Muthafar Al-Nawab Who Rebelled in Life and Death
Date: 
May 31, 2022

رحل الشاعر العراقي مظفر النوّاب عن عمر ناهز الـ 88 عاماً، في مستشفى الشارقة التعليمي في الإمارات، بحسب تصريح مدير عام دائرة الشؤون الثقافية العراقية عارف الساعدي، وذلك في يوم الجمعة 20 أيار/مايو الماضي، وشيّع العراق شاعره الكبير بمراسم مهيبة جرت في بغداد، بحضور رسمي.

عاش النوّاب أعوامه الأخيرة في بيت شقيقته في الإمارات العربية المتحدة، بعد أن تفاقم وضعه الصحي خلال وجوده في دمشق، ومع اشتداد الأزمة السورية، غادر البلاد ليلقى الرعاية اللازمة من عائلته.

كُثر ممن عاشوا أو عرفوا مدينة دمشق، شاهدوا النوّاب في مقهى هافانا أو الروضة في المدينة، وكُثر في العالم العربي الواسع، لا بد من أنهم سمعوا صوته عبر أشرطة الكاسيت، ولاحقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي الكثيرة، إذ أتاحت قصائد الشاعر للعامة، بعد أن كانت ممنوعة وتهرَّب بين الناس، بعيداً عن أعين وآذان رجال الأمن في العواصم العربية، فالرجل لم يترك نظاماً أو حاكماً إلا وهجاه، وعلى الرغم من تأثُّره الشديد بالمتنبي، فإنه كان يترك قصائده حين يبدأ بالمديح كما يقول في حوار أجرته معه "مجلة الدراسات العربية" في سنة 1996.

 

بواسطة غير معروف. - إحدى الأمسيات الشعرية في تسعينيات القرن العشرين.

 

ثورته المستمرة في عربيته الفصيحة وعراقيته العامية، تشكلت في بلده العراق، وفلسطين التي صاغ نضالها في شعره، فباتت قصيدته عنواناً للتمرد، ليس المرحلي، بل الذي يربي أجيالاً، فتساهم في نشر الوعي بالقضية الفلسطينية، كما في قصيدته الشهيرة "وتريات ليلية" التي قال فيها:

"مَن باع فلسطين وأثرى بالله

سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام

ومائدة الدول الكبرى؟"

وكذلك في قصيدة "عبدالله الإرهابي"، حين قال:

"أحبك يا عبد الله لنفسك غاضب

وعلى نفسك غاضب

رشاشك يعقد قمته منفرداً ونعالك في قمتهم

اصفعهم عبد الله بأرض نعالك

يخرج تاريخ عقارب."

منذ أعوام طويلة، لم يعد النوّاب يظهر على المنابر، ولم يعد يُشهد له نشاط علني، ومع ذلك، ظلت “القدس عروس عروبتكم” حاضرة في كلام الناس، وتعبيراتهم عن الرفض لِما يحدث في القدس وفلسطين، ربما لأن لغة النوّاب القريبة من الناس، استخدمت ألفاظهم العادية والبسيطة، كذلك شتائمهم التي حوّلها إلى صرخته - صرختهم. فالنوّاب، كما شبّهته يوماً الروائية الفلسطينية مي جليلي، "الطائر الذي يحلّق عالياً ورجلاه على الأرض." لأن قصيدته ظلت قريبة من الناس، تنطلق منهم، وتذهب إليهم، أحياناً، بالمباشرة التي لا يعتبرها النوّاب تقليلاً من الشعرية، بل يجاهر بأهميتها، وأحياناً بالبلاغة العالية التي تظل مفهومة وسهلة على وعي البسطاء والمثقفين. فيقول في قصيدة "وتريات ليلية":

"مَن أقفل بالوجد وضاع على أرصفة الشام سيفهمني

مَن كان مخيم يقرأ فيه القرآن

بهذا المبغى العربي سيفهمني

مَن لم يتزوّد حتى الآن.. وليس يزاود في كل مقاهي الثوريين

سيفهمني

مَن لم يتقاعد كي يتفرغ للهو

سيفهم أي طقوس للسرية في لغتي

وسيعرف كل الأرقام.. وكل الشهداء.. وكل الأسماء

وطني علّمني أن أقرأ كل الأشياء..."

هكذا كان مظفر، يكتب شعره الجميل، فيدخل المتلقّي في سحرين: سحر اللغة، وسحر الإلقاء، ويدخله في فتنة الأخذ، فلا يترك النوّاب متلقّيه بلا وعي بالقصيدة، بالأحرى، بلا وعي بحالة النار التي يريدها في قلب القارئ كي لا يتوقف عن فتح فمه في وجه الطغيان:

"أصرخ فيكم

أصرخ أين شهامتكم؟

إن كنتم عرباً.. بشراً.. حيوانات

  فالذئبة.. حتى الذئبة تحرس نطفتها

والكلبة تحرس نطفتها

والنملة تعتز بثقب الأرض

أما أنتم، فالقدس عروس عروبتكم..."

قصائد مظفر ليست بعيدة عن واقعه، ولا عن وقائعه التي عاشها، فهي تشبه حياته التي أوردها في لقاءات عدة. إذ يمكن فهم إسقاطات النوّاب من قصة الحسين على قصائده، بفهم البيئة التي ترعرع فيها، ويمكن فهمه حين كان يلقي شعره على الجمهور، فيغني بعضه العامي برقة وعذوبة وحزن العراق، بفهم اهتمامات العائلة بالغناء والموسيقى، والحرية التي تربى عليها الشاب مظفر الذي لم يجادله والده، حتى في خياراته الفكرية، بعد الانتماء إلى الحزب الشيوعي، على الرغم من تديُّن الأب.

"دقوا كفيّ بمسمارين

من الصدأ الحامض

فارتجّ صليبي

وانهاروا من ألمي

سألوا قدميّ الغفران

وساح الماكياج على أوجههم

والشرفُ

أينك.. مولايَ؟"

نشأة مظفر ساهمت في تشكيل وعيه الثوري والشعري، فهو ابن عائلة كبيرة في العراق، كما ذكر في أحد الحوارات معه، سكن في الكرخ، مقابل سراي بغداد والساعة، في بيت ضخم مكون من بيتين لهما أبواب ضخمة، واحد لجده وآخر لشقيق جده، وكان البيت ملتقى للناس، ومكاناً لمواكب إحياء طقوس عاشوراء، كما أن جده كان يعزف على القانون والبيانو، ووالدته كانت تعزف على البيانو، ووالده على العود، وخاله على الكمان. كما أن جده لوالده كان شاعراً بالعربية والفارسية، فضلاً عن العديد من الحوادث التي أثّرت في تشكيل هويته الشعرية بالفصحى والعامية العراقية.

انتمى مظفر النوّاب إلى الحزب الشيوعي العراقي في سنة 1956، وظل ملتزماً بالمبادئ الثورية منذ ذلك الحين، فناضل وقاتل في العراق، وكذلك في فلسطين، وفي أماكن عدة، طالما وقع فيها الظلم، وطالما فيها تجبّر من الأنظمة على الشعوب. ذهب إلى فلسطين وشارك في عملية واحدة في الأغوار لكي يرى فقط، كما قال في حوار أجراه معه سنان أنطون في "مجلة الدراسات العربية"[1]، كذلك ذهب إلى ظفار (سلطنة عُمان) للمشاركة في ثورتها، وإلى إريتريا، فبقي هناك في الفترة 1970 - 1971، لا ليقاتل فقط، بل أيضاً ليدرس الحالة الثورية هناك "أطول فترة كانت مع الإرتريين. ليس القصد حمل السلاح معهم. فهم لديهم مَن يقاتل، ولا يشكون من نقص عددي. الهدف هو دراسة التجربة ومعرفة أبعادها والتقاطعات الدولية لكل تجربة، وكذلك التعرف إلى الإشكالات ومقارنتها بالكفاح المسلح في جنوب العراق، مثلاً، أو الثورة الفلسطينية."

تلك الحالة الثورية التي التزمها، جعلته مرفوضاً في معظم الدول العربية، بعد أن هجا الحكام والأنظمة، كما كلّفته أن يُسجن عدة مرات في العراق، ليسجل في تاريخه تجربة هرب شهيرة في سجلات الهروب من معتقلات الرأي، فتمكن مع رفاق له من الهرب من معتقل الحلة في سنة 1967. يقول "في سجن الحلة تم انتخابي لأترأس هيئة إدارية من قبل السجناء. وهذا مكنني من الحركة لأنه كان هناك إشراف على الغرف والطبخ والصيدلية. كل هذه الأشياء كانت لدينا. فبدأنا نفكر بعملية حفر نفق. وهي قصة طويلة يمكن أن تتحول إلى فيلم ممتع"، وأضاف عن هذا الهروب "حفرنا نفقاً طوله ثلاثة وعشرون إلى خمسة وعشرين متراً. كان هناك مشكلة التخلص من التراب واستخدمنا طرقاً عديدة. الذين خرجوا كانوا أكثر من عشرين شخصاً."

بعد الملاحقات والتضييق على النوّاب في العراق، غادره في سنة 1968، ولم يعد إليه إلا بعد عقود طويلة، سافر خلالها إلى العديد من البلاد العربية والأجنبية، ولم يذكر يوماً أنه فضّل بلداً على آخر، لكنه قال "عشت في أوروبا ثماني سنوات ولم أحبها. عشت في اليونان وفي باريس و ومدن أُخرى. عندما أكون على الطائرة إلى أي بلد عربي أجدني أبتسم دون إرادتي. حينما أذهب بالطائرة إلى ليبيا، مثلاً، أشعر بقدوم الشمس. في سوريا كذلك نفس الشيء. ولدي أصدقاء كثر وهناك ود عجيب بيني وبينهم."

"فالله كذلك من عاصمة الفقراء

وهؤلاء الجيران تعودهم

وتعودان تنشر بين الخيمة والخيمة في الصبح ملابسهم

كان يلم ملابسهم أحياناً

لا تقتربوا.. لا تقتربوا

لحم الأطفال سيلعب والغميضة شاملة."

رحل الشاعر مظفر النوّاب، وظلت قصائده خالدة في أسماع وصدور الناس ممن عرفوه، أو من سيعرفوه، والثورة تدق على أبوابهم، ليطرقوا على الجدران.

"يا طير البرق القادم من جنات النخل بأحلامي!

يا حامل وحي الغسق الغامض في الشرق

على ظلمة أيامي

احمل لبلادي

حين ينام الناس سلامي."

عاش مظفر النوّاب متمرداً ورافضاً كل الأنظمة، لا يقبل مساومتها أو محاباتها، انطلاقاً من مفاهيمه الثورية التي لم تغِب عن شعره وحياته، لذا، فالشباب الذي نشأ على قصيدته، رفض أن يشيع مظفر في محطته الأخيرة، بغداد، بجنازة رسمية، فقد أشعل شعره هذه المرة أيضاً، تمرداً جديداً شهده تشييعه، فرشق الشباب الموكب الحكومي بالحجارة، وهتفوا "مظفر للشعب مو للحرامية".

 

[1] سنان أنطون، "حوار مع مظفر النوّاب"، "مجلة الدراسات العربية"، العدد 2 (خريف 1996)، ص 3 - 26.

Read more