Tikchbila Tiwliwla
Full text: 

ازدحم الميناء بالناس الذين كانوا يسيرون بخطى ثقيلة يغلّف أعينهم الشرود والخواء، فلا هم ساهون عمّا حلّ بهم، ولا هم مستوعبون ما جرى لهم، فالقرار بطردهم صدر، بل لنقل بإعدامهم ونفيهم من أرضهم، كأنه لم يكفهم ما مورس في حقّهم من اجتثاث لهويتهم وذاكرتهم ولغتهم، حتى تحل عليهم لعنة التطهير العرقي والأمر بالرحيل خلال ثلاثة أيام. نعم، ثلاثة أيام، فمرسوم الطرد الذي أصدره الملك فيليب الثالث "ينص على أن يتوجه جميع الموريسكيين إلى النقاط التي ستُحدد لهم، خلال ثلاثة أيام، حاملين معهم ما استطاعوا من متاع، تحت طائلة الإعدام لمَن يُخْفِ منهم أو يدمر تلك الأمتعة التي لا يستطيع حملها، 'ذلك أن جلالته رأى أن يَمنح هذه الأملاك والأصول والأمتعة التي لا يمكنهم حملها معهم، للسادة الذين كانوا رعايا لهم'."[1]

ثلاثة أيام! هل هي كافية ليحمل شخص ما تاريخه وأملاكه ومقتنياته، ويُغلق داراً ما عرف غيرها سكناً منذ أن وطئها أجداده، ولعب في فنائها الأولاد والأحفاد؟ هل هي كافية ليصبح شخصاً جديداً عليه أن يبدأ حياته في مكان آخر؟ هل هي كافية ليمحو من ذاكرته هوية التصق بها والتصقت به حتى بات مجرد ذكر كلمة الأندلس استحضاراً له ولغيره ممّن سكن تلك الأرض وعمّرها، فأعطته ثمارها خيرات وعلماً وثقافة؟

نحن الآن عند شواطئ إسبانيا بعد صدور قرار طرد الموريسكيين من إسبانيا كلها، والذي استمر من سنة 1609 إلى سنة 1614، فوجودهم صار يؤرّق النصارى إلى درجة غير محتملة، وأصبحوا (الإسبان) يرون في مجرد عيشهم بينهم لطخة سوداء تلوث نقاء "دينهم" الذي سعوا نحو قرنين من الزمن لإدخالهم فيه من دون جدوى، وتهديداً لإسبانيا نفسها، مثلما قال الكاردينال خوان دي ريبيرا (Juan de Ribera): إذا لم يُطرد الموريسكيون، "فإني سأشهد في حياتي ضياع إسبانيا"،[2] أو مثلما قرر الملك فيليب الثالث من "أن الموريسكيين... خطر على الدين والدولة."[3]

لنتخيل مشهد الرحيل، ولتطمئن قلوبنا إلى أنه مهما يبلغ الخيال بنا فإنه لن يضاهي الحقيقة التي عانى جرّاءها أولئك الموريسكيون التعساء.

آلاف مؤلفة من الناس تسير كمَن يسير إلى حتفه، ببطء وانكسار تحت وطأة الأمتعة التي كانوا يحملونها، وعبء الأطفال الذين كانوا مضطرين إلى حملهم لأنهم عاجزون عن السير تعباً، فضلاً عمّا استطاعوا أخذه معهم من مقتنيات بسيطة تجسد نزعة بشرية في الاحتفاظ بما يملكون إذ ربما احتاجوا إليه يوماً.

يصف أثنار كاردونا (Aznar Cardona) في كتابه "الطرد المبرر للموريسكيين الإسبان"، تلك الجماعات المطرودة:

 

على شكل موكب غير منتظم، يختلط فيه الممتطون لصهوات خيولهم بالراجلين، يمضون مختلطين بعضهم ببعض، بين ألم ودموع، بضجيج كبير وجلبة غريبة، يحملون أبناءهم ونساءهم، ومرضاهم، وشيوخهم وأطفالهم، يغطيهم الغبار، وهم يلهثون والعرق يتصبب من جبينهم، بعضهم على عربات يزدحم فيها أهلهم بالأمتعة والحلي النفيسة والرخيصة؛ والبعض الآخر على مطايا عليها اختراعات غريبة ووضعيات بدائية؛ بكراسٍ وسروج وسلال وبردعات تحيط بها جواليق[4] وأباريق وجرار وسلال صغيرة بملابس وعباءات وأقمصة ومناديل وأغطية وقطع من القنّب والكتان... كان البعض منهم يمشون على الأقدام، ممزقين، وقد رثّت هيئتهم، يلبسون فردة من قماش وفردة حذاء، وآخرون يحملون عباءاتهم على أعناقهم، وبعضهم الآخر بصُرر وحُزم مختلفة، وكلهم كانوا يسلّمون على مَن يشاهدونهم قائلين: "ليحفظكم الرب. أيها السادة، دمتم في رعاية الله..."، ومن حين لآخر، كانت تمر بين المذكورين أعلاه نساء بعض المسلمين الأثرياء وكأنهن آلات لغزل النسيج، بقلادات فضية على صدورهن تتدلى من جيادهن، وأطواق وسلسلات وحلقات للأذن وأساور وحليّ من المرجان وألف حلية ولباس مزركش، كنّ يدارين به بعض الألم الذي يمزق قلوبهن. بينما كان هناك آخرون لا يمكن حتى مقارنتهم بمَن ذُكروا من قبل، كانوا يمشون على الأقدام، مرهقين، متألمين، تائهين... يتحملون ما لا يطاق من مشاقّ، ويتجرعون مرارة كبيرة، وقد كان يموت الكثير منهم من الأسى، ويدفعون ثمن الماء والظل على طول الطريق، ذلك أن الجو كان صيفاً.[5]

 

هذا المصير البائس الذي عانى جرّاءه الموريسكيون التعب والقهر والإرهاق، دفع الشعراء حتى الإسبان منهم إلى عدم القدرة على تجاهل ما يرونه، فها هو الشاعر الملحمي خوان منديث دي باسكونثيلوس (Juan Méndez de Vasconcelos) يصف ما خلّفه هذا الطرد من أوجاع وأحزان:

 

هجرة مضنية، أمر فظيع

مشحنة بالمبهم، أحزان ثقيلة

في غمرتها ينفد الصبر

وترتعش لها آلام الروح العدوّة[6]

 

العنف الذي كان يمارَس ضد الموريسكيين، فضلاً عن الأخبار التي بدأت تصل عن المعاملة السيئة التي عومل بها الذين استقلّوا السفن قبلهم، دفعت بمجموعات موريسكية إلى القيام بمحاولة مقاومة يائسة، فالتجأ بعض منهم مع نسائهم وأطفالهم إلى المناطق الجبلية والأدغال الشائكة القريبة من السواحل، وأعلنوا ما يشبه العصيان، وطبعاً أُرسل الجيش لقمع هذه "الانتفاضة"، فقمعها بوحشية تردد صداها في أبيات للشاعر غاسبار دي أغيلار (Gaspar de Aguilar) يستحضر فيها ذلك البؤس وتلك الوحشية:

 

كم من موريسكية مسكينة يُرثى لحالها

لأنها رأت ذويها عُزّلاً

ألقت بنفسها من جبل شاهق

وهي تحضن صغارها

وكم منهن بِعن فلذات أكبادهن لأهالينا

فقط لكي يُطعموهم قطعة خبز[7]

 

سيق الموريسكيون إلى السفن بهمجية يندى لها الجبين، إذ "كانوا يُساقون... وهم يُجَرَّون جرّاً تقريباً، عبر الطرق، ويُجرَّدون من أبنائهم ونسائهم، وحتى من الملابس التي يرتدونها، وكانوا يصلون في حالة يرثى لها، لدرجة أن البعض، وهم شبه عراة أو عراة تماماً، كانوا يُلقون بأنفسهم في البحر، ليستطيعوا الركوب في السفن"،[8] هرباً من العذاب الذي كان الإسبان يسومونهم إياه.

ولا بد هنا من ذكر قرار إجرامي آخر اتُّخذ ضد أولئك التعساء، وهو قرار إن دل على شيء فإنما يدل على الإصرار الذي كان لدى النصارى بطرد الموريسكيين وتحويل حياتهم إلى جحيم، إن كان ما يعيشونه يستحق لقب "حياة". ففي أيار / مايو 1611م، أصدر ماركيز كاراثينا (Marqués de Caracena) قراراً إجرامياً للقضاء على المتخلفين من الموريسكيين، قال فيه: "نمنح لكل شخص يخرج في ملاحقة هؤلاء المسلمين 60 بيزو عن كل واحد منهم يؤتى به حياً، وثلاثين عن كل رأس يسلّمه لمَن قُتل منهم... وإذا أراد أولئك الذين أحضروهم أحياء أن يتخذوهم عبيداً لهم، فنحن على استعداد لكي نعطيهم إياهم، ونمنحهم الرخصة لكي يكووهم بالحديد كعبيد، على أن يأتوا بهم إلى هذه المدينة لكي نأمر لهم بتحرير صكوك العبودية."[9]

وقد وصف الشاعر غاسبار دي أغيلار جموع الموريسكيين المطرودين ببضعة أبيات تثير الحزن في النفس، والأسى في الضلوع:

 

فرقة من المسلمين والمسلمات

تمضي وهي تسمع آلاف الشتائم من كل صوب

يحمل الرجال الثروات والكنوز

وتحمل النساء الزينة والأثواب

تسير العجائز بحزن وهنّ يبكين

مبوِّزات مقطّبات الجبين

مثقلات بالحلي الرخيصة

والقدور والمقالي والجرار والقناديل

عجوز يُمسك بيد طفل

وطفل آخر ملتصق بصدر أمه الغالية

وفتى آخر يافع وقوي مثل بطل طروادة

لا يتردد في حمل أبيه.[10]

 

لا ريب في أن ما يذكره الشاعر من ثروة وأموال يحملها أولئك المطرودون إنما هو من باب الهزء والسخرية ليس بهم، بل للإشارة إلى قلة الثروة التي تبقّت للموريسكيين بعد أن سطا الملك وحاشيته وأعضاء الكنيسة على مال هؤلاء التعساء. فمنذ سنة 1608، عندما ابتدأت الشائعات تنتشر باقتراب تنفيذ عملية الطرد، شرع الموريسكيون الأغنياء والقادرون على الهجرة يبيعون أملاكهم ويهاجرون في ظروف أفضل من الطرد القسري، لأنهم كانوا سيخسرون كثيراً لو انتظروا وقوع قرار الطرد عليهم كالصاعقة، ولا سيما أن نقل الذهب والفضة خارج المملكة كان يُعدّ جريمة يعاقب عليها القانون عقاباً شديداً، فمنهم مَن عبر البحر إلى شمال أفريقيا، ومنهم مَن عبر جبال البيرينيه إلى فرنسا. وقد أزعجت هذه الهجرة الدولة الإسبانية لأنها كانت ترغب في طرد الموريسكيين من دون أموالهم، ولذا طلب مجلس الدولة بتاريخ 24 / 6 / 1608، من ممثله الكتابة "إلى نائب الملك بقطلونية، بخصوص الموريسكيين الذين يعبرون إلى فرنسا، لكي يأمر بالتحقق من هويتهم، وإذا كان بينهم مَن هم أغنياء وذوو مكانة، ينبغي إلقاء القبض عليهم ووضعهم في مكان آمن، حتى تؤخذ منهم أمتعتهم، أمّا الناس العاديون، فيمكن غضّ النظر عنهم والسماح لهم بالعبور، لأنه كلما انخفض عددهم هنا كان الأمر أفضل."[11]

والمتمعن في حدث الطرد بحد ذاته لا بد من أن يساور تفكيره سؤال مشروع هو: ألم يترك هذا الحدث موروثاً شعبياً ينبئ عنه ويخبر بما حدث من وجهة نظر الناس الذين كانوا يعانون، أم إن جلّ ما هو متوفر لدينا هو ممّا لهجت به الكتب وحلّله الدارسون؟ فالأندلسيون بما أُثر عنهم من رهافة الحس والتأثر السريع بكل ما يمسّ وجدانهم من فرح أو حزن، ما كانوا سيتركون حدثاً كهذا يمر من دون أن يتركوا تسجيلاً شعبياً له تتوارثه الأجيال ويصبح جزءاً من حضارتهم يعبّر ويحكي عنهم. لننظر إلى "الأبيات" التالية أدناه، إن كان يصح تسميتها كذلك، ولنسبر تفصيلاتها، وسنكتشف أن الاقتباسَين المذكورَين أعلاه، واللذين يصفان حالة الموريسكيين عند الطرد، قد أغفلا ذكر شيئين آخرين حدثا مع هذه القوافل المرحّلة، وهما حدثان تناقلهما الركبان، وسار بحديثهما الحوذيون وأصحاب المركبات، علاوة على المطرودين أنفسهم.

يقول الموروث الشعبي:

 

تِكِشْبيلا تِوِلِّيُولا

ما قَتْلوني ما حْيَاوْني

غير الكاسْ اللي عْطَاوْني

الحْرامي ما يْموتشي

جات خْبارو في الكُوتشي

 

ربما تبدو هذه "الأبيات" لنا نحن المشرقيين على أنها غير عربية، لكن بعد درسها بدقة سنكتشف أننا أمام موروث عربي مغاربي شعبي وجميل جداً، يفيض بعاطفة متقدة وألم دفين. سأبدأ أولاً بشرح معاني الكلمات مفردة مفردة، أو عبارة عبارة، ثم أرسم الصورة التي تجسدها هذه "الأبيات".

كلمة "تِكِشْبيلا" كلمة مغاربية محرفة عن العبارة الأصلية: طريق إشبيلية، فالأندلسيون آنذاك، ولبعد عهدهم باللغة العربية بسبب القوانين الجائرة التي فرضت عليهم الامتناع كلياً من التكلم بها أو كتابتها أو حتى القراءة بها، غلبت العجمة على ألسنتهم فكانوا يقلبون القاف كافاً، ثم تلقفها المغاربة بعد هجرة الأندلسيين إلى بلادهم وسكناهم فيها. وهكذا باتت الكلمة: طريك إشبيلية، لكن لسرعة اللهجة المغاربية في اللفظ، فإن هذه الكلمة تُلفط طْرِكْ، ومع مرور الزمن باتت طِكْ. وشبيلا هي إشبيلية، فممّا لا شك فيه أن الأندلسيين لبعدهم عن لغتهم العربية الأم، كانوا يلفظونها شبيلا.

أمّا كلمة "تِوِلِّيُولا"، فمكونة من كلمتين هما: تُولّوْن إليها، أي ترجعون إليها، وهكذا يصبح معنى العبارة: سترجعون إلى إشبيلية، وكلمة "طريق" هنا استُعملت بأسلوب استخدام الجزء للدلالة على الكل، مثلما استُعملت كلمة "شبيلا" كرمز للأندلس ككل. وقد اختلفت الآراء في تحديد مَن هم الذين سيرجعون إلى إشبيلية، وبعض التفسيرات ذهب إلى أن هذه الكلمات تعني النصارى، فحمزة الكتاني يروي عن أبيه علي المنتصر الكتاني، قائلاً: "أذكر أن الوالد رحمه الله، كان يقول لنا بأن هذه من أغاني الموريسكيين والأندلسيين المهاجرين من الأندلس، يصفون فيها مأساتهم ومعاناتهم في الطريق... ومعاني ألفاظها: 'طريق إشبيلية يرجعون إليها – يعني النصارى والعلوج'."[12] غير أني أميل إلى التفسير الذي يحيل قائل هذه الأبيات إلى الموريسكيين أنفسهم، لأن سياق المعنى كله يستقيم أكثر مع كونهم هم مَن يقولون هذا، وخصوصاً أن الكتب ملأى بما يفيد بأن الأندلسيين ظلوا يعيشون على أمل بأن الأندلس ستعود كما كانت، وأن كل مَن رحل عنها أو طُرد منها، لا بد من أن يعود يوماً.

عبارتا "ما قَتْلوني ما حْيَاوْني" و"غير الكاسْ اللي عْطَاوْني"، تعبير دقيق عن حالة الموريسكيين الذين كانوا في مرتبة وسطى، فلا هم أحياء يتنعمون بعيشهم، ولا هم أموات يرتاحون من العذاب المفروض عليهم، وواو الجماعة هنا تعود إلى الإسبان، يدلنا على ذلك العبارة الثانية، إذ مَن الذي كان يُجبر الموريسكيين على شرب الخمر؟ وهل نستطيع إحصاء عدد الذين أُعدموا حرقاً لأنه جرى الشك في تنصرهم بسبب رفضهم كأساً من الخمر من جار، أو محقق تفتيش، وحتى من "صديق"؟

وهنا نصل إلى واحد من الأشياء التي أغفلها الاقتباسان المذكوران أعلاه، وهو أن الإسبان كانوا يُخضعون الموريسكيين لعذاب آخر، كأن لم يكفهم ما مر به هؤلاء المساكين، فكانوا، إمعاناً في إذلالهم، يخيّرونهم قبل أن يصعدوا إلى السفينة بين شرب كأس من الخمر كي يستطيعوا الصعود إليها، والامتناع من شربه والبقاء في إسبانيا تحت العذاب. وربما يكون العكس هو الصحيح، أي أن يسمحوا لهم بالبقاء في إسبانيا إذا شربوا الخمر، وبالتالي المحافظة على أموالهم وأملاكهم، لأن هذا سيكون دليلاً على حسن تنصرهم، أو يجيزون لهم الصعود إلى السفن إذا امتنعوا من الشرب. إلاّ إنني أميل إلى الرأي الأول، فالأندلسيون، في معظمهم، ولقرنين من الزمن تقريباً، قبلوا التنصر، أو التظاهر به، ومع هذا لم يُعفهم شربهم الخمر من العقاب الذي أُنزل بهم.

نصل إلى العبارتين الأخيرتين: "الحْرامي ما يْموتشي"، و"جات خْبارو في الكوتشي"، وهنا لدينا إشكالية ثنائية الأبعاد. فبعد اطّلاعي على كثير ممّا كُتب عن هذه "الأبيات"، واستماعي إلى مقاطع عديدة جداً من التسجيلات الصوتية لأشخاص يشرحونها، وجدت أن القضية تتعلق في أحد بُعديها بصيغة ثانية للأبيات المذكورة، وهي الشيء الثاني الذي أغفله الاقتباسان المذكوران سابقاً.

كلمة "الحْرامي" تعني ابن الحرام أو الفاحشة، والمقصود ربما يكون: أولاً، الإسبان، بمعنى أن "أولاد الحرام" هؤلاء عادت إليهم الروح بعد ثمانية قرون من الانهزام أمام العرب، فاستعادوا حيويتهم وبُعثوا إلى الحياة من جديد، أمّا "الكوتشي" فهي العربة الخشبية التي يجرها حصان أو حمار أو غير ذلك، ولا تزال هذه الكلمة تُستخدم في مراكش. وهكذا، نصل إلى المعنى المقصود على ضوء هذه الشروحات: أي أن الإسبان لم يموتوا، وأخبار انتصاراتهم، وبالتالي سقوط الأندلس، تناقلتها عربات النقل آنذاك التي كانت "قنوات إخبارية" تنقل ما يحدث من قرية إلى أُخرى، أو من بلد إلى آخر.

أمّا البعد الثاني فمتعلق – كما قلت – بصيغة أُخرى لهذه الأبيات، تسلط الضوء على شيء بشع للغاية تعرّض له الموريسكيون.

تقول الصيغة الثانية للأبيات:

 

تِكِشْبيلا تِوِلِّيُولا

ما قَتْلوني ما حْيَاوْني

غير الكاسْ اللي عْطَاوْني

فاطمة وَلداتْ

سَمّاتو فؤاد

لاحْتو في الواد

الحْرامي ما يْموتشي

جات خْبارو في الكُوتشي

 

هذه الصيغة الثانية تسلط الضوء على الحدث الثاني الذي أغفله الاقتباسان المذكوران أعلاه، وهو تعرّض النساء الموريسكيات للاغتصاب خلال تلك المأساة وقبلها، إذ مثلما يقول المؤرخ ماثيو كار: "كانت المآسي الأكبر في انتظارهم على السفن التي تآمر عليهم بحارتها في حالات كثيرة، فسرقوا ممتلكاتهم واغتصبوا نساءهم، وألقوا بهم في البحر أو باعوهم عبيداً أو ألقوا بهم على شواطئ معزولة."[13] تخبرنا الصيغة عن فاطمة التي قد تكون امرأة موريسكية حقيقية، أو ربما تكون رمزاً لنسوة موريسكيات اختبرن المصير ذاته، والتي اغتُصبت وحملت، ثم أُعطيت سماً أو دواء للإجهاض، لكن ثمرة هذا الفعل لم يمت ("الحْرامي ما يْموتشي")، فولدته أمه، وأطلقت عليه اسماً، غير أنها تحت ضغط "الفضيحة"، أو لنقل نظرات الناس وهمساتهم التي كانت تجلد ظهرها، رمته في الوادي تخلصاً ممّا يربطها بما جرى لها. إلاّ إن حدثاً كهذا لن يظل طي الكتمان، ولا شك في أن الناس تناقلوه إمّا ثرثرة، وإمّا – وهو الأرجح – لتحذير غيرهم ممّا ينتظرهم، وليحتاطوا درءاً لأنفسهم من أن يكونوا هدفاً لسهام من هذا النوع الشائن.

قد يقول قائل: لو قدّرنا أن المسافة التي ستستغرقها السفينة لتصل إلى المكان المقصود، كبيرة بما فيه الكفاية لتعرف المرأة المغتصبة أنها حامل، فهل هي كبيرة إلى الحد الذي يجعلها تحمل، وتولد (أي 9 أشهر)؟ الجواب واضح بشكل سافر: أغلبية الكتب التي تتحدث عن الأندلس وخصوصاً بعد السقوط، تطرقت إلى أن الاغتصاب كان حدثاً يقع كلما جرى هجوم من النصارى على تجمّع ما للموريسكيين، ولا شك في أن كثيرات من النسوة ممّن ركبن السفن في أثناء عملية الرحيل، كنّ من النسوة اللاتي تعرّضن للاغتصاب سابقاً، والمدة الزمنية التي استغرقتها السفينة للوصول إلى وجهتها كانت كافية لتلد تلك المرأة، وبالتالي تصبح حدثاً تناقله الناس وأسهبوا في الكلام عليه.

لقد أخرجت الذاكرة الشعبية هذه الأنشودة لتصبح إعلاناً صريحاً لما عاناه أولئك الموريسكيون، وهي كسائر الموروثات الشعبية غير معروف مَن هو قائلها، بل إنها خضعت لعدة تغييرات مثلما هو معروف عن الموروث الشعبي الذي لا يستقيم على بُنية واحدة، وإنما تتدخل عوامل متنوعة في صوغه، كأنشودتنا تلك التي اكتسبت بعد طرد الموريسكيين بفترة طويلة، وخلال الاستعمار الفرنسي للمغرب العربي، صيغة ثالثة عبّرت بواسطتها الذاكرة الشعبية عمّا طرأ من تغيير في بُنية المجتمع.

تقول الصيغة الثالثة:

 

تِكِشْبيلا تِوِلِّيُولا

ما قَتْلوني ما حْيَاوْني

غير الكاسْ اللي عْطَاوْني

آبابا عِيني

آلكِسْوة الرومية

آصَبّاط الطالو

آلقْراية والو

 

عبارة "آبابا عِيني" عبارة مغاربية تدل على التفاجؤ بأمر ما، واللفظ بها يترافق مع ضرب الجبهة براحة اليد، بينما تصف عبارتا "آلكِسْوة الرومية"، و"آصَبّاط الطالو" اللباس الذي أصبح رائجاً، وكيف أن الناس انبهروا باللباس العصري فباتوا يرتدون التنانير وغيرها من الألبسة الغربية، وينتعلون الأحذية ذات الكعب العالي. أمّا العبارة الأخيرة "آلقْراية والو"، أي أن العلم مرموزاً إليه بالقراءة معدوم وغير موجود، فتعني أن مَن يلبس هذه الأزياء إنما هو إنسان جاهل وغير مثقف، وهنا مربط الفرس؛ إذ مثلما كان الهدف من الصيغتين الأولى والثانية هو إخبار أكبر عدد من الناس بما يعانيه الموريسكيون، فإن الهدف من الصيغة الثالثة هو دعوة المجتمع المغربي إلى عدم الانبهار بالتقاليد الدخيلة على مجتمعهم، والتمسك بالعلم سلاحاً يواجهون به عدوهم، ونبراساً يهتدون بفضله إلى مراتب عالية من التطور والتقدم.[14]

وممّا يسترعي الانتباه أن هذه الأناشيد الثلاث هي أغانٍ يتغنّى بها المغاربة صغاراً وكباراً من دون أن يدرك معظمهم المأساة القابعة خلفها، فهم يستمعون إليها في الأعراس والحفلات، أمّا الصغار، وخصوصاً الإناث منهم، فإنها تشكل بالنسبة إليهن إحدى ألعابهن التي يُشترط في أدائها أن تتشارك فيها فتاتان على الأقل، فتشبكان أيديهما بعضهما ببعض، ثم تبدآن بالدوران ببطء شديد أولاً، إلى حين الوصول بالتدريج إلى سرعة مفرطة.

لكن لماذا الحرص على تعليم الصغار، ولا سيما الفتيات منهم، هذه الأناشيد؟ وهل هناك غاية من هذا الأمر؟ الهدف واضح وهو التوعية بهذا النوع من المخاطر، والتحذير من أن يحدث لهنّ ما حدث لفاطمة "اللي وَلدات ولاحتو في الواد"، أو التوعية بعدم الانبهار بكل ما هو أجنبي، وبعدم الانجرار وراء المظاهر، لأن كثرة التقليد تقتل روح الإبداع لدى الشخص، فيكبر متلقياً فقط لا مبدعاً ولا خلاّقاً. أمّا استخدام الأنشودة أو أي موروث شعبي لإيصال فكرة ما إلى المجتمع، فوسيلة أكثر فاعلية من التعليم المباشر بالوعظ والإرشاد لسهولة تعلّم هذا الموروث وجريانه على الألسن، بينما التعليم المباشر يأخذ وقتاً ليدخل إلى نفس المتلقي، وقد يصعب عليه هضمه بسهولة، في حين أن الأنشودة تنساب إلى الأذن بسرعة أكبر، فيبدأ المتلقي بترديدها.

ولم يقتصر انتشار هذه الأنشودة، كونها موروثاً شعبياً، على أن تكون أغنية يرددها الكبار أو الصغار، وإنما حيكت حولها نكت وطرائف يستلهمها الناس منها، وينسجون من خيوطها حكاية معتمدين على أن أفراد الشعب يعرفون الكلمات، وبالتالي سيرددون الحكاية ويتناقلونها. تقول الحكاية إن زورقاً للمهاجرين السريين كان يقلّ عدداً من الأشخاص من جنسيات مختلفة، غرق في عرض البحر، ما عدا أحد المغاربة الذي ظل فوق المركب، والذي حاول إنقاذ أهل بلده، فكان يقول "تِكِشْبيلا"، فإذا ردد أحدهم "تِوِلِّيُولا" كان يسارع إلى الأخذ بيده ومساعدته على الصعود إلى المركب، وإلّا تركه. غير أن أحد الأشخاص من غير المغاربة تنبّه لهذا الأمر، فكان يجيب كما المغاربة، لكن المغربي الذي كان يقدم يد المساعدة فطن إليه فسارع إلى القول "ما قَتْلوني"، وطبعاً لم يستطع المهاجر الأجنبي إكمالها، فتركه.

هذه التنويعات الثلاث هي من موروث "المهزومين" الذين دفعهم إصرارهم على المقاومة إلى مواجهة "المنتصر" بسلاح ماضٍ هو فَضْح أفعالهم وما اقترفته أيديهم الآثمة في حقّ شعب تجذّر في تلك البقعة من الأرض ثمانية قرون، وتعرّض لعملية تطهير عرقي استُعمل فيها جميع ما يخطر على بال بشر من أدوات التعذيب الجسدية والمعنوية، فبُعثوا من تحت رماد موتهم أبطالاً تتناول سِيَرهم الكتب، وتمتلئ الصحائف بذكر عاداتهم وأشعارهم وآلامهم وأعيادهم وحتى عيوبهم وآفاتهم، وتلهج الألسن بقصتهم، فتدور مع تلك الفتيات مرددة "تِكِشْبيلا تِوِلِّيُولا".

 

المصادر:

[1] أنطونيو دومينغيث أورتيث وبيرنارد فانسون، "تاريخ الموريسكيين: حياة ومأساة أقلية"، ترجمة محمد بنياية (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة / كلمة، 2013)، ص 302 – 303؛ علي المنتصر الكتاني، "انبعاث الإسلام في الأندلس" (بيروت: دار الكتب العلمية، 2005)، ص 163.

[2] أورتيث وفانسون، مصدر سبق ذكره، ص 281.

[3] الكتاني، مصدر سبق ذكره، ص 157.

[4] الجولق: الجِراب الكبير.

[5] أورتيث وفانسون، مصدر سبق ذكره، ص 331 - 332. وانظر أيضاً: الكتاني، مصدر سبق ذكره، ص 170 – 171.

[6] عبد الله حمّادي، "المورسكيون ومحاكم التفتيش في الأندلس، 1492 – 1616" (تونس: الدار التونسية للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1989)، ص 64.

[7] مقتبس من: أورتيث وفانسون، مصدر سبق ذكره، ص 309 – 310.

[8] المصدر نفسه، ص 311.

[9] أورتيث وفانسون، مصدر سبق ذكره، ص 311. انظر أيضاً: الكتاني، مصدر سبق ذكره، ص 166.

[10] مقتبس من: أورتيث وفانسون، مصدر سبق ذكره، ص 305 - 306.

[11] المصدر نفسه، ص 298؛ انظر أيضاً: الكتاني، مصدر سبق ذكره، ص 161.

[12] انظر: هشام زليم، "تكشبيلا تِوِلِّيولة"، موقع "الأستاذ"، في الرابط الإلكتروني.

[13] ماثيو كار، ""الدين والدم: إبادة شعب الأندلس"، ترجمة مصطفى قاسم، مراجعة أحمد خريس (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة / كلمة، 2013)، ص 29.

[14] بشأن هذا الموضوع انظر ما قالته الباحثة المغربية في الموروث الشعبي المغربي، نجيمة طاي طاي، في: "ذاكرة شعبية: تيكشبيلا تيوليولا"، موقع "ولاد بلادي" في الرابط الإلكتروني.

Read more