Palestinian Teachers’ Strike: Distorted Relationship with the Union, and No Sense of Partnership
Date: 
May 05 2023

أُسس الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين في الشتات عام 1969 بقرار وطني من منظمة التحرير الفلسطينية ليمثل جميع المعلمين الفلسطينيين أينما كانوا، وفي مختلف القطاعات: الحكومية، ووكالة الغوث، والأهلية، والخاصة. وأخذ على عاتقه بلورة الوعي الوطني الثوري لدى المعلمين من جهة، وفي العمل النقابي من جهة أُخرى، لصون حقوق المعلمين وتحقيق قضاياهم المطلبية لتحسين ظروف عملهم وواقعهم الاجتماعي والاقتصادي. وأصبح المعلم الفلسطيني في الاتحاد، سواء بالانخراط فيه بعضوية أو غير عضوية، يعبر عن حالة ثورية نضالية ومجتمعية وحقوقية.

 

 

خاض الاتحاد في مسيرته النضالية مجموعة من الإضرابات لتحسين واقع المعلمين في الأراضي المحتلة عام 1967، منها إضراب المعلمين في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عام 1969 في مواجهة قرارات اتخذتها وكالة الغوث، حين تشكلت لجنة من خارج فلسطين قادت الإضراب، وإضراب المعلمين في القطاع الحكومي عامي 1980 و1981 ضد المشغل (الاحتلال)، ودعمته حينها منظمة التحرير الفلسطينية. وقد قاد الاتحاد هذه الإضرابات كإحدى أذرع منظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الصهيوني وتداعياته على المعلم الفلسطيني لتعزيز صموده من خلال انتزاع حقوقه الوطنية والنقابية. وهكذا فإن مبدأ عمل الاتحاد بُني على أساسين: وطني ثوري، وحقوقي نقابي، ومحل المواجهة هو الاحتلال والآثار المترتبة عليه في كل ما يتعلق بقضايا المعلمين، سواء في الداخل الفلسطيني أو في الشتات.

ومع تغير الواقع الفلسطيني المتمثل في اتفاقية أوسلو، وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، تغيرت الأوضاع، الأمر الذي يتطلب تغيراً موازياً في فهم الاتحاد لذاته وآليات عمله. فالقضية الوطنية وسياقها التحرري ما زالا قائمين، وما يترتب عليهما في التعبئة الثورية للمعلمين وفهمهم لفلسطين التاريخية، كما هو شعار الاتحاد بعيداً عن أي مشروع سياسي. وهذا ما يؤكده شعار الاتحاد الذي يتكون من خريطة فلسطين التاريخية الخضراء اليانعة التي ينهض من وسطها المعلم بزي عسكري. فالشعار الذي لم يتغير، يفرض على الاتحاد مواجهة مزدوجة: مواجهة إسقاطات الضرورة السياسية على المناهج الفلسطينية وتخليصها من القصور الوطني في فهم فلسطين والقضية الفلسطينية، ومواجهة الخطاب المتمثل في أن فلسطين تقتصر على الضفة وغزة والقدس الشرقية. 

لكن يبدو أن فهم الاتحاد الوطني لذاته أصبح شديد الإرباك، ويكمن التناقض الجوهري بين شعاره وأدبياته، بما فيها النظام الداخلي والتأسيسي، وبين عمله على أرض الواقع. فشعار فلسطين التاريخية تحت سقف المشروع السياسي الحالي هو مجرد قشور أيديولوجية. ومن جهة أُخرى فإن عمل الاتحاد النقابي طرأ عليه تغير جوهري، فلم يعد المشغل في أوسع قطاعاته–القطاع الحكومي-هو العدو الصهيوني كما كان قبل أوسلو، وإنما أصبح السلطة الوطنية الفلسطينية، التي هي محل المواجهة النقابية.

بناء على ذلك كان من المفترض أن تتحول مهمة الاتحاد لتصبح الحفاظ على حقوق المعلمين في إطار القانون، ومواجهة السلطة (المشغل) في قضايا المعلمين المطلبية التي تمثل حاصل إرادة المعلمين لتحسين أوضاعهم وظروفهم المهنية والمعيشية. ويفرض هذا النمط علاقة صراعية لا تفتر ولا تهدأ بين الاتحاد والمشغل (السلطة)، فصفة المشغل بصورة عامة هي عدم الرغبة في الاستجابة للقضايا المطلبية، بينما صفة النقابي هي الضغط المستمر على المشغل لانتزاع هذه القضايا الحقوقية. وهذا الصراع من الطبيعي أن يظهر بشكل متجدد.  

لكن يبدو أن المشهد الجديد أدخل اتحاد المعلمين الفلسطينيين في دوامة من الإرباك، لرغبته في تحقيق التوازن على صعيد علاقته بين المعلمين والمشغل، بينما يفترض بالاتحاد النقابي تمثيل إرادة المعلمين والانحياز الدائم إليهم في قضاياهم الحقوقية والمطلبية، وعليه أن يحمل هذه القضايا بأمانة وبكل ثقة واقتدار لمواجهة المشغل وانتزاعها. وإن كان الاتحاد يمثل نخب المعلمين فمن المفترض أن يتقدمهم نحو التغيير المستمر للأفضل وتحسين واقعهم المهني والاجتماعي والاقتصادي. ولعل ميل الاتحاد إلى تحقيق التوازن أفقد الاتحاد دوره فأصبح بين مطرقة النقابي، وسندان السياسي (المشغل). ومن المفهوم أن الانحياز إلى المشغل هو حالة احتواء تُفقد الاتحاد حوامله الاجتماعية والمدنية والنقابية، وتدخله في مواجهة مع القطاع الذي يفترض أن يمثله، الأمر الذي يفقده معناه ويحوله إلى هياكل تنظيمية شكلية بعيدة عن المعلمين الذين يمثلهم.

إن المتتبع لإضراب المعلمين في السنوات الأخيرة، لا يجد عناء في المقارنة بين الاتحاد من جهة، وبين الحراك الحقيقي لقيادته المستترة خلف حجاب من جهة أُخرى، والتي تتكون سريعاً في الميدان، وتقود، بصورة منظمة ومتماسكة، الإضرابات التي استمر بعضها أكثر من شهر، ووصل آخرها إلى ثمانين يوماً. أمّا مطالب حراك المعلمين فهو تغيير واقع الاتحاد على اعتبار أنه فقد صفته التمثيلية للمعلمين، وأصبح وزراً عليهم، لا سنداً ومرجعاً، ولا رافعة مهنية لهم. وحتى عندما اتخذ الاتحاد قراراً بالإضراب في آذار/مارس 2023، وطالب المعلمين بعدم التوجه إلى المدارس، فإن قراره قوبل بالتندر الواسع من جانب المعلمين على صفحات التواصل الاجتماعي، لأنه لم يكن مواكباً ولا ممثلاً لهم منذ البداية، وجاءت هذه الخطوة مستغربة ومريبة، وعندها أصر المعلمون المضربون على التوجه إلى مدارسهم، وتوثيق حضورهم بالبصمة، والامتناع من العمل نكاية بالاتحاد.

لم تتوقف حالة انفصال الاتحاد عن واقع المعلمين عند هذا الحد، بل إن كثيراً ما يقوم الاتحاد بإلغاء خاصية التعليق على منشوراته في وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصاً تلك التي تتعلق بموضوع الإضراب الأخير. والخشية من التعليقات لتعارضها مع موقف الاتحاد هي مؤشر على ضيق صدر الاتحاد بأبنائه، في الوقت الذي كان المعلمون ينتظرون صدور بيان من الحراك ليطلعوا على آخر جديد ليلتزموا بما جاء فيه.

هذا الشرخ العميق هو بين جسمين: المعلمون الذي يتشكل منهم القطاع مهنياً بدون هيكل تنظيمي، والذين لا يجدون في الاتحاد أي صورة تمثيلية حقيقية لهم، والاتحاد الذي لا تعوزه الهياكل التنظيمية، وإنما المهنية في تمثيل قطاع المعلمين، الأمر الذي يكشف عن خلل بنيوي في منظومة العمل والاشتغال. وكي تتكون المنظومة لا بد من الاندماج بين الهياكل التنظيمية وحواملها المهنية، فإمّا أن يتم تفصيل معلمين للهياكل التنظيمية للاتحاد، ويصبح التمثيل شكلياً، وإمّا أن يتم إعادة تنظيم هياكل الاتحاد بناء على رغبة المعلمين وتطلعاتهم، فيصبح التمثيل واقعياً وحقيقياً. والتمثيل المهني هو مربط الفرس وحجر زاوية في فهم الاتحاد لوظيفته، إذ كانت هذه الرؤية محل توافق في المبادرة التي تم تشكيلها عام 2022 لإنهاء إضراب المعلمين في ذلك العام، وكانت أحد مطالب الحراك في إضراب عام 2023. ويأمل الجميع بأن يأخذ صفة التنفيذ في هذا العام، كي لا يكون مطلباً للمعلمين في إضراب جديد.

الحكومة: تغييب مفهوم الشراكة، وإدارة الأزمة بالترحيل

غياب مفهوم الشراكة الحقيقية بين الجسم المهني والمشغل يوقع المشغل في شرك العمى عن حقيقة العدالة الاجتماعية والإنسانية، فيجعل من العاملين كائنات غير مرئية، وفي أحسن الأحوال غير ذي أهمية، ومن جانب آخر فإن غياب الشراكة يفاقم الإحساس بالقهر لدى العمال، ويفقدهم الإيمان بقيم العدالة والانتماء والتطوع، ويصبح عملهم ميكانيكياً يخلو من الروح والإيجابية.

لم تتوقف قضايا المعلمين المطلبية منذ عام 1969 حتى آخر إضراب لهم. والناظر في جوهر القضايا المطلبية في الإضراب الأخير لا يجد أن المعلمين طالبوا بتفاح الشام أو بلح اليمن، سواء في حق تمثيلهم النقابي، أو في تحسين قيمة الراتب وفتح الدرجات، كتلك الممنوحة للعاملين في الوظيفة العمومية في القطاعات الأُخرى، وإنما تقع مطالبهم في الحد الأدنى المعقول من الحقوق التي بالكاد تؤمن لهم خبزهم كفاف يومهم، وسط غلاء في المعيشة وتراجع الراتب أمام سلة المشتريات. وينعكس التدهور في أوضاع المعلمين كذلك، وبشكل لا يمكن التعامي عنه، في نظرة المجتمع السلبية إلى واقع المهنة والعاملين فيها، الأمر الذي يحد من قدرة المعلم وعطائه، ويفقد المجتمع المأمول في الناتج التعليمي.  

وفي كل إضراب يخوضه المعلمون مطالبين بحقوق وقضايا مطلبية، تخرج الحكومة الفلسطينية، بداية، لتمجد في المعلم وبذله وتضحياته، ثم تستمر في أن على المعلمين أن يعوا واقع السلطة المالي والسياسي، وأنه لا يجوز الإضراب عن التعليم لأن التعليم قضية وطنية، ثم تبدأ حملة تشكيك في دوافع الإضراب وأجنداته.

ونتيجة الريبة والقلق من تعامل الحكومة مع القائمين على الإضرابات السابقة، توارت قيادة الحراك عن الأنظار، وهو ما أعطى مبرراً شكلياً للحكومة كي تتذرع خلف موقف مفاده أنها لا تستطيع محاورة أناس غير مرئيين، ويبدو أنها في امتناعها من رؤية آلاف المعلمين الممتنعين من العمل، في الاعتصامات أو في المدارس، راهنت على الوقت، والتأثير في موقف أولياء الأمور، والتلويح بعقوبات على المعلمين لثنيهم عن الإضراب ودفهم إلى العودة إلى العمل.

والسؤال المطروح، إلى متى يتم التعامل مع قضايا المعلمين بأسلوب إدارة الأزمة وترحيلها، وعلاجها بالتهديد والوعيد، ومن خلال تنفيذ إجراءات عقابية بالنقل أو الفصل أو التقاعد المبكر؟ إلى متى يستمر العمل على تدجين المعلمين وإسكاتهم عن المطالبة بحقوقهم؟ وهل يستطيع معلم مدجن أن يكون مثالاً لنشْء يسعى للتحرر من الاحتلال، والوصول إلى بناء مجتمع مدني مزدهر؟ إلى متى تبقى الحكومة تغمض عينيها عن رؤية واقع المعلمين، وضرورة إيجاد حل جذري له؟ وهل رمي المعلمين بالشبهة والريبة الوطنية، والتشكيك في وعيهم السياسي والوطني هو وسيلة للتعامل مع قضاياهم المطلبية؟ أليس من الحكمة البحث عن حل واقعي وجذري لمطالب المعلمين بدلاً من مواجهتهم بالمدنس السياسي (الانقسام)؟ ثم أليس هذا الفعل من جانب الحكومة الفلسطينية تسييساً للتهرب من التعاطي مع مطالب المعلمين؟  

الخروج من الأزمة

بعد أن جمّد الحراك الإضراب، مستنداً إلى تعهدات جبريل الرجوب بتنفيذ ما تم عرضه من الحكومة على شكل استجابات لمطالب المعلمين، ووصفهم لهذه الاستجابات بأنها الحد الأدنى لمطالبهم، علينا أن ننتظر لنرى الشروع في دمقرطة الاتحاد وفق الرؤية التي تم التوافق عليها في العام الماضي في مبادرة إنهاء إضراب المعلمين في القطاع الحكومي في الشق النقابي، وفي الشق المطلبي، أي ما تم التوافق عليه بشأن تنفيذ الحكومة لاستجاباتها.

المسؤولية في منع حدوث الإضراب وتكراره لا تكمن بالتخوف منه، وإنما في الوقوف على أسبابه بصورة موضوعية لعلاجها، وهذه المسؤولية ليست فردية، أو حزبية، أو نقابية، بل هي مسؤولية وطنية واجتماعية عامة تمس الكل الفلسطيني، ولو كان هذا الإضراب وبهذا الشكل في مجتمعات حية لسقطت حكومات واتحادات وأحزاب.

Read more