Two Stories from the Good Old Days
Date: 
December 15, 2021
Author: 
blog Series: 
The Prisoners
  1. حين جمعتني عمتي بالجبهة الشعبية

كان ذلك في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حين تسللنا في مجموعة إلى لبنان، بهدف الالتحاق بالمقاومة الفلسطينية التي تواجدت بقوة هناك بعد أيلول/سبتمبر الأسود ومغادرتها الأردن إلى لبنان. في هذا البلد تواجد الكمّ الأكبر من لاجئي قرى وبلدات شمال فلسطين، بمن فيهم لاجئو بلدتنا مجد الكروم. وبعد وصولي إلى بيروت، انتقلت إلى بيت عمتي، اللاجئة في مخيم شاتيلا.

من خلال الجلسات مع أفراد عائلة عمتي، لاحظت أنها وبناتها وأبناءها يتمتعون بثقافة عالية، وأنا بالكاد كنت أنهيت الصف الثامن، ومحمود رفيقي لم يكمل الخامس أو السادس الابتدائي. ظهرنا كأننا لا نعرف الكثير مقارنة بهم، لذلك لم نتفاعل مع حديثهم إلا للحفاظ على أصول اللياقة والأدب، والتظاهر بأننا نعرف، وذلك مداراةً لأنفسنا أمامهم. لم تكن ثقافة العائلة وليدة الصدفة، فزوج عمتي كان ناشطاً سياسياً معروفاً في الجبهة الشعبية، وعليه، كان مستوى ثقافتهم جيداً، واطّلاعهم واسعاً، وآفاقهم متفتحة؛ وفي كل مرة جلسنا معهم بدا لي كأننا في جلسة ثقافية سياسية. هكذا كان نهجهم وطبيعة حياتهم. في هذا البيت العزيز تسنّى لي ذات مرة لقاء الدكتور جورج حبش.

 

لوحة لغسان كنفاني، متوفرة على موقع أرشيف ملصق فلسطين

 

كان الطريق إلى الجبهة بديهياً في ظل هذا الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه، وكان جلّ مطلبنا هو الالتحاق بالمقاومة، ولم يكن يعنينا التنظيم الذي سننضم إليه، بل اعتبرناه وسيلة للوصول إلى الهدف ليس إلا. كما أننا لم نكن على قدر كبير من الوعي لنختار، على خلفية عقائدية وفكرية، بل كان همّنا التدرب والقتال، أما الجوانب الأُخرى فقد بدت لنا في تلك الأيام هامشية وثانوية، وعلى عكس ما اكتشفته لاحقاً.

لم يكن هذا نهج الجبهة، بل كانت تُقرن العمل الفدائي بالتعبئة الفكرية وغرس العقيدة، ولا يمكن تجاوُز ذلك.  هكذا وجدت نفسي أنا ومحمود ننضم إلى حلقات فكرية ونستمع إلى محاضرات وندوات تعبوية، وقد تداخلت فيها مفردات ومصطلحات بدت لنا مأخوذة من عالم آخر. اجتهد الآخرون معنا، آخذين بعين الاعتبار خصوصيتنا، فبسّطوا لنا الأشياء ما استطاعوا إليها سبيلاً، وحاولوا جاهدين إيصال الفكرة إلينا. كان تفاعُلنا أقل من الآخرين بسبب التفاوت الذي أشرت إليه، حتى وجدنا صعوبة في تفكيك معاني المفردات اللغوية والمصطلحات التي ترددت في تلك اللقاءات - صهيونية، إمبريالية، ديالكتيك، جدلية، وما إلى ذلك -  أحببنا الرفاق وأحبّونا لبساطتنا وعفويتنا، ولفهمهم العميق لطبيعة الظروف الحياتية التي مررنا بها. رويداً رويداً، بدأتُ أنسجم مع تلك الحلقات وأتجاوب معها، بينما لم ترُق لمحمود، إذ ضاقت الأمور ذرعاً به، ولم يعد يحتمل تلك الجلسات، على الرغم من أهميتها وحيويتها لصقل الإنسان وبناء شخصيته، فاستعجل الأمر وانقطع عن الحضور.

لم يترك لي مجالاً سوى اللحاق به، إذ لم يكن في قاموسنا أن نترك الرفيق على قارعة الطريق، وخصوصاً أننا في بلاد لا نعرف فيها شيئاً. هكذا وجدت نفسي ألحق به وأترك تلك الجلسات التي أصبحتُ أراها شيقة وجذابة.

  1. تحسّسنا الحقيقة من وجوه السجانين، فإن ضحكوا خشينا

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، كنا في سجن الرملة المركزي، عشرات الأسرى السياسيين من الداخل الفلسطيني، حيث عمدت مصلحة سجون الاحتلال إلى فصلنا عن محيطنا الفلسطيني، في محاولة منها للنيل من هويتنا وصمودنا وانتمائنا. كما سخّرت السجون لهذا الهدف كل طاقتها وقدراتها، واستغلت بعض السجناء العرب الجنائيين الضعيفي النفوس وزجّتهم في المعركة ضدنا. واحد من هؤلاء كان محكوماً بالسجن مدى الحياة مرتين، واعتقد في داخله أن وقوفه ضدنا ربما يخفف حكمه، أو يحصل على امتيازات أُخرى، لذلك كان الأكثر حدة في مناوأته لنا، وعمل كثيراً على استفزازنا. من ناحيتنا، حاولنا تحييد السجناء الجنائيين العرب، أو تجنيدهم لمصلحة موقفنا. نجحنا في حالات كثيره وفشلنا في بعض الحالات، إذ كانت ضغوط إدارة السجن عليهم كبيرة. كان هذا التجاذب بين القوى مستعراً ومتواصلاً، بيْد أن هذا الشخص كان قد حسم موقفه منا منذ البداية، واستغلته الإدارة ضدنا.

حتى جاء ذلك اليوم، حين قام عدد من الفدائيين بخطف طائرة إسرائيلية إلى أوغندا. تناهى الخبر إلى مسامعنا، لكن لم تكن تفاصيل العملية معروفة بالنسبة إلينا. كنا معزولين تماماً عن الأخبار، ونسترق المعلومات من هنا وهناك، وأحياناً نتحسس الحقيقة من وجوه السجانين. استمر الترقب والانتظار أياماً عدة، وكان التوتر في أعلى درجاته. لاحقاً، علمنا بأن عدداً منا موجود على قائمة الأسرى الذين يتم التفاوض من أجل إطلاق سراحهم، ضمن عملية التبادل التي طالب بها الفدائيون في مقابل إطلاق سراح الرهائن من الطائرة المخطوفة في أوغندا.

في هذه الأثناء، كان ذلك البائس ينتظر ويراقب مثلنا، كلٌّ منا لهدفه. فجأة، بدت الفرحة على وجوه السجانين، وعلمنا فوراً بأن الأمر انتهى لغير مصلحتنا، وإن كنا نجهل التفاصيل. بعد ساعات، وإذ بدأ ذلك المراهن على الإدارة، يلفّ في ساحة السجن والمردوان، يوزع الحلوى على السجناء الجنائيين اليهود والعرب، الذين على شاكلته، في حين كانت خيبة أملنا كبيرة أيضاً، إلا أننا تجاوزنا هذا، وبقي سلوك ذلك الشخص ماثلاً أمامنا، لِما انطوى عليه من إساءة وتشفٍّ غير مسبوقين. لم تكن موازين القوى لمصلحتنا، إذ كان عددنا نحو 40 في  قسم يضم نحو 400 سجين. لكن هذا لم يؤثر في طبيعة سلوكنا وأدائنا والتزامنا بموقفنا الوطني، فشعرنا بأننا أمام امتحان كرامة وكأننا في معركة وجود مصيرية.

تداعينا إلى اجتماع عاجل لبحث أمره وتصرّفه تجاهنا، كان واضحاً ومفهوماً أننا سنعاقبه مهما كانت التداعيات، فكرامتنا الشخصية والوطنية على المحك. تم اتخاذ القرار على عجل، وأوكل تنفيذه إلى قوتنا الضاربة المكونة من بعض الشباب الأوفياء، ومن ذوي الأحكام المؤبدة.

لم يستغرق الأمر أياماً معدودة حتى كان الشباب قد نالوا منه على الرغم من الحماية التي حصّنته بها الإدارة والسجناء الجنائيون، فتمت محاسبته كما يلزم وينبغي لأمثاله. قامت قيامة الإدارة، فعزلت بعضنا في السجن الانفرادي والزنازين، ونُقل بعضنا الآخر إلى سجون أُخرى، لكننا في ذلك اليوم فرضنا معادلة جديدة في السجن لمصلحتنا. مفادها أن كرامة الأسرى لا تُهان.

انظر

From the same blog series "The Prisoners"

Read more