The Grave of Walter Benjamin and Palestine
Full text: 

ساهمتُ في مؤتمر "بنيامين في فلسطين"، في 26 كانون الأول / ديسمبر 2015، بمداخلة بعنوان: "مسادا أولاً، ثم بنيامين: استعادة صورة الفلسطيني"، وعمدتُ مؤخراً إلى تحويل المداخلة إلى مقالة تتناول عملية تصوير حيثيات حكاية تاريخية تراجيدية وتصوُّرها، عبر الترجمة وكيفية النظرة إليها، لتصحيح مظلمة تاريخية بأكثر من كتابة حيثياتها بين خيط الصواب وخيط الخطأ، كي لا يظهر الحدث كصيرورة مادية تحددت في الماضي الذي انطفأ، بل كسيرورة تفسيرية للحاضر.

هذا السجال النظري، بعيداً عن سُعار الحماسة القومية، ينقد المفاهيم التاريخية التي سُكّت في إطار بنى السلطة في سياق الحداثة الاستعمارية الممركزة أوروبياً. ومن خلال التأمل في استحضار بنيامين إلى فلسطين، سيتم تجاوز الحدود الحقلية للتاريخ والدراسات الثقافية بغية استعادة تفصيلات حكاية تاريخية تتوسل تواتر الأسئلة الفكرية لتصير قنطرة أخلاقية تحول دون منع بنيامين من دخول فلسطين، والامتناع في الآن نفسه، من أيقنته كمثال مجرد للمعاناة اليهودية.

وهذه الدراسة، فضلاً عن فحصها بعض الأحداث في التاريخ الأوروبي وعلاقة تلك الأحداث بفلسطين، فإنها تساهم في مواجهة احتكار السلطة الاستعمارية الصهيونية للضحوية اليهودية، من مسادا إلى المحرقة، كمقدمة لاستعمار فلسطين. وفي هذا الإطار، تستلهم الدراسة منطق "الأطروحة"، في الأعمال ذات العلاقة، من إرث بنيامين، لطرح مجموعة من الأسئلة النظرية والأخلاقية والجمالية.

في هذا السياق، يمكن الاطمئنان إلى القول إنه حين يأتي بنيامين إلى فلسطين، فإن السؤال الأخلاقي يغدو أكثر أهمية من السؤال النظري. وعليه، ينبغي لنا تقديم بنيامين كمتأمل في التاريخ، بصفته صوفياً ثورياً، أكثر منه فيلسوفاً، أو ناقداً، أو مترجِماً، أو مترجَماً. فقد أُشبع بنيامين درساً على المستوى النظري في حقول التاريخ والنظرية النقدية والنقد الفني والترجمة، لكن الحقل الأكثر رحابة واتساعاً، والذي يجمع هذه الاهتمامات المبالغ في درسها، هو سقف الأخلاق والحساسيات اليهودية التي باتت اليوم جزءاً مركزياً في الفلسفة القارية. وهنا، تكمن أهمية استدعاء بنيامين إلى فلسطين عبر استدعاء سياقه الأخلاقي والنظري المتمثل في "مدرسة فرانكفورت" ألمانياً، و"بريت شالوم" (تحالف السلام) إسرائيلياً. لكن قبل ذلك، لا بدّ من الوقوف على مسألتَي التأليف والترجمة، لدى بنيامين وعنه، الأمر الذي يجعل من ترجمة مقالة عن مقولة انتحاره وقبره ونصبه التذكاري شأناً فلسطينياً من خلال بلورة موقف أخلاقي من التأليف والترجمة كفعلين إنسانيين سياسيين وثقافيين في آنٍ معاً، وهو موقف أخلاقي لا بد من إخراجه من حد التلميح إلى حد التصريح.

من حيث التأليف، ربما لا يجد المرء إرثاً أكثر ملاءمة من إرث بنيامين نفسه للقول إن الكتابة "الملتزمة" سياسياً، بالتعبير المتداول، هي ذاتها الكتابة "الملتزمة" معرفياً، لجهة اختيار الموضوع، وكيفية إنتاجه، ووعاء نشره، وموقف الكاتب من هذا الثالوث. وهنا، يجب الإشارة إلى أن بنيامين، وبالتحديد في مقالته "المؤلف بوصفه منتجاً"، لا يتناول السؤال المتكرر عن مكان المثقف ودوره التقليدي بالمعنى السياسي، بل يركز على الكيفية التي يعزز من خلالها المثقف مكانته من خلال التدخل في عملية الإنتاج الثقافي. ويتحقق "الالتزام"، باللغة الدراجة ثقافياً، بحسب بنيامين، بشرطين، هما: الانحياز السياسي الأخلاقي (عبر نصرة المغلوبين)، وجودة الإنتاج التقنية (عبر التحويل الوظيفي). وبذا، يرى بنيامين أن "انحياز عمل أدبي لا يمكنه أن يكون صحيحاً سياسياً إلّا إذا كان كذلك صحيحاً أدبياً. ويعني هذا أن الانحياز الصحيح سياسياً يتضمن انحيازاً أدبياً [....]. إن هذا الانحياز الأدبي، الموجود ضمنياً أو صراحة في كل انحياز سياسي صحيح لعمل ما، يتضمن جودته الأدبية لأنه يتضمن انحيازه الأدبي."[1] لكن، كي يتحقق الانحياز والجودة، فإن على المؤلف ألّا يطرح أسئلة عن موقفه من علاقات الإنتاج الفعلية، بل، أكثر من ذلك، عن موقعه فيها من حيث "التقنية الكتابية" التي تجعل النص قابلاً للتحليل الاجتماعي والمادي. وحين يدرك المثقف هذه الموقعية، أي دوره في علاقات الإنتاج، فإن ذروة سنام الفعل الثوري للكتابة لديه تتمثل في القدرة على ما أطلق عليه برتولت بريخت "التحويل الوظيفي" (umfunktionierung) لمختلف الأشكال الأدبية، أي تأثير الإنتاج الكتابي في المجتمع في إعادة صوغ العلاقات الاجتماعية بصفتها علاقات قوة يجب ألّا تنفرد في هندستها السلطة السياسية. وحين ترتفع القدرة على التحويل الوظيفي، ترتفع بالضرورة الجودة التقنية، ويرتفع معها أثر الانحياز السياسي إلى قضايا المغلوبين. وبهذا المعنى، فإن اختيار تاوسيغ الكتابة، إثنوغرافياً، عن قبر بنيامين، وربطه بمظلومية الفلسطينيين خاصة، والعرب عامة، هو إحدى صور هذا التحقق لفاعلية المؤلف.

أمّا فيما يتعلق بالترجمة، فلا بدّ من التشديد على "وصية" بنيامين نفسه في مقالته "وظيفة المترجم"، وفحواها أن ترجمة "روح النص" هي مهمة الشاعر أكثر من غيره، فحين يصير الشاعر مترجِماً، تتلاشى حدود اللغة وحدود الموضوع، عبر فعل الإحياء التحويلي للنص. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى وجود أربعة احتمالات، نظرياً، تكتنف عملية الترجمة، قد: تنقذ النص، أو تميته، أو تشتّته، أو تحييه.[2] وما يعنينا منها، في هذا المقام، هو إحياء نص تاوسيغ بالترجمة التحويلية انحيازاً إلى مظلومية الضحايا، التي قد يكون النص، إذا كان الذي ترجمه هو غير الشاعر، واحداً من الضحايا.

في الترجمة، يسخر بنيامين من "وضع خدمة المتلقي في الاعتبار"، لما يلحقه ذلك من ضرر بالعمل الفني والدرس النظري له في آنٍ معاً. صحيح أن بنيامين يرى في الترجمة السبب الوحيد المعقول لقول "الشيء نفسه" بصورة متكررة، لكن الأمر المربك، هو تحديد ماهية "الشيء نفسه" المراد قوله، وهل سيكون "نفسه" حقاً؟ فالترجمات الرديئة، في نظر بنيامين، هي نقل غير دقيق لمحتوى غير جوهري، ذلك بأن الجوهري في النص هو الشاعري فيه الذي لا يستطيع اقتناصه إلّا المترجم الشاعر. فالشاعر، بحسب بنيامين، هو وحده القادر على تجاوز المعنى المعلوماتي - المدرَك نحو المعنى الجوهري - المحسوس في النص، علماً بأن "المعنى" نفسه، مثلما يقدّمه بنيامين في السياق السوريالي، يمكن أن يصير "شيئاً تافهاً". ولأن الأعمال العظيمة تختزن قابلية عالية للترجمة، فإن نقل جوهرها إلى لغة أُخرى يطيل عمرها، ولأنها لا تترجم في حياة أصحابها، فإن الترجمة التحويلية، كما ينظّر لها حسين البرغوثي،[3] تصير جزءاً من تاريخها الأصلي وحياتها البَعْديّة (afterlife)، وتصبح حقيقة لا مجازاً. وبهذا المعنى، فإن "الحياة البَعدية"، لبنيامين، ونص تاوسيغ بشأن انتحاره وقبره ونصبه التذكاري، إنما يكمنان في ترجمته "فلسطينياً"، وليس "في فلسطين" فقط.

المحصلة السياسية لهذا التدخل هي أنه إن كان نقل النص الأصلي إلى لغة أُخرى "تحويلاً" لا "ترجمة"، فإن المترجِم الـمحوِّل يصنع وثيقة تاريخية حين يستنطق ماضي ذاكرة النص "المقدسة" في حاضر تاريخه "العلماني". وهكذا، لا ينتصر مؤلف النص الأصلي بسيف الـمحوِّل فيحقق الشهرة، ولا ينتصر الـمحوَّل بسيف المؤلف فيحقق الريادة، بل ينتصر الجوهر الشاعري الذي في النص على النسيان. هذه تماماً هي مهمة "التحويل"، لا الترجمة، حين تكون الصيغة الجديدة للعمل تحويلاً للشاعري فيه ومن جنسه وبصوته نفسه وهو يتحول، بالتدريج، إلى صدى. وهنا تحديداً، يرى بنيامين أن العثور على هذا "الصدى" هو منتهى عمل المترجِم الذي ينبغي له أن ينشغل بالقصد الشعري (intention) الموجود على حوافي الغابة النصيّة، لا بالـمُلْهِيات السياقية لبُنيته اللغوية (context) في مركزها. وهنا تحديداً، يكمن الفرق بين قصد الشاعر الذي "يحوّل"، وهو قصد عفوي وأولي وتصويري، وقصد المترجِم الذي ينقل، وهو قصد اشتقاقي ونهائي وتصوّري. ولعل هذا النمط من الترجمة التحويلية، يقتضي الالتفات إلى المقولة الرائجة في ميدان الترجمة، وفحواها أن "الجميلة الخائنة أفضل من القبيحة الوفية"، وإذا ما تجاوز المرء التجنيس غير الجميل وغير الوفي في هذه المقولة، فإنها تعبّر تماماً عن "روح الترجمة" التي ينجزها المترجمون الشعراء الذين تاق إليهم بنيامين، ولا شك في أن المشتغلين بإرث بنيامين يشاركونه ذلك التوق. وفي هذا السياق، يؤكد بنيامين أن "الأمانة" تقتل النص، لأنها تحيط بما فيه من معرفة (المعنى المدرَك)، ولا تبلغ توصيف ما فيه من شاعرية (المعنى المحسوس). فالنقل الأمين للبنية اللغوية هو وفاء قبيح، بينما الخيانة الجميلة هي تحوُّل الجوهر الشاعري إلى صدى. وبذا، تتحقق "الترجمة الحرة" التي استطاعت القبض على شيفرة النص الأصلي، مع أن الترجمة التحويلية، لا الـحَرْفية، هي التي تتمكن من مس الجوهر الشاعري، فتصير الترجمة فعل خلق مقدساً ربما يسعف في توصيفه ما تضمّنه بعض التقاليد الدينية من تفسير مقدس للترجمة على أنها إحالة للجسد الميت (في الدنيا)، إلى جسد حي (في الآخرة)، عبر "نقله"، حرفياً، في برزخ الزمان والمكان المظلمَين، إلى "الشاطىء الآخر". وفي ذلك ما يتقاطع، أيضاً، مع ما يحيل إليه علم المعنى لكلمة "ترجمة" (translatio) باللاتينية.[4]

ولاستكمال ممارسة فعل "الحب المقدس"، بأكثر من "التلاقح"، بين النص والترجمة، لا بدّ من العثور على السند الأخلاقي للفعل النظري كي يُرفع الحجاب بين الديني والعلماني. ولعل ذلك لا يتم إلّا عبر نزع "القداسة" عن تاريخ أوروبا العام الذي أُريَ له أن يملي على العالم، ومن ضمنه فلسطين، تواريخه الخاصة، من خلال عملية المركزة السرمدية للبياض الأوروبي: سياسياً، ونظرياً، وأخلاقياً. وعليه، سأُعنى، تالياً، ولمقتضيات السياق، بواحدة فقط من أطروحات بنيامين بشأن التاريخ، وهي الأطروحة السادسة، وسأعزلها بشكل منهجي، وإن كان مدرسياً، عن بقية الأطروحات في محاولة لعزل بنيامين نظرياً عن نفسه، وذلك لإبراز السؤال الأخلاقي الذي يقف كنشيج مكتوم خلف النظرية. يقول بنيامين: "إن مفصلة الماضي تاريخياً لا تعني التعرف عليه 'كما كان فعلاً' [....] بل تعني الإمساك بذاكرة وهي تومض في لحظة خطر. والمادية التاريخية تود الحفاظ على صورة الماضي تلك التي تظهر، دون توقّع، في لحظة خطر للإنسان الذي اختاره التاريخ. والخطر يؤثر على كل من مضمون التقاليد ومَن يتلقونها. الاثنان يتهددهما نفس الخطر: خطر أن يصبحا أداة للطبقات الحاكمة. في كل حقبة يجب القيام من جديد بمحاولة انتزاع التقاليد بعيداً عن امتثالية conformism تكاد تغلبها. المسيح لا يأتي فقط بوصفه المخلّص، بل بوصفه هازم المسيح الدجال. والمؤرخ الذي سيملك موهبة إذكاء جذوة الأمل في الماضي هو فقط ذلك الذي يكون راسخ الاقتناع بأنه حتى الموتى لن يكونوا بمأمن من العدو إذا انتصر. وهذا العدو لم يكفّ عن الانتصار."[5]

إن هذه الأطروحة / النبوءة تقول كثيراً، لا عن تاريخ بنيامين وذاكرته فحسب، بل عن فاشية مؤسسة التاريخ وحصرية مؤسسة الذاكرة، في السياقين الاستعماريين الأوروبي والصهيوني أيضاً. ولعل بعض هذا الشيء "الكثير" هو انتحار بنيامين الذي تساءل تاوسيغ محقّاً، في مقالته المترجمة التي تلي هذه المقالة، عمّا إذا كان بنيامين "أول مفجّر انتحاري؟" لم يُطل تاوسيغ الوقوف عند هذه العبارة، لكنها تصلح كبداية لفهم ما كتبه عن بنيامين: انتحاراً، وقبراً، وذاكرة. فصورة "المفجّر الانتحاري"، المعروف فلسطينياً بـ "الاستشهادي"، التي عبرت ذهن تاوسيغ وهو في طريقه إلى قبر بنيامين التذكاري، لها ما يبررها سياقياً وأخلاقياً، إذ جاءت في أوج انتفاضة الأقصى 2000 - 2004، والتي قيل كثير في "استشهادييها"، أو "مفجّريها الانتحاريين"، فلسطينياً وعربياً وعالمياً، وهو أمر لا يتيح المقام دراسته طباقياً مع أطروحة تاوسيغ.[6] لكن ربط تاوسيغ بين تساؤله عن بنيامين كـ "مفجّر انتحاري" وبنيامين كـ "مخلّص منتظَر"، يفتح باب السجال على مصراعيه لنقاش مفهوم "الخطيئة السعيدة" (felix culpa)، أو الخطيئة المباركة لانتحار بنيامين. ولعل "ثمرة" تلك الخطيئة لا تشبه المقولة العربية "ربّ ضارة نافعة"، ولا المقولة الإيمانية التي فحواها أنه }وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحِبوا شيئاً وهو شرٌّ لكم} (سورة البقرة، الآية 216)، فالخطيئة السعيدة، هي أكثر من مجرد خطيئة، إنها مقولة فلسفية تجعل من الانتحار، في حالة الاستشهادي (أو المفجّر الانتحاري أو الأسير المضرب عن الطعام أو عن التدخين في مقالة تاوسيغ)، فعلاً إرادياً، فدائي الطابع، بالدرجة الأولى، ويساهم بشكل مباشر في الخلاص - مثلما كانت خطايا البشرية عاملاً في بعثة المسيح بصفته مخلّصاً وشهيداً.[7]

وحين نتساءل عن القاسم المشترك الأكبر، أو حتى الأصغر، بين بنيامين وانتحاريي مسادا مثلاً، تصعقنا الإجابة التي بالتأكيد لا تكمن في فكرة الانتحار، ولا شبهة النزعة الانتحارية في الثقافة اليهودية، على نحو مجرد، بل تكمن في سياقات الانتحار. فمن انتحر من المثقفين اليهود على مر التاريخ، لم ينتحر في مسادا، ولم يقضِ في الصحراء بين مصر وفلسطين في الخروج الأكبر، ولم يفنَ في الهولوكوست، ولم يُقتل في "حروب إسرائيل".[8] فبريمو ليفي انتحر في الهواء حين هوى من شقته، وبول سيلان انتحر في الماء حين غرق في النهر، وقيل أن بنيامين انتحر على فراشه بالمورفين لاجئاً على الحدود الفرنسية - الإسبانية، وفرانس كافكا قضى نحبه جوعاً، وراينر ماريا ريلكه قتلته وردة... وغيرهم كثر ممّن ذكرهم تاوسيغ في مقالته.[9] ولعل شرط المعاناة الإنسانية الذي جرّه توحّش العقلانية الأوروبية (وخصوصاً استشراء السُّعار القومي بعد فشل مشروع التنوير الرومانسي)، وتحوّله إلى فاشيات قاتلة في داخل أوروبا ضد اليهود وغيرهم، وإلى استعمارات دموية في خارجها، هو ما يعنينا في هذا السياق. 

*** 

لم يكن بنيامين فلسطينياً، ولا إسرائيلياً، بل يهودياً يحمل حقيبة ثقيلة ويرغب في قطع الحدود هرباً من ويلات النازية. كان يتأمل مصيره الشخصي ومصير غيره من البشر خلال أكبر حملة اضطهاد ضد اليهود في أوروبا وهي على شفير المحرقة. ولعل قدوم بنيامين إلى فلسطين، في مؤتمر أو ترجمة، يقتضي من المتأمل، وخصوصاً غير اليهودي، النظر في ثلاث مسائل: الأولى، هي السياق، الأوروبي عامة، والألماني خاصة، والذي تثار فيه هذه السجالات ذات العلاقة باليهود وإسرائيل وما يكتنفها من سرديات احتكارية كبرى للمعاناة؛ الثانية، هي موقف المثقفين اليهود وغير اليهود من هذه السجالات، بمَن فيهم بنيامين، وأولئك الذين ينتبهون أخلاقياً ونظرياً إلى الدور السياسي لمقولاته في إطار القضية الفلسطينية؛ الثالثة، هي المحاولات البائسة لابتكار لاهوت معياري، وريشة "معات"(بحسب أسطورة آلهة الحقيقة الفرعونية)، أوروبية ذات هوية يهودية حصرية واحتكارية لوزن قلوب المثقفين غير اليهود، ومطاردة نياتهم، ودوافع أفعالهم التي لا ينبغي لها أن تجترىء على لاهوت المعاناة الغربي الممركز أوروبياً، تجاه إسرائيل. وضمن هذا السياق، نجد أنفسنا في صميم الجدل الكبير بشأن مدرسة فرانكفورت. وكمجاز مبكّر لمآلات التلقي لنتاجات مفكري هذه المدرسة، يمكن استدعاء القصة الأثيرة عن الشاعر الألماني - الفرنسي (البولندي الأصل) بول سيلان الذي كان الحاضر الأكبر في مشهدية الشعر الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، وهي قصة إلقائه الشعر، إذ كان سيلان يهودي الهوية والهوى، يلقي الشعر المكتوب بالألمانية بتنغيم توراتي التقطه، كسائر الأطفال اليهود، في الكُنس والمناسبات التي تُتلى فيها الترانيم الدينية بالعبرية القديمة: لفظاً وأداء. غير أن الذائقة الشوفينية للسياق النازي ألزمت أساتذة سيلان وسامعيه بإرغامه على إعادة الإلقاء "بشكل صحيح"... مراراً وتكراراً، حتى يشرع الطفل في البكاء. بكى سيلان، ويا لبكائه المرّ! لكن مرارة البكاء تلك كانت قدح الزند لمقولته الشهيرة: "ما من شيء يمكن أن يمنع المرء من الكتابة حتى لو كان الشاعر يهودياً، واللغة التي يكتب بها قصائده هي الألمانية."[10]

بعد مرور أقل من نصف عقد على ولادة سيلان، وُلدت مدرسة فرانكفورت التي توالت سلالاتها من المفكرين والفلاسفة الذين ولدوا لعائلات يهودية أوروبية، نسباً أو انتساباً، بين الحربين العالميتين، كردة فعل على أمرين: الأول، هو ثورتها على الاستغراق في الأسئلة النظرية وما تُرمى به الفلسفة من تعقيبية غير منتِجة "ثورة على بومة منيرفا"، بتعبير هيغل؛ الثاني، هو ثورتها على مشروع تنوير كانط الرومانسي الذي ابتدأ، في جانب مهم منه، كمحاولة لمصالحة الهسكلاه اليهودية على حصرية "العقلانية" الممركزة أوروبياً ضمن "دولة القومية"، وانتهى باستيقاظ العقلانية الانتحارية على أفظع مذابح دولة القومية في معسكر أوشفيتس للإبادة، وفي غيره من معسكرات الاعتقال، في أواخر النصف الأول من القرن العشرين.[11] وربما يكون مجحفاً وصف مدرسة فرانكفورت بردة فعل، لأنها جاءت بالعديد من المنظومات النظرية والاجتماعية والجمالية التي لا تزال مدارس الفلسفة القارّية تتناسل من رحمها، ولعل أبرز ما ولّدته تلك المنظومات، أخذاً بعين الاعتبار يهودية المولد لأبرز منظّريها، هو المجال الموسوم بـ "الأخلاقيات اليهودية" التي مارست باقتدار نظرية التطبيق.

لا شك في أن قيام دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيونية في فلسطين، كاستعمار أوروبي، وبصفتها "الوطن القومي ليهود العالم" وحاميتهم ضد "نزعات اللاسامية ومعاداة اليهود"، كان مثار جدل واسع لسلالات هذه المدرسة، وخصوصاً ما يتعلق منها بمصير الشعب الفلسطيني الذي كسرت دولة الاحتلال حداثته، وشرّدته، وحالت دون قيام دولته وتقرير مصيره. وبينما بدا كأنه اكتفاء بإعلاء سؤال النظرية على سؤال التطبيق في كتابات آباء مدرسة فرانكفورت من أمثال ثيودور أدورنو، وفالتر بنيامين، نجد آخرين من سلالاتها الفرعية، من المنظّرين اليهود المولد، ينخرطون في التطبيق الأخلاقي للأسئلة من حنّه آرنت، ومارتن بوبر، وغيرشوم شوليم، إلى بريمو ليفي، وجوديث بتلر، وجيل أنيجار. وعليه، كان مصير شعب فلسطين، والسياسات الاستعمارية العنصرية التي تقترفها دولة إسرائيل، في صميم اهتمامات هؤلاء كل باسمه ورسمه كـ "مثقف يهودي". لكن اللافت في هذه الجينيالوجيا المختزلة لضرورات المقام، أنه على الرغم من مرور قرابة قرن من الزمان على ولادة بول سيلان ومدرسة فرانكفورت، فإن معادلة "الأداء اليهودي بحسب النوتة الألمانية" لم تغير اتجاهها، وإنما عززته بعد أن أتـمت الماكينة السياسية والثقافية الألمانية "تحوّلها" إلى الدور الجديد كجبهة أولى في حماية دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، والدفاع حتى عن سياسات الفصل العنصري، وجرائم الحرب التي تقترفها ضد الفلسطينيين.

إذاً، لم يكن مفاجئاً اللغط الذي دار حول هوية بنيامين واحتمال قدومه إلى فلسطين (ضمن مؤتمر بنيامين في فلسطين، أو ضمن ترجمة كالتي ستلي هذه المقالة) في ظل حركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها (BDS). لكن المفاجىء الذي لا يني عن إدهاشنا، هو المزايدة على حساسيات بنيامين كـ "مثقف يهودي"، إذ لا بدّ للمثقف اليهودي من أن يحظى بـ "شهادة منشأ صهيونية" كي يُقبل في النادي الفعلي أو "الفخري" للثقافة اليهودية النقدية. وهنا، لا يتسع المقام لعرض سيرة بنيامين الفكرية والسياسية وعلاقته بمجموعة من المثقفين اليهود الذين قدموا إلى فلسطين، والذين أسس بعضهم تجمّع "بريت شالوم"، ولا مجال حتى لمناقشة التعالقات الشائكة لكتابات هؤلاء عن الصهيونية وإسرائيل والقضية الفلسطينية. لكن ربما يكون من المفيد إعادة تحليل النسيج الثقافي الذي ولّد تقاطعاً إشكالياً بين "المسألة اليهودية" و"المسألة الفلسطينية" لدى هؤلاء المثقفين، وما نتج من هذا التقاطع من مواقف أخلاقية تجاه قضايا مقاومة إسرائيل ومقاطعتها لأجل فلسطين.[12]

فحوى القول أنه حين تصير الحساسيات اليهودية شأناً يهودياً داخلياً، فإن صهينة الحساسيات والأخلاق تصبح سهلة. وعليه، ثمة خطورة بالغة من أن وسم السجال الدائر حول بنيامين، وتأطيره في حلقة يهودية داخلية، أخذاً بعين الاعتبار اللاعبين الأساسيين فيه كمثقفين يهود بالنَّسب، يساهمان في قصر السجال الدائر على فحوى "الهوية اليهودية" وتبعاتها. ولا شك في أن تأسيس دولة الاستعمار الاستيطاني (إسرائيل) التي تعمل على نحو هستيري كي تكون "دولة لليهود" أكثر من كونها "دولة يهودية" تحقيقاً لحلم هيرتسل الكابوسي، وهوس أن يتم الاعتراف بها كدولة يهودية، وطلب الاعتراف بها على هذه الشاكلة، وللمفارقة الجارحة، حتى من الفلسطينيين أنفسهم، كانا فيصلاً مركزياً بين داعمي هذه الدولة ويهوديتها، أي حصريتها العنصرية، والمعادين لها جرّاء هذه الحصرية، أكان ذلك على نحو جزئي، أم كلّي.

صحيح أن الحرية وحق تقرير المصير لم يكونا يوماً حكراً على الأخلاقيات اليهودية، وصحيح أن بنيامين لم يقصد مرة تدشين ذلك الادعاء، إلّا إن السياق السجالي يظهر كأنه حشر للموضوع برمّته في هذه الزاوية الخطابية، الأمر الذي يعني أنه كي تشارك في هكذا سجال، فإنه يتعين عليك أن تدشّن مألوفية من نوع خاص مع "هويتك اليهودية" التي لا بدّ من أن توجد في مكان ما من ضميرك الخاص والجمعي، أي أن تكون واحداً ممّن "يعنيهم" السجال كيهود يريدونه، ويديرونه، ويدورون حوله، ويدور حولهم. وحقيقة أننا لا نزال في ذلك السياق الأوروبي تُعزز، بلا شك، مأساة "الحداثة" الأوروبية، وتؤكد الاتجاه المركزي في تعريفها ونقدها بأنها لم تكن إلّا حكاية سيادة للمركزية الأوروبية التي كان الاستعمار ذروة سنامها. وعليه، فإن اشتراكنا، نحن الفلسطينيين، في هذا السجال، بصفتنا "يهوداً" فكريين، غير يهود، يعمّق هذه المأساة، ذلك بأن أصداء الوسم الأوروبي الاستعماري لنا، في تصريح بلفور مثلاً، كـ "غير يهود" لن يذهب هدراً. وعليه، فإن هذه اللحظة، "الآن" و"هنا"، هي موعد الثورة على هذا السجال وإخراجه من دائرة معاداة اليهودية واللاسامية إلى دائرة معاداة الحصرية الناتجة من استخدام متطرف لإحدى نسخ الهوية اليهودية واللاسامية التي يتبنّاها كيان الاستعمار الاستيطاني في إسرائيل ومناصروه في العالم. 

*** 

أمّا وقد تم تبيان كيف يمكن "فلسطنة بنيامين" شخصاً ونصاً، فإنه لا بدّ من تبيان جدوى ترجمة نص "قبر فالتر بنيامين: إضاءة مدنسة" الذي كتبه مثقف يهودي بالولادة، هو مايكل تاوسيغ الذي أخذ العنوان الفرعي لمقالته، "إضاءة مدنسة"، من فكر بنيامين نفسه، إذ ها هو يحاول تقمص بنيامين، منهجياً، في المراوحة بين "النشوة / السُّكْر" و"الانتباه / الصحو" في أثناء قراءته لمشهدية قبر بنيامين الذي صار أشبه بنصب تذكاري محض، أي أنه صار تجريداً للمجرد. وقد استخدم بنيامين هذا المصطلح لتوصيف مكوّن مركزي في التجربة السوريالية في أوجها خلال عشرينيات القرن العشرين، فهو كتب العديد من النصوص النقدية عن الثقافة والثورة، واختص الحركة السوريالية بما تعنيه حرفياً "فوق الواقع"، ليس هروباً منه، بقدر ما كانت رغبة في تغييره. ففي مقالته "السوريالية: آخر لقطة للإنتليجنسيا الأوروبية"،[13] أشار بنيامين إلى إمكان كسب طاقات السورياليين، وغيرهم من مستهلكي المخدرات إلى جانب الثورة. وقد تناثرت هذه الآراء في مجموعة كتابات جُمعت ونُشرت بعد موت بنيامين،[14] ويحيط ببعضها شكوك كثيرة في كون بنيامين كتبها أصلاً. وتزامنت هذه الآراء عن الحشيش والمخدِّرات لدى بنيامين ورفاقه، السورياليين والنقديين كشوليم وغيره، مع القوانين التي سنّها النازيون لمكافحة المتعاطين والمدمنين، وليس فقط التجار، في إطار ما عُرف بـ "الحرب على المخدِّرات" (Rauschgiftbekämpfung) في سنة 1933.

آنذاك، بدا الأمر كأنه توبيخ لروحانيات السورياليين وميولهم السحرية في التعبير، لكنه عاد وكمّم ما يقصده بـ "الإضاءة المدنسة" أو "الإشراقة الدنيوية". فقد أشار بنيامين إلى مقولة لينين أن "الدين أفيون الشعوب"، لكنه ربط النشوة الدنيوية، على العكس من النشوة الدينية، بأنها شارة تمرد سوريالي، لا على الدين ومؤسسته الكنسية فحسب، بل على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي أيضاً. ولذا، يفرّق بنيامين بين النشوتين بالقول إن "التغلب الحقيقي، الإبداعي، على الإشراق الديني [illumination sacred] لا يكمن بالتأكيد في المخدِّرات. إنه يكمن في إشراق دنيويprofane illumination، في إلهام أنثروبولوجي، مادي النزعة، يمكن للحشيش، أو الأفيون، أو أي شيء آخر أن يقدّم له درساً تمهيدياً."[15] وعلى الرغم من تندّر بنيامين، الضمني، على هذا النوع من الممارسات المفضية إلى الإشراق الدنيوي، والذي ربما يقود الحركة "إلى الحجرة الخلفية الرطبة للنزعة الروحانية"، فإنها ممارسات قد تستعيد "أطفال الثورة [السورياليين] بالتبنّي"، إلى جانبها.

في لحظة النشوة - و"أقصى السُّكْر فهمٌ" مثلما يعلمنا مظفر النواب ومن قبله رواد الإشراق الصوفي الذين حالت النشوة دون إحساسهم بالألم في لحظة الاستشهاد أو قادتهم إليه - تتلاشى العتبة بين الحقيقة والخيال، أي بين الواقع وما فوقه، وتتداخل الصور والأصوات، والأزمنة والأمكنة، وتغدو التجارب متراصفة ومتجاوبة على نحو خاص. هنا، يضطرب المعنى إلى حدّ أنه لا يغدو للمعنى معنى، بل يصير، مثلما يشير بنيامين، "شيئاً تافهاً". ولعل هذه الميول إلى زعزعة المستقِر والثبوتي في العالم، لا تشمل المعنى فحسب، بل تطال الذات المنتجة له؛ ذات المبدع المنتشي بالمخدرات أيضاً. وهنا، لا تُعنى الكتابة بالنظريات والواقع، بل بالأشباح.. أشباح النظرية وأشباح الواقع في آنٍ معاً. وعلى ذلك، يمكن القول إن تنظير بنيامين لأوجه الشبه والاختلاف بين "الإشراقة الدينية - المقدسة" و"الإشراقة الدنيوية - المدنسة"، إنما يستهدف منح مقترح دليلي لغاية السوريالية ينأى عن كون المخدرات تخدر الفكر، ويوظفها لتجاوز اليومي - العادي إلى يومي - استثنائي عبر إعادة ترتيب علاقات القوة الناظمة للأشياء في حيّزَي الزمان والمكان، وقد أعيد ترسيم خريطة تراصفهما في العمل الفني السوريالي، أو في السلوك السياسي. فما يُستشف من كتابات بنيامين عن المخدرات والحشيش والأفيون بصورة خاصة، هو الهدف الثوري الفعلي للحركة السوريالية من خلال قدرة الكاتب على التحريف والتغريب، والتي تزداد من خلال الإضاءة المدنسة من أجل إحداث ثورة اجتماعية محتملة.

ولعل انعدام المعنى عبر تحويله إلى "شيء تافه"، هو اقتراح مضمَر بهدم المعنى وإعادة تدشينه من جديد من خلال إعادة تشكيل علاقات السلطة في الزمان والمكان وقد تلاشت حدودهما، ولعل هذا ما فعله تاوسيغ تماماً في قراءته السيميائية لقبر بنيامين - التذكاري الأشبه بـ "الوهم". إن "وهمية القبر" ودلالته "الوهمية" على ما قاساه "حتى الموتى" حين انتصر العدو، هو أمر لم يخترعه تاوسيغ، وإنما بنيامين ورفاقه (آرنت وشوليم وأدورنو)، لكن تاوسيغ أخذ تلك "الوهمية" إلى منتهاها لقراءة الموت بصفته سؤالاً نظرياً ذا طابع أخلاقي مقارن. فالموت يختزن، في حدثيته وبُنيته، سلطة تفويضية تكمن في منح المؤرخ سلطة الحكي عمّا طمسته مؤسسة التاريخ الرسمية سواء في الأكاديميا، أو المتحف، أو مركز البحث. لكن الحكّاء "في حالات الطوارىء الكبرى" التي راكمت أعداداً هائلة من البلا - اسمية لضحايا التاريخ، يصير "راوي حكايات"، بترجمة حرفية للتعبير المتداول (storyteller). وهو، بذلك، لا يملك القدرة على حكيها فحسب، بل على حياكتها أيضاً، عبر إيقاظ الحياة في الأشياء المتحجرة بإعادة قراءة نظام العلامات التي صممتها السلطة، لكن بطريقة تخريبية (subversive) تمنحها شرعية التحول إلى معانٍ قديمة، معانٍ بدء – تاريخية، وحين امتلك المؤرخ تاوسيغ هذه السلطة، أعاد تدشين حكاية موت بنيامين وقبره، على نحو مقارن، سواء في السياق الأوروبي في أوج انتصار فاشياته المتكاثرة، أو فيما تلاها من فصول تاريخ المظلومية في العالم، والذي منه فلسطين، وسورية، والعراق.

وفي مقالته "قبر بنيامين"، تناول تاوسيغ، من خلال إعادة تدشين موت بنيامين وقبره -التذكاري، ثلاثة أسئلة نظرية، أخلاقية الطابع، عن: مجهولية الموتى، والنصب التذكارية، ومسؤولية السَّدانة، للموتى وذاكرتهم في آنٍ معاً. فالمجهولية التي تحيط بالموتى، من حيث أسباب موتهم، وأماكن دفنهم، ومواقيتها، ويقينية وجود الجسد صاحب الاسم المكتوب على شاهدة القبر، أو في طاقة الفسقية التي تحمل الشاهدة... تقود إلى أمرين: الأول، هو إحالة رفاتهم إلى "القبر العام" (أو ما ندعوه في فلسطين "بير العظام" أو "بير الجماجم") حيث تنضم رفات الميت، وخصوصاً المجهول، إلى "حشد الموتى اللامرئي" فاقدة آخر آثار فردانيتها. والثاني، أن مهمة إعادة ذاكرتهم إلى جوار القبر العام تصبح أيضاً جزءاً من "الشأن العام" المختص بـ "السر العام" الذي لا ينبغي لأحد أن يتفرد في إعادة تشكيله. وبذا، فإن تحول الجسد المفرد المرئي والمسمى، عبر المجهولية المقصودة التي ألحقتها به السلطة، إلى بقايا جسد لا مفرد ولامرئي ولا مسمى، هو كتابة من نوع خاص للتاريخ، إنها كتابة المحو.

وبطبيعة الحال، فإن هذا النمط من الكتابة يستدعي تدخلاً "عاماً" تحكمه علاقات القوة في إقامة النُّصب التذكارية، من ألاعيب حفّاري القبور إلى ألاعيب الدول في مجاملة "أهل الفقيد". وقد أتاح هذا، مثلاً، لفنان صهيوني من تل أبيب في فلسطين المحتلة (هو دانيال كرفان) أن يصمم النصب التذكاري لفالتر بنيامين في بورت بو في إسبانيا، لا لشيء إلّا لمهاراته الذائعة الصيت، ومن قبله والده، في تخليد البلا - أسماء، وتسمية مشهديات الموت والحياة في إسرائيل التي تقع الآن فوق فلسطين. لم يتوقف تاوسيغ عند هذه المفارقة مطولاً، ولم يُشِر إلى صناعة تخليد "الذاكرة اليهودية"، واحتكار الأبد، من طرف إسرائيل، وإنما أبدى امتعاضاً جمالياً من هيئة النصب الحديدي الذي أقيم لبنيامين، وإن على نحو مضمر. وعلى الرغم من مقارناته الرهيفة ذات الترميز العالي عن مصير بنيامين كأسير، ومطارد، ولاجىء، واستشهادي... بمصائر الفلسطينيين، فإن تاوسيغ لم يذهب بالمقارنة إلى منتهاها بالحديث عن قبور الفلسطينيين، الفردية، والجماعية، المسماة والبلا - اسم، وذات الأرقام والبلا - أرقام.[16] ولو ذهب تاوسيغ ببحثه خطوة إضافية لرأى في فلسطين مفارقة أكبر ممّا رآه في إسبانيا حيث انتظرت الأجساد ستين عاماً لتتعرف إلى أسمائها... لو ذهب خطوة إضافية لرأى قبوراً تنتظر رفات أصحابها الذين اختلطت "أرقام" قبورهم "الموقتة" في أرشيف جيش العدو، أو اختفت بفعل فاعل يرغب في "محو الاسم والذكر".

غير أن تاوسيغ، على الرغم من ذلك، أنهى مقالته باقتراح رهيف لمّح إليه من خلال اقتباس لبنيامين أعاده مرتين بجعله فاتحة المقالة وخاتمتها، وهو اللجوء إلى الريح التي تُبقي جذوة أمل المؤرخ مشتعلة. لم يرَ تاوسيغ في إقامة النُّصب التذكارية حدثاً سعيداً، وإنما لمّح إلى كونها امتداداً لتراجيديا الحياة التي انتهت بالموت، وربما لمّح إلى دور النُّصب التذكارية في إبقاء هول الجريمة حاضراً في المشهد كمفاعل عاطفي للردع. ولذا، يقترح تاوسيغ تصميماً "جنونياً" للنُّصب التذكارية للبلا - اسم: إنه "الريح التي تعوي. الريح العابرة للجبال. ترانس - مونتانا. الريح وحدها هي التي تصلح نصباً تذكارية تقيم فيها أسماء "الحشد اللامرئي للموتى"... ولو ذهب تاوسيغ خطوة إضافية لَتقاطَع تخاطرُه مع محمود درويش في مجاز "الكردي" الذي يتسع للذين فاتهم الانتصار ولم تتعرّف أسماؤهم بعد إلى أجسادهم، أو ما تبقّى من رفاتها: "ليس للكرديِّ إلّا الريح، تسكنُه ويسكنُها، وتُدمنه ويدمنها، لينجوَ من صفات الأرضِ والأشياءْ".[17] فعلاً، إنها الريح التي لا يحتكرها أحد، هي أداة النجاة الأخيرة التي من شأنها تحرير الاسم والجسد من مدوّنة "السرّ العام" للعدو الذي لم يكفّ عن الانتصار، وقد فضح الموت أمره.

 

المصادر:

 

[1] فالتر بنيامين، "المؤلف بوصفة منتجاً"، في: "مقالات مختارة"، ترجمة أحمد حسان (عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع، 2007)، ص 112.

[2] للاطلاع على تفصيلات هذه الاحتمالات القرائية، عبر الترجمة، انظر: عبد الرحيم الشيخ، "الإصغاء إلى الصوت الآخر"، في: حسين البرغوثي، "الصوت الآخَر: مقدّمة إلى ظواهرية التحول"، حوّله إلى العربية وقدمه عبد الرحيم الشيخ (عمّان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 2021)، ص 7 - 48.

[3] انظر: حسين البرغوثي، "توجد ألفاظ أوحش من هذه" (رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية، 1998).

[4] لمزيد عن معاني الترجمة، وخصوصاً في سياق الموت، انظر:

Sandra Bermann and Michael Wood (eds.), Nation, Language, and the Ethics of Translation (Princeton: Princeton University Press, 2005).

[5] فالتر بنيامين، "أطروحات في فلسفة التاريخ"، في: بنيامين، "مقالات مختارة"، مصدر سبق ذكره، ص 197.

[6] لمزيد عن العمليات الاستشهادية، انظر: طلال أسد، "عن التفجيرات الانتحارية"، ترجمة فاضل جتكر (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2008)؛ إسماعيل ناشف، "صور موت الفلسطيني" (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)؛ بلال عوض سلامة، "العمليات الاستشهادية الفلسطينية: تطور الجسد كأداة مقاومة"، "مجلة المستقبل العربي"، العدد 441 (تشرين الثاني / نوفمبر 2015)، ص 65 - 88؛ مي الجيوسي، "تشكل الذات وحالة الاستثناء: الجسد كموقع للمقاومة"، في: أليساندرو بيتي وآخرون، "حالة الاستثناء والمقاومة ‏في الوطن العربي"، تحرير ساري حنفي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010).‏

Terry Eagleton, Holy Terror (Oxford: Oxford University Press, 2005), pp. 89-114; Bader Alaraj, “The Ethnography of Despair: Suicide Bombing during the Second Palestinian Intifada, 2000-2004”, MA dissertation (West Lafayette: Purdue University, 2011); Bader Alaraj, “Harsh State Repression and Suicide Bombing: The Second Palestinian Intifada (Uprising), 2000-05”, Ph.D. dissertation (Toronto: University of Toronto, 2011); Bassam Banat, “Palestinian Suicide Martyrs (Istishhadiyin): Facts and Figures”, Ph.D. dissertation (Granada: Granada University Press, ‎2010).

[7] لمزيد في هذا الشأن، انظر: Eagleton, op. cit., pp. 89-114.

[8] للاطلاع على النزعة الانتحارية في الصهيونية والكيان الصهيوني (إسرائيل)، استناداً إلى الأسطوريات الدينية والتاريخية وفوق التاريخية، انظر:

Nachman Ben-Yehuda, The Masada Myth: Collective Memory and Mythmaking in Israel (Madison: University of Wisconsin Press, 1996); Gil Anidjar, “The Suicide State”, Boundary 2, vol. 44, issue 4 (1 November 2017), pp. 57-75; Avi Mograbi, “Avenge But One of my Two Eyes”, 2005. 

[9] عن الانتحار في ظروف الحرب في السياقَين العربي والفلسطيني، انظر: عبد الرحيم الشيخ، "رأس رام الله: وصفات بديلة للانتحار"، صحيفة "الحدث" فلسطين، 23 كانون الثاني / يناير 2019، في الرابط الإلكتروني.

[10] John Felstiner, Paul Celan: Poet, Survivor, Jew (New Haven: Yale University Press, 1995), p. 56.

[11] بشأن تأثير تلك الأزمنة في تصوّر فالتر بنيامين للتاريخ، انظر: فيصل درّاج، "فالتر بنيامين ولاهوت التاريخ"، "الكرمل"، العدد 86 (1 كانون الثاني / يناير 2006)، ص 155 - 171.

[12] لمزيد من التفصيلات، انظر: عبد الرحيم الشيخ، "المثقفة اليهودية الأخيرة: جوديث بتلر: قارئة لسعيد ودرويش"، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 87 (صيف 2011)، ص 93 - 119.

[13] فالتر بنيامين، "السوريالية: آخر لقطة للإنتليجينسيا الأوروبية"، في: بنيامين، "مقالات مختارة"، مصدر سبق ذكره، ص 67 - 80.

[14] لمزيد عن هذه المسألة، انظر:

Margaret Cohen, Profane Illumination: Walter Benjamin and the Paris of Surrealist Revolution (Berkeley: University of California Press, 1995); Walter Benjamin, On Hashish, edited by Howard Eiland (Cambridge, Massachusetts: The Belknap Press, 2006).

ويُذكر أن إحدى أهم مجموعات المقالات الفكرية لبنيامين نُشرت بعنوان: "إضاءات: مقالات وتأملات"، تناولت الفن المعاصر والنقد والترجمة والثقافة، انظر:

Walter Benjamin, Illuminations: Essays and Reflections, edited by Hannah Arendt (New York: Schocken Books, 1969).

[15] بنيامين، "السوريالية: آخر لقطة..."، مصدر سبق ذكره، ص 69.

[16] للاطلاع على حيثيات "مقابر الأرقام" للشهداء الفلسطينيين الذين لا تزال رفاتهم لدى العدو، وفي "ثلاجاته"، وللاطلاع كذلك، على طرائق الحداد والتخليد لهؤلاء الشهداء، وغيرهم، في فلسطين، انظر على سبيل المثال:

تيسير عاروري، "لنا أسماء ولنا وطن" (رام الله: مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، 2009)؛ سهاد ظاهر - ناشف، "الاعتقال الإداري للجثامين الفلسطينية: تعليق الموت وتجميده"، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 107 (صيف 2016): ص 19 - 36؛ عادلة العايدي - هنية (محررة)، "مائة شهيد - مائة حياة" (رام الله: مركز خليل السكاكيني الثقافي، 2001).

Lotte Buch Segal, No Place for Grief: Martyrs, Prisoners, and Mourning in Contemporary Palestine (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2016); Maram Masarwi, The Bereavement of Martyred Palestinian Children: Gendered, Religious and National Perspectives (London: Palgrave Macmillan, 2019); Tamir Sorek, Palestinian Commemoration in Israel: Calendars, Monuments, and Martyrs (Stanford: Stanford University Press, 2015).

[17] محمود درويش، "لا تعتذر عمّا فعلت" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2004)، ص 163.

Author biography: 

عبد الرحيم الشيخ: أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية والعربية في جامعة بيرزيت.