طوال أعوام، سعت لإخفاء حالتها الصحية في أثناء زياراتها، كونها تعاني جرّاء مشكلة في القلب وانخفاض القدرة على السمع، لكن كيف لم يكتشف هذا الأمر ابنها الأسير القائد حسام شاهين الذي يدخل عامه التاسع عشر في سجون الاحتلال؛ فقد درّبته الحياة الاعتقالية على التفرُّس في كل التفاصيل، وعلى النظر مطوّلاً في وجوه أفراد الأسرة حين يزورونه. ففي العيون لغة وإدراك. وعندما عرف حقّ المعرفة حالة الوالدة الصحية، دخل في حالة صعبة، وبكى بحرقة؛ كيف لا، وهو الأسير صاحب العواطف التي تنساب كالمياه في الجدول، والقدرة على التعبير والإبداع عن الحنين.
لقد فقد والده وهو في السجن، وأهم ما يفكر فيه الأسير، هو كيف سيكون عناق والديه واشتياقه إليهما في يوم الفرج. إنها أجمل لحظات الحلم، وأقسى لحظات القهر حين يفقد أحد والديه، عندما يتلاشى معنى البُعد القسري ويلتقي حزنه، كما والده، في الوجدان الكئيب. إن هذه المفارقة الصعبة وخوفه على والدته من كل سوء، وهو يعرف مشاعرها الجياشة تجاهه، وتفكيرها فيه، ومدى شوقها إليه. إنه يدرك تماماً ما معنى أنها تراه في أحلامها من كثرة تفكيرها فيه وقلقها عليه؛ فأصحو على نحيبها بعد منتصف الليل وهي تبكي بحرقة. وربما يكون هاجس حسام في تلك اللحظة هو تفكيره في أمي وقلقه عليها. إنها تتابع الأخبار عن كثب لمعرفة ما إذا حدثت تطورات بشأن أية عملية للإفراج عن الأسرى، أو عملية تبادُل أسرى مع المقاومة في قطاع غزة؛ فالخذلان قاتل ومؤلم، لذلك، أنا خائفة عليها بشدة من هذا الخذلان، لا سمح الله.
أسعى في هذا النص لأكون لسان حالي، لكن بالأساس لسان حال أمي. بكلماتهاالمتحشرجة بالألم والحسرة، وبدموع حارقة نابعة من قلب لوّعته عذابات السنين الطويلة المتلاحقة جرّاء خذلان قضية الأسرى وعائلاتهم، ناشدت والدتنا، والدة الأسير المقدسي حسام زهدي شاهين، كلاً من المقاومة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية بأن تشمل أي عملية تبادُل، أو عملية إفراج سياسي عن الأسرى، ولدها الأسير حسام. ليس لها حلم آخر، ولا أكبر من هذا الحلم؛ إنها رسالة والدة أسير، بل إنها أمنية كل والدة ووالد أسير، احتضان ابنهما حراً. لا تتوقف الأيام، ولا الأشهر، وتطول السنين، لتطال فترة أبنائهم في سجون القهر، ويتقدم بهم العمر، هم الأهل الصابرون الذين تغزو أجسادهم علامات التقدم في العمر، وكذلك الأمراض، لتحدّ من قدرتهم على زيارة السجون التي تخلو إجراءاتها من أبسط الحقوق والمعاملة الإنسانية، بعد أن يكونوا قد أمضوا الساعات الطويلة المضنية في طريق العذاب للوصول إلى السجن، ثم عودتهم إلى البيت مشحونين بمعنويات أبنائهم، والإرهاق يأكل أجسامهم.
تردد والدتنا أن زوجها زهدي شاهين توفي بتاريخ 18/7/2016، وكانت أمنيته الوحيدة قبل مفارقته الحياة أن يحتضن حسام حراً، أمنية تكررت على مدى صفقات تبادُل الأسرى والإفراجات السياسية التي تمت، وخذلتهم كعائلة. وتؤكد اليوم أنها تأمل بألّا تتكرر معاناتهم بالوعود والخذلان في أي صفقات وإفراجات قريبة، لأن التفكير في هذا الأمر يجعلها تعيش في خوف وقلق دائمين، وخصوصاً أنها في كل يوم يمضي من عمرها، تحلم بفرحة تثلج صدرها، بحُرية ولدها، وتنتظر بفارغ الصبر أن ينال حسام حريته قريباً، وتحتضنه كأي أم، وأن تفرح به، لأن فرحتها في هذه الحياة بقيت منقوصة، فحسام هو الابن البكر، وعلى الرغم من زواج أخوته وشقيقته، فإنها لم تعرف طعماً للفرح، لأن حسام لا يزال أسيراً.
في ذكرى اعتقال حسام، ودخوله العام التاسع عشر في سجون الاحتلال، لا تنسى أمي، أم حسام، شبكة العلاقات الواسعة التي تمتع بها حسام، ولذلك، ناشدت كافة المؤسسات الدولية الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان، وبصورة خاصة أصدقاء حسام في الدول العربية والأوروبية، لزيارة الأسرى والاطلاع على ظروف حياتهم ومعاناتهم، وتشكيل ضغط سياسي من أجل العمل على تحريرهم من سجون الاحتلال، كونهم أسرى حرب، ومعتقلين من طرف سلطات الاحتلال الإسرائيلي. فقد اعتُقل حسام بتاريخ 28/1/2004 من مدينة رام الله، وصدر بحقه حكماً احتلالياً جائراً مدته 27 عاماً، وتعرّض لتحقيق قاسٍ مدة شهرين في زنازين المسكوبية في إبان اعتقاله، وحُرمت عائلته زيارته عدة أعوام، في حين ما زال أشقاؤه محرومين من زيارته منذ لحظة اعتقاله حتى اليوم. إنها تؤكد أن حسام، إذا تحرّر، فسيسعى، كما تعرفه، لإشغال العالم كله بقضية الأسرى وتقصير الطريق لإطلاق سراحهم.
قبل اعتقاله، شغل الأسير حسام زهدي شاهين منصب سكرتير العلاقات الدولية لشبيبة "فتح"، ورئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس، كما اعتُقل عدة مرات من على مقاعد الدراسة، وهذا أطول اعتقال له؛ وخلال أعوام اعتقاله، خاض العديد من الإضرابات المفتوحة عن الطعام، كان آخرها إضراب الكرامة في سنة 2017 الذي استمر 43 يوماً، للمطالبة بتحسين ظروف حياة الأسرى؛ وفي إثر ذلك، عزلته إدارة مصلحة السجون مدة 32 يوماً في زنزانة منفردة في سجن الجلمة يُطلق عليها اسم القبر، في ظل ظروف لاإنسانية وصعبة للغاية. كما أنه يُعتبر من القيادات المثقفة والمبدعة في الحركة الأسيرة، وصاحب معارف واسعة جداً، فهو حاصل على درجة الماجستير في الدراسات الإقليمية من جامعة القدس، وله العديد من الكتابات في المجال السياسي والفكري والأدبي، والتي تناولت القضية الفلسطينية، والواقع الأليم الذي يعيشه الأسرى في سجون الاحتلال، وله إصداران أدبيان: رواية "زغرودة الفنجان" التي صدرت عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، وكتاب "رسائل إلى قمر"، الصادر عن دار الشروق، ولاقت إنتاجاته الأدبية اهتماماً واسعاً في كل الأوساط الأدبية والسياسية، وعلى الصعيدين المحلي والعربي، كما أن الأسير حسام زهدي شاهين حائز على العديد من الجوائز، لمساهماته الفكرية والأدبية، منها الجائزة الأولى في الأدب سنة 2009 (القدس عاصمة الثقافة العربية) من اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم/ فرع فلسطين، واختير شخصية القدس الثقافية، لمنشوراته الفكرية في الأدب والسياسة، عبر العديد من المقالات والدراسات التحليلية؛ وعلى الرغم من أسره، فإنه شارك في العديد من المؤتمرات، عبر دراسات أعدها خصيصاً لذلك. كل هذه الخصائل والإنجازات تردّدها أم حسام، وتعتز وتعتدّ بها، كل ذلك كي تشحن طاقات صمودها إلى حين عناق ابنها الحرّ في بيتهم المقدسي.