Artist Maisara Baroud: When the War Ends, I Will Not Stop Crying
Date: 
February 05 2024
blog Series: 

كنت واحداً من متابعي فن ميسرة بارود، وأشاهد لوحاته التي ينشرها على صفحة فيسبوك الخاصة به شبه يومياً، فكان هذا الفنان يرسم يومياته ضمن عناوين محددة لكل فترة، وخلال العدوان الحالي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، كان ينشر لوحة كل يوم تقريباً، إذا ما توفر الإنترنت، فهو اليوم في رفح جنوبي قطاع غزة، بعد أن نزح مع عائلته من مدينة غزة.

لقد جربتُ التواصل معه، لأوثّق ما يجري معه كفنان يعيش حرب الإبادة في قطاع غزة، فبدأتُ الحديث معه منذ أشهر، وقبل أيام فقط، تمكنتُ من الحصول على إجابات على بضع أسئلة لدي عن يومياته كفلسطيني في القطاع وهو تحت النار، وعن ميسرة الفنان الذي يرسم ليصمد أكثر، حتى يحزن لاحقاً كما يقول.

في 8 تشرين الأول/أكتوبر، قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي برج الوطن، فانهار بما فيه، وكان مكتب ميسرة بارود داخله. وفي 10 تشرين الأول/أكتوبر، قُصف منزله ومنزل عائلته المكون من 5 طبقات، فانهار بالكامل أيضاً.

أموات بقرار مؤجل

إن ميسرة، المولود في غزة سنة 1976، حاصل على بكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة النجاح الوطنية - نابلس سنة 1998، وماجستير في المجال نفسه من جامعة حلوان في القاهرة سنة 2011. وكان يعيش في وسط مدينة غزة، في بيت يصفه بأنه "بيت دافئ مليء بالذكريات." لكن لم يعد لهذا الدفء وجود، وقد عبّر عن هذا قائلاً: "في مساء اليوم الثالث من أيام الحرب، فقدتُ هذا الدفء حينما قررتْ طائرات الاحتلال أن تزيل بيتي من الوجود، وأصبح بين ليلة وضحاها أثراً بعد عين. كان بيتي بمثابة عالمنا الصغير الذي يؤوينا، أنا وأسرتي المكونة من 25 فرداً؛ أنا وزوجتي وأولادي وإخوتي وزوجاتهم وأولادهم."

 

 

وقد كتب في صفحته على فيسبوك: "لستُ حزيناً على ما فقدتُ بقدر حزني على خسارتي مرسمي، وفيه فقدتُ جميع لوحاتي"، فهذا البيت "لم يكن بيتاً.. إنما كان وطناً صغيراً، فلا تَقُلْ ’ركاماً‘، إنما قُل حياة وروحاً وذكريات."

وتلك الحياة والروح والذكريات هي "جزء كبير من أعمالي وأعمال فنية لفنانين أصدقاء. لقد فقدتُ بيتي وفيه مرسمي الخاص، والذي أحتفظ فيه بكل تجاربي وأرشيفي وأعمالي على مدار 30 عاماً مضت. وفقدتُ أدواتي وعشرات اللوحات وآلاف المخطوطات (السكيتشات) ومكتبة فنية تحتوي على أكثر من 3000 كتاب. لقد فقدتُ عالمي الصغير الخاص، وجميع ذكرياتي ومقتنياتي."

لم تكن المرة الأولى التي يواجه فيها ميسرة تجربة صعبة كهذه، فحاله كحال سكان القطاع؛ إذ تعرّض مكتبه ومرسمه سنة 2021 أيضاً لضرر جزئي، بعد أن تم تدمير برج الجلاء الملاصق لبرج الوطن، ويقول هنا: "إن التجربة الأولى هيأتني لما سيحدث في سنة 2023، لكن ما حدث فاق كل التوقعات والتصور، وتجاوز كل الكوابيس التي كان من الممكن أن أتوقعها."

ولعل التفكير في التحدي والإرادة لدى من عاش تجارب مؤلمة كهذه يذهب بالمرء إلى الظن أن الفنان أو المبدع سيعيد إنتاج ما تم تدميره، لكن لميسرة رأيه: "هل من الممكن أن نُرجع الزمن إلى الوراء؟"

وراء الأمان

بعد أن فقد ميسرة بيته، انتقل من مكان إلى آخر، حتى وصل عدد هذه الأماكن التي تنقّل بينها إلى 10، بين غزة المدينة ودير البلح وخان يونس، وهو اليوم في رفح، في محطة يأمل أن تكون الأخيرة "في رحلة البحث عن المكان الآمن ومحاولة النجاة"، ويضيف: "لك أن تتخيل أن تتنقل في كل مرة بحثاً عن مكان يؤوي الجميع، في ظل عدم وجود وسيلة للتنقل والمواصلات وانعدام الخيارات الملائمة."

 

 

لقد حمّلته هذه التنقلات، هو وغيره من أهالي قطاع غزة، كثيراً من المرارة والألم، فوضّح هذا بقوله: "لقد عشنا فصولاً مؤلمة من المأساة العامة التي لحقت بجميع سكان غزة، من قتل، ودمار، وبرد، وليل طويل، وغلاء، وشح في المواد الغذائية ومياه الشرب، وانقطاع الكهرباء وغاز الطهي والوقود. لقد كانت حياة مليئة بالشقاء والتفاصيل المؤلمة، وعشنا مقتلة كنا فيها أمواتاً مع وقف التنفيذ، أو بقرار مؤجَل."

ليست مجرد كارثة التي تمر بالشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وليست بالأمر الهين على أي إنسان هناك، فتكاد كلمة "إبادة" تكون غير كافية لوصف آلة الموت التي تقذف بموتها على القطاع، فيقول ميسرة: "لقد صُدمنا وعشنا أياماً طويلة في تيه، وألقت بنا الكارثة في هوة سحيقة، ولفّتنا بظلام دامس، من دون أفق للنجاة أو انتهاء للكابوس."

"لا أزال حياً"

إن المتابع لهذا الفنان على وسائل التواصل الاجتماعي ينتبه إلى أنه ينشر لوحة أو "اسكيتشات" يومية أو شبه يومية، وكان هذا الأمر قبل الحرب، واستمر في الحرب، وهو يقول في هذا الصدد: "اعتدت خلال سنوات مضت أن أرسم كل ليلة يوميات، وأقوم بنشرها ضمن سلسلة تحمل موضوعاً معيناً. أمّا اليوم، فالموضوع مختلف تماماً؛ إذ أرسم يوميات لأخبر الأصدقاء والمتابعين أنني لا أزال حياً، وربما ستحمل هذه السلسلة هذا الاسم لاحقاً." ويبيّن فنّاننا هنا أن هدفه لم يكن تسجيل الأحداث اليومية قائلاً: "لم أكن أتطلع إلى أن أعبّر عن مأساة تمر بنا في كل لحظة، ولم أخطط لذلك، إنما كنتُ أقوم بمهمة اعتدتُ القيام بها قبل الحرب، وأحاول أن أحافظ على الشيء الوحيد المتبقي لي من ممارساتي اليومية ما قبل الكارثة."

إن رسومات ميسرة اليومية تحمل تكويناً بصرياً يدركه بدقة المتابع لمجريات العدوان على قطاع غزة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غير المتابع؛ فبالنسبة إلى الأول، يسهل التقاط تلك العلاقة بين المدينة وآلة الحرب والإنسان الذي يبدو متماهياً مع المدينة، وهذه بالنسبة إلينا هي المكان من فلسطين الذي اسمه غزة. أمّا في نظر الثاني، فإن هذه الرسومات تحاكي أي دمار وهلاك يمكن أن يحل بشعب أو مجموعة بشرية تُشن عليها حرب مدمرة.

ويوضّح ميسرة رؤيته ليوميات الحرب التي يرسمها قائلاً: "أرسم ما أراه بعيني، وأترجمه برؤيتي الفنية الخاصة، بمشاهد من مدينة مدمرة متخيلة، وكتل بشرية تلتحم بالطائرات الحربية والآليات العسكرية. وأرسم حياة النازحين في الخيام والمعذَبين في الأرض. كما أرسم فضاء ضيقاً مليئاً بأجساد تحيط به، وتحدده وتخترقه الأسهم التي تشير إلى طريق ما، إلى أي شيء."

زمن النزوح

لم توقف هذه المأساة ميسرة عن محاولة أخذ دور في هذه الإبادة التي تأخذ شكل الحرب واسمها اليوم في سنة 2023، بعد أن أخذت اسم "النكبة" قبل 75 عاماً من الآن، ويقول: "حاولتُ البحث عن دور لي في هذه الأوضاع الصعبة، فتطوعتُ في فرق الإغاثة ولجانها المتعددة، وعملتُ في طواقم مؤسسات المجتمع المدني وتوزيع المساعدات على النازحين قدر المستطاع." وربما هذا النشاط الذي يقوم به ميسرة أمّن له الصدفة في الأوضاع غير الطبيعية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، بأن يلتقي الأصدقاء والأقارب، ويعبّر عن هذا قائلاً: "إن التواصل صعب جداً، وخصوصاً مع الانقطاع المتواصل في شبكات الهاتف المحمول والإنترنت والاتصالات، لكن وبسبب النزوح الجماعي وتواجُد جميع سكان غزة تقريباً في جنوب القطاع، أصبحت الصدفة خيراً من ألف ميعاد، فتستطيع بلا موعد مسبق أو تخطيط أن تصطدم بمن لا يزال حياً من الأصدقاء والأقارب. وإن كنتَ صاحب حظ، فإنك تستطيع أن تحصل على بعض الدقائق لتتواصل عبر الفضاء الأزرق مع الآخرين، وغالباً مع أولئك الذين لا يعيشون في غزة."

الحزن يأتي لاحقاً

إن الألم كثير وكثيف في الحروب، لكنه تضاعف في هذه الحرب، وهنا يقول الفنان: "كل ما مرّ بنا في هذه الحرب مؤلم، وكل لحظة تمرّ تحمل كثيراً من الأحداث التي لا تُنسى، لكنني أعتقد أن الألم والحزن سيأتي بعد انتهاء الحرب، فقد أقنعتُ نفسي بأن الحزن مؤجَل إلى ما بعد المقتلة."

للحرب وقعها وواقعها، لكن ما بعد الحرب له كلامه أيضاً، فيقول ميسرة: "عندما تنتهي الحرب، سأبكي كثيراً على مَن فقدنا وما فقدنا. عندما تنتهي الحرب، سنستقبل التعازي، ونتبادل الشتائم، ونمضي إلى الأمام كما اعتدنا."

ومع هذا وذاك، يبقى الأمل كما يوضّح في حواره، فبالنسبة إليه: "ما هو ثابت أننا شعب يحب الحياة، ويسعى لأن ينالها كريمة، وعلى الرغم من المآسي التي مرت بنا ونمر بها الآن، فإننا سنعيد بناء أنفسنا من جديد، وهذه مهمة من يبقى حياً منا. لكن مع حجم الدمار الذي حل بنا، فسيحتاج هذا إلى كثير من الوقت والإيمان والفعل الجماعي." ويضيف: "سأحلم وأبحث عن حياة ومستقبل لأولادي بعيداً عن الحرب والألم والمعاناة. وسأحاول أن أنسى معهم فصول المأساة، وسنحاول أن نستجمع الذكريات الجميلة عن أماكن وأصدقاء وأقارب، وذكريات لأشخاص وأشياء لم يعد لها وجود بفعل آلة الحرب والطائر الفولاذي المحمَّل بالقتل."

Read more