How Is It like to Follow News inside a Prison?
Date: 
January 18, 2023
Author: 
blog Series: 

في سنة 2021، كنت أتواجد في قسم يضم أربع فصائل (حماس، الجهاد، الشعبية، الديمقراطية). قبل بدء المعركة بأيام، خيّمت على الأسرى أجواء من القهر والحزن الممزوج بالغضب. كان ذلك بسبب متابعتنا ما يحدث من تصعيد في حيّ الشيخ جرّاح. كان الجميع فعلياً في حالة انتظار كئيب، يرافقه شعور طاغٍ بالعجز.

عندما صدر تهديد المقاومة باستهداف مستوطنات القدس الساعة السادسة، لم يأخذ الجميع التهديد على محمل الجد، إذ اكتفى البعض باعتباره مجرد تهديد أجوف، بينما تفاعل آخرون بجدية مع تهديد المقاومة.

قبل حلول ساعة الوعيد، كنت أتمشى في ساحة القسم مع رفاقي. فجأة، خلَت الساحة عند الساعة الـ 5:50 تقريباً، إذ عادت أغلبية الأسرى إلى المهاجع. فأدركتُ أن الجميع تسمّر أمام شاشة القناة العربية، ينتظر دويّ صافرات الإنذار في القدس. لم تكد تمر 10 دقائق حتى أُطلقت صافرات الإنذار التي كنا نسمعها من داخل السجن، وشرعت القناة الإسرائيلية في إعلان إطلاق صواريخ وُجهتها القدس. كان لردّ المقاومة على اعتداء المستوطنين وتنفيذ وعدها في حينه أثر مذهل في المزاج العام للأسرى.

طوال أيام المعركة، بقينا مشدودين نحو شاشات التلفزة. تقريباً قمنا جميعاً بإلغاء برامجنا اليومية، وأصبحت متابعة مجريات المعركة الشغل الشاغل للجميع. كانت التحليلات والمعلومات بشأن ما يحدث حديث الجميع، حتى أن برامجنا الثقافية عُلّقت حتى انتهاء المعركة.

من جهة أُخرى، تصاعد التوتر سريعاً بين الأسرى والسجّانين. كان القلق والخوف باديين على السجّانين في أثناء تجوالهم داخل الأقسام. وسرعان ما سعى مدير السجن للقاء ممثلي الأسرى، للتأكيد أن ما يحدث خارج السجن لا علاقة له بالأسرى وإدارة السجن، وضرورة تجنُّب أيّ تصعيد.

عقب الاجتماع، حدّثنا ممثلونا عن اللقاء، وأن التوتر والوجوم كان "مش مفهوم". على عكس اللقاءات الأُخرى التي كان يُظهر فيها مدير السجن عنجهيته. ربما فاجأته قدرات المقاومة الجديدة أيضاً.

في تلك الآونة، تحول جميع الأسرى الى محللين سياسيين. كانت الحالة مثيرة ومشوقة. ترى كلاً منهم يدلي بدلوه، فتلمح الحالم، والرغائبي، والمتشائم، والمتفائل بإفراط، والواقعي… إلخ. كانت وجهات النظر تعكس في مضمونها مستويات الوعي السياسي المتفاوتة.

كان انتهاء المعركة والأحداث الانتفاضية التي قام بها أبناء شعبنا في المناطق المحتلة عام 1948، سبباً كافياً لنا لتحضير الحلويات ضمن إمكاناتنا المتاحة في السجن، وتوزيعها على المهاجع، وإقامة احتفال بانتصار المقاومة. بعد عدة أيام، قمنا بعقد ندوتين سياسيتين لعموم الأسرى في القسم، كان الغرض منها مناقشة الحالة وتقييمها وسماع مختلف الآراء فيها.

في أثناء الحرب، تراجع الحديث عن الحرية التي تشغل الأسرى باستمرار، وانصبّ الاهتمام على ما كان يحدث في الشارع.

منذ 16 عاماً، لم تمرّ سنة تشبه هذه السنة (2022)، من حيث عدد الشهداء الفلسطينيين، كما أنها السنة الأعلى عدداً لعمليات المقاومة، مقارنةً بالأعوام السبعة الماضية، بحسب تقرير صحيفة يديعوت أحرونوت المنشور في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2022 . فقد أشارت الصحيفة إلى أنها السنة الأعلى من حيث العمليات والإصابات، منذ هبّة السكاكين في سنة 2015.

مع بداية سنة 2022، وعقب وقوع عمليتين أعلنت داعش مسؤوليتها عنهما، ساد جوّ من القلق والخوف من تصاعُد هذه الظاهرة، وخصوصاً أن الساحة الفلسطينية لم تتأثر بالظاهرة السلفية الجهادية مثل غيرها من محيطها العربي خلال العقد الفائت. بالإضافة إلى أن الأسرى يدركون جيداً مدى تأثير الفعل الكفاحي في الشارع الفلسطيني، تحديداً في فترة يغيب الفعل المقاوم المنظم عن الضفة المحتلة والداخل. فشعبنا يُعلي كلمة مَن يحمل البندقية ويشهرها في وجه الاحتلال، فما الحال إذا تصدرت داعش المشهد؟ حينها، كانت مواقف الأسرى من هاتين العمليتين بين الرافض وبين المؤيد لهما بخجل. لم تكن وجهة النظر تحدّد بالفعل نفسه، بل بالجهة التي تقف خلف الفعل ودوافعها. بعد العملية الثانية، ردّد أسرى كثر بشكل منفرد أنهم يأملون بأن يأتي أيّ مناضل وينفّذ عملية توقف الزخم الذي حازت عليه داعش جرّاء تنفيذها عمليتيها، وهو ما جرى لاحقاً.

أما بخصوص العمليات الفردية التي يقوم بها شبان فلسطينيون، تتباين الآراء حولها، فهناك مَن يقف ضدها، كونها لا تثمر بالمعنى السياسي، وغير متكافئة من ناحية المواجهة. فخسائرها محدودة، يستشهد فيها المناضل غالباً، أو يُعتقل لترافقه إعاقة جسدية دائمة طوال قضاء فترة حكمه التي ستتجاوز الـ 15 عاماً.

هذا الرأي يتبناه عدد كبير من المناضلين، وبصورة خاصة الذين قاتلوا في الانتفاضة الثانية، والتي كان فيها السلاح متوفراً، وكثرت فيها العمليات الاستشهادية. أما الرأي الثاني، فهو يتفق مع الرأي الأول من حيث الجدوى السياسية وعدم ندّية المواجهة، بيْد أنهم يرون أن هذه العمليات تُبقي جدوى المقاومة لدى الشعب. فإذا كانت هذه العمليات من دون جدوى في الزمن الآني التكتيكي، فإنها ذات جدوى مستمرة واستراتيجيا، كونها تسقي نار الغضب القادم، وتجعل فعل المقاومة شيئاً يومياً وجزءاً طبيعياً من الحياة في فلسطين.

ومع بروز نجم عرين الأسود، ظهرت أربع وجهات نظر بين الأسرى. أصحاب وجهة النظر الأولى يؤيدون الظاهرة بقوة ويعتبروها رداً طبيعياً على جرائم الاحتلال، بل يعولون عليها بشكل كبير حتى في تجاوُز الازمة الراهنة للتنظيمات الفلسطينية في الضفة. أغلبية أصحاب هذا الرأي لم تواكب أحداث الانتفاضة الثانية، وهم حديثو التجربة والعمر.

بينما وجهة النظر الثانية اعتبرت الظاهرة عشوائية، لا منهجية، غير منظمة، وتفتقد قيادة وبرنامجاً سياسياً وفكراً. ويرون أنها تأتي كردة فعل عضوية على الاحتلال، لكنها تفتقد امتدادات شعبية وبنى وهياكل تمكّنها من الاستمرار. هذه العوامل جميعها تجعلها ظاهرة سريعة الحضور والانتشار، ثم الزوال. ويدعو أصحاب هذا الرأي إلى إعادة بناء الأحزاب والفصائل في الضفة للقيام بدورها في التصدي للاحتلال، ففي رأيهم، الفصائل هي فقط المؤهلة للعب هذا الدور، أصحاب هذا الرأي يشددون على أهمية التنظيم المُحكم الذي يستطيع استدامة النضال.

أما وجهة النظر الثالثة فهي أقرب إلى توجُّه السلطة. وترى أن الشباب يضيّعون أعمارهم، وأن طريق العدالة للشعب الفلسطيني مختلف عن هذا الطريق. أصحاب هذا الرأي كانوا ينطلقون من أنفسهم، فهم تصدّروا الأعمال العسكرية المقاومة في الانتفاضة الثانية، ثم اعتُقلوا وما زالوا حتى هذه اللحظة في السجون يواجهون أحكامهم المؤبدة من دون الوصول إلى حل سياسي، ومن دون الإفراج عنهم، كما أنهم يعتبرون تجربة الانتفاضة الثانية أكثر تعقيداً وكثافة وحدّة مما يجري الآن.

وجهة النظر الرابعة ترى في الظاهرة ملامح تشير إلى اتجاهين: الأول، انتفاضة مقبلة تتخذ أشكالاً وصيغاً متنوعة، ومختلفة عن الانتفاضتين الأولى والثانية. الثانية، ملامح ولادات مقبلة في الأفق. فأصحاب هذا الرأي يدركون أن هذه الظاهرة لا يمكنها أن تكون بديلاً من الأحزاب. بيْد أنها تحمل مؤشرات تجاوُز الفصائل القائمة. نظراً إلى عجز الفصائل عن أداء دورها المفترض، فهناك فراغ في الساحة الفلسطينية والطبيعة لا تقبل الفراغ. 

من جهة أخرى، تُظهر الظاهرة الجديدة حالة من التنسيق والوحدة الميدانية، وهو ما يدلل على صيغ شعبية قد تنشأ مستقبلاً، وجامعها ميداني لا فصائلي. كما يشدد أصحاب هذا الرأي على ضرورة عدم محاكمة الظاهرة من السطح، بل النظر إليها بدلالات المستقبل الكامنة ( شبابية، تنسيقية ميدانية، مقاومة، متجاوزة البنى القائمة، تتناقض وجودياً مع الاحتلال، وتختلف مع سياسة السلطة)، أي أنه يجب النظر إلى هذه الظاهرة كحالة انتقالية ستنتهي، بيْد أنها ضرورية في الظهور ثم التلاشي، نظراً إلى ما ستحمل من دروس وعِبر للأجيال اللاحقة، والتي قد تفضي إلى حثّ البعض على فتح مسار أمل جديد.

أما فيما يخص الأخبار والأحداث الأخرى، وفي ظل زخم التفاعل مع ما يحدث في الضفة، تبدو هناك حالة من اللامبالاة وعدم الاكتراث بما يخص حوارات الجزائر. فلم ألمس اهتماماً جدياً بحوار المصالحة الذي كان يجري في الجزائر، حتى من أعضاء قياديين، وكان هناك فقدان أمل من حدوث أيّ تقدُّم حقيقي في هذا الملف.

وهو الموقف نفسه تجاه مجريات القمة العربية التي عُقدت في الجزائر في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر، والتي ربما غطت الانتخابات الإسرائيلية على أحداثها داخل السجن. إذا كان الاهتمام بمتابعة تطورات الانتخابات بين الأحزاب الإسرائيلية أعلى بكثير من الاهتمام بالقمة العربية، ولا أذكر أنني سمعت نقاشاً جدياً في القمة قبل انعقادها وفي أثنائه. وهو ما يوحي بعدم التعويل على قمة العرب بشيء. 

بينما كان الاهتمام بالانتخابات الإسرائيلية كبيراً، وخشية الجميع من عودة اليمين واليمين المتطرف، التي ستنعكس في إجراءات مشددة على شعبنا، وعلى الأسرى أنفسهم.

في العودة إلى السجن وكيفية تفاعُل الأسرى فيه في أثناء العام المنصرم، كان حديث الصفقة هو الحديث المسيطر، فلا مطلب يعلو على مطلب الحرية من الأسر، وتحديداً بعد شهرين على انتهاء معركة سيف القدس، إذ عاد يطفو إلى السطح. مع تراجُع الأحداث الميدانية هذا العام، تراجع السؤال عن الحرية في ظل التصعيد الميداني المتواصل في الضفة، على الرغم من أنه يقبع في خلفية كل الأحداث. عندما يسأل الأسرى بعضهم السؤال التقليدي: شو الأخبار؟ نستطيع ربطه بأكثر من أمر، وكلها أمور تصب في النهاية فيما يتعلق بالحرية. فعندما اشتدت المواجهة في نابلس، كان الحديث بين الأسرى يدور حول سعي إسرائيل لتعزيز دور السلطة، فما هو الشيء الذي سيعزز دور السلطة في "ضبط الأمن"؟ المال؟ وماذا أيضاً؟ إفراجات لتقوية حضور السلطة!؟ أما خلال متابعة الانتخابات الإسرائيلية، فيأتي سؤال شو الأخبار؟ مرتبطاً بسؤال: هل حكومة اليمين المتماسكة المقبلة قادرة على اتخاذ قرار في صفقة تبادُل مع "حماس"، وخصوصاً أننا نعيش في ظل حكومات إسرائيلية هشة في الأعوام الثلاثة الأخيرة. على الرغم من كل الأحداث، فإن السؤال عن الحرية يبقى قائماً، وإن تراجع إلى الخلف قليلاً.

ربما يكون السجن مكاناً صعباً، منفياً عن حركة الواقع وزمنه الطبيعي. هو مكان معزول ويسعى لعزل قاطنيه، بهدف تغييرهم، وانتزاع جوهرهم الإنساني بكل ما يعنيه من توق الإنسان إلى العدالة والتحدي والإيمان بالممكن، والشعور بكونه جزءاً من شيء أكبر منه، ومن حلم واسع. لكن على الرغم من كل أدواته المتفاوتة في نجاعتها، فإن هذا الحيز القمعي لم يستطع عزل المناضل الفلسطيني عن التأثر بكل ما يجري حوله. تفاعُل الأسرى مع مختلف الأحداث يوحي بحفاظهم على كلمتهم الإنسانية والسياسية، وفشل السجّان في تحويلهم إلى مجرد كائنات بيولوجية ومقهورة.

يكاد لا يمرّ حدث فلسطيني، عربي، أو عالمي، إلا ويتفاعل معه الأسرى الفلسطينيون بشكل كبير، فهم مهتمون بالشأن العام ويتفاعلون معه بعمق، وتحديداً الشأن الفلسطيني الداخلي الذي يشكل محور اهتمامهم. هذا الارتباط بقضاياهم وبالعالم هو نفسه ما مضى بهم إلى النضال في سبيل حريتهم. لكن ارتباط الأسرى العميق بقضايا وطنهم العامة، يجعل مزاجهم يتأثر طوال الوقت داخل السجن بما يحدث خارجه. وتشكل هذه العلاقة في مضمونها جزءاً من القناعات الوطنية والأيديولوجية التي تسلّح الأسرى نفسياً في مواجهة السجن وزمنه ووسائله المتعددة في إعادة هندسة البشر.

أتاح لي اعتقالي هنا لقاء العديد من الأسرى القدامى المعتقلين قبل اتفاق أوسلو، ولهذا، أحاول أن أتحاور معهم بقدر الإمكان، كي أفهم تجربتهم، وأسمع آراءهم، وفي سياق حديثي مع أحدهم، سألته عن طرقه الشخصية في مواجهة السجن، فكيف تمكن من تحمُّل ما يتجاوز الثلاثين عاماً في السجن؟ فأجاب:

"في كل فترة في أثناء اعتقالي، كنت أجد عاملاً يعزز قدرتي على التحمل والصمود، لا يوجد عامل واحد محدد يمكن وصفه بالأهم دائماً، بل هناك مجموعة عوامل ... أذكر مثلاً في سنة 2000، قبل انتفاضة الأقصى، كنت أشعر أنا ورفاقي في السجن بشعور عام من الإحباط، كان شعورنا بأننا منسيون. وكان لسان حالنا يقول: علينا مواجهة مصيرنا المجهول بمفردنا! لكن مع بداية انتفاضة الأقصى ومشاهدتنا لِما كان يحدث، بعثت فينا أملاً جديداً، نسينا السجن، وأصبحت الانتفاضة واستمرارها همنا الأساسي، وازدادت عزيمتنا عندما استقبلنا آلاف المعتقلين الجدد، كان اعتقال مناضلين جدد يوحي بوفاء شعبنا لقضيته، وتمسّكه بالنضال من أجلها ... طوال 5 أعوام، الانتفاضة جعلتنا لا نفكر كثيراً في السجن".

Read more