Jerusalem Audience Reacts to the Jerusalem Arab Film Festival (First Round)
Date: 
December 3, 2021
Author: 

"كانت في القدس ثلاثة دور للسينما تقع اثنتان منها في شارع صلاح الدين، والثالثة في شارع الزهراء. كنت، وأنا طالب في المدرسة الرشيدية، أقطع الشارع نحو سينما الحمراء، أتفرج على الملصقات التي تحمل صوراً لممثلين وممثلات، ثم أذهب للغاية نفسها إلى سينما النزهة التي تقع في آخر الشارع، ولا تبعد عن سينما الحمراء إلا مئتي متر أو أكثر قليلاً، وحين ظهرت سينما القدس في شارع الزهراء تعزّز حضور السينما في حياة المقدسيين والمقدسيات. وكان من اللافت الانتباه أن كلاً من دور السينما الثلاثة كانت تقدم للجمهور ثلاثة عروض في اليوم الواحد؛ كل عرض يشتمل على فيلمين بتذكرة واحدة. دخلت سينما الحمراء أول مرة وأنا في الثالثة عشرة من العمر، لمشاهدة فيلم "سنوحي" المصري، ولم يتوقف شغفي بالسينما منذ ذلك الوقت إلى الآن، كان ذلك في العام 1954."

حين قرأتُ هذه المقالة للكاتب المقدسي محمود شقير بعنوان "عن القدس والسينما"، بدأتُ أنا ايضاً أبحث عن ذكرياتي مع السينما في القدس، وكواحدة من الجمهور، ولأنني عشتُ في فترة زمنية مغايرة لتلك التي شهدها شقير، وبدأتُ مرحلة النضوج وأنا شاهدة على إغلاق دور السينما في المدينة خلال أحداث الانتفاضة الأولى وما تلاها، فقد كانت هذه القطيعة وهذا الفراغ ربما محركاً أساسياً لي حين عدتُ إلى المدينة للتفكير في "مهرجان القدس للسينما العربية".

حين سُئلت عن الجمهور وعلاقته بالسينما في مدينة تعاني أوضاعاً سياسية واجتماعية استثنائية، وجدتُ أن العنوان واسع وعريض، لكن الأجوبة والاحتمالات ممكنة، وسأحاول ذلك، في ضوء مبادرتي التي أطلقتها السنة الماضية 2020، وهي "مهرجان القدس للسينما العربية"، في قلب مدينة على خط المواجهة والنار، وفي عام استثنائي بعد انتشار فيروس كورونا.

ما بين ذكريات محمود شقير، وحال المدينة وحياتها الثقافية بعد كل تلك الأعوام، وما بين تجربتي العام الماضي، تساءلت: أين يقف الجمهور الفلسطيني المقدسي من السينما، أو أين يقف من الفعاليات الثقافية؟ هل تجربة الذهاب إلى السينما أو لحضور فيلم هو نشاط ثقافي في ذهن الجمهور، ويحرص على المشاركة فيه؟ حتى الآن لم أعرف أجوبة محددة، إلا إن هناك ما يمكن قوله والبناء عليه، وذلك من تجربتي الخاصة خلال تحضيراتي لـ "مهرجان القدس للسينما العربية"، ومن خلال لقاءات بعض الأصدقاء الفاعلين في القطاع الثقافي، وخصوصاً أن معظمهم، حين شاركته فكرة المهرجان، نصحني بالتراجع عن الخطوة بالقول: إن الناس متعبة وغير مهتمة بحضور فعاليات ثقافية. وعلى الرغم من ذلك كان هناك إحساس في داخلي يرفض تصديق ذلك والتسليم به، فقد كنتُ على قناعة بأن الفعاليات والأنشطة الثقافية حتمية في كل مدينة، وأن القدس، تحديداً، كانت غنية دوماً بفضائها الاجتماعي ومركزيتها الثقافية، وأستحضر هنا مداخلة للمؤرخ وأستاذ التاريخ عصام نصار، في مؤتمر سنوي عقده المتحف الفلسطيني، حين تحدث عن استعادة مركزية القدس في الثقافة والفنون، مركّزاً في حديثه على التاريخ الحِرفي والفني للقدس، وعن دور المدينة كمركز للإنتاج الفوتوغرافي والأيقوني الفني والإبداعي الأدائي، مشيراً إلى أنه، وعلى الرغم من المكانة الدينية والأثرية للقدس، فإن ما خلق مركزيتها وجوهرها هو فضاؤها الاجتماعي، وموقعها المتقدم في الإبداع الفني والمعماري في المنطقة، مختتماً مداخلته بالتركيز على أهمية إعادة النظر والتذكير بالدور المحوري للقدس في الحياة الفلسطينية المعاصرة، ليس من باب التذكُّر النوستالجي للماضي، بل لاستعادة مكانة المدينة في المخيلة الجَمعية الفلسطينية كخطوة على طريق الاستعادة المادية. وفكرة الاستعادة الثقافية تلك، التي يتحدث عنها نصار في طريق الاستعادة المادية، كانت تعني لي، كمقدسية، أن أمضي قدماً في تنظيم مهرجان للسينما في قلب المدينة.

مع بدء التحضيرات، كانت الأسئلة التي قد تحضر في ذهن أي شخص يجهّز لمهرجان للسينما حاضرة في ذهني، أضفتُ إليها أسئلة أُخرى متعلقة بخصوصية المدينة وجمهورها في ظل وضعها السياسي المتقلب، وثقل يوميات سكانها تحت الاحتلال، وأزمة الوباء؛ تواصلتُ مع مؤسسات اجتماعية وثقافية في المدينة لتنفيذ العروض المختلفة في مقراتها كي أضمن حضوراً متنوعاً في أماكن قد يرتادها جمهور من مختلف الفئات، وتساءلت أيّ أفلام أحضّر للقدس؟ فالمدينة تحتاج إلى تعزيز تواصُلها مع امتدادها العربي، وإلى مهرجان خاص للسينما العربية يضم أفلاماً تحمل قضايا اجتماعية وسياسية متنوعة وتنقل، ولو شيئاً، من حياة ويوميات وواقع وتاريخ مدن ومناطق عربية إلى القدس، وفيها مقاربات قد يجدها المتلقي في واقع مدينته؛ ففي وثائقي "بيروت المحطة الأخيرة" كانت المحاولة لدراسة الأحداث والظروف في التاريخ الحديث والمعاصر، والتي أدت إلى إنشاء دولة لبنان، ولاستكشاف مفاهيم الحدود والهوية والانتماء داخل منطقة مضطربة على الدوام؛ وفي الفيلم الروائي المصري "لما بنتولد" عرض لثلاث قصص لشخصيات شابة مختلفة تواجه تحديات بسبب القيود المفروضة عليها، طبقياً واجتماعياً ودينياً؛ وفي الوثائقي "أرواح صغيرة" تتبُّع لحياة اللجوء اليومية مع أطفال في مخيم للاجئين السوريين؛ أمّا في الروائي المغربي "نساء الجناح ج" فتركيز على الاضطرابات النفسية والقضايا الاجتماعية المسكوت عنها، والتي قد تواجهها النساء في أي مجتمع من المجتمعات العربية. كما كانت الأفلام الفلسطينية المهتمة بقضايا الفلسطينيين المركّبة والمتداخلة حاضرة، كما في الوثائقي "إبراهيم: إلى أجل غير مسمى"، والذي يبحث في قصة ومصير شخص كان ينتمي إلى فصيل ثوري في منظمة التحرير الفلسطينية؛ والفيلم القصير "في المختبر"، والذي يأخذ الجمهور في خيال علمي وتدور أحداثه في مدينة بيت لحم التاريخية، بعد عقود من وقوع كارثة بيئية. يتأمل الفيلم مفاهيم شاملة، منها الذاكرة والتاريخ والمكان والهوية. وبالإضافة إلى تنوّع مواضيع الأفلام ومقاربتها واقع المدينة، كان أحد المنطلقات الأساسية هو احترام اهتمامات الجمهور ووقته، فحرصنا على دراسة المواعيد الأنسب والتركيز على تنوّع المواعيد وملاءمتها لكلا الجنسين، مع إدراكنا للواقع الاجتماعي المفروض على الإناث.

أدركُ تماماً أن الجمهور المقدسي انقطع عن السينما فترة طويلة بعد إغلاق دور السينما الفلسطينية، وتحديداً منذ فترة الانتفاضة الأولى أواخر الثمانينيات، ولعل هذا الانقطاع أثّر في ارتباط الجمهور بالفعاليات التي تخص السينما، أي أن سلوك الذهاب إلى دور عرض خاصة بالأفلام لم يعد موجوداً، ويقتصر حضور الأفلام على شاشات صغيرة، وفي إطار فردي؛ لذا، إن فكرة استعادة السينما في فضاء عام، وكتجربة جماعية في مدينة القدس، هي من التحديات. لا يمكنني القول إنه من الممكن أن تأخذ جهة بعينها وعلى عاتقها إعادة نشر ثقافة السينما بشكل ممنهج في المدينة، وذلك لعدة أسباب، أولها أن تنظيم هذه العروض مكلف في ظل عدم وجود دور سينما حقيقية في المدينة مهيأة لهذه العروض، وهو ما يدفع إلى تهيئة أماكن أُخرى لذلك، بالإضافة إلى الوضع المعيشي الصعب الذي ازداد حدّة مع وباء كورونا وعدم تمكُّن الجمهور من شراء تذاكر للعروض، وهو ما يزيد الثقل على المنظمين؛ والعامل الأهم، في رأيي، هو عدم وجود ديمومة للأنشطة أو العروض السينمائية في المدينة، فالعروض، وإن وُجدت، عادة ما تكون مرتبطة بتمويل ما، وفي حال انعدام التمويل، يتوقف العرض وتعود القطيعة من جديد ما بين الجمهور والسينما في الفضاء العام.

وعلى الرغم من كل ما أسلفته، فإن تجربتي المتواضعة خلال النسخة الأولى من "مهرجان القدس للسينما العربية" تعطي أملاً أحاول البحث فيه، فقد لاحظتُ إقبالاً جماهيرياً كبيراً على الرغم من الإعلان للمهرجان في ظرف خاص مع بدء السماح بتنظيم فعاليات عامة، بعد الإغلاق الذي فُرض بسبب الوباء، وكان شرط الدخول هو الحصول على بطاقة تفيد بأخذ اللقاح. وعن سبب الحضور الكبير، والذي لم أجد له تفسيراً دقيقاً، أو وجدتُ عدة احتمالات، ربما كان أحدها أكثر دقة من الآخر: أولاً، هل كان المهرجان أول نشاط ثقافي كبير يُعقد في مدينة القدس بعد إغلاق المدينة أكثر من 18 شهراً بسبب جائحة كورونا؟ ثانياً، ربما لأن المهرجان قدّم أفلاماً تمثل السينما العربية الحديثة، وتنوعت مواضيعها والبلاد التي جاءت منها، كما عُرضت لأول مرة في المدينة؟ ثالثاً، أن المهرجان أقيم في مؤسسات ثقافية لها تواصل متجذر مع الجمهور الفلسطيني في القدس، مثل المسرح الوطني الفلسطيني "الحكواتي" ومؤسسة يبوس وغيرهما؟ رابعاً، ربما توصيف "المهرجان" يضفي على الحدث بُعداً بأهميته ويكون الحدث لافتاً أكثر من أي حدث آخر؟

 كانت أيام المهرجان الخمسة حافلة بالجمهور المقدسي، وكان لافتاً أن أكثر من 50% من الحاضرين تكرر حضورهم في الأيام الخمسة، كما وعدنا الجمهور بألا يقتصر عملنا على تنفيذ مهرجان فقط، بل أن يكون هناك استمرارية في العمل لتحقيق هدفنا، وهو نشر وتعزيز الثقافة السينمائية في المدينة، وتفعيل العمل بالأدوات الثقافية لجمهور الشباب؛ لذا، أعلنا عن وجود ورشة متخصصة في صناعة الأفلام الروائية القصيرة، وكذلك عروض سينمائية شهرية من شأنها أن تخلق حراكاً ثقافياً مستمراً، وخصوصاً أن الدعوة عامة ومجانية.

اختيارات الأفلام الشهرية لا تقل أهمية عن اختيارات الأفلام التي عُرضت خلال المهرجان، كما فوجئنا بحضور واستجابة الجمهور، ففي أول فيلم عُرض بعد المهرجان وضمن فعاليات "ليالي القدس السينمائية" أذكر أنني تحايلت على الصحافة لكي تبقى وتغطي الحدث، وخصوصاً لأنهم لم يتشجعوا بسبب وجود أربعة أشخاص فقط، وفي ساعة عرض الفيلم اكتمل العدد في القاعة وكان ذلك لافتاً، وفي العرض الثاني كان الإقبال الجماهيري أقل بكثير، حاولت الاستفسار عن السبب الممكن، فوصلتني إجابتان، وهما أن هناك فعاليتين ثقافيتين تُعقدان في الوقت نفسه، وهو ما تنبهتُ إليه خلال برمجة عروض الأفلام لاحقاً.

قررتُ أن أسأل بعض مَن حضر المهرجان والعروض اللاحقة، وبعض مَن لم يحضر، عن سبب حضورهم أو عزوفهم عن ذلك، وكانت هذه الإجابات:

سامية زلاطيمو (حضرت أفلام المهرجان، لكنها لم تحضر العروض الشهرية)، قالت: "نريد أفلاماً بتضحّك وبتشيل الهمّ عن القلب". أمّا أحمد شرف فقال: اذهبوا إلى إنستاغرام وأعلنوا عن أنشطتكم هناك، نحن جيل غادر الفايسبوك منذ فترة طويلة.

أعود إلى التساؤل مرة أُخرى: هل يهمنا كمؤسسات فلسطينية فعلاً خلق جمهور مخلص لأنشطتنا؟ لا شك في أن الإجابة نعم، لكن ماذا نفعل لتحقيق ذلك؟ أجد من المفيد جداً فتح هذا النقاش بين المؤسسات الثقافية، وإيجاد آلية من التنسيق والعمل التشاركي لخلق هذا التواصل مع الجمهور، كما أجد أهمية في إعادة تفكير المؤسسات في شكل تمويلها الذي يعتمد، في أغلبيته، على التمويل الخارجي، وضرورة المراكمة حتى بأبسط الإمكانات لتعزيز الاستمرارية مع هذا الجمهور حتى في ظل شح التمويل، وإشعار الجمهور باحترامه وأهميته، فخلال عروضنا الشهرية، كما ذكرت، كانت القاعة تمتلئ أحياناً بالحضور، وأحياناً يحضر فقط خمسة أشخاص، وسأل أحدهم في أحد العروض، هل سيُعرض الفيلم لنا نحن الخمسة فقط؟ فأجبنا: طبعاً نعم لأننا نحترم وجودكم واهتمامكم.

خلال "مهرجان القدس للسينما العربية" بنسخته الأولى في آذار/مارس الماضي، أعلنا عن سلسلة نشاطات تستمر بعد المهرجان، وذلك حتى نبني على التجربة ولا نقف عند مبادرة لعدة أيام فقط، فأعلنا عن عروض شهرية وورشات عمل متخصصة في صناعة السينما، وهذا ما يحدث الآن ونتمنى أن يستمر، لأن هدفنا إيجاد مساحات لجميع المهتمين بهذا لقطاع، سواء للتعلم أو الاستمتاع. كما نسعى لتأسيس نادٍ ثابت للسينما في المدينة، انطلاقاً من قناعاتنا بأهمية النقاش والحديث عن السينما وأهمية الانفتاح على التجارب في محيطنا العربي، والتي توثقها هذه الأفلام.

أتمنى أن نصل إلى مرحلة يقرر فيها الشخص عند سماعه عن فيلم معين تخصيص وقت خاص فعلاً لحضور الفيلم وأن يخرج حقاً إلى السينما لشراء تذكرة له ولرفيقه، أو زوجته، أو حبيبته، وأن يعي الناس أهمية عيش الحالة الجماعية من خلال مشاهدة الأفلام بطقوسها المختلفة والثابتة، والتي لا يمكن إلا أن تبقى في الذاكرة، وغالباً ما تكون ذاكرة جميلة وحقيقية بعكس ما يتم في منصات أُخرى.

في النهاية، يمكننا القول إن تجربة بناء علاقة مع الجمهور تحتاج إلى رؤية واضحة ونَفَس طويل، واستمرارية في العمل في ظل مختلف الظروف. وأود هنا أن أشكر المسرح الوطني الفلسطيني- الحكواتي، لتسهيل وتشجيع العروض الشهرية، ولإيمانهم بأهمية العمل على تراكُم التجربة، والتي ستؤتي ثمارها حتماً.

مهرجان القدس للسينما العربية هو مبادرة ثقافية أُطلقت في سنة 2020، وتعمل بالأساس على تنظيم مهرجان سنوي لعرض الأفلام السينمائية العربية داخل مدينة القدس، كما تنظم على مدار العام عروضاً وأنشطة مختلفة تتعلق بصناعة الأفلام. 

Read more