطيده.

[.......]

  • ما هو تقويمك للوضع الاستراتيجي؟ ما هي الوجهة الحقيقية للواقع المحيط بنا؟
  • يدور في الشرق الأوسط اليوم تنافس بين مسارين لا يكاد يوجد لإسرائيل تأثير فيهما: مسار التطرف ومسار الاعتدال. وللأسف، إن المتطرفين أقوى في هذه المرحلة من المعتدلين، وفي لحظة ما، يمكنهم تحويل المعتدلين أيضاً إلى متطرفين. نظراً إلى ذلك، فإنني أجد فكرة الشرق الأوسط الجديد مسلّية بنوع خاص، ذلك بأننا منذ سنة 1979 نعيش فعلاً في شرق أوسط جديد. إننا نواجه ظاهرة إسلامية عامة لم يكن لها مثيل خلال ألف عام.

من جهة أُخرى، هناك حقاً ظاهرة مضادة تتسم بالاعتدال وموالاة الغرب في دول مختلفة، حتى في سورية. وهذه الظاهرة هي رد العرب على الوضع الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؛ إذ يوجد قطب واحد فقط مهيمن في النظام الدولي، وهو القطب الأميركي. لكن هذا الوضع موقت بالتأكيد. فالقطب الأميركي لن يبقى مهيمناً فترة طويلة. وابتداء من مطلع القرن الحادي والعشرين، سينشأ نظام عالمي يكون فيه خمسة أقطاب على الأقل: الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان والهند، وسيحاول كل واحد منها العمل في منطقتنا. وتلوح بوادر هذه الظاهرة منذ الآن. لهذا، سنضطر خلال فترة قصيرة جداً إلى التعلم كيف نناور في عالم جديد، متعدد الأقطاب.

دلالة هذه الأمور هي أن إسرائيل، خلافاً لما وُعدنا به في الأعوام الأخيرة، لم تصل إلى شاطئ الأمان. الصراعات في الشرق الأوسط لن تتوقف، والتاريخ طبعاً لن يبلغ نهايته. حتى لو وصلنا إلى سلام تعاقدي مع جميع جيراننا - وأنا بالتأكيد أؤمن بأن هذا ممكن، وبأنه في متناول اليد، ربما حتى في فترة ولاية الحكومة الحالية - فإن هذا السلام التعاقدي لن يضمن زوال مشكلة الأمن من جدول الأعمال، ولن يعني أن الناس سيعيشون في طمأنينة وسلام. ينبغي أن نفهم أنه في العالم المركّب الذي نلجه، وفي المنطقة المعقدة التي نعيش فيها - منطقة لم يمر بها الإصلاح الديمقراطي بعد، منطقة توجد فيها حركة إسلامية قوية للغاية - فإن الأطر التي تبدو في ظاهر الأمر مستقرة، وأيضاً التسويات السلمية، ستكون دائماً هشة. علينا أن نفهم أن الشرق الأوسط منطقة رمال متحركة. علينا أن نفهم، من جملة أمور أُخرى، أنه إذا تسلحت إيران، أو عندما تتسلح، بسلاح نووي، فإن جميع معادلات القوة في المنطقة ستتغير، وجميع الاتفاقات السلمية التي وقعناها والتي سنوقعها، ستتعرض عندئذٍ لضغط شديد للغاية.

إن رد اليسار على هذا التهديد هو تقديم تنازلات قصوى بسرعة قصوى لتقف الاتفاقات التي ستوقَّع سدّاً أمام الطوفان المقبل. في رأيي، إن هذه المقاربة غير واقعية؛ إذ إنها تحاول أن تفرض أمانينا على واقع صعب. أعتقد أن علينا ألا نوهم أنفسنا بأن حلولاً جزئية ومتسرعة في بيئتنا القريبة ستحل مشكلاتنا المتعلقة بالوجود، والتي يجب أن نتصدى لها.

[.......]

  • بين العالم الأيديولوجي الذي أتيت منه وبين الواقع السياسي الذي ورثته يوجد تناقض واضح. هل يدل قرارك بتنفيذ الانسحاب من الخليل وإقامة حوار متواصل مع عرفات والاستمرار في خط أوسلو على أن الواقع انتصر؛ على أنك ماضٍ في الانفصال عن تراثك الأيديولوجي؟
  • كلا. هذا غير صحيح. إذا فحصتَ جيداً ما فعلتُه منذ أن توليتُ هذا المنصب، فسترى أنني أنفذ بالضبط ما وعدت الناخب به. قلت قبل الانتخابات إنه على الرغم من كل انتقاداتي لاتفاق أوسلو، فلن أمتنع من تطبيقه - مع مراعاة سياستنا وخطوطنا الأساسية. وهذا الضبط ما أفعله.

يجب أن نفهم أمراً واحداً. إن أوسلو إطار لم يُصمَّم جيداً، ولا سيما في بعده الأمني. إن اتفاق أوسلو اتفاق ينطوي على كثير من الإهمال والغموض، وهو حافل بالثغرات، وقد جرت بلورته من دون عمل طواقم منظم ومن دون إشراك العناصر الأمنية والاستخباراتية في إعداده. وعلى الرغم من أنه لا يملي طبيعة الحل الدائم، فإنه يرمز إلى اتجاه غير محبذ للغاية. في الواقع، كان هناك وراء أوسلو افتراض واضح خلاصته أن الطرفين يريدان إقامة دولة فلسطينية، وبالتالي أراد الطرفان إيجاد إطار لا يخيف الجمهور الإسرائيلي أكثر مما يجب، وإنما يجعله "يبلع" الفكرة بالتدريج من أجل إعداده لهذه النتيجة.

وكانت محصلة ذلك أنه لم يكن هناك خلال تطبيق مراحل أوسلو إصرار على التبادلية، لأن الجانب الإسرائيلي، في أغلبه، أراد أن يعطي في أية حال. ونشأ هنا نمط فحواه أن الجانب الإسرائيلي يعطي والجانب الفلسطيني يأخذ. وهذا نمط خطر للغاية إذا كان في نيتك أن توقف مسار التنازلات في نقطة مستقبلية ما. كل من يدرك ما هي حياة الدولة عليه أن يفهم أنه إذا استمر المسار القائم على أننا يجب أن نستجيب لكل ما يطلبه الطرف الآخر، فإن هذا المسار سيؤدي في نهاية الأمر إلى إلغاء دولة إسرائيل.

  • تتحدث في كتابك عن ظهور قومية فلسطينية منفصلة وكأنها مناورة من جانب القومية العربية، وكثيراً ما تضع مصطلح الشعب الفلسطيني بين قوسين مزدوجين. هل تعترف اليوم بوجود الشعب الفلسطيني وبحقه في الوجود؟ هل تعترف بأن لديه حقوقاً شرعية غربي نهر الأردن؟
  • لقد بدأت القومية الفلسطينية فعلاً كأداة للقومية العربية، وكانت في الأساس أداة في يد [جمال] عبد الناصر. لكنها اكتسبت بعد تكوّنها حياة خاصة بها. وأعتقد بالتأكيد أنه يجب الاعتراف بأن هذا التطلع المنفصل موجود. وما أحاول فعله ليس رفض وجود هذه الظاهرة، بل العكس: تعريفها بدقة.

ما أقوله هو أن القومية الفلسطينية لا ينحصر مجالها في يهودا والسامرة وغزة. فهي، من جهة، تمتد إلى الأماكن التي فيها الجوالي الفلسطينية في الأردن ولبنان وأماكن أُخرى، وهي من جهة أُخرى تتغلغل بسرعة شديدة بين عرب إسرائيل. ومن يحاول الادعاء أن ثمة هوية ما منفصلة في يهودا والسامرة وغزة، لا تخرج عن ذلك الإطار، فإنه ببساطة على خطأ. لذلك، فالمشكلة هنا صعبة للغاية.

إننا نواجه قومية فلسطينية، هي فرع من شجرة القومية العربية الكبيرة الشاملة، تنطوي على نزعة تحرير قومية (irredentist) عميقة جداً تطمح إلى تطبيق الميثاق الفلسطيني - الذي لم يلغ بعد - على باقي منطقة دولة إسرائيل، على "فلسطين" بأكملها. إن أتباع ميرتس يفترضون أننا إذا أعطينا هذه الحركة ما تطلبه في المرحلة الأُولى - دولة في مناطق يهودا والسامرة وغزة ونصف القدس - فإن المجال الجغرافي لتطلعاتها القومية سيتحدد، وسيتوقف عند حدود الخط الأخضر. إنني أعتقد أن هذا الافتراض، ببساطة، غير واقعي. يجب على كل عاقل أن يفهم أننا إذا وافقنا، بصورة تلقائية وبلا قيود ومن دون تفكير متعمق، على ما أسميه المبدأ الفلسطيني، المبدأ القائل إن الأقلية القومية الفلسطينية في يهودا والسامرة لها الحق في تقرير المصير، فإن هذا المبدأ سينتقل بالضرورة إلى الأقلية القومية داخل دولة إسرائيل نفسها. هذا الأمر لن تكون له نهاية. هذا المبدأ سيقتطع منا المزيد فالمزيد. سيقتطع من القدس ومن عكا ومن حيفا. وسيقتطع منا أيضاً في داخل تل أبيب - يافا.

  • هل معنى ذلك أنك تنظر إلى الفلسطينيين على أنهم أقلية قومية فحسب؟ هل حجتك أنه ليس لهم حق في تقرير المصير، لكونهم أقلية قومية؟
  • هذا لب الموضوع. هذه المسألة معقدة جداً. بمعنى ما، كان القرن الحالي صراعاً بين الفكرة فوق القومية التي مثلها لينين وبين الفكرة القومية التي مثلها ويلسون. وويلسون هو الذي انتصر.

لكن ما نراه على عتبة نهاية القرن هو النزوع إلى التطرف وتشويه فكرة ويلسون القائلة بتقرير المصير. الافتراض الشائع الآن هو أن كل أقلية قومية تطلب الاستقلال يجب أن تحصل عليه لمجرد أنها تطلبه... لكن هذه الصيغة تشكل وصفة مجربة لتحطيم النظام الدولي وتفتيت عشرات الدول. إذا قُبلت، فإنها ستسبب عدم استقرار مطلقاً في شرق أوروبا ووسطها، وبالتالي في غربها، وربما أيضاً في أجزاء من أميركا الشمالية.

أمّا عندنا، فالمشكلة أكثر حدة. إن الانسجام الهش للغاية القائم بيننا وبين عرب إسرائيل، والذي يمكّنهم من الاندماج في إسرائيل كمواطنين متساوين في الحقوق بكل معنى الكلمة، يستند إلى إدراكهم أن الدولة قوية بما فيه الكفاية، وليس هناك أية فرصة لأن تسلخ من ذاتها المناطق التي يعيش عرب إسرائيل فيها. لذلك، أعتقد أنه يتعين حتى على الإسرائيليين الذين لا يشعرون بذلك الارتباط العميق بقلب أرض - إسرائيل، الذي أشعر به أنا، أن يفهموا أنه إلى جانب الخطر الأمني الناجم عن التخلي عن مناطق يهودا والسامرة لدولة أجنبية ذات سيادة أجنبية، هناك خطر لا يقل عن ذلك فداحةً ناجم عن الإقرار بفكرة تقرير المصير لكل جمهور يطلب تقرير المصير.

الجدل في شأن الدولة الفلسطينية
مصطنع، ولا يمس جذور
التوافق القومي بين اليمين واليسار

  • معنى ذلك، بحسب رأيك، أن دولة فلسطينية تتمتع بسيادة مطلقة في معظم مناطق يهودا والسامرة وغزة ستشكل خطراً يهدد وجود دولة إسرائيل بكل معنى الكلمة؟
  • إنني أرى أخطاراً ملموسة بالنسبة إلى دولة إسرائيل، من شأنها أن تنمو نتيجة قيام مثل هذه الدولة. وأعتقد أيضاً أن الجدل الدائر في صفوف الجمهور الإسرائيلي اليوم، بين الذين يزعمون أنهم يؤيدون دولة فلسطينية وبين الذين يعارضونها، هو جدل مصطنع؛ جدل لا يمس جذور التوافق القومي العريض الذي يجمع بين المعسكرين. عندما أسأل أناساً يزعمون أنهم يؤيدون إقامة مثل هذه الدولة عن رأيهم، يقولون لي: دولة فلسطينية، أجل، لكن شرط ألا يكون لديها دبابات وطائرات وصواريخ؛ دولة فلسطينية، أجل، لكن شرط ألا يكون لها سيطرة على مجالها الجوي؛ دولة فلسطينية، أجل شرط ألا يكون لها قدرة على إبرام أحلاف عسكرية مع العراق وإيران؛ دولة فلسطينية، أجل، لكن شرط ألا يكون في استطاعتها إدخال آلة حفر في الأرض وضخ مياهنا؛ دولة فلسطينية، أجل، لكن شرط ألا يكون في استطاعتها جلب مليونين - ثلاثة ملايين لاجئ وتوطينهم على حدود وادي عارة أو في ضواحي تل أبيب أو حول القدس. لكن مثل هذه القيود على السيادة غير موجود في أي مكان من العالم. لا توجد أية دولة في العالم مجردة من السلاح بصورة مطلقة. لا توجد أية دولة ليس لها الحق في الدفاع عن النفس، والحق في التسلح، والحق في السيطرة على حدودها، والحق في إبرام أحلاف عسكرية.

ولذا، فعندما تطلب الأكثرية الساحقة من الإسرائيليين فرض جميع هذه القيود على السلطة الفلسطينية، فإنها في الواقع تعارض فكرة السيادة الفلسطينية. إنها تطرح مطالب لا تنسجم مع فكرة السيادة كما هي مفهومة اليوم في العالم. من هذه الناحية، فإن الفارق بيني وبين أولئك الذين يتحدثون عن الدولة الفلسطينية ببساطة لا تُحتمل وخفة غير مسؤولة، ويدعون إلى إعطاء الفلسطينيين دولة ونتخلص من المشكلة، هو أنني أكثر وعياً منهم لدلالات مصطلح الدولة. إنني أعي أن زخم السيادة يتغلب دائماً على جميع الترتيبات التي يحاولون بواسطتها تكبيلها أو تقييدها. إنني أعي حقيقة أنه على امتداد القرن العشرين، في كل مكان حدث فيه تنافس بين سيادة سياسية وترتيبات نزع سلاح، انتصرت السيادة السياسية وبثمن فادح جداً من الدماء. ويصح ذلك أيضاً بالنسبة إلى الشعب اليهودي.

ولهذا، أعتقد أنه سيتبين في نهاية الأمر، فيما يتعلق بهذه المسألة، أن الخلافات في الرأي بيننا أصغر مما يحسبون. إنني مقتنع بأنه سيكون في الإمكان التوصل إلى توافق وطني واسع على تسوية تتيح للفلسطينيين درجة لا بأس فيها من الاستقلال، بينما تبقى الصلاحيات العليا، ولا سيما في المجال الأمني، في يدنا. على هذا الأساس، من الممكن التوصل إلى تسوية مستقرة، وفي الفترة المقبلة من ولاية الحكومة.

  • فيما يتعلق بهضبة الجولان، التي تشكل الحرب البديل بالنسبة إليها، ألست على استعداد للنظر في الانسحاب إلى الحدود الدولية؟
  • أولاً، وقبل كل شيء، لست على استعداد لإدارة مفاوضات تحت التهديد. لكن عندما ندخل هذه المفاوضات سندخلها بمطالبة مماثلة لمطالبة السوريين. إذا طالبوا بهضبة الجولان كلها فسنفعل ذلك نحن أيضاً. لست أرى سبباً يدعونا إلى الإقلال من مطالبنا. وكما أنني لا أقول للأسد ما ينبغي ألا يطالب به عند دخول المفاوضات، فإني أتوقع أيضاً ألا يقول لي مسبقاً ما ينبغي ألا أطالب به.

المشكلة فيما يتعلق بالجولان أمنية أساساً. توجد لدينا فعلاً روابط عميقة جداً بالجولان [....] لكن على الرغم من وجود الرابطة العاطفية القوية، فإن هذه الرابطة ليست الأمر الأساسي. الأمر الأساسي هو المسألة الأمنية. يقول الناس لي: لقد أعطيتم مصر كل سيناء. هذا صحيح، طبعاً. لكن لدينا هناك، على الحدود المصرية، عمقاً استراتيجياً يبلغ مداه 200 كلم. أفترض أنه لو كان لدينا عمق استراتيجي يبلغ مداه 200 كلم في هضبة الجولان لاستطعنا بيسر أن نبلور تسوية مماثلة مع السوريين. الصعوبة هي فعلاً أنه لا يوجد لدينا عمق استراتيجي على الحدود الشمالية، بل يوجد ارتفاع استراتيجي، وهذا سنفقده إذا نزلنا من هضبة الجولان وجبل الشيخ.

يقول الناس لي هناك اليوم صواريخ في العالم، وفي عصر الصواريخ المساحة ليست مهمة. هذا صحيح، الصواريخ مشكلة لكن الدبابات أيضاً مشكلة، والدبابات التي تأتيك من الأعلى إلى الأسفل مشكلة مضاعفة. بمعنى معين، في عصر الصواريخ، تصبح المساحة بالذات أكثر حيوية، لأن التشكيلات الأرضية للطرف الآخر تتمتع الآن بمساندة صواريخ أرض - أرض قادرة على إرباك انتشار جيشنا الاحتياطي وعرقلة الدفاع عن الحدود. ولذا، فإن حاجات الدفاع الأرضية لا تزول في عصر الصواريخ بل تكتسب مزيداً من الأهمية. ويوجد للأماكن المرتفعة طبعاً أهمية عليا بالنسبة إلى الأغراض الاستخباراتية. نظراً إلى جميع هذه الأمور، فإن المشكلة فيما يتعلق بالجولان هي أولاً وقبل كل شيء مشكلة أمن.

لا يكفي الكلام على التطبيع مع سورية، الذي سيكون في أحسن الأحوال بارداً جداً، ولا يكفي الكلام على استيعاب [السلام] والتغيرات السيكولوجية، التي ستكون في أحسن الأحوال جزئية جداً. يتعين علينا أن نبقي أساس الردع في أيدينا، وللمحافظة على أساس الردع، نحن بحاجة إلى ترتيبات أمنية كافية. هذه هي المشكلة التي نواجهها والتي سنضطر إلى مجابهتها حول طاولة المفاوضات.

[.......]

أنا متفائل جداً لأن إسرائيل
متأهبة لاقتصاد المعلومات أكثر من
أية دولة أُخرى في العالم

  • قلت في عدة مناسبات إن الصهيونية تواجه اليوم أخطاراً وفرصاً لم يكن لها مثيل في تاريخها.
  • كما قلت لك، إننا نسير نحو العالم السياسي للقرن الحادي والعشرين، الذي سيكون عالماً متعدد الأقطاب، وبالتالي معقداً وغير مستقر. وستكون مهمتنا الأساسية أن نتعلم كيف نناور في هذا العالم الجديد. في هذا العالم سنواجه تهديدين: من جهة، هناك التهديد الداخلي المتمثل في النزعة التحريرية القومية الفلسطينية؛ ومن جهة أُخرى، هناك التهديد الإسلامي. الرد على التهديد الأول يكمن في تنصل فلسطيني شجاع من الرؤية التحريرية القومية. يوجد هناك بين الفلسطينيين من تخلوا عن هذه الرؤية الهدامة. لكن يوجد أيضاً اتجاه معاكس. ينبغي ألا يكون هناك شك في ذلك. تتردد يومياً تصريحات عن تحرير كل فلسطين وعن مواصلة الجهاد وعن حق العودة. وهذه أقوال لها دلالتها. الكلمات لها دلالة. إنها تحافظ على الحلم وتؤثر في التفكير، والتفكير يؤثر في الأعمال. ولذا، هناك ضرورة لتنصل واضح وحازم وشجاع، من جانب القيادة الفلسطينية المركزية كلها، من الفكرة التحريرية القومية.

أمّا التهديد الآخر، الإسلامي، فليس له في تقديري حل سهل. الحل المتاح، في تقديري، بعيد عن البيت. إن الذين يعتقدون أننا سنحل هذه المشكلة فقط بواسطة التطور الاقتصادي الإقليمي مخطئون - إنهم يفكرون بمفاهيم شبيهة بالماركسية. المشكلة ليست اقتصادية فقط، فالإسلام منتشر بين قطاعات عريضة جداً من السكان، وليس بالضرورة بين الطبقات الفقيرة منها فقط، لأنه يقترح حلاًّ لمشكلات البحث عن الهوية ومغزى الحياة، كما في حالة الاتحاد السوفياتي والشيوعية المثالية. إن الإسلام - كفكرة تلبي التطلعات والحاجات العميقة لأعداد غفيرة من الناس في أنحاء الشرق الأوسط، وترعاه دولة أُم توجهه وتذكي شعلته - يشكل خطراً بكل تأكيد.

مع ذلك، فإنني متفائل جداً لأنني أؤمن بأن في استطاعة دولة إسرائيل، خلال الأعوام القريبة المقبلة، أن تزيد في قوتها أضعافاً مضاعفة. في العالم ما بعد الصناعي الذي نلجه، توشك إسرائيل أن تتحول إلى عنصر جبار، شديد الأهمية، لأننا متأهبون لاقتصاد المعلومات أكثر من أية دولة أُخرى في العالم. إن عدد العلماء نسبةً إلى السكان في البلد هو الأعلى في العالم، والمؤسسة الأمنية تنتج سنوياً آلافاً من الشبان الذين اكتسبوا خبرة فريدة في نوعها في مجال نظم المعلومات والحاسبات الإلكترونية والمحركات والأجهزة الآلية التي تقوم بأعمال الإنسان (robotics). ونظراً إلى أنه لم يكن لدينا هنا لا رأسمالية حقيقية ولا شيوعية، فإنه لا توجد لدينا ديناصورات صناعية ثقيلة ومتقادمة يجب التخلص منها.

في تقديري، إذا حررنا الاقتصاد من التدخل الحكومي الزائد عن الحد - وهذا ما سنفعله - فسنتوصل إلى تجسيد طاقاتنا الإنسانية الكامنة بصورة تنشئ للاقتصاد الإسرائيلي انطلاقة هائلة وسريعة جداً. إذا كان الناتج القومي للفرد عندنا حالياً، وقبل أن تمرّ بنا الثورة التاتشرية، يقارب مثيله في بريطانيا - نحو 16 ألف دولار - فسنتمكن، بعد أن تمرّ بنا هذه الثورة، من مضاعفته خلال خمسة عشر عاماً. سيقترن هذا المسار أيضاً بتضاعف عدد السكان، ولذا سنصل إلى وضع سينمو الاقتصاد الإسرائيلي فيه ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف خلال عقد ونصف عقد. عندها سنصبح من أغنى دول العالم، لا بصورة نسبية، بل بصورة مطلقة. وعندما يحدث ذلك، ستتغير معالم وجودنا كلها في الشرق الأوسط وفي الأُسرة الدولية. سنتحول إلى شريك حقيقي، إلى شريك متكافئ، إلى عنصر دولي من المرتبة الأُولى.

[.......]

 

[1] أجرى المقابلة آري شافيط، ملحق "هآرتس"، 4/10/1996، ص 18 - 20، 22 - 24.

[2] أجرى المقابلة آري شافيط، ملحق "هآرتس"، 22/11/1996، ص 18، 20، 22، 24، 54.