On the Way to Meet Osama in a Parallel World of Contradictions
Date: 
June 15, 2022
blog Series: 

في الطريق إلى العالم الآخر الموازي تتبدل جميع الوقائع لتصبح خيالاً يُلاحَق في الأحلام فقط. فلا حدود للخيال في هذا الجب المُعتِم، الذي هو وسيلتك نحو النور الأعظم، نور تتجلى فيه الآمال قبل الآلام، وتتسابق فيه الضحكات قبل الدمعات، نورٌ يتبخّر اليأس منه مهزوماً خائب الرجاء يذوي بعيداً حيث يهوي كل احتلال.

لم يكن يشغل بالي عند التفكير في يوم الزيارة سوى لحظة لقائي بأسامة، وكيف سأستغلّ جميع الثواني التي تتحول من حالة إلى حالة داخل عالم السجان، فهي ثقيلة تكاد لا تمشي حين الانتظار، وسريعة كالبرق لحظة اللقاء، لكن طول المسافة يحتّم عليك البدء بالتعرّف على غرابة العالم الذي بتّ جزءاً من حكاياته. خلال ذهابي للزيارة في سجن جلبوع كانت المسافة تمتد لنحو أربع ساعات، وكنت أحاول استغلالها لترتيب الحديث في أثناء الزيارة، والذي سرعان ما يتبخر لحظة جلوسنا على مقعدَي الزيارة المتقابلين، وكان عددنا حينها لا يتجاوز السبعة زائرين في الباص. تعرّفت في يوم الزيارة الأول لي على والد الأسير ماهر عبيّات، وهو رجل ثمانيني أنهكته سنوات الانتظار ورحلات الذهاب والإياب التي جاب فيها شمال الوطن وجنوبه، خلال زياراته لماهر الذي أمضى عشرين عاماً متنقلاً بين مختلف السجون. ولدى وصولنا إلى معبر ترقوميا بالخليل أشار إلي أبو ماهر بعكّازه الذي يتكئ عليه بأن أمشي أمامه، وذلك حرصاً منه على سلامتي، فقد حمّله ماهر أمانة الاعتناء بي خلال الزيارة نظراً إلى أني زائرة جديدة، ولم أعتد من قبل على تفاصيل الحواجز والتنقلات بين بوابات التفتيش والتصوير وفحص التصاريح. وبعد تجاوز المعبر وخلال الانتظار الطويل للباص الذي سيقلّنا إلى السجن في الشمال الفلسطيني، وبعد ثنائه على خطوتي الشجاعة بالارتباط بأسامة على الرغم من حكمه المؤبد، يخبرني بأنه تبقّى لماهر سنوات معدودة، ولا شيء يقلقه سوى مغادرة الحياة قبل أن يحتضن هو وزوجته طريحة الفراش ماهر وأن يراه حراً، ويبدي إعجابة بفكرة الارتباط بالأسرى، ليخبرني بأنه طلب من ماهر أن يقوم بالبحث له عن فتاة تشاركه ما تبقّى له من سنوات أسره، وتقوم بمشاركة الأهل في التحضير ليوم خروجه، وتأتي لزيارته من أجل التخفيف عن والده الرجل الثمانيني، فهو لا يسمح لأبنائه الشباب بزيارة ماهر خوفاً من أي تصادم مع الحراس قد يؤدي إلى سجنهم. كما أن والدة ماهر خارت صحتها ولم تعد قادرة على زيارته منذ أكثر من عامين. وفي أثناء الزيارة يأتي أبو ماهر إلى مقعدنا متكئاً على عكازه، كي يسلم على أسامة ويطمئن عليه، ويوصيه بي قائلاً "حط هاي الأصيلة بعيونك وإوعى تفرط فيها لأنها جوهرة ما في زيها، وإذا بيوم زعلتها رح تلاقيني واقفلك لأنها من اليوم وطالع صارت بعون الله بنتي".

 

عاهد ازحيمان، بوسطة (2021)، طباعة على ورق، مشروع فوتوغرافي

 

وبعد الانتهاء من الزيارة وخروجنا إلى الباص أخرج أبو ماهر هاتفه من جيوب "الكبر" الذي ما زال يحتفظ بلبسه دوماً، وبدأ بالاستماع للدحية والغناء معها وتحريك قدميه، وعلى الرغم من حاجتنا إلى الهدوء بعد يومنا الطويل الذي بدأ مبكراً منذ ساعات ما قبل الفجر، فإنه يصرّ طوال الطريق على هذه العادة التي لم نشتكِ يوماً منها خلال الزيارات الستّ التي زرناها معاً. لقد تفرقت بنا السبل ولم ألتقِ بأبي ماهر بعد إفراغ سجن جلبوع من الأسرى في أعقاب نفق الحرية، فقد انتقل ماهر إلى سجن عسقلان وأسامة إلى سجن ريمون، ليكون محطتي الثانية التي لا يزال الأمل يحذوني فيها بأن تكون الأخيرة، وألاّ يطول هذا الطريق أكثر، على الرغم من أن سجن ريمون له مكانة خاصة لكلينا، أنا وأسامة، حيث بدأت قصتنا في أواخر عام 2016.

بدأت الرحلة إلى سجن ريمون بمصادفة جميلة لم أكن أتوقعها، ففي أول زيارة لهذا السجن جلست إلى جانبي في الباص الأسيرة المحررة هنادي هماش، وهي زوجة الأسير أحمد المغربي من مخيم الدهيشة في بيت لحم والمحكوم بالسجن المؤبد 18 مرة و50 عاماً، والمعتقل منذ عام 2002. وبعد السلام ذكّرتها بنفسي، فهي مدرّسة اللغة العربية التي درّستني في مرحلة الثانوية، ولم أكن لأدرك يوماً أني بعد كرسي الدراسة سأجلس أنا ومعلمتي يوماً ما بعد سنوات معدودة على كرسي واحد نتشارك الحلم ذاته ونلاحق الأمل ذاته. لكن هذه المرة سينقش الدرس في ذاكرتي ووجداني إلى الأبد، وسيكون عوناً لي في أيامي التي أواجه فيها وحش اليأس المتربّص لي فيها، فهنا المكان والزمان خارج أبجديات اللغة العربية التي علمتني إياها في المدرسة وخارج حدود المنطق.

تبدأ معلمتي التي باتت رفيقتي، بسرد قصتها مع بداية اعتقال زوجها، وكيف أن اللقاء انقطع بينهما منذ اعتقاله ليستمر لما يقارب 14 عاماً، فكان موعد اللقاء الأول بينهما بعد هذا الانقطاع، لا على كرسي الزيارة، بل وهما أسيران مكبّلان بزرد السجان حينما التقيا في قاعة المحكمة بعد تحويل أحمد إلى المحاكمة بعد اعتقالها. أخبرتني عن تفاصيل الانتظار الطويلة والثقيلة، وكيف كانت تلجأ إلى الذكر وتلاوة القرآن خلال ممارسة السجان لعبة القهر والاستفزاز قبل اللقاء، وكيف أنها لم تقبل بالعروض التي قدموها لها، وضمنها الماء، إلاّ إنها كانت طلبت منهم المحارم الورقية فقط، والتي هي ممنوعة في عُرف السجان بحجج أمنية؛ فلا الأسير ولا أهله يُسمح لهم بحملها خلال الزيارات العادية، فلبّوا لها طلبها. عند اللقاء، وعلى الرغم من سنوات الحرمان الثقيلة بثقل أيام العزل الطويلة وآلام الأمراض التي أنّ أحمد من شدّتها كثيراً حين كان وحيداً في ليالي العزل البارد، بكى أحمد، لكن هنادي لم تبكِ، إذ كانت تدرك ضرورة طلبها الذي أصرت عليه في غرفة الانتظار، فها هي تمسح دموع رفيق درب الحياة والأسر لتودّعه. بعد دقائق حلّقوا بها خارج أعراف الوقت وجبروت السجان ليتم الإفراج عنها لاحقاً بينما بقي أحمد أسيراً للانتظار. تعود المعلمة والأسيرة المحررة هنادي لتكمل مسيرة الحياة التي حافظت وحرصت على استمرارها على الرغم من صعوبة السنوات، فهي تربي أبناءهما الذين خرجوا إلى الحياة وحيدين من دون وجود والدهم إلى جانبهم؛ فمحمود الابن البكر كانت والدته حاملاً به في الشهر الخامس عندما اعتقل والده، ونور وسندس أبصرتا النور في عام 2013 عن طريق نطفة مهربة، أو بالأحرى محرّرة، وقد مُنعوا جميعاً في أوائل سنواتهم من رؤية والدهم بحجج مختلفة لا يتقبلها عاقل.

لا تكتفي معلمتي بهذه الحصة من القوة والصبر والثقة التي لم أجد لها مثيلاً حتى اليوم، ولا أعلم من أين تأتي بهذه القوة والعزيمة في قصتها التي يجب أن تطوف العالم من شرقه إلى غربه كي يدرك هذا العالم الأصمّ حجم المعاناة والإجحاف الذي يمارسه كيان مهزوز ومهزوم يهدد عرشه طفل لم يتعوّد بعد نطق كلمة "بابا"، فهو لا يعرف معناها بعد حرمانه العيش في بيت طبيعي حينما قاموا بخطف والده وهدم حجارة منزله. لقد أكملت هنادي مسيرتها بعدما أتقنت أبجديات الصبر، فأكملت دراسة الماجستير خلال عملها كمعلمة في المدارس الحكومية، لتخبرني كيف أنه بعد هدم منزلها والعيش في بيت العائلة كانت تدرس في المطبخ ليلاً بعدما يحلّ الهدوء، فقد تحوّل المكان إلى مكتب للدراسة والتحضير للعمل ولكتابة الرسائل لزوجها، إذ كانت هذه وسيلة الاتصال الوحيدة معه عبر المحامين. ولم يكن أحمد وحده هو جرح هنادي الغائب في ليل السجن، فقد غيّبت السجون أيضاً أخاها محمود لمدة 14 عاماً قبل تحرره عام 2018. وبعد هذا الكمّ من الحديث الأقرب إلى الخيال، والذي كان ثقله كبيراً عليّ كي أحتمله، أو على الأقل كي أستوعبه، وقبل الوصول إلى حاجز الظاهرية انتقلنا إلى الحديث عن حال الطريق الصحراوي وكيف يتغشاه السواد، وأنه من الأفضل في هذه الرحلة محاولة البحث عن النوم من أجل الاستعداد للوقوف الطويل في ساحة السجن ريثما يتم السماح لنا بالدخول لمقابلة الأحباب.

افترقنا بعد عبورنا الحاجز، ودخلنا الأراضي المحتلة المسماة بحدود الدولة المزعومة، فزيارة معلمتي ستكون لسجن نفحة الملاصق لسجن ريمون عبر باص آخر مختلف. ودّعتها داعية الله أن يجعل نهاية قصتها عوضاً كبيراً تفاخر به الدنيا، وقصة الآلاف التي سأجعل منها وقوداً يلهمني للوصول إلى النور الموجود في آخر النفق، نفق الحرية الذي سُكبت لأجله الدماء والأعمار وأنّات الأمهات والزوجات المكلومات وأبناء يتوقون إلى لحظة اللقاء والانتصار.

اضغط هنا

Read more