Book Review: A Country Ready for a New Dawn: Civil Disobedience and Daily Life in Beit Sahour
Date: 
November 15 2022

يحمل العنوان في طياته تطلُّع بيت ساحور إلى فجر الحرية في إبان الانتفاضة الأولى، وكأنها في جبهة قتالية على الثغور، تترقب حريتها دوماً بالطرق التي ترتئيها مناسبةً لحالها، معتمدةً تقنية العصيان المدني في وجه الحاكم العسكري آنذاك، ومبتكرةً أدواته بما يناسب خصوصيتها، وانعكاس ذلك على الحياة اليومية فيها، أو حتى محاولة تكيّفها وفق ما يتطلبه العصيان.

صدر هذا الكتاب "بلاد على أهبة الفجر: العصيان المدني والحياة اليومية في بيت ساحور" في طبعته الأولى عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في سنة 2021 لمؤلفه أحمد عز الدين أسعد-وهو باحث فلسطيني في العلوم الاجتماعية ومهتم بالحراكات الشعبية والهبّات الجماهيرية؛ يقع الكتاب في 528 صفحة من القطع المتوسط.

ومن الملاحظ أنه وإنْ كان الحديث في الكتاب يختص في جزء كبير منه بوصف تجربة بيت ساحور ودورها في مجابهة الحاكم العسكري الإسرائيلي، إلا إن كلمة "بلاد" في بداية عنوانه تشي بطريقة ما بأن الأرض المحتلة بجغرافيتها كاملة تعاني ما تعانيه بيت ساحور وتستعد لما تستعده، أو حتى بإمكانها أن تحمل كتفاً عنها، على مبدأ القائل: "إذا صنعاء تشكونا فكل بلادنا يمن"، فكل البلاد في لحظة نضالية تتماهى في جوهر معاناتها وتطلّعها إلى الحرية، وإن كان أسلوب مقاومتها مختلفاً، ماضياً كان أم حاضراً.

يتألف الكتاب من ستة فصول متلوة بخاتمة فيها ملخص موجز لأفكار الكتاب الأساسية وأهم توصيات الكاتب بما يخص العصيان المدني في الوقت الراهن، بالإضافة إلى ملحق يتضمن مجموعة من الوثائق الأرشيفية وبعض الصور التي استندت إليها مادته. وتكمن أهميته في كونه يلقي نظرة مجهرية إلى أرض بيت ساحور في حقبة زمنية مقتطعة من فترات النضال الفلسطيني في الانتفاضة الأولى، من دون إغفال إرهاصاتها السابقة، محاولاً استلهام حكايتها النضالية وتحليل بُناها الاجتماعية والسياسية والثقافية وتعاضدها مجتمعةً، لتشكيل شبكة نضالية تتألف من أفراد المجتمع الساحوري بطبقاته كلها، ليصعب على جيش استعماري إحلالي التمكن منها، فكل ما في الشبكة الساحورية اللامركزية يمكن عدُّه مركزاً مقاوماً يُضعف استراتيجية الجيش المنظم. ثم إن في متناول الكاتب قضية تطوير هذه الشبكة المقاومة لأدواتها النضالية، ولا سيما في العصيان المدني، وقدرتها على المقاومة اللاعنفية في مجابهة المقاومة العنفية وانتصارها عليها، وهو ما يشحذ الهمم ويذكي القريحة لاستنباط أدوات نضالية بهيئة جديدة متطورة لاستشراف العصيان مستقبلاً، وتأويل ما إذا كان بالإمكان نقل تجربة بيت ساحور إلى الساحة النضالية الحاضرة في شكل مختلف بأدوات نضالية تتوافق مع كل منطقة، بحسب ما تقتضيه طبيعتها الجغرافية وبناها المجتمعية الداخلية. فكأنه يقول إن العصيان في جوهره واحد، لكن أشكاله متعددة، فما قد يصلح منها في منطقة، ليس بالضرورة أن يصلح في أخرى، لكن لا ضير في الامتثال للتجارب وجعلها مطواعة، بشكل أو بآخر، لِما يخدم المنطقة، فيكون عصياناً كبيراً منسوجاً بأنساق عصيانية أصغر مترابطة فيما بينها.

منهج البحث وأدواته

 يستند الباحث إلى منهجية متداخلة الحقول، ويعتمد في قسم كبير من مادته على شهادات مَن خاضوا التجربة الساحورية، وفق منطق سوسيولوجي يعتمد فيه التاريخ الشفوي من الأسفل، مركّزاً على النضال الشعبي الفلسطيني الجماهيري، ومقابلات مسنودة بأوراق عائلية ومستندات وبيانات، بالإضافة إلى نداءات الانتفاضة، فنجاح الحالة الساحورية لم يقتصر على بطل واحد، أو حزب، أو طائفة، إنما يكاد يكون كل مَن خاض التجربة بطلاً في مكانه، سواء أكان مزارعاً، أو حِرفياً، أو مهنياً، أو أكاديمياً، أو قيادياً، مسيحياً كان أم مسلماً، رجلاً كان أو امرأة، طفلاً كان أم شيخاً. وبالإمكان القول، حقيقةً لا مجازاً، إن عنصر البطولة في التجربة الساحورية يتجسد في المكان نفسه، فبيت ساحور هي البطل بكل جغرافيتها وبناها المتعاضدة.

العصيان المدني: مفهومه وشروطه

يفرد الكاتب في فصله الأول حديثاً عن العصيان المدني، متتبعاً تناوُل الباحثين له وآراءهم في استكناه جوهره المرتكز على تعمُّد الشعب مخالفة قوانين سلطة الاحتلال الحاكمة وأوامرها، من دون اللجوء إلى العنف. وهو من أساليب المقاومة السلمية اللاعنفية، بغية الوصول إلى التحرر الإنساني، أو هو مقاومة حضارية في المفهوم الحديث. وليس المدني هنا متجرداً من الفواعل الدينية أو العسكرية أو معزولاً عنها، إنما تتشارك كلها وتتمازج فيما ينضوي تحت مظلة العصيان المدني، فكل مظاهر تلك البنى يدخل في إطار المقاومة المدنية اللاعنفية، رافضةً التعاون مع المؤسسات الاستعمارية من أجل إسقاط شرعيتها وسيادتها على المجتمع.

لقد تميزت الانتفاضة في سنة 1987 بطابعين نضاليين: طابع العنف المحدود، متمثلاً في ضرب الحجارة وقنابل المولوتوف وبعض العمليات الفدائية، وطابع اللاعنف في النضال، متمثلاً في الإضرابات التجارية والمقاطعة الاقتصادية، وإضرابات العمال، والجنازات التظاهرية، ورفع الأعلام ضمن ما يسمى صراع الهويات، واستقالة بعض جباة الضرائب، وتطوُّر المؤسسات التعليمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ذات الاعتماد الذاتي.

أما شروط العصيان المدني فتتلخص، وفق ما ورد في الكتاب، في ثلاثة أمور: الجمعية والطوعية والعلنية، إذ على جميع بُنى المجتمع التأهب للمواجهة، والمشاركة في العصيان، بحسب ما يقتضيه مكانها، وليس بالإمكان أن ينجح عصيان لا يتفق بنوه على منهج واحد، إذ يقبله جمعٌ ويرفضه آخرون، فيضطرب ويفشل. وعلى العصيان أن يكون علنياً في وجه المستعمر القائم في البلاد، كما تجلى في رفض أهالي بيت ساحور الهويات وإلقائها في وجه العسكر، وعليه أيضاً أن يكون طوْعياً، من تلقاء نفس المشارك وقناعته التامة بتحمُّله مآلات مشاركته في العصيان المدني. ولنضوج الفكر السياسي في بيت ساحور، ومعرفة الصغير والكبير به، فقد جاء العصيان المدني في وقت كانت بُناه جميعها قد اختمرت بالنضالات السابقة ونتائجها، فبات في معظمه طوْعياً، وبات الكل مدركاً أهمية نضاله ومشاركته مع الجماعة وتقبُّله واقعه.

علاقة النضال السابق باللاحق

يشير الباحث في محطات متفرقة في كتابه إلى أن النضال فعلٌ تراكمي متطور. فلم يكن عصيان بيت ساحور الأول من نوعه في وجه الاحتلال الإسرائيلي، إنما كان ثمرة نضالات سابقة، فيذكر إرهاصاته المتمثلة في الإضراب الكبير في سنة 1936 الذي استمر ستة أشهر وتُوِّج بعد نضجه بالثورة العربية الكبرى، وهو إذ ذاك يشير إلى استعارة بعض صوره مما حدث في العصيان المدني الكبير في سورية قبل أشهر منه (ثورة الربيع)، وهو ما يعني الاتحاد العضوي الجغرافي والقومي لبلاد الشام واستلهام الحكاية النضالية من أمثلة مشابهة، في محاولة لاستكناه جوهرها وهضمه، أو تعديله بما يناسب حال الأرض المحتلة.

ولأن التاريخ العربي يشبه بعضه، فالعصيان المدني الساحوري لاحقاً في سنة 1987 تأثر بالعصيان السوري في الجولان في سنة 1982، متمثلاً في رفض القانون الإسرائيلي والهوية الإسرائيلية، إذ يذكر الكاتب أن بعض أهالي بيت ساحور زار بعض القيادات في الجولان، ليتعلموا دروساً من عصيانهم المدني السابق، فأمدّوهم بالنصائح، ثم استجاب الأهالي بعد ذلك، تدريجياً، إلى بيانات الانتفاضة الأولى للقيادة الموحدة التي آلت في نهايتها إلى الإضراب المدني.

ويرى الباحث أن الانتفاضات، في نظره، ليست بالضرورة أن تكون كما عُهدت في أشكالها النهائية من مواجهات ميدانية، إنما هي مخاض هبّات انتفاضية أصغر سابقة لها، وثورات أو احتجاجات شعبية تراكمت في الذاكرة الجمعية، حتى باتت مكتنزة بها، فإذا ما حدث الحدث النضالي القاصم قامت الثورة، فظن الجميع أنها نتاج هذا الحدث اللحظي، وغاب عن أذهانهم اختمار الذاكرة بالكثير من الحوادث التي ترتقب الشارة النهائية إلى الانتفاض لتكون الثورة أو الانتفاضة.

مظاهر العصيان المدني في بيت ساحور ومحاولة تكيُّف أهاليها معه

لقد اتّبع الاحتلال سياسة القبضة الحديدية، في محاولة منه لإخضاع أهالي بيت ساحور وكسر شوكتهم، متّبعاً حصاراً اقتصادياً عليهم، ففرض ضرائب باهظة على التجار وأصحاب المهن منهم، بالإضافة إلى تضييقه في لقمة عيشهم. ولأن الحاجة إلى التحرر أمّ الإبداع، فقد أبدع أهالي بيت ساحور في تكيُّفهم مع هذا الحصار، محاولين التأقلم مع الموجود، معتمدين على لجانهم الشعبية، ومحاصرين حصارهم، وخالقين حياة أُخرى جديدة متوائمة ومتطلبات العصيان المدني الذي اتبعوه، معتمدين سياسة الاكتفاء الذاتي، وضرب الاقتصاد الإسرائيلي بالتخلي عن دفع الضرائب والاعتماد على منتوجاتهم المحلية فقط، فابتاعوا بقرات لتأمين حاجات الأهالي الأساسية كي لا يرتدعوا عن موقفهم في الإضراب، وأسسوا تعاونية للأبقار لتأمين غذاء أطفالهم، بالإضافة إلى اهتمامهم ببعض المحاصيل الزراعية الأساسية، والصناعات الحرفية، وهو ما أهّلهم للاستغناء عما يجبرهم عليه الإسرائيليون من خدمات. ولرفض الاحتلال وإسقاط شرعيته، فقد اتفقوا فيما بينهم على إلقاء هوياتهم الإسرائيلية في مبنى البلدية في وجه الحاكم العسكري، ضاربين بها كل سياسات العدو المجحفة، مؤكدين مقابل ذلك الهوية الوطنية الجماعية، ومتخلّين عن الهويات العرضية الدخيلة الطارئة.

ولاكتمال مشهد العصيان، كان لا بد ممن يعمل في جهاز الشرطة أن يستقيل، وعلى كل مَن كان له مكان في مؤسسات الحاكم العسكري أن يستغني عنه، ومنهم جباة الضرائب، إذ على الجميع أن يضرب ضربة شعب واحد في وجه عدوان واحد سيتشتت بهذه الممارسات اللاعنفية. ولرتق ما يمكن أن يفتق عن حال الجماعة، فقد تكاتفت اللجان الشعبية الوطنية في المدينة، وأنشأت ما يُعرف بلجان الحارات المتخصصة بمسؤول سرّي فيها ينسّق مع الحارات الأُخرى والقيادات الوطنية الموحدة (الشبكة)، إذ اختصت لجانٌ بالتعليم، وأُخرى بالتوعية النضالية الوطنية، أو بالتموين، وغيرها بالصحة والتطبيب، بالإضافة إلى لجان أصحاب رؤوس الأموال ومهمتهم التبرع، ولجان السائقين، ولجان التجار، ولجان الأكاديميين وغيرهم. وكأنما بيت ساحور أنقذت نفسها بإذكاء روحها وإعادة تنظيمها داخلياً.

الروح الساحورية واحتضانها العصيان المدني

يشير المؤلف إلى أن بيت ساحور وصلت إلى مرحلة كان قد نضج فيها أفرادها سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وأدركت أن مقاطعة الإدارة المدنية الإسرائيلية ودفع الضرائب ومقاطعة البضائع لا بد من أن تقابلها مؤسسات اقتصادية وسياسية وثقافية بديلة، تساهم في تطوّر الحركة العصيانية، وإبقاء أهلها على النفَس المقاوم. ويتطرق إلى الروح المجتمعية التي أهّلت أهالي بيت ساحور للانتصار في عصيانهم، فقد كانوا جميعاً نسيجاً متكاتفاً عابراً لكل الفوارق الدينية والحزبية والمصالح الخاصة؛ إذ انصهر الجمع في بوتقة وطنية واحدة غايتها كسر الاحتلال. ولعل ما ساعد في ذلك الوعي الثقافي القديم فيها؛ إذ نالت وفرة من المدارس والتعليم مبكراً، وهو ما يعني أن البنية التحتية التعليمية كانت عالية. وكذا الأمر في نشوء طبقة عمالية ساهمت في تحسين الوضع الاقتصادي للمدينة، كما يُلمَس في المدينة اللحمة الاجتماعية بين أبنائها على اختلاف أطيافهم الدينية أو السياسية، فالكل متكاتف وواعٍ لواقعه المعاش، وللمحتل الذي يحاول أن يزرع فيهم نسقاً غريباً مختلفاً عن أنساقهم المألوفة.

المقاومة بالحيلة

يسرد المؤلف في الفصل الرابع مبدأ المقاومة الرمزية اللاعنفية، أو المقاومة بالحيلة التي قد يلجأ إليها المحكومون المستضعفون، أو الذين لا يملكون عتاداً مماثلاً لحاكمهم، تغيظ المستعمر من دون أن يكون له قدرة على قمعها، وهي محاولة لتأسيس ثقافة تمرُّد ومقاومة ضد السلطة. ولعله يلمس فيها يقيناً حق أصحاب الأرض في أرضهم. فأن يكون سلاحك في لحظة ما من حصارك-كما حدث في بيت ساحور-أن تأكل اللحم وتشرب وتُطرب أمام ناظريْ مستعمرك الذي حاصرك، وتمارس حياتك غير آبه بعدّته وعتاده وجعله وهمياً غير موجود، ما هو إلا اختراق لمنظومة الجيش الذي لا يُقهر وزعزعتها، وتخييبٌ لظنونهم وتحطيم لمعنوياتهم، ودليل ساحق على أن ابن الأرض لا يخاف وإن حاصره الموت. وثمة صور تندّرية كثيرة تناولها الكتاب من صور المقاومة الشعبية المتمثلة في السخرية، كذاك الفتى الذي كانت غايته إغاظة قوات الاحتلال برفعه العلم الفلسطيني، مناكفةً بهم، في أعلى الجبل، حتى إذا ما اقترب الجنود منه ليزيلوه، اختبأ وعلمه في مكان سرّي يعرفه جيداً، كونه ابن الأرض، فإذا ما وصلوا لم يجدوا شيئاً، فيعودوا أدراجهم، لتُعاد كرّة الفتى مرة أُخرى، فيظهر حيناً ويختفي حيناً وكأنه شبح مقاوم، وهكذا إلى أن يملوا ويتعبوا، ويكون للفتى ما أراد. لقد أبدع أهالي بيت ساحور في توظيف فنون المقاومة بالحيلة، وكان لها وقعٌ وتأثير في تحطيم معنويات القوات الاستعمارية. وليس هذا ببعيد عن صور المقاومة بالسخرية التي ألِفناها في وقتنا الراهن، فالنضال موصولٌ بالنضال، عنفياً كان أم غير عنفي، إذ نجد بعض الشبان يدبكون على أنغام أغنيات تراثية وطنية لدى رميهم الحجارة أو المولوتوف على المعتدي في أثناء الاشتباكات على نقاط التماس. ونجد ابن القدس ينفث دخان سيجارته في وجه الجندي الإسرائيلي الذي يفتشه، غير آبه بكل ما يفعله، وكذلك الفلسطيني الذي يجلس على الكرسي في ظل المواجهة العلنية بين الطرفين، ويمسك مقلاعه ويضرب حجارته وهو جالس والرصاص يتطاير من فوق رأسه، في إثبات منه أنه صاحب الحق والأرض، أو كتلك السيدة التي تسكب مقلوبتها في ساحات الأقصى، إغاظةً للجنود الذين يراقبونها، وكأنها تشير إلى أنهم دخلاء من بلاد متفرقة، ليسوا متّحدين على أكلة تراثية واحدة، فتغيظهم المقلوبة الفلسطينية.

نحو مقاربة لعصيان مدني وطني راهن

بعد أن يستقصي الكاتب مراحل العصيان المدني وتجلياته بأشكال متنوعة في مراحل مختلفة، يحاول أن يقدم قراءة جديدة لعصيان حاضر، مقترحاً حلولاً منطقية، على أن يكون عابراً للحزبية والطائفية والمصالح الشخصية، وأن يكون جماعياً شاملاً كل أبناء الشعب الفلسطيني، بانخراط مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، بالإضافة إلى اتحاد المنطقة الجغرافية كلها: الضفة الغربية وغزة، وكذلك المناطق المستعمرة في سنة 1948، إذ يجب الاستقالة فيها من الأجهزة الإدارية والسياسية والتربوية والبلديات، وعدم المشاركة في الانتخابات، وإلغاء الانقسامات الداخلية. ويجب مقاطعة الإدارة المدنية الإسرائيلية ومنع إصدار الهوية الممغنطة التي يُجبَر العامل الفلسطيني على استصدارها، ومحاولة إرهاق الاقتصاد الإسرائيلي بمقاطعته، ومقاطعة العمل في إسرائيل، شريطة تأمين البديل المناسب لكل ذلك، بما يضمن حياة تعتمد في أقلها على أساسيات العيش. على أن يكون كل ذلك ذا نفس طويل، ليس موسمياً أو لحظياً، إنما تكون جدواه مستمرة باستمراره.

خاتمة

 يُحْسب للباحث تسلسُله المنطقي في سرد الأحداث واستقصائها بذكر إرهاصات الثورات الكبرى أو العصيانات والإضرابات الكبيرة، وأمانته في نقل المعلومات من مصادرها، وتوثيق الحكاية من أبطالها من دون مساس بحقيقة الخبر، وإنما تقصّيه مكتوباً أو محفوظاً، ومقارنة مقولاته المأخوذة من أفواه النسيج المشارك في صوغها ببعضها، ونقدها داخلياً وخارجياً، واستخلاص زبدتها، ومحاولة البحث عن الحقيقة ميدانياً، ليخلّد أصحابها الذين بات بعضهم في عداد الغياب. ويُحسب له جهده في وصْله الخلف بالسلف، ذاك أن الحاضر يشبه الماضي، مستلهماً حلولاً لعصيان راهن، يرتق الشرخ الكبير الذي أحدثته إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، فيوحد شمل الفلسطينيين في وجه القوة الحاكمة. وهو كتاب ذو أهمية لجميع أفراد المجتمع، نخبويين وشعبيين، وكأنه يمس قدرة كل فلسطيني منهم، أياً كان حزبه أو جنسه أو دينه، على مقاومة المستعمر في مكانه، باثاً الأمل الجمعي، ومنعشاً الذاكرة الجمعية، ومحيياً الضمير الجمعي لمناهضة كل ما يحول دون التوحد ومقاومة المستعمر. إنك لا تلمس في الكتاب أهالي بيت ساحور فقط، إنما كل الفلسطينيين، فيه "نحن": الكل المتوحد ضد بطش المستعمر.

انظر

Read more