Iraqi Artist Riad Nehme and the Constant Return to the Homeland
Date: 
November 18, 2022

من دون موعد، وبمحض صدفة قادتني إلى أحد الأماكن العامة في بيروت، التقيت الفنان العراقي رياض نعمة، فكانت فرصة لحوار في الفن ومعرضه الأخير "وأنا الذهاب المستمر إلى البلاد"، فتحقق ما اتفقنا عليه سابقاً، من غير موعد، وهو إجراء حوار بشأن تجربته التشكيلية، وتأثير المدن في هذه التجربة.

جلسنا معاً، تبادلنا الأحاديث المختلفة، وكان من ضمنها معرضه الأخير في غاليري Art Scene (الجميزة، بيروت)، حيث ظننت لحظة اقترابي من المكان، أن في الشارع تظاهرة لسبب ما، وكان عليّ الترجل من التاكسي للوصول مشياً إلى الغاليري، وإذ بالجمع كله آتٍ لحضور المعرض، أسعدني هذا الحضور، ففيه استعادة لبيروت التي أثقلت كاهلها المشاكل الاقتصادية والسياسية على حد سواء.

 

 

أخبرته عن تلك اللحظة، ثم تعمّق الحديث بيننا عن الفن، فوجدت في اللحظة هذه فرصة لإجراء الحوار الذي كان مقرراً سلفاً.

انتابتني حيرة بشأن عنوان المعرض "أنا الذهاب المستمر إلى البلاد"، المأخوذ من قصيدة "أحمد الزعتر" للشاعر الفلسطيني محمود درويش. فهل لكون نعمة عراقياً مقيماً ببيروت، أم لأن أبناء المنطقة، في الأغلب، باتوا مشتتين، وفي داخل كلٍّ منهم طموح إلى العودة إلى بلده، لتبدو حياتهم وكأنها ذهاب "مستمر إلى البلاد"؟

لم تطُل حيرتي، فرياض نعمة لا يؤطّر نفسه بحدود، لكنه ينتمي إلى قضايا، لذا، فقصة المعرض هي قصة كل طامح إلى الوصول إلى البلاد. 

اللوحة.. شكل ومعنى

ليس يسيراً أن يفهم المتلقي مقاصد الفنان من لوحته، كما أنه ليس سهلاً القول إن الإحساس يتلقى ويفسر، والعقل يتقبل النتائج التي قد لا يكون الفنان يعنيها. لدى الفنان رياض نعمة قوله في هذا الجانب، إذ يعتبر أن خلق اللوحة هو مسار يتخذه الفنان في ذائقته ومخيلته، "الشكل يتخيله الفنان، ويركّب له معنى، فقط ليدافع عن نفسه وعن لوحته أمام الجمهور، فالعمل الفني يحتاج إلى الحديث عنه، مثل أي قطعة أثرية لا تعرف تاريخها ولا مَن أنجزها في الفن القديم، فتأتي التكهنات والتحليلات الكثيرة، الكل يأتي لكي يشرح ما يشاهد. لكن عملياً، الفن القديم، لا يوجد مَن يدافع عنه، فالفنان غير موجود، بينما في الحاضر، الفنان موجود وقادر على التفسير." ويضيف "أحياناً، ندافع من خلال سطرين أو ثلاثة تتم كتابتها-أسطر من الكذب-وذلك لإقناع الآخرين بفكرة المعرض، أو لتوجيه تلك الفكرة لدى المتلقّين، إلا إن المعنى قائم في حوار، في رؤية ومشاهدة."

 

 

ومع ذلك، فإن بعض المتلقّين الذين يتعاملون مع العمل الفني بمباشرة مطلقة، أو برؤية شخصية ضيقة تنطلق من واقع تجاري "جاء أحدهم إلى المعرض، وسألني عن لوحة فيها طفل يحمل حقيبة، هل رسمتها بسبب الموسم الدراسي، وفي الموسم القادم، ماذا سترسم! في رأيي، هذا تاجر وليس متلقياً." 

اللوحة.. خلق من الواقع

أن تعيش يومك، يعني أنك تشاهد، وتشعر، وتعبّر، وهكذا يعمل رياض في جانب من جوانب تكوين العمل الفني، ويقول "العملية الفنية عند الرسام عبارة عن تراكم خبرة ومشاهدات ومفاهيم، تقوم بدور الشراع في توجيه دفة الشكل النهائي للمنتج الفني. لدينا شيء موجود، هي الرغبة، فيومياً نشاهد آلاف الصور، وندرك آلاف المفاهيم التي تمر في الحياة؛ هذه كلها تؤثر، وتجعلك تبدع في فنك." ويوضح نعمة أن رغبة الفنان في أن يبدع فناً، واللغة البصرية لديه "تُشعره بأن هناك شيئاً يلّح عليه، وتشكل مفردات الواقع جانباً أساسياً يساهم في تشكيل العمل الفني"، ويضيف أن "غارنيكا" لبيكاسو، التي تناولت الحرب الأهلية الإسبانية، "اشتغلها الفنان في زمن شهِد تعبئة حربية، لاحقاً سماها غارنيكا، باسم القرية التي شهدت حرباً، وكان التعبير الذي اتخذه للعمل الفني تعبيراً فنياً بحتاً، بسبب ظروف عاشها بيكاسو، كونت لديه الشكل في مخيلته، مع الثورة التي في داخله، فجعلته يرسم، ويُخرج الضغط الذي في داخله".

 

 

لوحات المعرض تنطلق من نص وواقع ألحّ عليه في تكوين اللوحة في مخيلته، من هجرة وتهجير قائم في واقع الحال، منذ نكبة فلسطين وقبلها، وبعدها، وحتى يومنا هذا، إذ لم يعد مفهوم اللجوء يقتصر على الفلسطينيين، فبات ينسحب على أكثر من بلد: العراق وسورية ولبنان وغيرها من البلاد.

إذاً، الذاكرة المليئة بالمشاهد توحي لإنسان، في جانب من كينونته، بحنين إلى البلاد، يترجمه في الذهاب المستمر إليها، حتى وإن لم يعد. 

"وأنا الذهاب المستمر إلى البلاد"

موضوع المعرض، وتسميته، وإن بدت مرتبطة بواقع يومي ووجودي لدى العديد من الشعوب، إلا أنه "لم يكن خياراً شعبياً، بل فنياً. أنا معجب بمحمود درويش، لما لديه من خيال صوري هائل في الشعر، ومعرضي كله قائم على كلمتين ′الذهاب المستمر′. تشخيص درويش لفعل الذهاب جعلني أتصور وأتخيل. كلمتان تكفيان لخلق عشرات معارض، الشعر غني، خاصة الشعر المثقف، وهذا ينطبق على شعر محمود درويش، والذي يتضمن ميزة أُخرى وهي التكثيف، مثل أي مادة قليلة الحجم وكثافتها عالية جداً، كنقطة حبر من أنواع معينة نستخدمها في الرسم، قد تكون كافية لعمل فني كبير. وهذا ما يحدث كثيراً في قصائد درويش وجُمله الشعرية، فلديه جملة مثلاً تقول ′للحصى عرق′، أتوقف عندها دوماً، وأفكر في تفاصيلها، كيف يمكن أن أشتغل وأتصور عملاً تشكيلياً منها." 

الصراع مع النص

تشي الأعمال الفنية في المعرض بأن العلاقة بين اللوحة والنص علاقة تناصٍ وانسجام، وذلك عطفاً على علاقة نعمة بنص درويش. يقول نعمة "لم أعش صراعاً مع النص الشعري، وأنا لست أديباً، اللوحة لدي في خدمة النص، إذ إن النص أولاً، وخصوصاً في مشروعي الذي عملت وأعمل عليه. فأنا أستمع إلى النص الدرويشي بكل استرخاء، وأستمد منه الفكرة التي تتكون في المخيلة، لتكون اللوحة." 

 

 

ظهور ووجوه قليلة

معظم لوحات المعرض لأشخاص نرى حركتهم من الخلف، وهم يقومون بفعل الذهاب، بينما الذين نرى وجوههم، ومنهم جندي، فكأنهم يهمون بالرحيل، تلك تفسيرات متلقٍّ شاهد اللوحة وتوقف عند صورة الجندي، فأوحت إليّ بما أوحت، لكن لهذه اللوحة قصة طريفة ومعبرة لا تشبه التراجيديا فيها. يخبرني نعمة قصتها، وعلى وجهه ابتسامة "نحن كجيل كبر في تجربته، وعلى الرغم من العمر الذي قطعناه، فإن هناك أجيالاً أُخرى، منهم أولادنا الذين لديهم تجربة أُخرى في الحياة، وقصة هذا العمل تبدو طريفة. لدي ابن عمره 13 عاماً، نطعمه أنا وأمه ونلبسه ونحرّكه ونحضر له الألعاب على ذوقنا. منذ عام تقريباً، بدأ يعترض ويقول: أريد أن ألبس على ذوقي، فمازحته مرة بأن ألبسته معطفي، أنا حجمي ضخم نسبياً، بينما حجمه صغير، بدا شكله مضحكاً، فقال لي: ′هكذا أبدو مبهدلاً′، وشرح لي، أفكارنا لا تناسب جيلكم؛ بالغت أكثر، وألبسته ثياباً أكثر من ثيابي، ومن خلال المشهد والحوار، خرجت بالعمل الذي يبدو فيه وجه جندي غريب، وأعمال أُخرى أعمل عليها"، ويضيف نعمة "أعتقد أن الأجيال الجديدة أنظف من ناحية الفكر، فهم ليس لديهم ذاكرة عدائية، بينما نحن، لدينا دائماً تابوهات، وأعداء ثابتون وأصدقاء ثابتون. هذا الجيل حر، وأكثر حريةً منا." 

للفن رسالة!

يبدو سؤال "ما الفن؟" سؤالاً تقليدياً، يمكن أن يُطرح على أي فنان أو مبدع، مع ما يحمله السؤال من إجابات متعددة، بحسب كل فنان ورؤيته في الفن والحياة، ولدى العراقي رياض نعمة ما يقوله هنا "الفنان الأديب يفرض وجوده ويدافع عن كيانه، وهذا إنجاز، الفن منصة تخلقها كفنان بسعيك واجتهادك، لتقف عليها وتقول ما تريد؛ كل إنسان لديه أشياء كثيرة يريد أن يحكيها، الفنان لديه منصة الفن، يحاول أن يتسلق ويتعب ويحاول، حتى يصل إلى هذه المنصة، ليقول ما يريد، وفي النتيجة، لا توجد رسالة واحدة، وليست سطرين تضعهما وتذهب، الرسالة الوحيدة في الفن هي أنت كإنسان."

Read more