In the Absence of Political Horizon: Turmoil Grows in the Occupied West Bank
Date: 
September 12, 2022
Author: 

يبدو أن الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية المحتلة واحتمالات تطوّرها باتت تشكّل هاجساً للمسؤولين السياسيين والأمنيين الإسرائيليين، وهو ما صار ينعكس في مقالات وتحليلات العديد من الصحافيين والمحللين في الأشهر والأسابيع الأخيرة.

ففي مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في 31 آب/أغسطس الفائت، أشار المحلل العسكري رون بن يشاي إلى أن الضفة الغربية المحتلة باتت هي "الجبهة الحساسة التي تُقلق المؤسسة الأمنية أكثر من إيران ونصر الله"، مستشهداً بما قاله مصدر أمني رفيع المستوى من أن الوضع المتوتر في الضفة الغربية أصبح هو الموضوع الذي "يشغل الجيش الإسرائيلي والشاباك أكثر من الاتفاق النووي مع إيران، وحتى أكثر من تهديدات نصر الله"، والذي أضاف: "نحن نلحظ حالة متنامية من الغليان في الضفة الغربية، بالأساس في شمال الضفة، ويمكن أن تتصاعد وتتحول إلى ثورة شعبية عنيفة". أما تزايد حدة الغليان الذي يجري الحديث عنه، فهو يتجلى –كما يرى بن يشاي- "في ظاهرة إطلاق النار على قوات الجيش الإسرائيلي من جانب شبان قرى وبلدات في الضفة الغربية، وهذا لم يكن يحدث في الماضي؛ قبل عامين، كانت الاعتقالات تحدث تقريباً من دون استخدام الفلسطينيين أو الجنود الأسلحة النارية؛ حالياً، الجزء الأكبر من عمليات دخول القوات الإسرائيلية إلى البلدات الفلسطينية يواجَه بإطلاق النار، بالإضافة إلى رشق الحجارة والزجاجات المشتعلة، ومن الواضح أن الشبان في هذه القرى يعدّون أنفسهم مسبقاً للوقوف في وجه الجيش الإسرائيلي"[1].

وفي مواجهة هذه الحالة المتنامية من الغليان، صعّد الجيش الإسرائيلي إجراءاته القمعية، إذ أشار رئيس جهاز الأمن العام ["الشاباك"] رونين بار، خلال كلمة ألقاها أمام المؤتمر الأمني لمعهد "السياسات ضد

 الإرهاب" عُقد في "جامعة رايخمان" في هرتسليا يوم 11 أيلول/سبتمبر الجاري، إلى "أنه منذ مطلع السنة الحالية [2022] تم إحباط أكثر من 130 عملية مسلحة في المناطق [المحتلة]، على خلفية قومية، مقارنةً بـ 98 عملية في الفترة ذاتها من سنة 2021، و19 عملية فقط في الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2020"،

وأن هذا التصاعد في العمليات المسلحة "يُلزم قوات الجيش الإسرائيلي وعناصر الأجهزة الأمنية الأُخرى الدخول يومياً إلى قرى وبلدات فلسطينية، بهدف اعتقال مطلوبين، إذ اعتُقل أكثر من 2000 مطلوب منذ بداية السنة الحالية"[2]. وكانت قناة التلفزة الإسرائيلية "كان 11" قد ذكرت، في 8 أيلول/سبتمبر، أن الجيش الإسرائيلي "يستعد لاستخدام طائرات مسيّرة من دون طيار في أنحاء يهودا والسامرة [الضفة الغربية] وذلك على خلفية التصعيد المتزايد للوضع الأمني"، وأنه "تم تفويض كلٍّ من قائد فرقة يهودا والسامرة وقائد اللواء المسؤول عن منطقتيْ جنين وطولكرم بتشغيل مركز هجومي تابع لسلاح الجو الإسرائيلي، للإشراف على نشاطات المسيّرات التي تحمل أسلحة" لضرب أهداف في الضفة الغربية المحتلة[3].

تصاعد المقاومة المسلحة لجيش الاحتلال

في مقال نشرته في 22 نيسان/أبريل 2022، عن تطوّر المقاومة في مخيم جنين، كتبت الصحافية شذى حنايشة: "في الأسابيع الأخيرة، عادت المقاومة في مخيم جنين إلى الواجهة في الضفة الغربية، وخصوصاً منذ إعلان الحكومة الإسرائيلية في 8 نيسان أنها ستشن عملية واسعة النطاق في المنطقة بعد هجوم شنه رعد حازم، من سكان مخيم جنين، في تل أبيب وقتل خلاله ثلاثة من الإسرائيليين". وأضافت أن القوات الإسرائيلية تواجه "بصورة متزايدة مقاومة مسلحة عندما تهاجم مناطق مختلفة من محافظة جنين، سواء كان ذلك في مخيم اللاجئين أو في البلدة المجاورة أو في القرى المحيطة"، وتنقل عن عطا أبو رميلة، سكرتير حركة فتح في جنين، قوله إن التوغلات الأخيرة في مخيم جنين "ليست بسبب هجوم رعد حازم في تل أبيب بل إن السلطات الإسرائيلية كانت مدفوعة بالرغبة المستمرة في الانتقام من المخيم منذ معركة أبريل 2002"، موضحاً "أن الجيل الجديد في مخيم جنين فقد كل أمل في ظل غياب أفق اقتصادي أو سياسي؛ قتلت سلطات الاحتلال كل طموحاته، وإسرائيل لا تريد حلاً ولا سلاماً". ولدى سؤاله عن الوحدة بين السكان والفصائل داخل المخيم، أجاب أبو رميلة: "الاحتلال يأتي إلى المخيم ليقتل ولا يفرق بين هذا التنظيم أو ذاك"، مشدداً على أن الفصائل في المخيم تعمل "على تجاوز الخلافات الحزبية والشخصية في أسرع وقت ممكن، ويتفهم قادة الفصائل جيداً أنه يجب أن يتحدوا في مواجهة أي عقبة أو صراع داخلي".أما المتحدث الرسمي باسم "كتائب شهداء الأقصى"، الجناح العسكري لحركة فتح في مخيم جنين، الملقب بـ "أبو محمد"، فقد قال للصحافية نفسها: "إن السلاح الفلسطيني الذي يحمله هؤلاء الشبان اليوم هو سلاح الإرادة، وهو السلاح الذي يواجه به مخيم جنين الاحتلال منذ أكثر من سبعين عاماً؛ قبل عشرين عاماً، وقعت هنا معركة نيسان، معركة المثابرة والتحدي، نحن نعيد إنتاج هذه الروح اليوم، وهناك وحدة وطنية داخل هذا المخيم"، مضيفاً: "هذا الاحتلال يجب أن يفهم أن إنهاء الاحتلال لأرضنا هو الأمن الوحيد للاحتلال ومستوطنيه"[4].

ويؤكد المحلل العسكري الإسرائيلي عاموس هرئيل، في مقال نشره في صحيفة "هآرتس" في 29 تموز/يوليو 2022، أن الجيش الإسرائيلي صار يواجه خلال عملياته في الضفة الغربية المحتلة "واقعاً جديداً-قديماً؛ فتقريباً، كل عملية دخول إلى مخيمات اللاجئين في شمال الضفة، وجزء من البلدات والقرى كانت تواجه بإطلاق نار كثيف للغاية، وكان المطلوبون يفضلون التحصن وخوض قتال"، وأن ما يميّز هذا الواقع هو بروز "تعاون كبير بين أنصار "فتح" وناشطي "الجهاد الإسلامي"، وأحياناً حتى مع خلايا محلية لها علاقة بـ"حماس". ويرى المحلل نفسه أن " ضعف" السلطة الفلسطينية هو من أسباب ارتفاع حدة التوتر الأمني، ويكتب: "في الصيف الماضي، على خلفية تصاعد نشاط الخلايا المسلحة في مخيم جنين للاجئين طلبت إسرائيل من السلطة أن تتحرك، لكن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لاقت صعوبة في مواجهة تحدي المخيم الذي تحوّل إلى منطقة مستقلة"[5].

خلايا محلية وأساليب مقاومة جديدة

وفضلاً عن المقاومة المسلحة التي يلجأ إليها أعضاء الفصائل الفلسطينية، الوطنية والإسلامية، صارت تنمو في الضفة الغربية المحتلة ظاهرة بروز "خلايا محلية" لا علاقة لها، غالباً، بالفصائل الفلسطينية المنظّمة تلجأ إلى ممارسة الكفاح المسلح، كما لاحظت كلوتيد مرافكو، مراسلة صحيفة "لوموند" الباريسية في الضفة الغربية المحتلة، التي كتبت مقالاً من مدينة نابلس، في 15 آب/اغسطس 2022، بعنوان: "في غياب أفق سياسي، الشباب الفلسطيني يعود إلى الكفاح المسلح ضد إسرائيل"، لاحظت فيه بروز "جيل جديد يرى أن السلاح هو السبيل الوحيد لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وغالباً ما يكون ذلك خارج لعبة الفصائل الفلسطينية التقليدية"[6]. وهذه الظاهرة تنبّه إليها كذلك كثير من المحللين الإسرائيليين الذين يرون أن الجيش الإسرائيلي الذي اعتاد مواجهة أساليب مقاومة التنظيمات الفلسطينية، يعاني من "نقطة ضعف" تتمثّل في بروز "خلايا محلية" من الشباب، وخصوصاً في مخيمات اللاجئين الواقعة في شمال الضفة الغربية، وهي عموماً تنظيمات لشبان" تتراوح أعمارهم بين 17 و25 عاماً، لا ينتمون إلى تنظيم معروف، ولم يعرفوا عملية "الجدار الواقي"، التي شنها الجيش الإسرائيلي ضد مدن الضفة الغربية ومخيماتها في سنة 2002". ويستند ولاء هؤلاء الشبان إلى "خلفيتهم الجغرافية، وكونهم أبناء مخيم واحد للاجئين في جنين، وفي بلاطة والقصبة في نابلس، وتتقدم الصداقة والجيرة والانتماء العائلي على الالتزام بتنظيم له هذه الهوية أو تلك". وخلافاً لما كان يحدث في الأعوام الأخيرة، عندما كان "المطلوب" الفلسطيني يخرج عموماً من منزله عندما تحاصره القوات الإسرائيلية ويسلّم نفسه لها، "لم يعد المطلوبون يسارعون إلى تسليم أنفسهم، بل يخوضون معركة إطلاق نار مع القوات، حتى وصولهم إلى المرحلة التي يدركون فيها أن موتهم أصبح قريباً، وأنهم حققوا صوراً تمجّد قتالهم ضد الإسرائيليين". ويستبعد بعض هؤلاء المحللين أن تكون المعاناة من الأوضاع الاقتصادية هي سبب بروز مثل هذه "الخلايا المحلية"، ذلك إن "الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية، وفي شمال الضفة، هو أفضل من الوضع في أغلبية الدول العربية، وبالطبع أفضل بكثير من الوضع في غزة؛ من هنا، فإن الدافع إلى شعور الشباب بالإحباط في الضفة ليس اقتصادياً، بل هو غضب وطني متراكم ويبحث عن متنفس له"، فضلاً عن توافر السلاح، ذلك إن"البندقية اليوم هي حجر الأمس...والسلاح، في أغلبيته، بنادق ومسدسات يجري تهريبها من الأردن ولبنان، أو تُسرَق من الجيش الإسرائيلي"[7].                                                                                                                  

تأثير شبكات التواصل الاجتماعي

يذكر المحلل العسكري طال ليف رام، في مقال نشره في صحيفة "هآرتس" في 2 أيلول/سبتمبر

 الجاري، أن العاملين في المؤسسة الأمنية "يتخوفون من اتجاهات التقليد والمحاكاة مع السرعة التي تقوم بها شبكات التواصل الاجتماعي في تتويج أبطال وطنيين جدد"، إذ حظي الشهيد إبراهيم النابلسي الذي اغتالته القوات الإسرائيلية في نابلس "بتعاطف كبير، ليس بفضل تجربته الغنية ومستواه الاحترافي كمقاتل، بل بفضل قدرته على كسب التعاطف على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال توثيق الصراع مع الجيش الإسرائيلي وتصوير نفسه بأنه مستعد للموت من أجل ذلك، وتحوُّله إلى رمز وطني للنضال الفلسطيني". ويضيف بأن الجيش الإسرائيلي يحاول "وقف التوجه نحو التقليد"، وذلك من خلال تعزيز "فرقة يهودا والسامرة، التي تقوم بالتخطيط للعمليات في المخيمات الفلسطينية في شمال الضفة"، و"تنوي الاستمرار فيها وزيادتها، انطلاقاً من نظرية أن الدفاع وحده لا يكفي"، وأن على الجيش "المبادرة إلى القيام بعمليات لمواجهة ازدياد التوجهات نحو التصعيد وضعف الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومحاولات "حماس" والجهاد الإسلامي تعزيز نفوذهما العسكري في هذه المخيمات"[8]. أما كوبي ميخائيل، الباحث في "معهد أبحاث الأمن القومي"، فقد قدّر في مقال نشره في "مباط عال"، في 7 أيلول/سبتمبر الجاري، أن الجيش الإسرائيلي يواجه في الضفة الغربية المحتلة "مئات معدودة من النشطاء الذين يركزون جهودهم في مقابل قوات الجيش ويوثقون ما يحدث وينشرونه على شبكات التواصل الاجتماعي"، معتبراً أن الوعي لدى هؤلاء النشطاء من الشباب "يتسع بالصراع وتتم تغذيته، بواسطة ارتفاع حدة الاشتباك العنيف مع الجيش، من الشعور بالنجاح"، وأن "ثمن الاشتباك مع إسرائيل بعنف ليس كبيراً جداً؛ فثمة أبطال فلسطينيون يولدون كل يوم والشعور بالقدرة ونجاعة الاشتباك المسلح تستوطن القلوب والوعي الجماعي للجيل الشاب، وتغذي الدافع إلى الانضمام إلى المواجهة"، في حين أن "نهج إدارة الصراع من جانب إسرائيل بطريقة "جزّ العشب" يصل إلى نهايته، ومن الممكن أن يؤدي إلى انفجار واسع عنيف"[9].

شرارة قد تشعل حريقاً

وإذ يلحظ محللو هذه الظواهر الجديدة من المقاومة في الضفة الغربية المحتلة أن عمليات إطلاق النار المتزايدة لم تؤدِ حتى الآن "إلى جرّ الجماهير الفلسطينية إلى الشوارع"، بحيث أن "أي مواجهات جماهيرية واسعة لم تحدث في الضفة والقدس"، فهم يعتبرون أن خطر هذه العمليات يظل كبيراً على الاستقرار، إذ تكفي شرارة واحدة كي تشعل حريقاً، مقدرين أن الحرم القدسي قد يكون "هو الذي سيشعل الوضع"، بحيث يثير أي انتهاك للوضع القائم يتحدث عنه الوقف الإسلامي "غضباً دينياً وسط الفلسطينيين والعرب في إسرائيل، حتى بين غير الملتزمين دينياً"[10]، ذلك إنه من المسجد الأقصى انطلقت، في أيار/مايو 2021، شرارة الهبة التي ربطت بين قطاع غزة والقدس والمواطنين العرب في إسرائيل.

وبغية الحؤول دون حدوث مثل هذا التطوّر، لوحظ بروز موقفين بين المحللين الإسرائيليين: موقف تصعيدي عبّر عنه الأكاديمي إيال زيسر، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، في مقال نشره في صحيفة "يسرائيل هيوم"، في 11 أيلول/سبتمبر الجاري، ودعا فيه إلى التصدي بحزم إلى حوادث العنف بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين "قبل أن تصبح انتفاضة ثالثة، وقبل أن يصبح الوضع القائم خارجاً عن السيطرة"، مقدراً أن الهدوء السائد هو "هدوء ما قبل العاصفة"، ومذكّراً بأن "أحداً لم يتوقع الانتفاضات السابقة التي كانت بمثابة حدث عفوي ومتدحرج لم يبادر إليه أو يوجهه أحد لا في تونس ولا في رام الله، وأن الجموع في الميدان هي التي قادت خطى الأحداث وأمسكت بإسرائيل غير جاهزة"[11]؛ وموقف آخر تبناه، منذ أيار/مايو الماضي، يوحنان تسوريف، الباحث في "مركز أبحاث الأمن القومي"، الذي نبّه حكام إسرائيل إلى عدم تجاهل "حقيقة أن انعدام الأفق السياسي يضعف السلطة ويقوي "حماس" أكثر"، وأنه يتوجب عليهم التفكير بمثل هذا الأفق الذي "لا يعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق، إنما الاعتراف بضرورة فحص الإمكانات وفتح المسارات"[12].

 

[1] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/31-8-2022_0.pdf

[2] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/12-9-2022.pdf

[3] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/8-9-2022.pdf

[4] https://agencemediapalestine.fr/blog/2022/04/29/au-coeur-de-la-resistance-a-jenine

[5] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/29-7-2022.pdf

[6] https://www.lemonde.fr/international/article/2022/08/15/faute-d-horizon-politique-de-jeunes-palestiniens-renouent-avec-la-lutte-armee-contre-israel_6138068_3210.html

[7] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/31-8-2022_0.pdf; https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/2-9-2022.pdf

[8] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/2-9-2022.pdf

[9] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/8-9-2022.pdf

[10] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/31-8-2022_0.pdf

[11] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/12-9-2022.pdf

[12] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/5-5-2022.pdf

Read more