The Freedom Tunnel: The Victorious Memory and Its Impact on Collective Consciousness
Full text: 

على عتبات مخيم جنين بدأ حصار إسرائيل، لا دبابات هنا ولا جيبات عسكرية، وإنما خبر وراء خبر، ومعلومة تلو الأُخرى بدأت تصل إلى جنين منذ الساعة السادسة من صباح السادس من أيلول / سبتمبر 2021، بعد تسريب إدارة مصلحة السجون الصهيونية بطاقات ستة أسرى فلسطينيين شقوا نفق الحرية في أسفل سجن جلبوع، وانتزعوا حريتهم محطمين لقب "الخزنة الحديدية" التي كثيراً ما لوّح بها العدو متفاخراً بتحصينات السجن الذي لم يخترقه أحد. وها هي اليوم يخترقها ستة أسرى (محمود العارضة؛ محمد العارضة؛ زكريا الزبيدي؛ مناضل انْفيعات؛ يعقوب القادري؛ أيهم كممجي) لم يُكتشف أمرهم إلّا بعد ساعات، وها هو المخيم يعلن استعداده للمواجهة العسكرية.

سقطت أسطورة السجن التي حاول العدو بناءها طوال الوقت في ذهن المستعمَر، على أنها العقاب الذي يطول، والعقاب الذي لا يمكن صدّه، والمكان الذي لا يمكن اختراقه أو الخروج منه. سقطت الأسطورة أمام أول صينية من حلوى الكنافة والكلّاج بدأت توزَّع في شوارع المدينة، وتهاوت أمام هرولة الأطفال في أزقة المخيم حاملين حقائبهم المدرسية خلف الملثمين المسلحين، مستفسرين عن الأخبار، وعن الأبطال، وعن المقبل من الأحداث. سقطت الأسطورة بعد زخّ الرصاص الأول الذي دوّى في سماء مخيم جنين، ليس إعلاناً بالانتصار وبدء الاحتفالات، وإنما استعداداً للانضمام إلى المعركة حراساً وجنوداً.

واستناداً إلى الخبرة النضالية لمعارك مخيم جنين في سنة 2002، وعبر مراكمة هذا الإرث النضالي، شرع المخيم يستعيد أهم مكونات المعركة المتمثلة في غرفة المقاومة المشتركة، وبدأ الملثمون بأوشحة كتائب القسّام، والسرايا، وكتائب الأقصى - أذرع الأحزاب الفلسطينية العسكرية - يتصدرون التظاهرات الشعبية بأسلحة مرفوعة، وعتاد كامل، معلنين أن هذه التظاهرات سيترجمها الاشتباك المباشر بالسلاح دفاعاً عن الأسرى المحررين، وعن حريتهم التي شكلت في الوعي تحرراً جمعياً للكل الفلسطيني. أمّا الحضور السياسي فكان غائباً عن المشهد، بل إن أحداً لم يفتقده. لقد كانت هذه كلها صوراً أساسية في الإعلام، وواحدة من أهم مكونات معركة الهروب من السجن.

استخدم العدو المعلومة طوال الوقت في المعركة كسلاح لوأد الانتصار، مستغلاً ما حازته بطولة الأسرى الستة وانتصارهم من اهتمام إعلامي واسع محلياً ودولياً، ولم يكن أمامه إلّا استغلال المعلومة التي يحتكرها طوال الوقت خلال عملية ملاحقة الأسرى، إذ كان المتحكم في المعلومة ونشرها وصوغها، أو حجبها وإخفاء تفصيلاتها، معلناً حربه الإعلامية على الأسرى أنفسهم، وأنه متابع لأخبارهم، بل إنه يحاصرهم ويغلق السبل أمامهم. ومن جهة ثانية، أعلن حرباً إعلامية على المجتمع بأكمله الذي احتضن الهروب في وعيه، واعتبره انتصاراً حاول العدو إسقاطه طوال الوقت، متعمداً نشر الإرباك بأخبار ومعلومات غير واضحة المصدر وغير دقيقة في تفصيلاتها وحيثياتها، ومعتمداً أيضاً على نشر توقعاته كحقائق.

زرع العدو في الحرب الإعلامية فخاً للإعلام المحلي والدولي الذي لم يتوقف عن تبنّي رواية العدو وإعادة ترجمتها، بل نشر كل ما كان يُنشر في الإعلام الصهيوني من دون تأكد أو تدقيق. فظهر الإعلام الفلسطيني غير قادر، على الرغم من خبرته الطويلة بتغطية الحرب، على انتقاء المعلومة التي تبني الوعي الجمعي التحرري وتراكم عليه، وغير قادر أيضاً على حماية الحالة النفسية الجمعية التي بنتها عملية الهروب، فتداول - على سبيل المثال - تخمينات بشأن الأماكن التي ربما توجّه إليها الأسرى، أو أسئلة وأجوبة متخبطة عن مصدر طعام الأسرى خلال فترة مطاردتهم، والتي أسقطها أول تصريح للأسير محمد العارضة حين قال أنه أكل الصبر، وكانت المرة الأولى منذ اعتقاله قبل 22 عاماً.[1] إذاً، لم يكن الجوع عائقاً في معركة المطاردة، كيف وهو سلاح الأسرى الدائم في السجون؟ فهذا الجوع لم يُسقط أبطالاً في موروث المقاومة الفلسطينية الطويل التي لا حصر لها، بدءاً بعطش الحسين في الموروث الديني الإسلامي خلال حصاره، إلى الشهيد أحمد سناقرة وحصاره تحت أنقاض مبنى المقاطعة في نابلس في سنة 2005،[2] أو حصار المقاومين داخل مخيم جنين خلال المعركة، وقتل كل مَن كان يحاول إطعامهم كالشهيدة مريم وشاحي[3].

وهنا، أمام الجهود التي كان يبذلها الإعلام المحلي - وخصوصاً في معركة نفق الحرية – يعود التساؤل مجدداً: هل هناك إعلام مقاوم؟ وكم نحتاج إليه في أوج معركة كهذه ترتكز على المعلومة كسلاح أساسي؟ وكيف للإعلام الفلسطيني أن يعيد بناء الثقافة الوطنية التحررية لتصبح حاضنة للمقاومة؟ وكيف نستعيد هذا الدور الذي سُلب من الإعلام بعد وضعه في ميزان المعايير الدولية الوهمية بشأن الموضوعية والأخلاقية الإعلامية، والتي أصبح على أساسها يقاس "صدقه" أو "كذبه"، أو يُحجب من مواقع التواصل الاجتماعي كـ "فايسبوك"، أو يجري التضييق على الوصول إلى محتواه؟

أسئلة تصبح أجوبتها ملحّة كلما اشتبكنا في معركة جديدة، فهي تثبت عدم قدرتنا على مراكمة أجوبتنا طوال الوقت والنهوض بها، وتثبت أن تغطيتنا دوماً هي تغطية عفوية تسابق الخبر، ولا تبني القصة والرواية، وليس واجبها أو مهمتها هما بناء الوعي الجمعي. فهذه المهمة باتت تحتكرها المؤسسة الرسمية التي لا يمكن الخروج عن مسارها الاستسلامي الذي بات أساس الرواية وأرضيتها، بحيث بتنا غير قادرين على الاحتفاء بهذا الانتصار أو المراكمة عليه، فضلاً عن الغياب الدائم لصورة الملثم والمسلح عن الإعلام الرسمي، وعدم بثّ مؤتمرات غرفة المقاومة المشتركة. ومع أن ذلك ليس مفاجئاً، إلّا إنه شكل ضربة لجهود إعادة بناء الوعي الجمعي التحرري.

لقد كان على الإعلام أن يكون واحداً من أهم أركان معركة نفق الحرية، لدوره في بناء ثقافة المقاومة، ولضرورة تسليطه الضوء على دورها الأساسي في إعطاء الواقع الأولوية على النص.[4] ولهذا، كان يتعين على نص الإعلام أن يتغير مثلما تغير الواقع الذي أعادت فرضه عملية الهروب، ليس فقط في إعادة ترتيب أولويات التغطية وأجنداته، بل أيضاً بمصطلحاته وطرق تناوله إعلامياً والمراكمة في بناء الرواية والقصة، وكسر احتكار العدو للمعلومة، إذ لم يكن كافياً تذكّر عمليات الهروب السابقة وإعادة نشرها، وإنما وجب بناء ونسج سياق مستمر لعمليات الهروب كأحد سبل مقاومة السجن ورفضه، بل رفض المستعمِر وكامل منظومته.

ولأن "الصراع مع إسرائيل ليس صراعاً عسكرياً فقط [....] بل هو صراع صور ذهنية، صورة مقابل صورة، قيمة في مواجهة قيمة، حضارة في مواجهة حضارة"،[5] جاءت صور المقاوم المسلح والملثم المتصدر لحدث التظاهرات داخل مخيم جنين، ولعمليات إطلاق النار على حاجز الجلمة، كي تفرض نفسها على الإعلام - محلياً ودولياً - كصور ذهنية تحارب وتتصدى للصور الذهنية التي يحاول العدو نشرها وتعزيزها لقواته المنتشرة الباحثة عن الأسرى، ولمعداته التكنولوجية وكاميراته التي تغطي كل رقعة في المكان.

أعلنت الغرفة المشتركة للمقاومة في مخيم جنين، بخطاباتها الإعلامية المتكررة في ثلاثة مؤتمرات رسمية، والتي ألقاها المتحدث الملثم المحاط بمجموعة من الملثمين المسلحين بكامل العتاد، استعداد المقاومة الدائم لاستقبال الأسرى المحررين والدفاع عنهم وصدّ أي محاولة لاجتياح المخيم بحسب ما نشر العدو في إعلامه - في المؤتمر الأول والثاني - واستعدادها للثأر لهم - كما في خطاب المؤتمر الثالث الذي عُقد أمام منزل الأسير زكريا الزبيدي بعد اعتقاله وتعذيبه – وهي خطابات حاولت المقاومة خلالها المراكمة فيها على وعي جمعي تحرري، وتحطيم الذاكرة القائمة على الاستسلام والخنوع وقبول الأمر الواقع الذي عززته السلطة الفلسطينية منذ إقامتها.

لكن خطاب المقاومة داخل مخيم جنين لم يحرص على مخاطبة وعيٍ تُتهم الجماهير بأنها فقدته، مع أن المقاومة قادرة على البناء دوماً على هذا الوعي، وهو ما أثبتته الهبّة الأخيرة التي عمّت أرجاء فلسطين المحتلة في أيار / مايو الماضي، وإنما حرصت خطابات المقاومة على تبنّي الخطاب الشعبي وتقديمه. ولئن لم تجلس الطفلة نجوى جلامنة أمامنا مجدداً، وتعيد علينا خطابها على أنقاض مخيم جنين بعد انتهاء المعركة في سنة 2002،[6] فإن أقرانها الذين كانوا يديرون الغرفة المشتركة ويلقون خطاباتها الثورية، هم الأطفال الذين ورثوا إرث المقاومة وخطابها الذي بنى وعيهم وذاكرتهم؛ هذه الذاكرة التي تجلّت ليس فقط كخطاب عسكري، بل في الهتاف الشعبي في التظاهرات اليومية في مخيم جنين واليافطات والبوسترات والصور أيضاً. فكان التفاعل الحقيقي بين الأنا الجمعية الشعبية الواعية بذاتها، وبين فعلها الثوري الذي يؤدي إلى الحرية والتحرر، وهو تفاعل انهزم العدو أمامه في حربه الإعلامية، وانتصرت الأنا الجمعية بمشاركتها الفعلية ميدانياً في التظاهر وفي مختلف مظاهر العسكرة التي شهدتها تلك الفترة الزمنية، أو بمشاركتها في مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام.

وعلى الرغم من أهمية ما راكمته عملية نفق الحرية على بناء الوعي الجمعي والذاكرة المنتصرة في الإعلام، بدءاً من تحطيم أسطورة السجن بالهروب منه، والصور الذهنية التي رسختها المقاومة من مدينة جنين ومخيمها، فإن بناء أيديولوجيا المقاومة في الإعلام الفلسطيني، والعمل على تعزيزها في الوعي الجمعي، ليسا عفويَّين أو مرتهنَين بأحداث تكون المقاومة وبندقيتها في أوج فاعليتها، وإنما هما فعل تراكمي ومستمر، لا يمكن تجاهل ما سبقه، ولا يمكن تجاهل توقّع ما سيأتي، ولا سيما في ظل فقدان القيادة القادرة التي عليها بناء هذه الأيديولوجيا وتعزيزها. فالدور هنا بات مرهوناً أيضاً بالإعلام المحلي التحرري الخارج عن سيطرة المؤسسة الرسمية، والذي لديه القدرة على التأثير في الإعلام الدولي. فبحسب ما يقول فيصل درّاج، فإن الأيديولوجيا العفوية هي خواء أيديولوجي، وربما تتحول إلى أيديولوجيا قامعة، أو ربما أيديولوجيا سلطوية.[7] وهنا يأتي دور الصحافي الفلسطيني في مرحلة المعركة، فعلى عاتقه يقع تحريك الشعب في وقت السكون، وضمان ألّا يغفو في أثناء الغفوة، فهو، ككل مثقف مستعمَر، مسؤول عن أن يتحول إلى موقظ للشعب، ودوره ليس محصوراً في أن يبرهن وجود أمّته من خلال الثقافة، بل في أن يخوض المعركة معها[8].

 

المصادر:

[1] انظر: "هيئة الأسرى: تفاصيل قاسية ومؤلمة يرويها الأسيران العارضه لمحاميَي الهيئة اللذين تمكّنا من زيارتهما بعد منتصف الليل"، بيان نُشر على صفحة "هيئة شؤون الأسرى والمحررين" في موقع فايسبوك، بتاريخ 15 / 9 / 2021، في الرابط الإلكتروني.

[2] انظر: فيديو "الشهيد أحمد سناقرة طائر الفينيق"، في موقع يوتيوب، بتاريخ 17 / 1 / 2019، في الرابط الإلكتروني

[3] شذى حمّاد، "أم المقاومين تحيا في كل نيسان"، 8 / 4 / 2017، شبكة "قدس" الإخبارية، في الرابط الإلكتروني. 

[4] حسن حنفي حسنين، "ثقافة المقاومة" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص 39.

[5] محمد المجتبى عبد العزيز عثمان، "المقاومة بين الذاتية والموضوعية" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص 45.

[6]  لسماع كلام الطفلة نجوى جلامنة، انظر فيديو "طفلة فلسطينية تتحدث عن مخيم جنين"، في موقع يوتيوب، في الرابط الإلكتروني. 

[7] فيصل درّاج، "بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية" (بيروت: دار الآداب، 1996)، ص 16.

[8] فرانز فانون، "معذبو الأرض"، تعريب سامي الدروبي وجمال الأتاسي (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، ط 2، 2015)، ص 180.

Author biography: 

شذى حمّاد: إعلامية وطالبة في برنامج الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة في جامعة بيرزيت، فلسطين.

Read more