Denial of Visit as a Tool of Torture for Prisoners and Their Families
Full text: 

لحظة واحدة قد تغير مجرى حياة الإنسان؛ هذه هي تجربتي مع اتصال وردني عند الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم 28 كانون الثاني / يناير 2004.

عندما رنّ الهاتف في تلك اللحظة، انتابني رعب شديد، فمَن سيتصل في هذه الساعة المبكرة؟ كان الرقم لصديقة لي؛ أجبت، فجاءني صوتها متحسراً، وحزيناً. قالت: نسيم، لقد اعتقلوا حسام.

ارتبت بالمعلومة، فهل تريد صديقتي تخفيف الصدمة، وهل استشهد حسام؟ فقدت السيطرة على نفسي، وتجمد الدم في عروقي، فحسام ليس شخصاً عادياً، إنه سكرتير العلاقات الدولية لمنظمة الشبيبة الفتحاوية على مستوى الوطن، ورئيس منظمتها في القدس العاصمة.

احترت إزاء التصرف الذي يجب أن أقوم به، لكني اتصلت بمنزل عائلتي قبل أن يعرفوا الخبر من إعلام الاحتلال؛ ردت والدتي على الهاتف، ولم تنتظر بعد أن سمعت اسم حسام؛ صاحت بأعلى صوتها: استشهد حسام.. استشهد حسام؛ وساد البيت فوضى وصراخ، قبل أن تأخذ شقيقتي الصغرى الهاتف وتستوعب ما يجري، وتعلم أنه اعتُقل ولم يستشهد.

مررت شقيقتي الهاتف لوالدي الذي سألني: هل أنت في مركز الاعتقال؟ أجبته أني ما زلت في منزلي، إذ كنت أسكن حينها في رام الله، فطلب مني التوجه إلى مركز الاعتقال، لأقف عند صحة الخبر: اعتقال أم استشهاد؟

نزلت من المنزل، وبدأت أركض بلا وعي في الشارع، تحت زخات المطر الغزير والبرد القارص، من دون أن أشعر بهطول الشتاء ولا بشدة البرد، إلى أن وجدت سيارة تأخذني إلى حيث كان شقيقي معتقلاً، وهناك علمت أنهم اعتقلوه من دون مقاومة من منزل صديقَيه عماد وشيرين الزهيري. جمعت ملابسه وعدت أدراجي إلى منزل العائلة، لأجد أن والدي أصيب بنوبة قلبية اقتضت إدخاله إلى المستشفى، لكنه ما لبث أن تماثل للشفاء.

هكذا بدأت رحلة المعاناة والألم بين البحث عن أخي في مراكز التوقيف والتحقيق، وجلسات المحاكم العسكرية الإسرائيلية؛ خمسة أعوام مضت لم تتمكن العائلة من زيارته خلالها، وكنّا نستقي المعلومات عنه عبر المحامين، أو من ذوي عائلات الأسرى التي تتمكن من زيارة أبنائها.

كنت طوال تلك الأعوام، أحتفظ بقميص أخي تحت وسادتي، لأشمّ رائحته، وأَعِده في كل ليلة، بأنني على العهد باقية إلى أن نتمكن من زيارته جميعاً، بالتوازي مع السعي لتحريره، فحسام أخي البكر وصديقي والنصف الآخر لقلبي.

في 28/1/2022 يدخل أخي الأسير حسام زهدي شاهين عامه التاسع عشر في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وسيعاني مَن بقي حيّاً من العائلة مشقة زيارته، الواجبة والشديدة الصعوبة.

فطوال الأعوام الأولى من اعتقاله، لم يتمكن أشقائي الثلاث من زيارته بذريعة المنع الأمني، بينما زارته شقيقاتي مرات معدودات، هذا فضلاً عن استهداف الاحتلال للعائلة كلها. ففي سنة 2006، اعتُقل أشقائي الثلاثة وشقيقتي الصغرى، وأضحت أغلبية العائلة في الأسر؛ خمسة أفراد: الأبناء الأربعة والبنت الصغرى. جميعهم تعرضوا لتحقيق قاسٍ، بينما كان والداي يتجرعان الألم؛ فوالدتي كانت تصحو في منتصف الليل، لتجمع ملابسهم وتحضنها وتقبّلها وتتحدث إليهم واحداً تلو الآخر، وتبكي بحرقة، فكيف لقلب أُم أن يتحمل هذا العذاب كله؟

أُفرج عن شقيقتي وشقيقَين آخرين بعد قرابة شهرين، وبقي شقيقي محمد الذي حُكم بعامين ونصف عام، ليلتقي بحسام في الزنزانة، ويبقيا معاً مدة 6 أشهر، قبل أن يُنقل إلى سجن آخر.

أمّا والدي، وهو معتقل سابق في سجون الاحتلال، فإن زيارته الأولى كانت بعد نحو 7 أعوام، وبعد تدخّل العديد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية التي استخدمت وضعه الصحي الحرج في الضغط على سلطات الاحتلال لإعطائه تصريح زيارة، لكن بشروط في غاية التعقيد، فتمكنّا أنا ووالدتي وإحدى شقيقاتي من أن نزوره بعد عدة أعوام من اعتقاله.

في الزيارة الأولى ذهبت أنا وشقيقتي، لكننا وُضعنا في غرفة منعزلة عن بقية ذوي الأسرى، ثم أحضروا شقيقي مكبل اليدين والقدمين بسبب حجزه آنذاك في العزل الانفرادي.

تزوج أشقائي وشقيقتي وأنجبوا أطفالهم الذين بات أكبرهم اليوم على مشارف العشرين، وحسام لا يعرفهم سوى عبر الصورة التي يُسمح بإدخالها خلال الزيارة، كما أن هؤلاء لا يعرفون عمّهم أو خالهم سوى عبر الصورة التي يُسمح له بالتقاطها مع والدَيه فقط.

مضت السنين وكبر حسام وكبرنا جميعاً، وتغيرت ملامحنا، وحسام لا يعرف من العائلة سواي ووالدتي، لأننا وحدنا مَن يُسمح له بزيارته بعد وفاة الوالد وفي فترات متباعدة زمنياً. والمهمة الأصعب التي أُلقيت على عاتقي خلال تلك الأعوام الملأى بالمآسي، كانت إخبار حسام بوفاة الوالد الذي لاقى وجه ربّه في 18 تموز/يوليو 2016، علماً بأنه لم يُسمح لنا بزيارة شقيقي الأسير سوى بعد ذكرى أربعين وفاة والدي. والزيارة الثانية التي حملت مشقة كبيرة، كانت تلك التي قمت بها أنا ووالدتي في آب/أغسطس 2021، بعد عامَين ونصف عام من منعنا من زيارته. فصحة والدتي كانت قد تدهورت، وسمعها أضحى خفيفاً، وبالتالي كان التواصل بينها وبين حسام صعباً جداً، الأمر الذي أحزنه كثيراً، وجعله يذرف الدموع.

هذا كله ليس سوى نموذج لما تعانيه أُسر الأسرى الفلسطينيين، إذ إن إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية تمارس بشكل ممنهج شتى أنواع التعذيب النفسي في حقّ الأسير وذويه، وفي طليعة ذلك الحرمان من الزيارة والتواصل مع العائلة. فالسجن كمركز قوة استعمارية مخصص لقهر الأسير وإخضاعه وتفكيك إرادة المقاومة وهدمها على الصعيدَين الفردي والجماعي لدى الأسرى وذويهم، والحرمان من الزيارة أداة من أدوات الهدم اللاأخلاقية التي يستخدمها الاستعمار لتحقيق أهدافه، على الرغم من تناقض ذلك من القانون الدولي الإنساني (المادة 116 من اتفاقية جنيف الرابعة، والقاعدة 58 من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، والمعروفة باسم قواعد نلسون منديلا)، بل تعارضه مع القوانين الإسرائيلية نفسها التي تنصّ على احترام قواعد اتفاقيات جنيف، وخصوصاً زيارة الأهل للأسرى، مع ملاحظة أن القوانين والقواعد والإجراءات الإسرائيلية بشأن الأسرى تميّز بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ يتطلب الأمر من ذوي أسرى الضفة وغزة استخراج موافقة على دخول "الأراضي الإسرائيلية"، بخلاف سكان القدس وأراضي 48، الذين لا يحتاجون إلى تصريح مماثل. 

نضالات الأسرى في مواجهة السجّان

لقد خاض الأسرى نضالات طويلة وشاقّة لإجبار الاحتلال على الاعتراف بحقوقهم، وخصوصاً إتاحة المجال أمام العائلات لزيارة أفرادها المعتقلين. وفي هذا السياق يفيد وزير شؤون الأسرى والمحررين السابق، عيسى قراقع، بأنه في سنة 1980 خاض الأسرى في سجن نفحة الصحراوي إضراباً مفتوحاً عن الطعام استمر ثلاثين يوماً، وكان من أهم إنجازاته مضاعفة عدد الزيارة إلى مرتين في الشهر: نصف ساعة في كل مرة بدلاً من مرة واحدة، وقد استشهد نتيجة هذا الإضراب أسيران، هما: علي الجعفري، وراسم حلاوة، جرّاء إجبارهما على تناول الطعام عن طريق الزوندا* (التغذية القسرية). كما خاض أسرى سجن عسقلان إضراباً عن الطعام تضامناً مع أسرى نفحة، واستشهد منهم أنيس دولة الذي لم يسلَّم جثمانه حتى اليوم إلى ذويه. وفي سنة 1982 استشهد إسحق مراغة جرّاء استخدام الزوندا.*

وفي سنة 1992 خاض الأسرى إضراباً مفتوحاً عن الطعام في مختلف السجون تمكنوا خلاله من زيادة فترة الزيارة ربع ساعة إضافية كل أسبوعين، فأصبحت مدة الزيارة 45 دقيقة بدلاً من ثلاثين دقيقة، وقد استشهد خلال الإضراب الأسير المقدسي حسين عبيدات، وفي جنازته استشهد ابن عمه مصطفى عبيدات. وهكذا يكون الوقت المضاف إلى ساعات الزيارة قد تحقق على مدار اثنَي عشر عاماً متواصلة من النضال والكفاح، كما أنه كلّف الحركة الأسيرة ستة شهداء، فضلاً عن الأمراض المزمنة التي ألمّت ببعضهم، والأوجاع التي نخرت أجسادهم في أثناء الإضرابات.

وبحسب هيئة شؤون الأسرى والمعتقلين، فإن عدد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي يبلغ 4650 أسيراً، بينهم 40 امرأة ونحو 200 طفل قاصر، يتوزعون على 23 سجناً ومركز توقيف وتحقيق. ومن ضمن الأسرى 544 أسيراً محكومون بالمؤبد، وقرابة 550 أسيراً يعانون أمراضاً مزمنة (أورام سرطانية؛ فشل كلوي؛ التهابات الكبد والعظام؛ أمراض القلب والسكري والضغط؛ فقدان البصر والسمع، وغيرها من الأمراض التي تحتاج إلى تدخّل طبي عاجل). ومنذ سنة 1967 حتى اليوم استشهد 71 أسيراً فلسطينياً جرّاء الإهمال الطبي المتعمد، عدا مئات الأسرى الذين استشهدوا بعد تحررهم بفترة وجيزة من الأسر. 

الصليب الأحمر يفاقم معاناة الأهالي

في صيف سنة 2016، أصدرت الهيئة الدولية للصليب الأحمر الدولي بياناً أعلنت فيه توقفها عن الإشراف على الزيارة الثانية للأسرى، الأمر الذي يعني عملياً إلغاءها، متذرعة بضآلة عدد العائلات التي تتقدم بطلبات للزيارة، وبانخفاض التمويل المقدم للهيئة. وقال قراقع عن ذلك، إن القرار كان مفاجئاً وجاء من دون تنسيق، مشيراً إلى أن الهيئة الدولية تجاهلت جميع التضحيات التي بذلتها الحركة الأسيرة في سبيل الزيارة. وقد نُفذت احتجاجات كثيرة أمام مقار الصليب الأحمر، وجرت حوارات مطولة مع مسؤولي الهيئة، لكن من دون أي نتيجة.

وأوضح قراقع أنه أمام الأمر الواقع الذي فرضه الصليب الأحمر الدولي، وافق الرئيس أبو مازن والحكومة الفلسطينية على أن تتبنّى السلطة الفلسطينية عبر هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير موضوع الإشراف على الزيارة الثانية، وتم تخصيص ميزانية مالية من أجل ذلك، وجرى توقيع اتفاقية تعاون فني بين هيئة الأسرى والصليب الأحمر لتدريب طاقم يتولى التنسيق والإشراف على الزيارة الثانية والاستفادة من خبرة الصليب الأحمر. أضاف قراقع: "لكن للأسف الشديد فوجئنا عن طريق الشؤون المدنية بأن الإسرائيليين يرفضون أن تتولى السلطة الفلسطينية الإشراف على الزيارة الثانية، وذلك بعد أن كانوا قد بلّغوا الأسرى بعدم ممانعتهم لذلك، وعُقدت جلسات كثيرة بين مندوبي الشؤون المدنية مع المسؤولين الإسرائيليين لتذليل العقبات والحصول على موافقة رسمية على هذا الأمر، لكن الإسرائيليين أصروا على الرفض." 

رحلة عذاب

وتعقيباً على قرار الهيئة الدولية للصليب الأحمر الدولي بتقليص الزيارة إلى مرة واحدة في الشهر، انتقد رئيس "مركز حريات" حلمي الأعرج قرار الصليب الأحمر، معتبراً التبريرات واهية، علماً بأن الزيارة محصورة بالأقارب من الدرجة الأولى فقط، والذين يتحملون أعباء كثيرة وعذابات خلالها، مشيراً إلى معاناة الأهالي والأطفال وكبار السن، والتي تتمثل في التجمع في أماكن يحددها الصليب الأحمر الدولي في ساعات مبكرة جداً تتطلب من العائلات الخروج من منازلهم عند الساعة الثانية صباحاً للانطلاق فجراً في الحافلات المخصصة للزيارة، ولمدة تزيد على 12 ساعة، وذلك من أجل الحصول على 45 دقيقة للقاء الأحبة والاطمئنان عليهم. وفي أثناء ذلك كله، ترافق حافلات الصليب الأحمر الدولي دوريات أمن تابعة للاحتلال ولا تسمح بالتوقف عند أي محطة أو استراحة، حتى لقضاء الحاجة، الأمر الذي أضرّ بشكل كبير بالوضع الصحي للعائلات والأطفال، إذ تعرّض كثيرون منهم لمواقف أحرجت إنسانيتهم.

وعلاوة على عذابات الطريق، فإن إجراءات التفتيش على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، وإجراءات إدارة مصلحة السجون التي تسبق الدخول إلى غرفة زيارة الأسرى، تُعتبر مهينة للكرامة الإنسانية، مثل التفتيش الجسدي والتنمّر على عائلات الأسرى. 

لكل عائلة أسير حكاية

إذا كان لكل أسير حكايته مع الاحتلال والأسر، فإن لكل عائلة أسير حكاية تُظهر مدى الظلم الذي يلحق بالعائلات، لمجرد الحصول على حق لهم في زيارة أحد أفرادها.

أم رباح سكافي زوجة الأسير يوسف سكافي (أبو رباح) من الخليل، زوجها معتقل منذ 19/2/2004، ومحكوم بالمؤبد، فقدت طفلتها جرّاء الظروف السيئة خلال زيارة للسجن، وأصيب الزوج بذبحة قلبية.

تقول: "مُنعتُ من زيارة زوجي لعدة أعوام، وبعد أن سُمح لوالدة زوجي بالزيارة أول مرة، ذهبت طفلتنا عبير برفقة جدتها لزيارة والدها، ولم تكن آنذاك قد تجاوزت الأربعة أعوام من عمرها. بعد أن دخلت عبير غرفة الزيارة أصيبت بصدمة، فهي لم تستوعب أن تلتقي والدها من خلف زجاج عازل لجميع المشاعر الإنسانية، ولم يقدر عقلها الصغير أن يفهم أنها لا تستطيع التواصل معه إلّا عبر سماعة هاتف يشوبها التشويش طوال الزيارة، فبدأت بالصراخ، وحاولت بيديها الصغيرتين أن تكسر الزجاج لاحتضان أباها، ثم دخلت في صدمة عصبية نُقلت في إثرها إلى المستشفى حيث توفيت بعد فترة. أمّا والدها الذي اعتصره الألم والحسرة على صغيرته، وعدم تمكّنه من أن يحتضنها ويشرح لها صعوبة ذلك في تلك الزيارة، فأصيب بنوبة قلبية كادت تودي بحياته."

وتضيف: "أنا وزوجي فقدنا قطعة من روحنا بسبب قساوة ظروف الزيارة التي تخلو من الحقوق الإنسانية كلها، وأبسطها احتضان الأسرى لأطفالهم من دون شروط أو قيود؛ فلحظة استشهاد عبير كنت أتمنى أن يكون زوجي معي، وبعد أسبوع من استشهادها حظيت أنا بتصريح زيارة، فسارعت إلى التسجيل عبر مكتب الصليب الأحمر الدولي، وبدأت أجهز نفسي للقاء زوجي، وأتفقد الوثائق الرسمية من تصريح وبطاقة شخصية، وتحضير بعض الصور لابنتنا عبير وشقيقاتها، وكنت شديدة القلق إزاء سؤال كيف سأتعامل مع ذلك الموقف الأليم عند لقاء زوجي، وأعدّ الثواني قبل الدقائق، إلى حد أنني لم أتمكن من النوم تلك الليلة. وبعد الانتهاء من جميع الإجراءات المعقدة بظروف الزيارة، بدءاً من التجمع لدى باصات الصليب الأحمر الدولي والعبور عبر الحواجز العسكرية، وصولاً إلى السجن، بدأت دقات قلبي تتسارع عندما بدأ الضابط المسؤول ينادي على أسماء الأسرى بالزيارة، ولم تتحملني قدماي. دخلنا إلى غرفة الزيارة، وشرعت أتنقّل بين الشبابيك حتى وصلت إلى الموقع حيث يجلس زوجي، وكانت لحظة صعبة لا يمكن وصفها. بقينا غارقين بالدموع، ثم أخذت أتحدث اليه لأمنحه القوة والصبر وهو يبادرني بالمثل أيضاً، واتفقنا على أن نبقى أقوياء ونواجه الصعاب كلها معاً، إلى حين التحرير."

باسمة أبو هولي، شقيقة الأسير عبد الرحيم أبو هولي، وهو من قطاع غزة، ومعتقل منذ 7/12/2002، ومحكوم بـ 22 عاماً، تقول: "لم يُسمح لي حتى اليوم بزيارته إلّا مرتين"، وتضيف: "ما يصلنا من معلومات يأتي فقط عبر ذوي الأسرى الذين يتمكنون من زيارة أبنائهم، أو إذا سمحت إدارة مصلحة السجون بأن يرسل أخي رسالة إلينا، حينها نجتمع جميعاً في منزل الوالد، فنقرأ الرسالة بصوت عالٍ ونعيد قراءتها مراراً، وبعد الانتهاء منها، كانت والدتي رحمها الله تضعها تحت وسادتها."

وتصف معاناة أهالي القطاع في زيارة ذويهم الأسرى، وتقول: "ليس من السهل أن يُسمح لأهالي أسرى قطاع غزة بالزيارة، فأغلبية ذوي الأسرى يحصلون على تصريح زيارة، لكن عند وصولهم إلى حاجز إيرز، تُرجعهم استخبارات الاحتلال بذريعة المنع الأمني، وهذا ما حدث مع والدتي رحمها الله في معظم الزيارات، فكانت تعود أدراجها باكية."

وعن تحضيرات والدَيها لزيارة شقيقها، تقول: "كانت الزيارة بالنسبة إليهما تعادل الذهاب لأداء فريضة الحج، إذ تبدأ عملية التحضير للزيارة بتجهيز نفسيهما: والدي يحلق ذقنه، ووالدتي تجهز أجمل الملابس وتضعها بجانب السرير، كالطفل الذي يجهز ملابسه لصبيحة العيد." وتضيف: "حظيت والدتي بتصريح زيارة قبل وفاتها رحمها الله، وكانت قدمها آنذاك، مكسورة وملفوفة بالجبس. وكي يُسمح لها بالزيارة، توجهت إلى طبيب لفك الجبس وربطها بمشد خاص إلى حين انتهاء الزيارة التي ذهبنا إليها معاً، وكانت مستندة على عكاز في يوم الزيارة، لكنها فور رؤيتها لشقيقي نسيت الآلام كلها التي تعاني جرّاءها. وفي أثناء تلك الزيارة لاحظ أخي عبد الرحيم أن أمي تعاني آلاماً شديدة، فبدأ يوجه إليها الأسئلة وهي تجيب بالنفي، وآلمتني الدموع التي رأيتها في عينيه، بسبب المشقة التي تحمّلتها الوالدة في سبيل زيارته في سجون الاحتلال، وبسبب قراره الوطني بالدفاع عن الوطن حباً بالحرية. بعد انتهاء الزيارة والعودة إلى المنزل، مرضت والدتي وانتكست صحتها، الأمر الذي استدعى إدخالها فوراً إلى المستشفى."

وتعاني عائلة الأسير مجد عويضة من قطاع غزة / بيت حانون، وهو معتقل منذ سنة 2016 ومحكوم بـ 9 أعوام، الظروف نفسها التي تعانيها عائلات أسرى قطاع غزة، فتقول والدته: "الزيارة بالنسبة إلى أهالي قطاع غزة تخضع لشروط قاسية عديدة، إذ لا يُسمح بالزيارة إلّا للأم والأب والأشقاء تحت عمر 15 عاماً. وتزيد التعقيدات والإجراءات على حاجز إيرز في المعاناة، فعائلات الأسرى لا يُسمح لها بأن تحمل سوى الماء في عبوات شفّافة غير مثلجة، وبعض الطعام، مع أن رحلة الزيارة تبدأ منذ ساعات الفجر الأولى، وتنتهي بعد منتصف الليل، بينما مدة الزيارة لا تتجاوز 45 دقيقة؛ ولمزيد من إضفاء البعد الأمني على الزيارة، فإن سيارة شرطة ترافق حافلات الصليب الأحمر، لمنع القافلة من التوقف عند أي محطة أو استراحة كي تتمكن العائلات من استخدام أبسط الحقوق وهي دورة المياه، الأمر الذي عرّض كثيراً من أفراد عائلات الأسرى لمشكلات صحية. وفي تدبير لمواجهة هذا الإجراء غير الإنساني أو الأخلاقي، فإن أغلبية العائلات تبدأ صياماً قبل يوم من الزيارة، كي تتحمل السفر من دون الحاجة إلى استخدام دورة المياه."

وتضيف والدة الأسير مجد أن "الزيارة مجردة من أبسط الحقوق الإنسانية، فأنت لا تستطيع أن تلمس ابنك أو تحتضنه أو حتى تشمّ رائحته، لأنها زيارة تجري عبر عازل زجاجي وهاتف مشوش في معظم وقت الزيارة، يصعب من خلاله فهم حديث الطرفين."

وتتابع: "نحن محرومون من زيارة ابننا مجد؛ فوالده محروم منذ 5 أعوام، وأنا منذ 3 أعوام، الأمر الذي أثّر في وضعنا النفسي كثيراً، وبتنا نتساءل: كيف أصبح شكله اليوم؟ هل تغير جسده؟ كيف هي صحته ونفسيته؟ هل لديه ملابس؟ وكيف هي مشاعره عندما تتم زيارة أسرى رفاق له في الزنزانة نفسها؟ كثير من الأسئلة تجول في تفكيرنا، فالحرمان من الزيارة مرض مؤلم جداً ولا دواء له إلّا اللقاء. إنه شعور مؤلم ينتابنا بشكل دائم، ولا سيما أنك تفكر في قطعة منك، عاجزاً عن تقديم العون له، أو حتى مساندته في نيله الحرية."

وتختم والدة مجد حديثها قائلة: "قبل يوم من زيارة مجد، أشتري له الملابس المسموح بإدخالها، لكني ليلة الزيارة لا أتمكن من النوم بسبب دقات قلبي التي تبدأ بالتسارع. وبعد أن أتجاوز جميع التعقيدات والظروف القاهرة المحيطة بالزيارة، أشعر بأن ذلك كله زال لحظة لقائي بمجد والاطمئنان عليه."

تلك كانت أحاسيس الوالدة، فماذا عن الابن الأسير؟

يقول مجد عويضة: "الزيارة كلمة من خمسة حروف، لكنها شريان الأمل والحياة للأسير، فعندما أسمع كلمة زيارة يتغير نظام حياتي، وأعلم أن جزءاً من روحي بدأ ينبعث من جديد. ولدى معرفتي بموعد الزيارة، أشرع في الاستعداد لها، فأحلق شعري، وأعيش حالة من السعادة، لأني سأرى عائلتي أو بعض أفراد منها، مع أن مدة الزيارة لا تتجاوز 45 دقيقة سُمح لنا بها بعد حرمان طويل، لكن قبل الزيارة تنتابني مشاعر فيّاضة إلى درجة أني أحلم بها كونها تصلني بالواقع الخارجي، إذ أبدأ أسمع وأشعر بصوت أمي وأبي، وأفكر كيف ستكون الزيارة؟ وبماذا أتحدث؟ ومَن سيأتي، أبي أو أمي أو كلاهما؟ كما أنني أنتظر أن يجلبا معهما صوراً جديدة لأشقائي وشقيقاتي وبعض الأصدقاء. وعند بدء المناداة بأسمائنا للزيارة، أستعد وأذهب للقاء الأهل، وبعد أن ألتقيهم يبقى يومي جميلاً ومليئاً بالأحداث واللحظات التي تنعش روحي. وعندما تنتهي الزيارة وأعود إلى الزنزانة، أُخبر أصدقائي عنها، وأُطلعهم على الصور التي تصلني، وأعرّفهم إلى أفراد عائلتي، وفي حال سُمح لعائلتي بإدخال ملابس لي، فإنني أضمها إلى صدري كي أشم رائحة أمي ورائحة الحرية. كل أسير منا يعيش على ذكريات تلك الزيارة، ويحلم بعالمه الخارجي، فالزيارة تمنحه الإرادة والصبر على أيام الأسر الطويلة."

ويختم مجد قائلاً: "أما في حال معرفتك بمنعك من الزيارة، ومنع أهلك منها، تنتابك مشاعر الحزن والأسى، وتتساءل: لماذا مُنعت الزيارة؟ وتفكر في أهلك ومشاعرهم لأنك تعلم أن الزيارة بالنسبة إليهم هي شريان حياة، لكننا في نهاية الأمر نستودع الله أمرنا، ونقول لعله خير، ونحاول جهدنا ألّا نُظهر الحزن أو الانكسار أمام الأسرى الذين تمكّن ذويهم من زيارتهم؛ فهم يعيشون لحظة السعادة، وأنا أشاركهم إياها على الرغم ممّا يعتريني من ألم وحزن."

وتصف أماني الريماوي، ابنة الأسير محمد فهمي الريماوي، المعتقل منذ 19/10/2001، والمحكوم بـ 99 عاماً، والذي يعاني جرّاء مرض البحر الأبيض المتوسط، بحرقة الحرمان من الزيارة، فتقول: "إن الحرمان من الزيارة مرض لا يمكن وصفه، وخصوصاً للأسير أكثر منه لعائلته. فنحن الذين نعيش في سجن كبير يمكن أن نشغل أنفسنا بأي عمل، كي لا نقع فريسة القهر الذي يعمل المحتل جاهداً على تعزيزه في نفوسنا، ثمناً لنضال ذوينا سعياً للحرية، إلّا إن الحرمان يبقى أشد وطأة على أسرانا، فهم في زنزانات ضيقة، ولا خيارات متاحة أمامهم سوى التحلي بالصبر والإيمان بأن موعد الحرية قريب. علاوة على ذلك، فإن الحرمان من الزيارة بكل ما تحمله من أحكام جائرة في حقّنا، له انعكاس سلبي على حياة ذوي الأسير أيضاً، فحكم 99 عاماً على والدنا أثّر في وضع والدتنا النفسي، إذ كيف ستتمكن زوجة في مقتبل العمر من تربية ثلاثة أطفال في ظل غياب الزوج، وتحمّل مسؤولية كبيرة، والتفكير الدائم في الحكم الطويل، وفي المستقبل المجهول. لقد تسببت هذه المعانة لوالدتنا بالأزمات صحية، وكان أصعبها إصابتها بمرض في الرحم أدى إلى استئصاله، كما أنها بعد خروجها من العملية التي استغرقت 8 ساعات، أصيبت بجلطة في القدم أفقدتها القدرة على الحركة. ومع ذلك فإنها لا تزال محرومة من الزيارة منذ عامين."

وتصف أماني أيضاً المشاعر التي تنتاب العائلة عند تبلّغها الموافقة على الزيارة، وخصوصاً بعد حرمان دام أعواماً طويلة، فتقول: "هو يوم عرس في بيتنا، إذ نبدأ بتحضير صور أطفالنا، وملابسنا، والموضوعات التي سنتحدث عنها، لكن في لحظة الزيارة تتبخر جميع الأمور التي حضّرناها، ويصبح تركيزنا منصباً على الاطمئنان عليه."

ومن القصص المؤلمة التي واجهتهم في إحدى الزيارات تقول أماني: "بعد 20 عاماً من اعتقال والدي، كانت شقيقتي وطفلها الرضيع في زيارة لزوجها الأسير الذي صدف أن يكون مع والدي في السجن نفسه؛ وفي أثناء زيارتنا، وكان يومها مسموح إدخال الأطفال، احتضن والدي للمرة الأولى أحد أحفاده، فشرع يقبّله ويحتضنه بمشاعر لا يمكن وصفها، وأخذنا نحن في البكاء، لأن والدي لم يحتضنّا في طفولتنا، فهل يستطيع أي ضمير إنساني أن يتخيل حجم الألم بأن يحتضن الأب أحفاده وهو ما زال أسيراً؟"

وتستذكر أماني، المحرومة من الزيارة هي وشقيقاتها منذ 3 أعوام، أول زيارة لها لوالدها، بعد عامَين من اعتقاله، وكانت في الرابعة عشرة من عمرها، ترافقها شقيقتها التي تصغرها بعامين، فتقول: "أحضر السجان والدي وهو مكبل اليدين والقدمين، وتألم جداً لمشاهدتنا له وهو في هذا الظرف الصعب، وسعى خلال الزيارة لأن يبقى قوياً ويمدنا بالقوة والعزيمة كوننا ما زلنا أطفالاً، لكن في لحظة ما، خانه المرض وبدأ أنفه ينزف بشكل حاد، ولدى مشاهدتنا هذا المنظر، دخلنا في حالة رعب وخوف شديدين، وشرعنا في الصراخ والضرب على الزجاج، ونحن ننادي بحالة هستيرية: بابا... بابا، فحضر السجان وأخذ يسحبنا بعنف ليُخرجنا من المكان، لكننا رأينا الدموع في عيون والدي ألماً علينا لمشاهدتنا له في حالة انكسار، إلّا إن السجان سحبه بطريقة غير إنسانية، على الرغم من الوضع الصحي الصعب الذي كان يمر به. طبعاً لم نكمل الزيارة يومها، غير أنها تركت في داخلنا ألماً كبيراً لا يمكن نسيانه ما حيينا."

وعن المعاناة التي يتسبب بها غياب الأب الأسير عن الحياة اليومية لأطفاله، تقول: "من الصعب جداً أن تتعرف إلى والدك من خلف زجاج مرهون بتصريح زيارة بعد الحرمان منها أعواماً طويلة، وفي زنزانة، إذ إن من أبسط الحقوق الإنسانية هو أن نحيا كأطفال في أحضان والدينا. وسيبقى هذا الألم متجدداً فينا، فأنا وشقيقاتي لم نعِ معنى الفرح في مراحل حياتنا كلها، سواء التفوق في المدرسة أو التخرج من الجامعة، وعند ارتباطنا وتكوين أسرة. ففي أثناء عقد قراني، لم أتخيل عدم وجود والدي، أو حتى سماع صوته، ودخلت يومها في نوبة بكاء عميق."

الحرمان من الزيارة هي عقاب جماعي في حقّ الأهل والأسرى، مثلما يقول والد الأسير عمار عابد من دير البلح في قطاع غزة، المعتقل منذ 21/11/2002، والمحكوم بـ 20 عاماً و6 أشهر. فالاحتلال "يستخدم سياسة العقاب الجماعي لذوي الأسرى، وأنا حُرمت من الزيارة 10 أعوام، لكن الأمر لم يقتصر على هذا فحسب، بل جرى أيضاً سحب تصاريح العمل من أبناء عم ابني بذريعة أنه معتقل، كما سُحبت تصاريح عمل أصدقائه أيضاً، كسياسة ممنهجة من المحتل لتفتيت العلاقات الاجتماعية والوطنية الفلسطينية"، لكن "هذا العقاب زاد في تمسّكنا بعضنا ببعض كعائلة وأقارب وأصدقاء."

ويضيف: "حُرمت زوجتي أيضاً من الزيارة، وذلك بعد أن تمكّن أسير محرر أنهى محكوميته من زيارتنا وطمأنتنا على ابننا. فعندما توجهت زوجتي إلى الزيارة عند حاجز إيرز العسكري، عُزلت في غرفة منفصلة، وبدأ ضابط المخابرات المسؤول يحقق معها، ويعرض عليها صورة صديق ولدي الأسير. وبسبب علاقة الصداقة ووفاء هذا الأسير المحرر لقضية الأسرى وعلاقتنا به، حُرمت زوجتي عامَين من الزيارة، غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فأنا لديّ ولد مريض بالسرطان، وهو بحاجة إلى علاج في مستشفيات الضفة الغربية، لكنه حُرم أيضاً من الحصول على تصريح علاج لأشهر طويلة، حتى تمكنت المؤسسات الحقوقية من استصدار تصريح له، على ألّا يكون معه أي مرافق." 

خاتمة

في سجون الاحتلال الإسرائيلي، تُنتهك مواثيق وقوانين دولية، وثمة معاملة لاإنسانية وقاسية وتعذيب نفسي وجسدي يمارس في حقّ الأسرى الفلسطينيين، كما أن ظروف الزيارة في غاية التعقيد، وحرمان الأسرى وذويهم مستمر. لكن على الرغم من التهديدات والممارسات التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في حقّ الأسرى وذويهم، فإن المجتمع الفلسطيني يبقى مجتمعاً متماسكاً حتى تحرير أسراه وأسيراته، وتحرير فلسطين.

 

* الزوندا هي عبارة عن أنبوب بلاستيكي يُقحم في الأنف بعنف لإيصاله إلى المعدة من أجل تمرير سائل غذائي من خلاله، ويتم سحبه وإدخاله عدة مرات، لكن كثيراً ما يدخل السائل إلى الرئة ويتسبب بالوفاة، وهو أسلوب محظور وفقاً للأمم المتحدة.

 

Author biography: 

نسيم زهدي شاهين: ناشطة ومدافعة عن قضايا حقوق الإنسان.

Read more