Overdose Exhibit: Where Uncertainty Lies
Date: 
July 27 2023
Author: 

يتخذ موضوع الرعاية الفنية أبعاداً أُخرى في الحالة الفلسطينية، وبصورة خاصة الفلسطيني في الداخل المحتل، فإذا قرر الفنان أو القيّم الخضوع للمستعمر فإنه يقبل تمويل شركات وبلديات الاحتلال، لكن إذا قرر التخلص من تبعية المؤسسة الاستعمارية، فإن إيجاد التمويل يصبح صعباً، لذا، نجد الكثير من المحاولات لمعارض ذاتية التمويل، وبأقل الموارد الممكنة، لعرض الأعمال الفنية.

ومن هذه المحاولات صالة عرض "مساحة" في دالية الكرمل، وهي مبادرة شخصية تأسست بتمويل خاص من حسام حلبي وأسعد أبو زلف. تهدف "مساحة" إلى توفير منصة للفنانين المحليين لعرض أعمالهم وتشجيع التفاعل والتواصل الفني. احتضنت الصالة معرض "جرعة زائدة" منذ 26/05/2023 ويستمر لغاية  01/09/2023، وجاء هذا المعرض بمجهود جماعي ما بين القيّمة الفنية أصالة، والقيّم إلياس واكيم، وبمشاركة 26 فناناً وفنانة، هم: أمجد غنّام، جمانة منّاع، خليل البطران، دانيال صليبا، راية منّاع، ربى سلامة، سامية حلبي، جوني تمالاسينو، سمر حزبون، شادن حلبي، شام أبو صالح، شذى صفدي، شريف واكد، عدن أبو ركن، عزيز عزيز، علاءعطّون، فاتن أبو علي، مجد أبو ريا، جوان أبو ريا، محمد طاطور، منار، ندين غرز الدين، مهدي البراغيثي، هادي خليل، هاني خوري ويارا محاجنة.

 

 علاء عطون

 

جاء معرض "جرعة زائدة" في نسخته الثانية كامتداد لفكرة المعرض بنسخته الأولى التي كانت في شباط/فبراير 2022، ويبحث المعرض، كما يشير القائمين عليه، عن مفهوم الحالة القصوى التي يحتاجها/ يتخذها الفنان لإنتاج عمل فني، ويسأل عن المحفزات التي تساعده على البدء بحالة الإنتاج أو الانتهاء منها. ويرون أن هذا البحث يجري في خضم العوالم المركبة التي نعيشها في بلادنا؛ الكوارث والتراجيديا المستمرة، والظلم، والقتل، سواء في ظل الاستعمار أو اجتماعياً.

حاول المعرض في نسختيْه الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف يمكن أن ننتج فنّاً وسط هذا كله؟ كيف يمكن للفنان أن ينتج في ظل هذه الصراعات؟ كيف يمكن أن ننتج في ظل ظروف سياسية تواصل تجريم مركّبات عديدة من الهوية الفلسطينية؟ ما الذي ننتجه أيضاً من فن؟ ومتى؟ وكيف تؤثر هذه التفاصيل المأساوية كلها في الإنتاج والمُنتج في الوقت نفسه؟ وأضيف إلى هذه الأسئلة، من وجهة نظري، كيف يظهر وضع القيّمين والفنانين داخل المصفوفة الاستعمارية، وهل يمكنهم إعادة هيكلة المعرفة والقوة من خلال معارضهم، لإعادة الوكالة إلى أولئك الذين فقدوها ؟ وهل الفنان قادر من خلال أعماله الفنية على الإجابة عن سؤال مَن أنا في الواقع؟ وذلك في أثناء محاولة إجابته عن هذه الأسئلة.

 

ندين غرز الدين

 

يقدّم المعرض أصواتاً متنوعة تخلق إطاراً فنياً متحدّياً للواقع المركّب والقاسي، في محاولة لمنح بصيص أمل من أجل خوض تجارب فنية تحمل رسائل متنوعة، على الرغم من خصوصية الحالة التي نعيشها كفلسطينيين، اذ نجد العديد من النقوش التي تعكسها شذى صفدي بلغة برايل وملح البحر، وتعكسها فاتن أبو علي بلغة الأرز والقش المتزامنة مع الحاضر المصور، والذي ينعكس معظمه من خلال الجسد المستعمر.  يسعى العرض لتعطيل المنظورات المتحيزة والنمطية، وهي جوانب من النادر أن يتم تفكيكها أو نقدها عند عرضها في سياقات مؤسسية، وأيضاً يحاول إظهار الجوانب التي يسعى السياق الفلسطيني لبترها وإخفائها، بغض النظر عن مدى تقبّل المحيط لها من عدمه، ويمكن أن نُعدّ خلقها في الحيز بمثابة ثورة، لكونها حاضرة من خلال الجسد الذي يعتبره فانون، هدف وأداة ومرآة السلطة التي تتعرف إلى نفسها ومدى قوتها من خلاله. فإذا كانت الأعمال الفنية  تحاول الثورة من خلال الجسد، فهل يستطيع الفنان أن يحرر الجسد من الصورة التي ينتجها خيالنا بوجود المستعمر المتشعب في مناحي حياتنا، والذي "يمزّق جهودنا لبناء أنفسنا وهويتنا،"[1] ويجعلنا نعيش في حالة من اختلال الآنيّة المطلق، فالبنية الاجتماعية القائمة تقف في وجه أي محاولة لأن يسند المرء ظهره إلى حيث ينتمي، على حد قول فانون، فاختلال الآنيّة هو حالة شبه مرضية "تنتاب الفرد ويفقد خلالها شعوره بحقيقة ذاته كشخص واقعي، أو يفقد الإحساس بجسده، وربما شعر بأنه ميت،"[2]  أو مكبل بشتى الطرق، وينعكس ذلك في المعرض من خلال الأرض المقفرة، وصاحب الزي الأسود، والسياج الشائك، عند عطون، والذي يُظهر انتهاك جسد الإنسان و أرضه، لينعكس ذلك كدائرة مغلقة من العنف المستمر، والذي يدفع بالجسد والأرض الى العزلة  كما تعكسها جمانة منّاع، بحيث يندفع الإنسان إلى داخله، ملتحفاً بالسواد، وتندفع الأرض إلى الجفاف والذبول، وذلك مع استمرار خضوعهما للرقابة التي يعكسها خوري، من خلال جسد المرأة وكاميرات المراقبة والجدار، ويضيف عزيز الإطار وداخله الصورة أو المرآة التي تعكس الصورة، والتي تذكّرنا بمقطع من رواية 1948 لجورج أورويل، التي تدور حول فكرة المرآة وتلفاز المراقبة الدائمين في البيت، بحيث تصبح رقابة ذاتية تلعب دور منظومة الرقابة التي تقودها السلطة نفسه، ليتحول عندها الجسد الى شبح كما يعكسه طاطور، ثم إلى الهامش، حيث اللاوضوح في هوية الجسد كما يطرحه بطران، ويسقط في صراع البرودة والحميمية وصدمة العلاقات الاجتماعية في ظل ممارسات الاستعمار، وهذا ما يستحضره جوان ومجد أبو ريا من خلال فضاءات للحوار والتعمق بشبكة العلاقات المبعثرة التي تترك أثرها في الهوية، هذه الهوية التي تتوجها فكرة الانتماء إلى مكان تظهر في عمل ندين غرز الدين، في حالة من الضياع المنعكس من خريطة الوطن العربي التي بدأت بالتفتت. ويأتي كل ذلك كتحدٍّ للوظيفة الاستعارية الأصلية للصورة من منظور الفلسطينيين، كما أنه من الواضح أن أعمال هذا المعرض لا تشير إلى الحنين العاطفي، بل هو أكثر تأملاً، من خلال هذا التنشيط المتكرر للحقائق الفعلية التي يواجهها الفلسطيني نتيجة فعل الاستعمار والسيطرة، إذ يُطلب منا إعادة تقييم الصورة، ليس كصورة ثابتة للماضي، ولكن كقناة لفحص كيفية استمرار التاريخ في التأثير في الحاضر من خلال الجسد المستعمر، ومن زاوية أُخرى، كأنما يقصد إظهار التفاعل بين الجسد في أثناء وجوده في الظل، أو الضوء، أو العتمة، والذي يظهر في أعمال المعرض، وذلك يعكس استراتيجيا تنظيمية واضحة تضفي طابع الاجترار، وما أقصده بذلك هو أن الأعمال الفنية تدور حول الاهتمام المركّز على أعراض ضائقة واحدة، وعلى أسبابها ونتائجها الممكنة، من دون التركيز على حلولها، وهذا ليس بالفعل السلبي لأن الأعمال الفنية لا تستطيع التركيز على جميع الأعراض والحلول في آنٍ واحد.

ويقع المعرض متدرجاً ما بين أعمال فنانين مضى على وجودهم في ساحة الفن مدة طويلة وأعمال فنانين حديثي النشأة، وتأتي أعمالهم المضمنة، وعددها أربعة وعشرون، وهي تلتقط وتنتقد العذاب النفسي والفوضى الجسدية لشعب تحت الاحتلال، وتظهر رغبة الفنانين في الخروج عن النمط التقليدي فيما يتعلق بالجسد، كما تُظهر الأعمال محاولة لطمس الفجوة الزمنية بين التعديات التاريخية والمعاصرة على الأجساد. و يمتد النسيج ذو الألوان المتنوعة من خلال الأعمال الفنية عبر المكان مما يخلق إحساساً بالهيكل العام الذي تشكلت منه  صالة العرض، وهو هيكل موقت قابل للتبديل والتحول، بحسب ما يتم عرضه، أي بحسب رغبة القيّم أو مصمم المعرض والفنان، وذلك من فترة إلى أُخرى.

تثير أعمال المعرض الحزن والغضب والغبطة والاندهاش، إذ توفر أرضية خصبة لفهم مجتمع الفنان نفسه، ولجرأة المشاهد على مشاهدة وقائع يخاف من الاعتراف بها في مقابل دفعه الى تخيُّل عالم أكثر عدلاً وسحراً وتقبُّلاً من عالمنا، عالم يعطي الأولوية للناس على السلطة. كل هذا يقودني إلى اعتبار أن ما ورد في المعرض يدفعنا، بشكل أو بآخر، إلى ناحية "الواقعية النقدية" التي يمكن تفسيرها بأنها حالة تخيف المجتمع لأنها تكشف عن العنصر الأساسي العنيف والمتفوق في حياتنا، وهو كوننا تحت استعمار كولونيالي من ناحية، وكوننا عبيد منظومة استبدادية مركّبة تسلبنا حقنا في العيش كما نرتئي، وتجعل محاولة القطيعة عما مضى أمراً مستحيلاً.

 

[1] Feminist Theory: From Margin to Center (South End Press, 1984).

[2] فرانز فانون، "معذبو الأرض"، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2014)، ص78.

See Here

Read more