A Tunnel for Culture
Full text: 

احتفلنا خلال أسبوع واحد باستقلالين: استقلال وهمي في فلسطين، واستقلال متوهم في لبنان. كأننا في حلقة مفرغة من المعاني، فالكلمات التي يتم استخدامها في اللغة السائدة صارت بلا معنى، أو تقول عكس معناها، أو هي في أفضل الأحوال أحد أشكال السخرية من المعنى الذي وُضعت للتعبير عنه.

"الاستقلالان" اللبناني والفلسطيني اللذان تزامنا عن طريق المصادفة، يعبّران عن عمق أزمة اللغة في زمن الانحطاط الذي يعيشه العرب بعد انهيار الانتفاضات الشعبية تحت ضربات الثورة المضادة.

ففي بيروت يتخذ الانحطاط شكل انهيار اجتماعي واقتصادي وثقافي بلا قعر، بينما يتبلور معناه التراجيدي في فلسطين المحاصرة بنكبتها المستمرة.

وفي الحالين تفقد اللغة معانيها، وتتآكل القيم، وسط محيط عربي من اللامبالاة الوحشية، ومن التوغل في الاستبداد والتفكك والتطبيع - التتبيعي.

نحن في أزمة شاملة وصلت إلى ذروتها مع مأزق اللغة العربية التي تبلبلت فيها المعاني، كأن زمن الهزيمة أعادنا إلى ما قبل النهضة اللغوية في القرن التاسع عشر، حين وضع الشدياق ومعاصروه "الساق على الساق"، وأعادوا بناء لغة العرب بصفتها نافذة على الحرية والتحرر، وأداة لصوغ حلم النهوض من ركام الاستبداد.

والسؤال هو مَن يحرس الكلمات؟ ومَن يدافع عن المعاني؟

الجواب البديهي عن هذا السؤال، هو أن المثقف هو حارس اللغة ومجددها، وأن المعرفة هي أداة مكافحة هذه العتمة الرهيبة.

ولعل النموذح الثاني، بعد نموذج نهضويي القرن التاسع عشر ومشروع الحداثة الذي بدأ مع طه حسين وأقرانه، هو النموذج الثقافي الفلسطيني الذي نهض من ركام حرب نكبة 1948، من خلال التمسك باللغة وتحويل أشكالها الإبداعية في الشعر والنثر إلى وطن في المنفى، كمؤشر إلى نهوض سياسي فلسطيني سيتبلور مع المقاومة.

أدى المثقف الفلسطيني والعربي دوراً كبيراً في فتح أبواب المقاومة، ففي النصوص الأولى لسميرة عزام وغسان كنفاني وراشد حسين ومحمود درويش وسميح القاسم، بدأت اللغة تتبلور، ومعها صارت السياسة الجديدة، أي سياسة الثورة، ممكنة.

لا أريد دعوتكم إلى استذكار الماضي، حين اجتاحت عتمة النكبة جميع مفاصل الحياة، إذ لا ضرورة للتذكر لأن حاضرنا استعاد تلك العتمة، بل ربما كانت العتمة الآن أكثر كثافة، لأن ما كان يرشح من ضوء احتمالي عربي، صار اليوم شقوقاً ترشح دماً.

الافتراض الذي أنطلق منه، هو أن الثقافة تستطيع في أزمنة الكوارث، أن تحمل المجتمع وتحميه من السقوط، لأنها تستطيع أن تقدم له مرآة تعكس احتمالات التغيير.

غير أن هذا الافتراض الذي عاشته الثقافة العربية في مرحلتَي النهضة والحداثة، يبدو اليوم مهدداً بالانقراض، إن لم نقل إنه في طور الانقراض.

فبدلاً من حرية الثورة هناك ثقافة السلطة، وبدلاً من حلم المستقبل يأتي كابوس الماضي، وبدلاً من المثقف المستقل الذي يواجه السلطة بالحقيقة، يسود مثقف البترودولار والانحناء والخوف.

شبح الديكتاتورية في كل مكان، فالبطريرك الماركيزي أضحى خريفُه خريفَ العرب، وكوابيس فرانز كافكا تحولت إلى "محاكمة" يومية للمواطنات والمواطنين، أمّا المستبدون العرب فأخذوا بلادنا إلى المنافي.

ملايين العرب يجرون إلى المنافي، بحيث جرى تعميم كوارث النكبة الفلسطينية على شعوب عربية كاملة، وبأيدٍ عربية هذه المرة.

لا أدري كيف سيؤرَّخ لهذه المرحلة التي اختلطت فيها الأصوليات بالاستبداد، وصار القاتل يفتخر بجريمته من دون أي رادع.

ما أعرفه هو أن الاسم الوحيد الملائم لوصف حالتنا هو الحضيض.

ماذا يستطيع المثقف أن يفعل في الحضيض؟

لن أدخل في نمذجة المثقفين مميزاً بين اتجاهاتهم، فأنا لست معنياً اليوم بالمثقف المرتشي والزاحف في بلاطات شيوخ الذهب الأسود، والذي يجد في التطبيع - التتبيعي وسيلته للتبرؤ من القضية الفلسطينية، لكن بلغة الحداثة المستبدة التي تلائم مآرب عروش تهتز! ولست معنياً أيضاً بمثقف الجيوش، الذي وجد مخرجاً اقتصادياً في التحالف الجهنمي بين العروش والجيوش، ولست معنياً أخيراً بالمثقف الذي وجد في الارتزاق من أموال ممالك تدمير الحرية وسيلته للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان!

ما يعنيني اليوم هو المثقف، مثلما تبلور من "إني أتهم" لزولا، إلى المثقف العادل كما عند جوليان بندا، وصولاً إلى غرامشي ومثقفه العضوي، وسارتر ومثقفه الحر، وإدوارد سعيد ومثقفه النقدي.

وعلى الرغم من الفروق بين هذه النماذج من المثقف، فإن ما يجمعها هو استقلالية المثقف، وتأكيد دوره الاجتماعي والسياسي.

أعتقد أن الثقافة الفاعلة لا ينتجها إلّا هذا النوع من المثقفين والأدباء والفنانين، وأن لحظتنا العربية والفلسطينية لا تستطيع أن تحمي المعنى وتنتجه إلّا بثقافة حرة ومستقلة.

لكن أين نجد هذه الثقافة اليوم؟

هذه الثقافة هي في كل مكان، وصوتها هو الأعلى، فنحن لم يسبق أن احتفينا بشعراء كمحمود درويش، وبأدباء كغسان كنفاني وإميل حبيبي، وبمفكرين كإدوارد سعيد، مثلما نحتفي بهم اليوم.

غير أن هذا الاحتفاء هو مجرد لعبة شكلية، إنه جزء من ثقافة الفرجة السائدة التي يشارك فيها الجميع كتعويض عن العجز عن مواجهة أسئلة الحاضر.

وثقافة الفرجة العربية تتخذ أشكالاً متنوعة، وقد تأسست فوق ركام الحواضر العربية التي استباحها القمع وحطمها الاحتلال ووقعت أسيرة هيمنة استبدادٍ نهب ثروات البلاد وشرّد أهلها.

ولعل أكثر أشكالها فداحة هو البهرجة الإعلامية الباذخة التي تصاحب إنجازات وهمية، كشراء فرق أوروبية لكرة القدم، وبناء الأبراج والمتاحف، وتسليع الفن والأدب، وتحويل إعلاميي السلطة والفرجة إلى مراجع ثقافية.

قلت إن هذا النوع من الثقافة ليس موضوعي الآن، إلّا إن مواجهته والتصدي له ضرورة كي لا يندثر المعنى بشكل كامل.

سؤالي عن المثقف النقدي يقودني إلى طرح السؤال عن السجن، باعتباره سؤالاً ثقافياً مركزياً.

كما تعلمون، فإن العالم العربي هو المكان الأخير في العالم الذي يزدهر فيه أدب السجون، ولعل نصوص صنع الله إبراهيم وعبد الرحمن منيف أدت دوراً مركزياً في تأسيس بنى الرواية العربية الجديدة ما بعد المحفوظية، كما أن النصوص الطالعة من سجن تدمر الرهيب: مصطفى خليفة وفرج بيرقدار، قامت بدور أساسي في تشكيل وعينا بأن مدننا كلها صارت سجوناً، وأنها في طريقها إلى التحول إلى منافٍ.

ولعل تجربة ألوف الفلسطينيين الذين تجرعوا ويتجرعون مرارة الأسر في السجون الإسرائيلية، تقدم إلى الثقافة الفلسطينية مدخلاً إلى قراءة احتمالات الأفق.

ماذا فعل الأسرى؟

نظّموا أنفسهم، درسوا ونال بعضهم شهادات جامعية، قاوموا، أضربوا عن الطعام، كتبوا الوثائق، نشروا روايات وأشعاراً، لكنهم وجدوا أنفسهم، وسط سيادة ثقافة الهزيمة، في عزلة، على الرغم من جميع حملات التضامن معهم.

وفي النهاية وجد الأسرى طريقاً قد يكون مجرد مؤشر أو رمز، لكنه الطريق الوحيد لفتح احتمالات الحرية.

ذهبوا إلى باطن الأرض، حفروا العتمة كي يعثروا على الشمس، تغلغلوا في التراب والطين كي يصنعوا منهما أرضاً لحريتهم.

هذا هو درس جلبوع، فالمسألة لها اسم واحد هو الحفر في الأعماق من أجل الوصول إلى الضوء وتغيير الحاضر وبناء أرض جديدة في أرضهم التي يحتلها الوحش الصهيوني.

لكن ما علاقة الثقافة بنفق جلبوع؟

لا يكفي أن يكون المناضل زكريا الزبيدي في صدد إنجاز رسالة ماجستير في جامعة بيرزيت كي نذهب بعيداً إلى استنتاجات ثقافية متسرعة.

في الظاهر لا علاقة لنفق سجن جلبوع باستعادة اللغة لمعانيها، مع أن المناضلين الستة أعادوا إلى كثير من الكلمات دلالاتها، واستعادوا اسم الفدائي الذي اختفى تحت ركام التنسيق الأمني. لكن المسألة أكثر تعقيداً.

المسألة تتعلق بخيارات المثقف النقدي التي باتت تضيق بشكل كامل، فهو أمام أحد خيارين:

الخيار الأول هو أن ينعزل داخل بيئة أكاديمية، قد تكون في أغلب الظن غربية، فيبتعد عن القضايا العامة، ويصير مثقفاً متخصصاً يخدم قضيته واقتناعاته بخفر من خلال أبحاثه والعمل في حقل التدريس.

والخيار الثاني، هو أن يجد كوة في الصحافة والمجلات التي بات معظمها يضيق به وبأمثاله، أو في وسائل التواصل الاجتماعي، فيتابع عناده، ويؤدي دوره كشاهد.

وفي الحالين، فإن هامشية الثقافة تتزايد: في الحالة الأولى، أي مع الخيار الأكاديمي، يكون المثقف هو مَن اختار التهميش كي يحمي كرامته، أمّا في الحالة الثانية، فإنه لا يشعر بالتهميش لكنه يشعر بفقدان التأثير، جرّاء التصحر الذي أصاب حركات التغيير.

الحالة الأولى واضحة المعالم، فالأكاديميا عالم له قواعده وضوابطه التي على المثقف الالتزام بها، بينما الحالة الثانية إشكالية وخطرة.

وما يجب دراسته وتحليله هو هامشية ملتبسة توحي بالفاعلية، لكنها فاعلية ظرفية وسريعة البدد عرفناها في موروثنا الشعبي ونطلق عليها اسم مجنون القرية.

وعن مجانين القرى هناك كثير من الأعمال الأدبية الشيقة في الأدب العربي الكلاسيكي، والتي تشير إلى عقلاء المجانين أو حكماء المجانين. أمّا في أدبنا الحديث فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو رواية الطيب الصالح "عرس الزين"، كما نستعيد ذكرى محزنة ومأسوية هي اتهام مي زيادة بالجنون. وحكاية مي صارت رواية بعنوان "ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية" لواسيني الأعرج.

مجنون القرية جزء أليف من حياتها اليومية، فهو يقول ما يجب أن يقال ولا يقال، لكن قوله يؤخذ على محمل الطرافة، ولا يترك أثراً.

أمّا المثقف الذي يدفعه الواقع المزري إلى هذه الصفة، فإنه إذا كان محظوظاً ونجا من الاغتيال والسجن، فإنه يتجرع كأس التهميش المطلق ويصير بلا أي فعالية، مع أنه قد يحظى بالعديد من القراء.

لا يصير المثقف بحكم مجنون القرية إلّا عندما تفقد قوى التغيير في المجتمع تأثيرها، فتصبح على هامش الحياة السياسية، أو تجد وسيلة للالتحاق بإحدى السلطات المتصارعة.

هل هذا هو مصير الثقافة النقدية في بلادنا؟

أشرت إلى العلاقة بين السجن والأدب، فالكاتب سجينُ مشروعه إلى أن ينفتح النص على المجهول، وعندها يصير الأدب أفقاً. أمّا السجين فكاتب مؤجل، يكتب الغياب والعزلة، لكنه حين يحفر عتمة السجن، يصل إلى شمس الحرية التي تشبه الكلمات.

أمام أسوار السجن، وفي غياهب انهيار المعاني، نحفر نفقاً.

نفق الثقافة يُدخلنا أيضاً في العتمة الموقتة، لكنه طريقنا الوحيد إلى تأسيس المعاني والدفاع عن الكلمات.

عتمة هذا النفق ليست دعوة إلى الانسحاب، وإنما هي على العكس، دعوة إلى الانخراط من خارج السائد ولغته ورموزه. وهي مسار ممكن بل ضروري، لأن السائد بمختلف تلاوينه لم يعد يمتلك خطاباً متسقاً وعقلانياً يمكن الدفاع عنه، فهو لا يملك سوى سلاحَي القمع العاري واللغة العارية.

القمع العاري المجرد والمبني على غريزة القتل والدم، احتل الشوارع العربية، ورأينا كيف قام بتحويل المدن إلى سجون، والسجون إلى مقابر.

أمّا اللغة العارية فلا تجد ما تتدثر به في بلاد العرب سوى الرشوة المعطوفة على ثقافة الفرجة والرقابة والقمع. وهذا العري اللغوي صار إحدى سمات الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يعد يمتلك أداة أيديولوجية لتغطية نظام الأبارتهايد، فلجأ إلى مزيج قومي ديني فاشي، كَشَفه بدلاً من أن يغطيه.

نفق الثقافة هو محاولة للخروج من إطارَي الرضوخ وجنون العقلاء. إنه حفر في الأعماق، ومقاومة تبدأ بتصويب اللغة وإعادة المعنى إلى المعنى.

هذا النفق ليس مجازاً أدبياً، وإنما ممارسة تنطلق من كتابة الحاضر وصوغ ذاكرة الغد. ففي التماهي مع المهمشين والمضطهدين واللاجئين والمنفيين، وفي الدفاع عن علاقة الحق بالحقيقة، ورفض أشكال القمع والتسلط كلها، ومقاومة المحتل بسلاح النقد الذي يأخذنا إلى نقد السلاح، تنهض فكرة فلسطين من حطام النكبة.

Read more