Palestinian Stories on Administrative Detention: Ihab Masoud between Hope and Hopelessness
Date: 
November 16, 2022
blog Series: 

يتساءل المعتقل الإداري إيهاب مسعود، من سيلة الظهر في جنين وسكان رام الله، في قرارة نفسه عن إمكانية تحوُّل السادس والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2022 إلى مناسبة للفرح والسعادة منتزَعة من بين أنياب المستعمرين، فهو يوم عيد ميلاده التاسع والأربعين، واليوم المفترَض لحريته النسبية وخلاصه من محفل اعتقاله الإداري البغيض، بعد اعتقال استمر 12 شهراً. التفاؤل بشأن فرضية أن يكون السادس والعشرون من أكتوبر يوماً مميزاً بالنسبة إلى إيهاب، لا يقتصر على مصادفة بالتزامن بين تاريخ الإفراج المفترض وعيد ميلاده فحسب، وانما إمكانية احتضانه أميرته الصغيرة ميرا (خمسة أشهر) التي لم تعتَد عيناها بعد رؤيته سوى من خلال صورة على جدار غرفة نومها، وأيضاً إمكانية عناق زوجته أنوار التي لم يعِش معها تحت سقف واحد منذ عقد قرانهما في شهر أيار/مايو 2018 سوى 17 شهراً فقط، حالة الترقب.. الانتظار.. الأمل.. واللا أمل التي يعيشها الشمبر، وهو اللقب الذي يطلقه عليه زملاؤه ورفاقه لفرط حيويته وطاقته الإيجابية و"تربيته الأمل" (بحسب الشاعر الراحل محمود درويش) في أوساط الأسرى الذين عاش ويعيش بينهم، هي الحالة التي يعيشها كافة المعتقلين الإداريين بصورة متواصلة، إذ أنهم لا يعلمون سوى تاريخ اعتقالهم فقط، بينما عدد مرات تجديد اعتقالهم وموعد الإفراج عنهم يحددهما، حصراً، الشاباك.

 حكاية أبو ميرا مع الألم والأمل أيضاً ومحاولات المستعمرين إخضاعه، في إطار محاولتهم إخضاع كافة أبناء شعبنا، بدأت مبكراً، وتحديداً خلال العقد الثامن من القرن الماضي، حين حرموه طفولته، زاجّين به في باستيلاتهم مدة 18 شهراً، ولم يكن قد بلغ الـ 16 عاماً.

 تلت ذلك 90 يوماً من التعذيب النفسي والجسدي خلال شتاء 1995-1996، والذي شمل "شبح الموزة" والشبح على كرسي صغير في البرد القارص.

 بالإضافة إلى الصفعات والإهانات، وكلها أساليب حرّمتها القوانين والأعراف الحقوقية الدولية، والتي لا تعني قط ضباط الشاباك الذين يواصلون التعذيب النفسي والجسدي ضد الفلسطينيين، لأنهم يعتقدون، واهمين، أن ذلك يحقق الإخضاع والسيطرة وكيّ الوعي، وبالتالي تصفية القضية والحقوق والذاكرة التاريخية والهوية الفلسطينية.

 معاناة الشمبر الأكبر بدأت في منتصف شهر شباط/فبراير 2001، وتواصلت حتى منتصف شباط/فبراير 2017. ستة عشر عاماً من الأسر المتواصل، بما حملته معها من ألم وقلق وحرمان وتعذيب نفسي ظاهر ومستتر، لكن في الوقت نفسه، بناء وتحصين للذات والجماعة ونجاح في إفشال محاولات السيطرة والإخضاع، سواء تمت من خلال العنف الدنيوي المباشر، أو عبر الوسائل الناعمة، ومن ضمنها الاحتواء. معاناة وآلام الستة عشر عاماً شملت أيضاً، وبدرجة كبيرة، آسيا - أم فايز - والدة إيهاب التي عرفت أغلبية سجون المستعمرين، من شمال فلسطين إلى جنوبها، خلال زياراتها له، ولم تضعفها الأمراض والعملية الجراحية التي أجرتها في ركبتها، وبقيت نموذجاً من الأم الفلسطينية الملهمة. الخبر الأكثر إيلاماً وحزناً خلال هذا الاعتقال الممتد، والذي سمعه إيهاب خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2004، بعد أن أنهى مع زملائه الأسرى إضراباً مفتوحاً عن الطعام للمطالبة بتحسين شروط اعتقالهم، كان ذلك حين علِم برحيل والده خلال خوضه الإضراب، الأمر الذي وقع عليه كالصاعقة، إذ لم يتمكن حتى من مخاطبته بكلمة وداع. 

استهداف بسيف الاعتقال الإداري

لم تكد تمضي خمسة أشهر على إزاحته صخرة الأعوام الستة عشر عن صدره، والتي لم تكن كافية لإعادة ترميم وبناء ما انقطع من حياته، اجتماعياً وتعليمياً واقتصادياً، وبدء حياة طبيعية، أسوةً ببقية البشر، حتى جدد المستعمرون استهدافه، لكن هذه المرة باعتقال استمر أربعة أيام، لم ينجحوا خلالها في فبركة ملف ضده يؤسس لتحويله إلى الاعتقال الإداري كما سبق لهم أن هددوه.

 فسحة الحرية النسبية المقيدة بالسجن الكبير بعد ذلك، أتاحت له هامشاً من الفرح (المختطف) بعقد قرانه على رفيقة عمره أنوار، وبالتالي محاولة البدء بحياة خالية من الاستهداف والملاحقة، تمكّنه من بناء أسرة، لكن هذه المرة كانت الأمراض الناجمة عن سوء الرعاية الصحية وغياب الفحص الطبي الدوري في باستيلات المستعمرين تترصده، فيضطر إلى إجراء عملية قلب مفتوح في أواخر سنة 2018. 

رحلة الألم والعذاب تتواصل

بعد أشهر معدودة على إجرائه العملية الجراحية، تجدد الاستهداف؛ تحطيم بوابة الشقة واقتحام غرفة النوم بينما كانت الزوجة حاملاً، الأمر الذي يندرج في إطار الممارسات الطبيعية للمستعمرين، المتكررة يومياً عشرات المرات في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، وهي انعكاس لمضمونهم الفاشي. يمضي عامان من الاعتقال المتداخل ما بين قضية وإداري، فبالنسبة إلى النيابة العسكرية، شكل الاعتقال ليس مهماً، فكلاهما وسيلة تستهدف الإخضاع عبر التعذيب النفسي وسياسات كيّ الوعي. ويقول الشمبر، كانا العامين الأكثر صعوبة منذ الاعتقال الأول في سنة 1989، فالعقل والقلب لدى الزوجة الحامل، وكانت حالة من الترقب والقلق والانتظار واستغلال كل فرصة متاحة للتواصل مع الزوجة، دعماً وإسناداً و اطمئناناً، حتى أنجبت طفلتين توأماً، أطلقنا عليهما اسميْ سما وحلا، في ولادة مبكرة، كان أحد أسبابها صدمة اقتحام المستعمرين غرفة النوم في شهر أيار/مايو 2019. احتاج الجنينان إلى حاضنات بسبب الولادة المبكرة. فرحة أنوار وإيهاب لم تكتمل، إذ قاومت حلا ضعفها أربعة أيام، وقاومت سما ضعفها طوال ثمانية أشهر، بينما بقي الوالدان يتسلحان بالأمل، على الرغم من ألم الفقدان الكبير لطفلتيهما وقيود الأسر التي منعت إيهاب من أن يكون إلى جانب زوجته في هذه الفترة العصيبة والقاسية من  حياتهما.
بقي الزوجان يربيّان الأمل على الرغم من استمرار استهدافهما من طرف المستعمرين وتكرار المشهد نفسه، إذ عاد اقتحام البيت وغرفة النوم مجدداً بعد خمسة أشهر من حرية نسبية، وتحديداً في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2021، ليُغيّب إيهاب مرة أُخرى باعتقال إداري، تاركاً زوجته حاملاً بطفلتهما ميرا. 

تعذيب نفسي

إنه التعذيب النفسي الذي يرافق المعتقل الإداري منذ لحظة اعتقاله الأولى: الأمل واللا أمل، كما الانتظار، انتظار إعداد ملف الاعتقال الإداري طوال الأيام الأربعة الأولى من الاعتقال، هذا إن لم يكن قرار الاعتقال قد صدر مسبقاً، ثم انتظار القرار الأول الذي يُصدره قائد المنطقة العسكري، بناءً على توصية الشاباك وانتظار مدته، وانتظار قرار المحكمة التي يسمونها، زوراً وبهتاناً، رقابة قضائية، ويعقدها قاضٍ عسكري، بغض النظر عما إذا قاطعها المعتقل ومحاميه أم لا.

انتظار قرار محكمة الاستئناف العسكرية، إذا كان المعتقل قدم استئنافاً ضد قرار قاضي المحكمة الأولى، يتلو ذلك انتظار قرار المحكمة العليا، إذا كان قدم التماساً لها ضد قرار قاضي محكمة الاستئناف العسكرية، وكذلك انتظار إفراج لا تاريخَ محدداً له.

تؤكد تجربة المعتقلين الإداريين وتقارير المؤسسات الحقوقية منذ عقود طويلة أن قرارات تلك المحاكم تنفَّذ في نهاية المطاف، حرفياً، بما يمليه الشاباك على القضاة، إذ من غير المنطقي توقُّع إنصاف أوعدالة من السلطة القضائية وهي في الواقع جزء لا يتجزأ من المنظومة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية.

يقول أبو ميرا إن أحد ضباط الشاباك قال له عند مقابلته في بداية اعتقاله الإداري الحالي: "أنت لم تفعل شيئاً، لكننا لا نستطيع الانتظار، بيننا دم أيضاً، وأمثالك يجب أن يبقوا في السجن." وفي مقابلة ثانية، قال له ضابط شاباك آخر "خطورتك في السجن أعلى من الخارج." إنها أقوال تشرح، بوضوح شديد، المضمون غير الإنساني وغير الأخلاقي للاعتقال الإداري التعسفي. ولأنه كذلك، خاض 30 معتقلاً إدارياً إضراباً مفتوحاً عن الطعام لمدة 19 يوماً، وقاطعوا مع 35 معتقلاً إدارياً آخرين المحاكم الاستعمارية التي تنظر في الاعتقال الإداري، وذلك في إطار مواجهة متواصلة لهذه السياسة التعسفية.

في هذه الأيام، الانتظار، الأمل واللا أمل، لا يقتصر على إيهاب، بل يشمل آسيا، وأنوار، والطفلة ميرا، وإخوته وأخواته، الذين لم يشعلوا شمعة حريته يوم 26 تشرين الأول/أكتوبر، لكنهم أشعلوا شمعة عيد ميلاده واحتضنوا صوَره، وسينتظرونه أربعة أشهر أُخرى. الأكيد، أن اليأس لن يعرف طريقه أبداً إلى هذه الأسرة الفلسطينية المحكومة بالأمل.

25/10/2022

انظر

Read more