Can Children See Holes in Prison Walls?
Date: 
November 10, 2021

لم أكن واثقة بأن الأطفال ينتبهون للأزقة في المخيم ، كنت أعرف أنهم يرونها، لكن ربما ليس إلى حد أن يقرؤوا عنها قصة.  كانت القصص التي يبحثون عنها مختلفة، وكأنهم يبحثون عن مكان آخر في هذه القصص، فسألتهم عن ذلك في حصة الفنون التي كانت الحصة الأخيرة، حين كان هاجسهم أن يعودوا إلى البيت بعد يوم متعب كامل. لم تكن إجاباتهم واضحة، لكن بعد أن أخبرتهم بأن يتخيلوا ثقباً في الجدار كالثقوب في بيوت المخيم البائسة، رسموا الثقب ورسموا في داخله ما يحبون أن يحلموا به. كان الحلم هو ما يرونه بوضوح، لا الثقب. فكتبت قصتي "ثقب في الحيط"، ورسمتها من واقع هذه الأسئلة التي كانت تدور في رأسي يومذاك. لم أعرف بالضبط انطباعات الأطفال الحقيقية، لكنني انتبهت إلى أنهم كانوا يشعرون بأنها تختلف عن قصص الأميرات، وكانت ألوانها داكنة. ومن هنا لاحظت أنهم يعرفون هذا المكان الذي تتحدث عنه القصة، إنه ربما المخيم، وربما مكان آخر موجود بداخلهم، كنت أريد أن أقترب من سؤالهم عن الحياة من خلال ذلك المكان، وكان سؤالاً من أسئلة طفولتي .

 

غلاف كتاب " ثقب في الحائط" تغريد عبد العال

 

لذلك ربما أسأل هنا، إلى أي مدى نحن نحتاج حقاً إلى أدب أطفال يخصنا؟ أو يتعلق بواقعنا، أو ربما بفلسطين؟ قد يكون الجواب بحثاً طويلاً، سوسيولوجياً أو سيكولوجياً، يأخذنا إلى مدى علاقتنا نحن الكبار بأدب المأساة أو الواقع. لكن في رأيي، ومن خلال تلك التجربة الصغيرة، يمكنني أن أقترب من ذلك السؤال وأطرح أسئلة أُخرى حوله. إلى أي مدى يقترب هذا الأدب من سؤال الطفل عن نفسه وعن مكانه؟ يبدو أن السؤالين يأخذانني إلى تجربة " القنديل الصغير" التي كتبها غسان كنفاني لابنة أخته لميس. لقد رافقتني تلك القصة طويلاً في طفولتي وقرأتها كثيراً للأطفال. لم تتحدث عن مكان ما، لكنها كانت قصة الحرية التي نريد للأطفال أن يتعلموا البحث عنها. ولا نستطيع الفصل هنا بين الحرية وفلسطين، وعلى الرغم من أن بطلتها أميرة، لكنها تطرح هنا سؤال أي فتاة أو أي فتى في العالم.

وهنا أتأكد أننا لا نستطيع أن نهمل البراءة أو الطراوة التي يمتلئ بها عالم الأطفال حين يتعلق ذلك بفلسطين، أو بقضية تشغلهم حقاً، هكذا قلت لنفسي وأنا أقرأ "سر الزيت" لوليد دقة. شعرت كأنني أقرأ أول مرة لليافعين أو الأطفال عن السجن؛ بالنسبة إليّ، لم يكن المميز فقط في هذه القصة أن الكاتب أسير، بل الكتابة عن السجن بروح طفولية تتجاوز سؤاله نحو سؤال أعمق هو سؤال الحرية. قد تكون هذه الرواية لليافعين، لكنها أيضاً تطرح رؤية مهمة وهي تقودنا إلى الاهتمام بالواقع في أدب الأطفال، وفي الوقت نفسه بالخيال كجزء من هذا الواقع، وخصوصاً أن الرواية تخترع شخصيات من الحيوانات والشجر ليكونوا جزءاً من الحكاية، وكأن لا مفر من أن يكون سؤال الواقع واسعاً وممتداً ليصير شبيهاً بسؤال: من نحن؟ وكيف نتحرر.

قادتني المصادفات إلى الإشراف على ورشة لفنانين شباب يريدون أن يكتبوا ويرسموا قصة عن القدس، فسألتهم: ماذا نريد من تلك القصة؟ تعطي المعلومات؟ تحكي عن القدس؟ أم نشعر بالأطفال هناك؟

كان لديهم إجابات كثيرة، لكن كنا نحلم بأن يحبها الأطفال وتحفزهم للسؤال عن القدس من دون أن تكون مباشرة عنها، ومن دون أن تدخل في لغة الشعارات، ولماذا لا تكون في الوقت نفسه شعرية. حاولنا في هذه التجربة أن نقترب من هذه الأسئلة ونستعير أسئلتنا الطفولية لكي نكتب شيئاً جديداً مختلفاً عما يشاهده الأطفال في التلفزيون أو ما يخبرهم به الأهل. لكن ما لاحظته أن الشباب يحاولون طوال الوقت أن يكونوا قريبين من الموضوع وخائفين جداً من الابتعاد عن المحتوى الفلسطيني في داخله، وكان ذلك جزءاً من القصة التي حاولت أن تقول لهم إن التحليق بعيداً عن الموضوع قد لا يؤذيه إذا عرفنا كيف نحتويه ونهضمه ونتناوله.

وعن سؤال: لماذا نكتب القصص؟ وهو عنوان قصيدة للشاعرة ليزل مولر قرأتها لهم، والتي تقول بين جملها، "لأن أطفالنا يصدقون أنهم يستطيعون الطيران"، كانت إحدى إجابات الفتيات: ليعرفوا الحكاية. ربما لندمج الجوابين في القصة فيصبح المستحيل ممكناً، والأمل طريقاً، وضوء الحكاية حاضراً من دون أن نحكيها. أو ربما، كما قالت مولر في القصيدة نفسها: "لا أحد يخبر القصة بالطريقة نفسها مرتين". ربما سنختار أن نقول القصيدة بطريقتنا المختلفة، أو أحياناً نحاول أن نمسكها من أطراف أُخرى كي تكون واضحة، أو كي يشعر الطفل بها. أفكار كثيرة أعطتها الورشة، وقادتني إلى التفكير في الأدب بصورة عامة، وإلى سؤال عن علاقته بالواقع؟ وعن هشاشته التي لا تحتمل أن يكون فقط مجرد مرآة.

وهنا أتذكر قصة جميلة  كتبها ورسمها حلمي التوني، صادرة عن دار الفتى العربي، التجربة التي يجب إعادة قراءة منشوراتها وتجربتها للاقتراب أكثر من فكرة معالجة "المأساة" في قصص الأطفال، ففي القصة، التي عنوانها "هي"، نكتشف في النهاية أن كل ما يتحدث عنه الكاتب هي فلسطين، ويقول ذلك في جمل شعرية، ويذكر فلسطين في كلمة أخيرة في النهاية. ربما لا نحتاج إلى أن نشرح أحياناً، بل نذكر الاسم الذي لا يراه الأطفال في مكان آخر في القصص.

Read more