After 70 Years: ​The Nakba and the Stages of Palestinian Expulsion from their Homeland
Date: 
May 11, 2018

كان قسطنطين زريق أول من لجأ إلى مصطلح "النكبة"، للدلالة على الهزيمة القاسية التي لحقت بالعرب في فلسطين، كما كان رائد المنهج النقدي الحضاري في تناول أسبابها، وذلك في الكتيب الذي أصدره، في آب/ أغسطس 1948، بعنوان: "معنى النكبة" (صدرت طبعته الأولى عن دار العلم للملايين في بيروت، ثم أعادت مؤسسة الدراسات الفلسطينية نشره ضمن كتاب خاص صدر في سنة 2009 بمناسبة الذكرى الستين للنكبة وحمل عنوان: "نكبة 1948: أسبابها وسبل علاجها"، (وشارك فيه فضلاً عن زريق، موسى العلمي، وقدري حافظ طوقان وجورج حنا). كما كان أول من دعا إلى إنشاء "علم النكبة"، ومن الرواد الذين ساهموا، بغية تحقيق هذا الهدف، في تأسيس "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" في سنة 1963 .

وفي كتيبه هذا، أرجع قسطنطين زريق جذور النكبة إلى التأخر الحضاري العربي معتبراً أن ما أحرزه الصهيونيون من نصر" ليس مرده تفوق قوم على قوم، بل تميّز نظام على نظام"؛ وسببه " أن جذور الصهيونية متأصلة في الحياة الغربية الحديثة، بينما نحن لا نزال في الأغلب بعيدين عن هذه الحياة متنكرين لها"؛  "إنهم يعيشون في الحاضر وللمستقبل، في حين أننا لا نزال نحلم أحلام الماضي ونخدّر أنفسنا بمجده الغابر". وقدّر زريق  أن هناك سبيلين مترابطين لتجاوز آثار النكبة: الأول هو التجدد الحضاري، والثاني هو الإنشاء القومي. وعرّف التجدد الحضاري بأنه يعني " أن نصبح بالفعل والروح، لا بالاسم والجسم فقط، قسماً من العالم الذي نعيش فيه، نجاريه في نظم العيش والفكر، ونتكلم لغته، ونتصل بأصوله، ونضم مقدراتنا إلى مقدراته". وهي غاية لن تتحقق، في نظره، "ما لم يحدث تبدّل أساسي في الوضع العربي، وانقلاب تام في أساليب تفكيرنا وعملنا وحياتنا بكاملها". أما  الإنشاء القومي، فهو يتجسد، في رأيه، في قيام كيان قومي متحد تقدمي، بحيث ينتظم العرب في اتحاد يوحّد سياستهم الخارجية والاقتصادية وقواهم الدفاعية (انظر: ماهر الشريف، "النكبة ومعناها في مرآة العقل النقدي" مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 74-75، ربيع-صيف 2008، ص 15-24).

وما بين 1956 و 1961، نشر عارف العارف، الذي كان قد لجأ إلى لبنان بعد النكبة، مؤلفاً من سبعة أجزاء بعنوان: " نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947-1949" (صدر عن المطبعة العصرية في صيدا)، ضمت الأجزاء الأربعة الأولى منه المتن الأساسي للكتاب، بينما خُصص الجزء الخامس لوثائق دولية وعربية وإحصاءات مختارة، وخُصص الجزء السادس لأسماء الشهداء الذين استشهدوا في القتال من أبناء فلسطين ومن ضباط جيوش الدول العربية وجنودها الذين اشتركوا فيه، وتضمن الجزء السابع عدداً من صور الأحداث والأشخاص الذين شاركوا في تلك الأحداث. وفي سنة 2013، أعادت مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت نشر هذا المؤلف في ثلاثة أجزاء، بمقدمة طويلة أعدها وليد الخالدي، الذي رأى أن  كتاب العارف هذا هو "المرجع الأوثق والأفضل بالعربية لنكبتنا سنة 1948 على الرغم من مر السنين، وعلى الرغم مما يشوبه من فجوات وهفوات ونقائص والكم الضخم الذي كتب في هذا الشأن منذئذ" (عارف العارف، "النكبة. نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947-1949"  ،  ط 2، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003).

واستند عارف العارف في إعداد هذا الكتاب الموسوعي إلى يومياته، التي كان يدونها خلال أربعين عاماً، وإلى بعض المصادر العربية والإنكليزية، وإلى مذكرات شخصيات سياسية وعسكرية، ومقررات جامعة الدول العربية 1945-1952، كما استند إلى عدد من المقابلات التي أجراها مع عدد من صنّاع الأحداث، وإلى بعض المجلات والجرائد، إضافة إلى تقارير الحكومة البريطانية وهيئة الأمم المتحدة. وعالج في أجزاء مؤلفه هذا تاريخ فلسطين السياسي من قرار التقسيم الذي أصدرته هيئة الأمم المتحدة في 29/11/1947، مروراً بمعركة القسطل ومجزرة دير ياسين 8-9/4/1948 وبنهاية الانتداب وإعلان قيام دولة إسرائيل وبدء الحرب النظامية 14-15/5/1948، ووصولاً إلى بدء الهدنة الأولى 11/6/1948. كما عالج تاريخ فلسطين من بدء الهدنة الأولى، مروراً بجولات القتال وبدء الهدنة الثانية ثم بدء معارك النقب، ووصولاً إلى اتفاقيات الهدنة الدائمة بين الدول العربية وإسرائيل ما بين شباط /فبراير وتموز/يوليو 1949.

ونشر وليد الخالدي، في سنة 1961، مقالة بعنوان: "خطة دالت: المخطط الرئيسي لاحتلال فلسطين" (أعيد نشرها في العدد الخاص من مجلة الدراسات الفلسطينية، رقم 96، خريف 2013)؛ رأى فيها أن "الخطة دالت" أو " الخطة د" هو "الاسم الذي أطلقته القيادة الصهيونية العليا على الخطة العامة للعمليات العسكرية، التي بموجبها شن الصهيونيون هجمات عسكرية متلاحقة في نيسان/أبريل وأوائل أيار/مايو 1948 في شتى أرجاء فلسطين. وهذه الهجمات التي أدت إلى تحطيم المجتمع العربي الفلسطيني، وإلى طرد وتشريد وإفقار أغلبية الشعب الفلسطيني، كان محسوباً لها أن تنجز سياسة الأمر الواقع التي بنيت عليها دولة إسرائيل" . وفي سياق دحضه الرواية الصهيونية التقليدية، التي تفيد أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين نشأت لأن عرب فلسطين "تلقوا من زعمائهم أوامر بالرحيل أذيعت بالراديو"، أكد الخالدي أن الخوض في هذه المشكلة يبيّن أن هذه الرواية الصهيونية "هي من نسج الخيال"، وهي تهدف إلى "رمي المسؤولية الأخلاقية عن خلق مشكلة اللاجئين على عاتق العرب أنفسهم".

وكانت مجلة Journal of Palestine Studies قد أعادت في سنة 2005 نشر مقالة لوليد الخالدي عنوانها "لِمَ غادر الفلسطينيون؟ دراسة للرواية الصهيونية لهجرة 1948 الجماعية" (Why Did the Palestinians Leave? An Examination of the Zionist Version of the Exodus of 1948)، كانت ظهرت في تموز/يوليو 1959 في دورية Middle East Forum التي كانت الجامعة الأميركية في بيروت تصدرها، وبنيت على محاضرة كان  الخالدي ألقاها في أوائل تلك السنة.

وفي هذه المقالة، كتب الخالدي:"تسري موضوعة عامة في الرواية الصهيونية للأحداث بين تشرين الثاني/نوفمبر 1947 وأيار/مايو 1948 هي أن أوامر أذيعت للعرب بمغادرة البلد من أجل تمهيد الطريق لدخول الجيوش العربية النظامية"، لكنني "لا أجد أي أثر ذي شأن لهذا الادعاء في المصادر الصهيونية لسنة 1948، وهي السنة التي يتوقع أن تكون الأوامر صدرت فيها". وأضاف: "ما هو التفسير؟ في سنة 1949 فقط، عندما أيقن الصهيونيون أن قضية اللاجئين العرب أخذت تؤثر في ضمير العالم المتحضر، قرروا أن يواجهوا التأثير المضر لهذه المسألة في قضيتهم. قصة "الأمر" العربي بالإخلاء قد تصيب عصفورين بحجر واحد: فهي تجعل الإسرائيليين في حِل من مسؤوليتهم عن قضية اللاجئين من جهة، وتلصق هذه المسؤولية بالعرب أنفسهم من جهة أُخرى".

ثم بيّن الخالدي أن لا أثر ذي شأن لهذا "الأمر"  في المصادر الصهيونية لسنة 1948، ولا

في ملفات البيانات الصحافية لجامعة الدول العربية التي تشمل كل تصريح مهم للجامعة في ذلك الوقت، ولا في محاضر اجتماعات الجمعية العامة للجامعة نفسها، ولا في الصحف الصادرة في تلك الفترة، مؤكداً أن ما عثر عليه  هو "الحض على البقاء"، إذ أرسلت الهيئة العربية العليا، في 8 آذار/مارس 1948، مذكرة إلى جميع رؤساء الحكومات العربية تحثهم فيها على عدم منح الفلسطينيين تصاريح دخول إلى الدول العربية ما عدا الطلاب منهم، أو المسافرين لأسباب صحية، أو مبعوثي الهيئة ذاتها. وفضلاً عن ذلك، طالبت المذكرة الرؤساء بعدم تجديد تصاريح الإقامة للفلسطينيين الذين يعيشون في الدول العربية. وأكثر من ذلك، أبرقت الهيئة في 13 أيار/مايو إلى مكتبها في بيروت طالبة العمل على منع دخول الفلسطينيين إلى لبنان، بمن فيهم النساء والأطفال.

وأصدر المؤرخ نور الدين مصالحة، خريج جامعة لندن، في سنة 1992، كتاباً مخصصاً لدراسة مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين ("طرد الفلسطينيين. مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1882-1948"، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، رأى في مقدمته أن فكرة "ترحيل" العرب الفلسطينيين من وطنهم ونزع الصفة العربية عن فلسطين هي فكرة قديمة "قدم المستوطنات الصهيونية الأولى في فلسطين ونشوء الصهيونية السياسية" في أواخر القرن التاسع عشر. واستند مصالحة في إعداد  هذا الكتاب إلى المحفوظات الإسرائيلية والصهيونية، وإلى كتابات عدد من الزعماء الصهيونيين، مثل دافيد بن غوريون وموشيه شاريت ويوسف فايتس، بوجه خاص، وقسّم كتابه إلى مقدمة وفصول ثلاثة، وخلاصة وثبت بالمصادر والمراجع المختارة، وفهرست عام. وعالج فيه الأفكار والمقترحات الصهيونية بشأن ترحيل الفلسطينيين خلال الفترة الواقعة ما بين 1882 و 1936، والمقترحات والخطط التي وضعها قادة التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين ما بين 1936 و 1948، والهجمات والمجازر التي ارتكبها الصهيونيون سنة 1948 لوضع سياسة الترحيل موضع التطبيق. وخلص مصالحة في خاتمة دراسته إلى أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين خلقتها الصهيونية عن "سابق تصميم"، وأن ترحيل الفلسطينيين كان يهدف إلى إيجاد "حل للمشكلة الديموغرافية العربية الفلسطينية ولمشكلة الأرض الصهيونية"، مقدراً أن الخلافات التي ظهرت بين الزعماء الصهيونيين لم تكن بين أنصار سياسة الترحيل ومعارضيها، وإنما كانت بين "دعاة الإجلاء القسري ودعاة الإجلاء الطوعي للسكان الأصليين".

وفي سنة 1997، صدر كتاب جديد من تأليف نور الدين مصالحة بعنوان: "أرض أكثر وعرب أقل. سياسة "الترانسفير" الإسرائيلية في التطبيق 1949-1996" (صدر في بيروت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، سعى فيه مؤلفه إلى استكمال البحث في سياسة "الترانسفير" الصهيونية بعد قيام دولة إسرائيل. وتكون هذا الكتاب من مقدمة وفصول خمسة، ومن خاتمة وثبت بالمصادر والمراجع المختارة، وفهرست عام. وفي مقدمة هذا الكتاب، عرض مؤلفه الفكرة الأساس التي تقوم عليها سياسة الترحيل الصهيونية ومفادها أن الفلسطينيين "لا يشكلون شعباً متميزاً منفصلاً، ولم يكونوا جزءاً مكملاً للبلد، وليس لديهم أي روابط تاريخية به"، وبالتالي يصبح في الإمكان "ترحيلهم إلى بلدان عربية أخرى من دون إجحاف مفرط". وعالج، في الفصل الأول من كتابه، تطور السياسات الإسرائيلية ما بين 1948 و 1967، التي حرّكها شعور واسع الانتشار لدى القادة الإسرائيليين "بأن ثمة عرباً كثيرين بقوا في إسرائيل في فترة ما بعد سنة 1948"، وبأن الأقلية العربية في إٍسرائيل تشكل "طابوراً خامساً"، وتمثل "خطراً" على الدولة في زمن السلم كما في زمن الحرب. وتوقف، في الفصل الثاني، عند إحياء مفهوم الترحيل بعد أن سيطرت الصهيونية، خلال حرب حزيران/يونيو 1967، على كل فلسطين، مستعرضاً مشاريع وعمليات الحكومة الإسرائيلية لترحيل الفلسطينيين ما بين 1967 و 1972. أما الفصل الثالث، فقد خصصه المؤلف لتتبع سياسة الإبعاد التي انتهجتها السلطات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، بحجة الأمن، منذ سنة 1967، بينما خصص الفصل الرابع لإلقاء الضوء على الضغوط التي مورست على العرب الفلسطينيين من مواطني دولة إسرائيل بعد سنة 1967، بهدف تشجيعهم على الهجرة، وذلك في ظل تزايد الحديث عن "التهديد الديموغرافي" العربي. ويستعرض الفصل الخامس، والأخير، المقترحات الصهيونية المختلفة لترحيل الفلسطينيين، التي لم تنحصر بأحزاب أقصى اليمين وبجماعات المستوطنين، بل تبناها –كما رأى- نافذون في المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية في حزب العمل وحزب الليكود.

وفي خاتمة كتابه، أعرب مصالحة عن تخوفه من أن يؤدي العجز عن إيجاد حل للمسألة الفلسطينية إلى "ارتفاع نسبة اليهود الإسرائيليين الذين يؤيدون طرد العرب"، وتزايد عدد السياسيين الإسرائيليين الذين يتبنون "الدعوة علناً إلى هذا الحل"، مقدراً أن اتفاق أوسلو "جعل تنفيذ الطرد الجماعي سيناريو أقل احتمالاً إلى درجة كبيرة"، لكن من دون أن يزيل التهديد الذي ينطوي عليه بصورة كلية.

 

وفي سنة 2007، أصدرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاباً لإيلان بابه، أحد أبرز وأشجع "المؤرخين الجدد" في إسرائيل بعنوان: "التطهير العرقي في فلسطين"،  نقله عن الإنكليزية أحمد خليفة، شرح فيه، بالتفصيل، خطة التطهير العرقي التي وضعتها القيادة الصهيونية، ورأى، فيما يتعلق ببواعثها، أن الميزان الديموغرافي المتكافئ تقريباً داخل الدولة التي خصصها قرار التقسيم لليهود، كان من شأنه "أن يشكّل كابوساً سياسياً للقيادة الصهيونية، وأن يحول دون تحقيق الصهيونية أهدافها الرئيسية". وقد أتاح الرفض العربي والفلسطيني لمشروع التقسيم لدافيد بن غوريون، وللقيادة الصهيونية، الادّعاء أن هذا المشروع أصبح "باطلاً"، وأن حدود الدولة اليهودية "سوف تتعيّن بالقوة، لا بقرار التقسيم"، وهذا ما سيحدث أيضاً "بالنسبة إلى مصير العرب القاطنين فيها". 

وكانت الحركة الصهيونية قد نجحت، عشية وقوع النكبة، في تأسيس نواة صناعة حربية صارت تنتج الرشاشات والقنابل والألغام والمتفجرات، كما نجحت في عقد صفقة لتوريد الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا، وصلت شحنتها الأولى في نهاية آذار/مارس 1948. وفي حين بلغ عدد أفراد منظمة "الهاغانا" شبه العسكرية وحدها، في نهاية ذلك الشهر، 22000 رجل وإمرأة، قُدر عدد المقاتلين العرب بـ 12000 رجل، كان نصفهم من المتطوعين العرب. ومن جهة أخرى، كان "الصندوق القومي اليهودي"، الذي أُنشئ سنة 1901، قد أعدّ، بإشراف يوسف فايتس مدير دائرة الاستيطان فيه، سجلاً مفصلاً للقرى العربية التي سيجري تهجير سكانها، يتضمن مخططات هذه القرى من الناحية الطبوغرافية، وطرق الوصول إليها، وتركيبة سكانها الاجتماعية-الاقتصادية، وأعمار الرجال فيها، ودرجة عدائها للمشروع الصهيوني بناْءً على مشاركتها في ثورة 1936-1939. وجرى آخر تحديث لملفات هذه القرى في سنة 1947، وأُعدت قوائم  بالأشخاص "المطلوبين" في كل قرية.

وبدأ  التطهير العرقي بعد صدور قرار تقسيم فلسطين مباشرة، وذلك بسلسلة من الهجمات اليهودية على قرى عربية وأحياء في المدن، رداً على أعمال تخريب لحافلات ركاب ومراكز تجارية رافقت الاحتجاجات الفلسطينية على قرار الأمم المتحدة، وهي احتجاجات تميّزت بطابعها العفوي وغير المسلح غالباً، باعتراف المندوب السامي البريطاني، الذي ذكر أن العرب، خلافاً لليهود، لم يلجأوا في شهر كانون الأول/ديسمبر 1947 للأسلحة النارية إلا نادراً. فمنذ مطلع شهر كانون الأول/ديسمبر، هوجم عدد من القرى العربية، وتعرض سكان مدينة حيفا، الذين قُدّر عددهم بـ  75000 نسمة، لحملة إرهابية أسفرت عن "خروج نخبة حيفا البالغ عدد أفرادها نحو 15000 شخص من المدينة، وكثيرون منهم تجار ناجحون". وفي 13 شباط/فبراير 1948، نُسف عدد من المنازل في مدينة يافا، وهوجمت قرية "سعسع" وثلاث قرى في جوار "قيسارية"، وهوجمت قرية "قيرة" وقرية "دالية الروحاء"، وطرد سكانهما. وقبل صدور الأوامر بتنفيذ خطة "دالت"، كانت ثلاثون قرية عربية قد أزيلت من الوجود.

ويستعرض إيلان بابه بالتفصيل المراحل التي مرّ بها تنفيذ الخطة المذكورة، فيشير إلى أن أول عملية كانت باسم عملية "نحشون" ونُفذّت في الأول من نيسان/أبريل 1948 في منطقة الهضاب الريفية الواقعة على المنحدرات الغربية لمدينة القدس، وجرت خلالها معركة "القسطل" التي سقط فيها، في 9 نيسان/أبريل، القائد العسكري عبد القادر الحسيني، كما وقعت خلالها مجزرة "دير ياسين" التي تراوح عدد  ضحاياها  ما بين 93 و 170 ضحية. وبعد ذلك، بدأت عمليات تدمير المدن الفلسطينية، فكانت طبرية أول المدن التي استهدفتها القوات اليهودية وسقطت في أيديها في 18 نيسان/أبريل، وتبعتها  حيفا في 22  من الشهر نفسه، التي فرّ سكانها الناجون عن طريق البحر، ثم سقطت صفد في الأول من أيار/مايو، وتبعتها القدس ثم عكا في 6، وبيسان في 11، ثم يافا التي كانت آخر مدينة يجري احتلالها  في 13 أيار/مايو، ويطرد  جميع سكانها البالغ عددهم نحو 50000 نسمة.

وما بين 30 آذار/مارس و 15 أيار/مايو 1948، كانت القوات اليهودية قد احتلت 200 قرية، وكان مئات الآلاف من الفلسطينيين قد طُردوا بالقوة من أراضيهم. وفي منتصف أيار/مايو، بدأت الحملة الهادفة إلى السيطرة على القرى الواقعة في المنطقة الممتدة بين تل أبيب وحيفا، البالغ عددها 64، التي لم يبقَ منها، بعد حملة التطهير العرقي، سوى قريتين هما "الفريديس" و "جسر الزرقاء". وخلال تلك الحملة، وقعت المجزرة في قرية "الطنطورة"، في 22  أيار/مايو، التي قُتل فيها 230 فلسطينياً.  وبعد استكمال عمليات التطهير العرقي على الساحل، قامت القوات اليهودية بتنظيم هجوم على مدينتَي اللد والرملة، في إطار عملية حملت اسم "داني"، وبدأت في 10 تموز/يوليو 1948 بقصف اللد من الجو، ما أدّى، بحسب المصادر الفلسطينية، إلى مقتل 426 رجلاً وامرأة وطفلاً في جامع المدينة وفي الشوارع المجاورة له. وفي 14 تموز/يوليو، أمر الجنود اليهود 50000 من سكان المدينة بالتوجه مشياً على الأقدام إلى الضفة الغربية لنهر الأردن. أما مدينة الرملة، فقد احتُلت في 14 تموز/يوليو أيضاً، وأُرغم سكانها، البالغ عددهم 17000 نسمة، على الرحيل كذلك إلى الضفة الغربية.

وبدأت المرحلة الأخيرة من عمليات التطهير العرقي في تشرين الأول/أكتوبر 1948، إذ احتلت القوات اليهودية مدينتَي إسدود والمجدل وطردت سكانهما إلى قطاع غزة، كما احتلت مدينة بئر السبع وطردت سكانها إلى الخليل. وخلال تلك العمليات، ارتُكبت، في 28 تشرين الأول/أكتوبر 1948، المجزرة في قرية "الدوايمة"، الواقعة بين بئر السبع والخليل، التي قُتل فيها، بحسب مختار القرية، 455 شخصاً، بينهم نحو 170 طفلاً وامرأة. وكُرّس شهر كانون الأول/ديسمبر 1948 لتطهير صحراء النقب من كثير من القبائل البدوية المقيمة فيها.

وأدّت خطة التطهير العرقي، في نهاية الأمر ، إلى اقتلاع نحو 800000 فلسطيني وفلسطينية من أماكن عيشهم، وإلى تدمير 531 قرية وإخلاء 11 حياً مدينياً من سكانه.

وفي سنة 2016، أصدرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاباً للمؤرخ عادل مناع بعنوان "نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل (1948-1956)"، حمل في طياته تجديدات متعددة: نظرية ومنهجية، وفي مصادر المعرفة ومراجعها. ونفض الكتاب الغبار عن حقبة تأسيسية في تاريخ الفلسطينيين الذين بقوا في حيفا والجليل بعد النكبة (1948-1956). وسمح بسرد حكايات إنسانية وشخصية للمهمشين، مغايرة للروايات التاريخية النخبوية. فأسباب وحيثيات البقاء في فلسطين بعد سنة 1948 ظلت ضبابية قلما سلط المؤرخون الأضواء عليها. كما سلط الأضواء على بعض حالات "عدم الطرد" من الناصرة وأغلبية قرى ناحيتها، والقرى الدرزية وغيرها. ويشمل البحث حكايات من لم يطردوا، وآخرين اقتلعوا ثم عادوا إلى وطنهم. ويوثق لصراع البقاء وحيثياته منذ النكبة حتى حرب السويس ومذبحة كفر قاسم اعتماداً على منشورات ومخطوطات قلما عاينها الباحثون. وفي سبيل إسماع صوت المهمشين في شمال فلسطين حينذاك لا يهمل البحث الوثيقة الشفوية من خلال مقابلات أجريت مع من عايشوا الأحداث وكانوا شهود عيان عليها.

 

قسطنطين زريق وآخرون، نكبة 1948: أسبابها وسبل علاجها"،  https://tinyurl.com/ydfxjb8y ماهر الشريف، "النكبة ومعناها في مرآة العقل النقدي" (مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 74-75، ربيع-صيف 2008، ص 15-24).

 https://tinyurl.com/y9m6hwve،

عارف العارف، "النكبة. نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947-1949"،  ط 2، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003).

https://tinyurl.com/yaulr79r

https://tinyurl.com/y6v3fcvy

http://www.palestine-studies.org/sites/default/files/uploads/files/Walid Khalidi_0.pdf

نور الدين مصالحة، طرد الفلسطينيين. مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1882-1948"، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية

 https://tinyurl.com/ycyv2xyk

نور الدين مصالحة، أرض أكثر وعرب أقل. سياسة "الترانسفير" الإسرائيلية في التطبيق 1949-1996" (صدر في بيروت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية)،

https://tinyurl.com/y8rteq5m

https://tinyurl.com/y72yphb4

https://tinyurl.com/y7r85zbn

Read more