Israel after the “Political Solution”: Surrender or Another “Nakba”
Full text: 

بالنسبة إلى جيلنا، نحن الذين تشكَّل وعينا السياسي ما بعد "أوسلو"، كان السجن والنضال لرفع العلم الفلسطيني، قصة يرويها الكبار. كنا نسمع أن فلاناً سُجن إدارياً، للاشتباه فيه برفع العلم الفلسطيني في مسيرة يوم الأرض في مدينة الناصرة، وفي المقابل نسمع عن آخر متهم بالعمالة، لأنه كشف وجه ملثم كان يرفع العلم الفلسطيني في سخنين. كنا نعتقد أننا نعيش في مرحلة "ما بعد منع العلم"، مرحلة لم تعد منظمة التحرير الفلسطينية فيها عدواً لإسرائيل، قانونياً على الأقل، بفعل اتفاق أوسلو، وبالتالي يجب ألّا يكون رفع العلم الفلسطيني ممنوعاً، بعدما رُفع العلم الفلسطيني خلال لقاءات علنية إلى جانب العلم الإسرائيلي في بيت رئيس حكومة، أو في مؤتمر دولي مشترك، ولاحقاً في لقاءات بعثات مشتركة لحل بعض المشكلات الناشئة.

اليوم، وبعدما سنّت إسرائيل قانوناً جديداً يمنع رفع العلم الفلسطيني في المؤسسات الإسرائيلية التي تموّلها الدولة،[1] وبتنا نسمع عن مجموعة من الجنود والمستوطنين يُنزلون الأعلام الفلسطينية عن الشارع الرئيسي في بلدة حوّارة،[2] فإن السؤال يغدو: هل نعود إلى الوراء؟ أم نتقدم إلى مرحلة جديدة؟

مع مرور الوقت، يبدو أن مرحلة "الحل السياسي" مثلما تصورته قيادة منظمة التحرير تحت عنوان "حل الدولتين"، قد انتهت. فالسياسة، والجغرافيا، والديموغرافيا، والمجتمع الإسرائيلي، كلها تخطى مرحلة الحديث عن "حل الدولتين" ولم يعد يتقبل، أو يتحمل، وجود العلم الفلسطيني حتى في الحيز العام. ومن هذه النقطة تحديداً، ستحاول هذه المقالة الغوص في العقل الإسرائيلي ما بعد "الحل السياسي" الذي، حتى لو لم تكن إسرائيل صادقة في تبنّيه يوماً، إلّا إن مجرد وجوده ولو ورقياً، له تداعيات مهمة عليها وعلينا. كما ستتناول المقالة فكرة أن الحكومة الإسرائيلية الأخيرة هي محاولة إنقاذ أخيرة تقوم بها النخب القديمة للحفاظ على الدولة وفق رؤيتها إليها، في ظل تغييرات عميقة كان وسيكون لها تداعيات كبيرة على الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وستحاول المقالة رصد إمكانات الحل، ورؤية إسرائيل "الجديدة" إلى ما يمكن أن يكون عليه "الحل" للصراع، في ظل عملية تغيير عميقة تحدث لدى الطرف الإسرائيلي. 

تانغو الصراع والسياسة

ربما يكون من شبه المستحيل قراءة السياسة الإسرائيلية بشكل استراتيجي عميق من دون قراءة المرحلة التي يعيشها الصراع مع الفلسطينيين، والنقطة التي وصل إليها المشروع الاستعماري الذي يشكل العمق الأيديولوجي للدولة وسياساتها، وأداة لصوغ الهوية، ومحركاً لتوجهات التيارات السياسية واتجاهات التصويت في الانتخابات المقبلة.

فبين سنة 1977، عندما تمكن اليمين من الفوز في انتخابت الكنيست التاسعة، وثبّت نفسه في المعادلة السياسية التي احتكرها "العمل" منذ سنة 1948، وبقي في الحكم طوال الأعوام الأربعة حتى سنة 1981، وبين سنة 1991، عندما عاد حزب العمل بزعامة يتسحاق رابين بقوة إلى الحكم، فإن إسرائيل شهدت مرحلة من الاضطراب السياسي بسبب عدم قدرة أي من المعسكرَين، وفي أكثر من مرة، ضمان الأغلبية الكافية لتشكيل حكومة، وبسبب الاختلاف من حيث المبدأ بين القطبين على كيفية التعامل مع الفلسطينيين ومنظمة التحرير.

لكن منذ اللحظة التي أعلن إيهود براك أنه "لا يوجد شريك فلسطيني في عملية السلام"، لدى عودته من قمة كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة الثانية في سنة 2000 وتنفيذ عمليات فدائية فلسطينية في أعقاب فشل القمة، انهار المعسكر الذي سعى للمفاوضات مع الفلسطينيين، واتجهت إسرائيل كلياً نحو اليمين القومي، فبات حكم "الليكود" ثابتاً في مقابل استمرار انهيار "حزب العمل" الذي أسس الدولة، والذي لا تتعدى قوته اليوم في السياسة الإسرائيلية 7 مقاعد. بكلمات أُخرى: لقد دبّت الروح في فكر الأب الروحي لليمين القومي جابوتنسكي الذي كان هامشياً، وانتقل بن - غوريون، مؤسس دولة إسرائيل والأب الروحي لما يُسمى اليسار الصهيوني، إلى الهامش شيئاً فشيئاً، ومعه كان مشروع السلام والعلاقة مع الفلسطينيين يتدهوران.

منذ البدء، كان النقاش بين جابوتنسكي وبن - غوريون يتمحور حول سؤال "المرحلة" والتكتيك، وليس الجوهر والهدف الاستراتيجي. ففي مقالة مشهورة كتبها بن - غوريون بعنوان: "نحو المستقبل"، يشير بوضوح إلى أهمية المرحلية في المشروع الصهيوني، فيقول "لا نستطيع تحقيق طموحاتنا النهائية في هذه اللحظة - لأن طموحاتنا، بطبعها، لا تتحقق في لحظة واحدة. لكننا نستطيع، ولذلك نحتاج وعلينا، أن نتوصل في هذه اللحظة للضمانات المطلوبة التي ستضمن لنا طموحاتنا في المستقبل."[3] وهذا ما حدث عملياً، إذ في الوقت الذي تثبّتت أقدام المشروع، باتت رؤية جابوتنسكي ضرورية ومطلوبة، بينما باتت مقولات بن - غوريون غير صالحة للحظة التاريخية المحددة. فبعد أن تم تثبيت "الوطن القومي لليهود" في قرارات دولية، وامتلكت إسرائيل حلفاء يمكن الاعتماد عليهم، فضلاً عن آلة عسكرية قادرة على حسم الصراع على الضفة الغربية، وبات "الجدار الحديدي" ممكناً، خرجت الصهيونية التصحيحية للحكم برؤية كانت مؤجلة، وكان شارون أول مَن طبّقها باجتياحه الضفة الغربية في سنة 2002، وهدمه البلدات والمخيمات، وصولاً اليوم إلى رفض المفاوضات أو حتى الحديث السياسي مع الجانب الفلسطيني، وتحويل الصراع إلى قضايا خدماتية، وهو إنجاز نتنياهو الأكبر. وهكذا بُني عملياً الجدار الحديدي كسياسة ثابتة.

فلسطينياً، يترك الصراع الداخلي أثره في إسرائيل. فتراجع مكانة القضية الفلسطينية، وانهيار المشروع الوطني، والانقسام والتفتّت، وانعدام الاستراتيجيا الوطنية، أمور أظهرت التناقضات الإسرائيلية التي تتكثف جميعها في مقولتَين متناقضتين يستند إليهما النظام السياسي بمكوناته كلها: يهوديتها، وديمقراطيتها. فعندما لم يعد الفلسطيني يشكل خطراً وجودياً على إسرائيل، بات الصراع الإسرائيلي الداخلي يتمحور حول جوهر الدولة وشكلها ونظام الحكم فيها. هذا ما تؤكده التقارير الاستراتيجية التي تصدر عن مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، إذ في الوقت الذي تراجع "الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي"، ولم يعد موجوداً ضمن التهديدات والتحديات، بدأ يبرز في كل تقرير بند جديد في مجال التهديدات يشير إلى خطر الاقتتال الداخلي وعدم الاستقرار السياسي.[4]

التيار الوحيد الذي برز على أنه يمتلك حل التناقض البنيوي في الدولة، هو تيار الصهيونية الدينية، وأبرز مؤسسيه الحاخام تسفي يهودا كوك (1891 – 1982)، وهو الحاخام الإسرائيلي الأشكنازي الأول الذي دعم الصهيونية في الوقت الذي تعامل معها الحاخامات على أنها حركة علمانية تتدخل في شؤون ربانية.[5] وكلا هذين التوجهين كان حتى وقت قريب، على هامش السياسة الإسرائيلية. لكن اليوم، باتت الصهيونية الدينية هي القوة الثالثة بحسب استطلاعات الرأي، بعد "الليكود" و"ييش عتيد"، إلى جانب تغلغلها إلى داخل الحزب الحاكم وأحزاب أُخرى، الأمر الذي بات يضاعف قوة التيار، على الرغم من الخلافات القائمة بين مختلف مناهجه. ومن هنا، يمكن تفسير خطاب الوداع الذي ألقاه رؤوفين ريفلين، رئيس الدولة السابق، وشدد فيه مرة تلو الأُخرى على أن "إسرائيل ديمقراطية ويهودية؛ يهودية وديمقراطية"، والتعبيران كلاهما ليسا مفهومَين ضمناً. 

العلماني الطلائعي والمتدين المتعبد

كانت الصهيونية الدينية تعيش بين فكّي مقص إسرائيل المتناقضين: علمانيتها الطلائعية، ويهوديتها المتعبدة، وذلك وفق الباحث في شؤون الصهيونية، ميخا غودمان. فمن جهة، كان لديها الشعور بالنقص تجاه الحريديم (المتدينون المتزمتون اليهود الذين يمضون حياتهم في العبادة والصلاة)، فهي حديثة ولم تكن متدينة إلى هذا الحد وبقيت أقل تديناً من الحريديم؛ ومن جهة أُخرى، كانت تشعر بالنقص تجاه الصهيونية العملية العلمانية وغيرها من التيارات الطلائعية التي قامت ببناء الدولة والجيش الإسرائيلي، وكذلك الكيبوتس والمستعمرات. وبين طرفَي العلمانية واليهودية المتعبدة، كانت الصهيونية الدينية تعيش حالة من الضياع، فهي من جهة تطمح إلى أن تكون طلائعية لكنها ليست علمانية، ومن جهة أُخرى متدينة لكنها أقل تديناً من المتدينين.[6] غير أن الطفرة حدثت عملياً، فاحتلال الضفة الغربية، منحت الصهيونية الدينية القدرة على التحول إلى المركز لسببين: السبب الأول والأساسي هو التفسير الديني المهووس لحرب 5 حزيران / يونيو 1967، باعتبارها معجزة دينية أكثر ممّا هي نصر عسكري عقلاني،[7] وهو ما دفع بالصهيونية الدينية إلى الواجهة لعلاقتها المميزة مع المشروع الصهيوني، إذ اعتبرت الدولة العلمانية المقامة جزءاً من مسار الخلاص الديني الذي ظهر لأول مرة في سنة 1967؛ السبب الثاني هو الدعم الذي حصلت عليه مع تأسيس مستعمرات الضفة الغربية تبعاً لأيديولوجيتها التي تعتبر الضفة الغربية جزءاً من أرض إسرائيل، وهكذا تحولت الضفة إلى ساحتها.

مع اشتداد الصراع على هوية الدولة، وتراجع الصراع على وجود الدولة الفلسطينية، بدأت الصهيونية الدينية تمنح المجتمع الإسرائيلي تفسيرَين في غاية الأهمية لحالة التناقض البنيوي في الدولة: الأول، يمكنك أن تكون صهيونياً ومتديناً في الوقت ذاته، وليس بالضرورة أن تكون علمانياً لتكون طلائعياً. وبناء عليه، تسير الصهيونية الدينية اليوم على الطريقة التي كان "حزب العمل" يتبنّاها قبل ومع تأسيس الدولة، لتنظيم المجتمع الاستعماري، فهي تعيد تعريف الخطوات بمفاهيم دينية، بدءاً من الحركات الاجتماعية التمهيدية، والنشاط غير المنهجي فيما يُسمى الـ "مدارس التمهيدية" التي تشبه إلى حد بعيد جداً أُطر "الشبيبة العاملة" و"الطلائعيين"، إلى جانب مجموعات زراعية وكشفية، كما أنها استبدلت "الحارس الشاب" وهو الإطار التنظيمي للشباب قبل الخدمة العسكرية، بـ "الحارس الجديد" الذي تحوّل عملياً إلى أكبر ميليشيا في إسرائيل اليوم،[8] والذي يقوم بالمهمات والدور التنظيمي الاجتماعي غير المنهجي اللذين كان يقوم بها العلمانيون؛ التفسير الثاني، هو أنه يمكن أن يكون الشخص متديناً وصهيونياً في الوقت ذاته، أي يخدم في الجيش، وينشىء المستعمرات ويُقرّب زمن الخلاص، الأمر الذي يفسر الانجراف الكبير من جمهور "الحريديم" إلى الصهيونية الدينية، وأبرز مثلَين هما بن غفير وسموتريتش، زعيما حزب "الصهيونية الدينية"، على حساب الأحزاب الممثلة للحريديم مثل "شاس" و"يهودوت هتوراه".

هناك عملياً ثلاثة اتجاهات تدل على تبوّؤ الصهيونية الدينية رأس الحربة في المشروع الصهيوني والسياسة الإسرائيلية اليوم: أولاً، الحجم الانتخابي، إذ في الوقت الذي كان بن غفير قبل أعوام قليلة خارج الإجماع الإسرائيلي، بل إن نتنياهو طلب عدم التصويت له لأنه لن يعبر نسبة الحسم، بات اليوم ينافس الأحزاب الأُخرى، كما أن الاستطلاعات تشير إلى أن قوته إلى جانب سموتريتش تتعدى 10 مقاعد؛ أمّا سموتريتش الذي كان لديه 4 مقاعد برلمانية في الكنيست المنتهية ولايته، فإن حزبه "الصهيونية الدينية" بات بعد خروج نفتالي بينت منه واعتزاله السياسة حالياً، القوة الثالثة في الكنيست المقبل بحسب جميع الاستطلاعات تقريباً؛[9] ثانياً، الارتفاع الكبير جداً في عدد المقتحمين للمسجد الأقصى والأعداد المشاركة في مسيرة الأعلام، إذ تشكل الصهيونية الدينية رأس الحربة في جهود بناء الهيكل واقتحامات المسجد الأقصى ومسيرة الأعلام، فقد وصل عدد المشاركين إلى نحو 50,000 في مسيرة الأعلام الأخيرة،[10] وكان عدد مقتحمي المسجد الأقصى في العام الجاري، هو الأعلى منذ بداية عمليات الاقتحام؛[11] ثالثاً، تحوّل الصهيونية الدينية إلى القوة الأساسية المقاتلة في الجيش الإسرائيلي وتبوؤ أعضائها رتباً عسكرية عالية، في مقابل توجّه العلمانيين إلى الوحدات التكنولوجية، وهو أمر أُشير إليه كثيراً على أنه أزمة في الجيش الذي أصبح جيش "القلنصوات المنسوجة" التي تعبّر عن هذا التوجه الأيديولوجي.[12] 

الحكومة الأخيرة: انعكاس لإسرائيل "ما بعد فلسطين"

كانت تركيبة الحكومة الإسرائيلية الأخيرة استثنائية، مقارنة بالخريطة السياسية التقليدية التي كانت تنقسم بين يمين ويسار سياسيين، بما يخص فلسطين والتعامل معها. فقد جمعت جدعون ساعر الذي كان ينافس نتنياهو على زعامة "الليكود"، بكل من نفتالي بينت الذي كان من الشباب الواعد في الصهيونية الدينية ورئيس مجلس المستعمرات سابقاً، وتسفي هاوزر الذي كتب مسودة قانون القومية، فضلاً عن ميرتس الحزب الوحيد الذي لا يزال يؤمن بـ "دولة فلسطينية"، ويائير لبيد الذي يُعدّ مركز – يسار، وحزب العمل، والقائمة الموحدة - الشق الجنوبي للحركة الإسلامية. غرابة هذه التوليفة تكمن في أنها جمعت أطيافاً لم تكن لتجتمع قط في وقت سابق. وهكذا، فإن إحدى المشكلات الرئيسية خلال عرض استطلاعات الرأي، وخصوصاً عند فرز المعسكرات، كانت التسميات، ولذلك لجأ الإعلام الإسرائيلي إلى فرزها على النحو التالي: معسكر نتنياهو؛ معسكر ضد نتنياهو. هذا التصنيف يبدو صحيحاً إذا نُظر إليه بشكل سطحي وآني، إلّا إنه في الحقيقة مرحلة انتقالية تبدو للوهلة الأولى كأنها تدور حول شخص نتنياهو، لكنها أعمق من ذلك، وتتطرق إلى نظرة كلا المعسكرين إلى نتنياهو: فاليمين الديني والنخب الشرقية يريان أن نتنياهو هو حامي "إسرائيل الثانية" والمتدينين، مع أنه غربي وغني وعلماني، بينما يرى فيه "الليبراليون" أنه مستعد لبيع الدولة للمتدينين والمتطرفين أمثال بن غفير وسموتريتش من أجل البقاء في الحكم.

إذاً، يغدو الصراع بهذا المنطق، أبعد من أن يكون على الشخص، وإنما على هوية الدولة والدور الذي يؤديه شخص نتنياهو في صوغ هذه الهوية من خلال وجوده وتحالفاته. وهذا الأمر يبدو واضحاً جداً في كتاب "إسرائيل الثانية" الذي، على الرغم من الخلل المنهجي فيه الذي أشيرَ إليه كثيراً، فإنه يعكس رؤية كثيرين من أتباع نتنياهو، ويشير بوضوح إلى أن "نتنياهو هو الدرع الواقي" لإسرائيل الثانية؛ ويبدو الأمر واضحاً جداً أيضاً، في الموقف التقليدي من تحالفات نتنياهو؛ ويبدو أوضح كثيراً، في تغريدة كتبها أرييه درعي، حليف نتنياهو الأقدم وزعيم حزب "شاس"، عندما أطلق على هذا المعسكر اسم "المعسكر المؤمن"، في الوقت الذي يحتدم النقاش بين المعسكرين بشأن قضايا تتعلق أولاً وأساساً، بمكانة الدين والمثليين والمواصلات العامة في أيام السبت. أمّا أكثر وأقدم ما يشير إلى هذا التغيير، فهو ما حدث مع أفيغدور ليبرمان، المعروف سابقاً بمواقفه المتطرفة من الفلسطينيين ورؤيته "الترانسفيرية"، إذ صرّح نتنياهو بعد فشله في تشكيل حكومة في سنة 2019، وللمرة الأولى، بأن "ليبرمان يساري، وأن مَن يرغب في وصول اليسار إلى الحكم، فإن عليه التصويت لليبرمان."

بدا نتنياهو مجنوناً بإطلاقه مثل هذا التصريح، إذ كيف يمكن أن يكون ليبرمان يسارياً؟ والجواب لفهم تحوّل ليبرمان يكمن في مفهوم "اليسار" الذي تبدل وتحول إلى قضايا الدين والدولة، وتجنيد الحريديم، والمواصلات في أيام السبت وحقوق المثليين. وهذه، بالمناسبة، هي القضايا الخمس ذاتها التي أعلن لبيد في الانتخابات السابقة أنه سيهتم بها، من دون أي إشارة إلى الموضوع الفلسطيني. وعملياً، كان شرط تأسيس هذه الحكومة، والذي اتفق عليه الجميع، هو تخطي الموضوع الفلسطيني، وتشكيل حكومة تمتد من القائمة الموحدة حتى بينت - وتقوم على "تقليص الصراع". أمّا التعامل مع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، فبات ملفاً أمنياً خالصاً، يتعامل معه وزير الأمن بصفته المسؤول العسكري عن الضفة الغربية. ويبدو أن الجديد الوحيد الذي جاء به بايدن خلال زيارته الأخيرة للشرق الأوسط في كل ما يتعلق بفلسطين، كان مصادقة أميركية على "إسرائيل ما بعد الحل السياسي"، والاتجاه إلى السعودية. 

إمّا "الاستسلام" وإمّا "النكبة"

ما الذي تطرحه إسرائيل بديلاً من "الحل السياسي"، أو "ما بعد الحل السياسي"؟

هذان طرحان لا يختلفان كثيراً من حيث المبدأ: الأول تبنّته حكومة بينت – لبيد، وتبنّاه لبيد بعد عملية التناوب، وهو مبدأ "تقليص الصراع" الذي صاغه المنظّر والأكاديمي الإسرائيلي ميخا غودمان، وهو منظّر يسكن في مستعمرة معاليه أدوميم في الضفة، ولديه علاقات وطيدة جداً مع النُّخب السياسية والأكاديمية الإسرائيلية وقدرة تأثير عالية فيهم، بل بات عملياً، بحسب "هآرتس"، المنظّر الأكثر تأثيراً في السياسة الإسرائيلية. لقد تبنّى بينت فكرته في خطابه الأول في الكنيست، كما ظهرت في البرنامج السياسي لجدعون ساعر، وتطرق إليها لبيد، فضلاً عن أن "حكومة التغيير" تبنّتها سياسة رسمية.

وتقوم فكرة غودمان على: إخفاء الوجود الفلسطيني من الحيز عبر خلق شبكة مواصلات منفردة في الضفة الغربية؛ إخفاء السيطرة الإسرائيلية وراء التكنولوجيا؛ ربط السوق الفلسطينية بالعالم من خلال المعابر وبرقابة إسرائيلية؛ الامتناع من بناء مستعمرات جديدة؛ الرد يجب أن يكون حاسماً على أي تهديد أمني.

المنطلق الأساسي الذي يؤسس لأفكار غودمان، هو مرة أُخرى حقيقة أن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي غير قابل للحل حالياً، وبالتالي يجب العمل على تطوير المجال المدني، أي: تخطي فكرة الحل السياسي، وتثبيت الوضع القائم لخلق حكم ذاتي مدني فلسطيني على هامش الدولة الإسرائيلية، وتحت رقابتها المخفية.[13]

الطرح الثاني هو عبارة عن رؤيتين: الأولى لليكود وهي فكرة "تقليص الصراع" و"الجدار الحديدي"، وقد طبّقهما نتنياهو خلال العقد الماضي، ومن خلالهما أضعف السلطة الوطنية الفلسطينية، ورفض أي حديث أو مفاوضات سياسية معها؛ الثانية، هي "الصهيونية الدينية" التي تعتبر الفلسطيني أداة لتأجيج الصراع مع الدولة، والهدف النهائي يجب أن يكون تقريب "الخلاص" و"الحرب الأخيرة" بعد هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل ودولة التوراة، ثم تفكيك البنية القانونية "العلمانية" المؤسساتية للدولة الإسرائيلية الحالية، ومن هنا فقط يمكن فهم ما قاله سموتريتش للنواب العرب في الكنيست: "العرب مواطنون، حالياً."[14]

لذلك، بات مصطلح "المؤسساتية" (مملختيوت بالعبرية) واحداً من أكثر المصطلحات تداولاً في السياسة والفكر السياسي الإسرائيلي في الأعوام الأخيرة. وباختصار: هناك رؤى إسرائيلية للتعامل مع الفلسطيني، تنتقل ما بين استسلامه وتنازله عن طموحاته القومية - الإنسانية، تسمّى زوراً "تقليص الصراع"، وهي استسلام في الحقيقة، وبين استعماله أداة لتأجيج الصراع وإقامة مملكة يهودا. والسؤال الذي يجب أن يُطرح على غودمان و"المركز – الديمقراطيين – المؤسساتيين - ضد نتنياهو"، وهي جميعاً توصيفات للمعسكر المقابل للمعسكر المتدين، هو ماذا لو لم يستسلم الفلسطيني؟ تجيب الصهيونية الدينية على ذلك بوضوح مثلما يقول زعيمها سموتريتش: إمّا القبول بمكانة "الأغيار" وهو التعبير الملطف لـ "العبودية"، وإمّا الهجرة، وإمّا القتال، وهنا على الجيش التعامل معهم.

الإجابة العملية التي تقدّمها المؤسسة الإسرائيلية الرسمية، موجودة في مكانين: أولاً، في تصريحات الوزير السابق، يسرائيل كاتس الذي هدد بنكبة ثانية في حال رفع العرب رأسهم مرة أُخرى،[15] وفي رد غودمان في حال لم يتماشَ الفلسطيني مع الاستسلام الذي يطرحه بكلمات علمية: "تقليص الصراع" من خلال القوة؛ ثانياً والأهم، في التحضيرات التي تجريها المؤسسة الأمنية وأذرعها المتنوعة في حال اندلاع مواجهات واسعة خلال حرب إقليمية أو حرب أقل من إقليمية، وهو أمر بيّنه أهارون حليوة، عضو في هيئة الأركان الإسرائيلية ومسؤول العمليات في الجيش، في مقالة أشار فيها إلى أهمية بناء جيش من الميليشيات المسلحة يتجهز لحرب على نمط ما سمّاه "حرب الاستقلال - 1948" تقوم بضبط الجبهة الداخلية، أو في ميليشيا "الحارس الجديد" التي باتت الأكبر في إسرائيل اليوم، والتي أراد نفتالي بينت رئيس الحكومة السابق أن يشكل منها حرساً قومياً استناداً إلى مخزون المتطوعين لديها. بكلمات أُخرى: إن لدى إسرائيل ما بعد الحل السياسي، خيارين: إمّا الاستسلام، وإمّا القوة، أي نكبة جديدة.

 

المصادر:

[1] نوا شبيغل، "قانون منع رفع العلم الفلسطيني في المؤسسات التي تموّلها الدولة، مَرّ بالقراءة التمهيدية"، "هآرتس" (بالعبرية)، 1 حزيران / يونيو 2022، في الرابط الإلكتروني.

[2] شهدت بلدة حوّارة مواجهات كثيفة بعد أن قام المستوطنون بحماية جيش الاحتلال بإنزال الأعلام الفلسطينية من الشارع الرئيسي. انظر: "المستوطنون يغلقون بلدة حوّارة جنوب نابلس"، وكالة "معاً"، 25 / 5 / 2022، في الرابط الإلكتروني.

[3] دافيد بن – غوريون، "نحو المستقبل"، ترجمها عن العبرية ياسمين الحج، "مجلة قضايا إسرائيلية"، العدد 61 (1 أيار / مايو 2016)، ص 125، في موقع "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية / مدار"، ضمن قائمة محتويات العدد في الرابط الإلكتروني.

[4] بات هذا الأمر يظهر في مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (The Institute For National Security Studies) منذ سنة 2019 حتى سنة 2022، وهي متوفرة بالعبرية في موقع المركز في الرابط الإلكتروني.

[5] للتوسع عن الحاخام يهودا هكوك، يمكن مشاهدة الفيلم الوثائقي الذي أعدته هيئة البثّ الإسرائيلي العام، قناة "كان- وثائقيات"، تحت عنوان: "الحاخام كوك: موت البطل" (بالعبرية)، وهو متوفر في الرابط الإلكتروني.

[6] للتوسع في الموضوع، يمكن الاطلاع على بودكاست "حزب الأفكار" الذي يقدمه غودمان ويتطرق فيه إلى الأفكار المحركة للأحزاب الإسرائيلية، وتحديداً الحلقتين عن الصهيونية الدينية، في الرابط الإلكتروني.

[7] للتوسع بشأن التفسير الديني لحرب 1967، انظر: مهند مصطفى، "المستوطنون من الهامش إلى المركز" (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية / مدار، 2013)؛ عزمي بشارة، "من يهودية الدولة حتى شارون" (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسات الديمقراطية / مواطن، 2005).

[8] انظر: مرحبان غلازر، "هذه الحركة تحولت إلى الميليشيا الأكبر في إسرائيل"، "هآرتس" (بالعبرية)، 12 أيار / مايو 2022، في الرابط الإلكتروني.

[9] انظر استطلاع "القناة 13"، بعنوان: "الصهيونية الدينية هي القوة الثالثة"، موقع "القناة 7" (بالعبرية)، في الرابط الإلكتروني.

[10] عميرة هاس، "وثم جاءت القمصان البيضاء"، "هآرتس" (بالعبرية)، 31 أيار / مايو 2022، في الرابط الإلكتروني.

[11] ناداف شارغال، "رقم قياسي في عدد اليهود الذين دخلوا إلى المسجد الأقصى"، "إسرائيل اليوم" (بالعبرية)، 24 / 5 / 2022، في الرابط الإلكتروني.

[12] انظر: كوبي بن سمحون، "أقوى جيش في العالم: متى ولماذا أصبح الجيش الإسرائيلي شديد التدين؟"، "هآرتس" (بالعبرية)، 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2014، في الرابط الإلكتروني.

وانظر أيضاً: "التقييم السنوي 2016: الصهيونية الدينية في الجيش"، "معهد سياسات الشعب الإسرائيلي" (بالعبرية)، في الرابط الإلكتروني.

[13] انظر المقابلة التي أجراها مرحبان غلازر مع ميخا غودمان بعنوان: "تحوَّلَ إلى المنظّر الأكثر تأثيراً في حكومة إسرائيل"، "هآرتس" (بالعبرية)، 1 كانون الأول / ديسمبر 2021، في الرابط الإلكتروني.

[14] انظر تصريح سموتريتش الذي قال فيه: "العرب مواطنون في دولة إسرائيل، حالياً"، وأعقبه مشادة مع أحمد الطيبي، على قناة "واينت" في موقع "يوتيوب" (بالعبرية)، 27 نيسان / أبريل 2021، في الرابط الإلكتروني.

[15] انظر: أريك بندر، "كاتس حذّر الطلاب العرب: إن لم تهدأوا سنلقنكم درساً لن تنسوه"، موقع "معاريف" (بالعبرية)، 24 / 5 / 2022، في الرابط الإلكتروني.

Author biography: 

رازي نابلسي: كاتب وباحث فلسطيني.