UNRWA’s Financial Crisis: Toward Liquidating the Refugee Question
Date: 
May 11, 2022

بات عادياً سماع أخبار العجز المالي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى )أونروا( خلال الأعوام الماضية، بموازاة الهجمة السياسية التي تنتهجها "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية – المساهم الأكبر في تمويل الهيئة الدولية هذه – والتي أعقبت الحملة السياسية بقرار خفض مساهماتها المالية، ثم إيقافها وإعادتها بشروط، الأمر الذي انعكس على الدول المانحة الأُخرى التي، بدورها، خفضت مساهماتها، ولاحقاً، الانتقال إلى مرحلة جديدة عبر رهن أيّ دعم مالي بقرارات سياسية.

هذا الأمر أشار إليه المفوض العام للأونروا السيد فيليب لازاريني في رسالته إلى اللاجئين الفلسطينيين في نهاية العام الماضي، والتي قال فيها إن "بعض القرارات المتعلقة بتخفيض الدعم للوكالة أو وقفه ما هي إلّا قرارات سياسية. فمنذ سنة 2018، تعرضت الوكالة وولايتها لهجمات سياسية متزايدة، تهدف إلى الإضرار بسمعتها. وهي تستند إلى فكرة حمقاء وخاطئة، مفادها أنها، بإغلاق الأونروا، ستمحو 5,8 ملايين لاجئ فلسطيني."[1]

 

سميح محمود، مصور فلسطيني، مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت

 

من الممكن ربط ما تتعرض له الأونروا بمشاريع إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، والتي بدأت مبكرة، مباشرة بعد النكبة بعام تقريباً. فمع بداية اللجوء الفلسطيني، بدأت تُطرح مشاريع لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، منها على سبيل المثال وليس الحصر، مشروع مستشار وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ماك غي في سنة 1949، والذي أراد إنشاء وكالة تتكون من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، لتقديم المساعدات الكفيلة بإنشاء مشاريع تنموية لاحتواء اللاجئين في الدول التي يمكنها القيام بذلك. بالإضافة إلى إعادة مئة ألف لاجئ إلى الأراضي المحتلة، وتوطين البقية في عدد من البلاد.

فشل طرح ماك غي، وفشل بعده العديد من المشاريع الساعية لإنهاء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عبر توطينهم في بلاد اللجوء أو بلاد أُخرى، إلى أن تم توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، وذلك نظراً إلى وضع اللاجئين الخاص هناك، إذ إنهم لم يكونوا تحت ولاية الأونروا، ومع اندلاع الحرب، هُجِّر معظم الفلسطينيين إلى خارج البلاد، وأقامت لهم مفوضية اللاجئين مخيم التنف داخل الأراضي السورية قرب الحدود مع العراق.

سيناريو اللاجئين من العراق، لم يتكرر بالشكل ذاته، لكنه يتحقق تباعاً، جرّاء الأزمات المتعاقبة في المنطقة، فبعد الأزمة السورية، هُجِّر آلاف اللاجئين الفلسطينيين من سورية، وقادتهم السبل إلى أوروبا، حيث تقدموا بطلبات لجوء، وخلال عشرة أعوام تقريباً، بات عدد كبير منهم يحمل جنسيات أوروبية، بعد تسجيل معظمهم "بلا وطن"، بحسب المعايير الأوروبية.

أما في لبنان، فهجرة اللاجئين مستمرة منذ عقود، وهناك أرقام رسمية لبنانية في العامين الماضيين، تفيد بخروج نحو عشرين ألف لاجئ فلسطيني من لبنان، من دون عودة.

بالتوازي مع تلك الظروف التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في دول الطوق، كانت وكالة الأونروا تقوم بدورها المنوط بها من أجل اللاجئين الفلسطينيين في الأقاليم الخمسة.

وقد بررت الأونروا نقص التمويل في الأعوام العشرة الأخيرة، بأنه نتيجة "مزيج من تقلُّب الأولويات الجيوسياسية، والديناميات الإقليمية الجديدة، وظهور أزمات إنسانية جديدة، يفاقمها إعياء المانحين تجاه أحد أطول الصراعات التي تبقى من دون حل في العالم، وقد أدى كل ذلك إلى تراجُع واضح في أولوية القضية الفلسطينية، بما في ذلك بين بعض المانحين من المنطقة العربية في الآونة الأخيرة."[2]

بات تفاقُم العجز المالي يؤثر، ليس في عمليات الأونروا الإغاثية فقط، إنما في دورة عمل موظفيها إلى الحد الذي أعلنت فيه التأجيل الجزئي لدفع رواتب آلاف الموظفين،[3] حتى أنه بات معتاداً تقريباً "أن يتوسل المفوض العام طلباً للمساعدة"[4] إذا أريد لخدمات الوكالة أن تستمر.

وفي مرات أُخرى، أعلنت الأونروا إجراءات للتقشف أثّرت في جودة الخدمات، بحسب ما صرّحت به الوكالة أكثر من مرة. كما قال لازاريني في كانون الأول/ ديسمبر الماضي في رسالة مفتوحة وجّهها إلى اللاجئين الفلسطينيين "إن النقص المزمن والجسيم في التمويل قد يؤدي إلى انهيار الوكالة الأممية"[5] مع أخذ العلم بأن النقص السنوي في ميزانية البرامج الأساسية للأونروا يقترب، بانتظام، من 100 مليون دولار أميركي على مدى الأعوام الماضية.

يبدو أن الجملة الأخيرة التي قالها لازاريني دخلت حيّز الترجمة العملية، عبر محاولات تظهر في تصريح هنا، وآخر هناك، وآخرها من لازاريني نفسه، في رسالة أُخرى وجّهها إلى اللاجئين الفلسطينيين في 23 نيسان/ أبريل، قال فيها "يمكن للمرء أن يظل يأمل بعدم حدوث الانهيار المالي للوكالة. أو يمكن أن نعترف بأن الحالة الراهنة لا يمكن الحفاظ عليها، وستؤدي حتماً إلى تآكل نوعية خدمات الأونروا، أو الأسوأ من ذلك أن تؤدي إلى انقطاع هذه الخدمات."[6] وكحلٍّ لهذه المشكلة، طرح لازاريني خياراً يبدو أنه موضع تفكير لدى الوكالة والأمم المتحدة المسؤولة عنها "يتمثل أحد الخيارات التي يجري استكشافها حالياً في زيادة الشراكات داخل منظومة الأمم المتحدة الأوسع إلى أقصى حد. ويشغل مكانة مركزية في هذا الخيار أن يكون من الممكن تقديم الخدمات نيابة عن الأونروا وتحت توجيهها."[7]

وعلى الرغم من أن المفوض العام أوضح في رسالته أن المقصود من هذا الخيار ليس تسليماً أو نقلاً للمسؤوليات والبرامج، وأنه لا يوجد أيّ عبث بولاية الأونروا، فإن طرحه لاقى رفضاً واسعاً من الفصائل الفلسطينية، وحتى من جامعة الدول العربية التي أكد أمينها العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة الدكتور سعيد أبو علي في بيان رفض الجامعة المطلق لأي اقتراحات أو محاولات للمساس بمسؤولية الأونروا واختصاصاتها الكاملة السياسية والإنسانية تجاه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين "أياً كان تأويلها أو تبريرها."[8]

المشكلة الكامنة، ليست فقط في نقص التمويل الحاد الذي تعاني جرّاءه الأونروا منذ سنوات، بل بالآليات المتبعة لمواجهة هذه الأزمة، فصبّ جام الغضب الفصائلي الفلسطيني والرسمي العربي على الأونروا وحدها، ليس هو الحل، إذ إن أسباب المشكلة تقع في مكان آخر، هي أن للأونروا دوراً سياسياً من خلال كونها شاهدة على قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومن أجل ذلك، فإن العمل على إنهاء دورها منطلقه سياسي، وهذا ما يبدو في تصريحات مفوضها العام "الحملات المنسقة التي تقوم بها منظمات تهدف إلى نزع الشرعية عن الوكالة وسحب تمويلها وتقويض حقوق اللاجئين الفلسطينيين تتزايد في عددها وعدوانها."[9]

هذا العدوان على الأونروا، والذي تشنه بشكل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، هو في الواقع عدوان على قضية اللاجئين الفلسطينيين، لكن مع انخفاض وتيرة الرد السياسي، أصبحت وتيرة العدوان الإسرائيلي والأميركي متسارعة، ومع كل صمت جديد، أو موجة بيانات رافضة جديدة، هناك إجراءات جديدة للأونروا، مع فارق بسيط، أن ما تفعله الأخيرة كتنفيذ لسياسات دولية، يبدو مدروساً. وهنا الحديث ليس عن مؤامرة تحيكها إدارة الأونروا، بل عن مسار دولي يهدف إلى إنهاء قضية اللاجئين، وهذه المرة، ربما يكون عبر شرعنة نزع مهام من تكليف الأونروا وإيكالها إلى هيئات دولية أُخرى.

فالأونروا تقيم أصلاً شراكات مع منظمات دولية مختلفة، مثل اليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي، لكن الطرح الجديد ينزع مهامها بسبب الأزمة المالية، ويُبرز سؤالاً، لماذا في الإمكان تأمين التمويل لتلك المنظمات، بينما يصعب تأمينه للأونروا؟

واحد من الأسباب، هو أن ميزانية الأونروا تعتمد على تمويل طوعي يصل إلى 93,28%[10] بحسب الموقع الرسمي للأونروا.[11] وأحد الأسباب الأُخرى هو تحويل قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى قضية إنسانية فقط، بدلاً من كونها قضية سياسية، أيضاً على "إسرائيل" والمجتمع الدولي تحمُّل مسؤولياتهما، وإيجاد الحل العادل لها، متمثلاً في القرار الأممي رقم 194.

ما طرحه المفوض العام للأونروا ليس جديداً فعلياً، فقد أصدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كانون الأول/ديسمبر2017 وثيقة "13/17/GIP/HCR"، المبادئ التوجيهية للحماية الدولية رقم 13، بالتعاون مع الأونروا، والتي ناقشت الأسباب الموضوعية التي من شأنها أن تجعل اللاجئ الفلسطيني تحت ولاية المفوضية، على اعتبار أن الفقرة الثانية من المادة 1د من اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين تفيد باستثناء أي أي لاجئ من الاتفاقية، يقع تحت ولاية منظمة دولية أخرى، وهو ما ينطبق على اللاجئين الفلسطينيين.[12]

تنص الوثيقة في بندها الثاني والعشرين على أن اللاجئين الفلسطينيين يمكن أن يُنقَلوا إلى ولاية المفوضية بدلاً من الأونروا في حالات عدة، منها "إنهاء ولاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)"، عبر قرار يصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. أو في حال "عدم قدرة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) على الوفاء بولايتها المختصة بتوفير الحماية أو المساعدة"، وتوضح الوثيقة في هذه النقطة أنه "لا بد لتوقف (انقطاع) الأونروا عن توفير الحماية أو المساعدة، الذي سوف ينطبق على جميع الفلسطينيين، من اتخاذ قرار يحدّد بأن هذا التوقف قد حدث كأمر واقع في إحدى مناطق العمليات، أو على أساس قُطري واسع النطاق. وقد يحدث ذلك، فيما لو أصبح من المستحيل على الأونروا تنفيذ مهمتها على الرغم من استمرار وجودها."[13]

مشاريع إنهاء ولاية الأونروا على اللاجئين الفلسطينيين ليست جديدة في تاريخ القضية الفلسطينية وحياة اللاجئين الفلسطينيين، لكن الحفاظ على تلك الولاية كان بقوة السياسة، وليس بحجم التمويل فقط، والمطلوب اليوم، تفعيل السياسة وأدواتها الفلسطينية أولاً، والعربية ثانياً، من أجل الحشد والضغط على المجتمع الدولي لإبقاء قضية اللاجئين حية وقائمة بانتظار الحل العادل لها، لا تصفيتها.

 

[1]موقع الأونروا في الرابط الإلكتروني.

[2] المصدر نفسه.

[3] موقع أخبار الأمم المتحدة في الرابط الإلكتروني.

[4] موقع الأونروا في الرابط الإلكتروني.

[5] موقع أخبار الأمم المتحدة في الرابط الإلكتروني.

[6] "رسالة من المفوض العام للأونروا إلى اللاجئين الفلسطينيين..."، مصدر سبق ذكره.

[7] المصدر نفسه.

[8] موقع وكالة الأنباء الكويتية "كونا".

[9] "رسالة من المفوض العام للأونروا إلى اللاجئين الفلسطينيين..."، مصدر سبق ذكره. 

[10]موقع الأونروا في الرابط الإلكتروني.

[11] المصدر نفسه. 

[12] موقع مفوضية اللاجئين في الرابط الإلكتروني.

[13] انظر مفوضية اللاجئين في الرابط الإلكتروني.

 

Read more