A Scene from the Memory of Pain and Will
Date: 
June 28, 2021
Author: 
blog Series: 
Bronze Sculpture by Serwan Baran: International Day in Support of Victims of Torture

أنا داهش محمد إبراهيم عكري - عرابة البطوف، لاجئ من قرية ميعار المهجّرة على بعد عشرة كيلومترات. العمر 56 عاماً، متزوج من شريكة حياتي نضال شوقي خطيب ابنة السجين الأمني السابق، والذي أمضى خمسة عشر عاماً في سجون الاحتلال، أب لثلاث صبايا هنّ يافا، وشراع، وشموخ، ولشابين هما باسل وميمنة.

 

بوستر للفنان اللبناني إميل منعم، ١٩٨١، من موقع بوستر فلسطين

 

 اعتُقلت سنة 1986 بتهمة الانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والسفر إلى سورية والتدرب على السلاح. وما زلت أنتظر عودة بعض رفاقي القابعين في السجن حتى كتابة هذه الكلمات؛ وليد دقة، وإبراهيم أبو مخ، وإبراهيم بيادسة، الذين ينفّذون أحكاماً مؤبدة تم تحديدها قبل أعوام، وقد تحرر أحدهم قبل عدة أشهر بعد أن أمضى خمسة وثلاثين عاماً في السجن، وهو الرفيق رشدي أبو مخ .

لقد كان عمري حينها تسعة عشر عاماً، وكوني أحد الأسرى الذين عاشوا  تجربة اعتقالية قاسية جداً، عادت منحوتة التعذيب التي أبدعها الفنان سيروان باران لتنكأ الجرح المفتوح، وتنبّه الذاكرة الحية دائماً. أعتقد أن آلية التحقيق في أقبية الاحتلال لم تكن ولن تكون خاضعة يوماً لقوانين، ولا لاعتبارات أخلاقية وإنسانية، وإنما تتبدل وفقاً لمعيار واحد، وهو الأسلوب الذي يمكن من خلاله انتزاع الاعتراف من المعتقل. فإذا كان التعذيب الجسدي يؤدي إلى انتزاع الاعتراف بالقوة والعنف، فلن يتوانى المحقق الجلاد عن استخدامه وبأقسى صُورهِ، فهو طليق اليدين في استخدام ما يراه مناسباً من تعذيب جسدي أو نفسي، من دون أي اعتبار قانوني أو أخلاقي أو إنساني، بل على العكس، فهو مغطى ومدعوم قانونياً، حتى ولو أدى التحقيق إلى وفاة المعتقل، وهناك العديد من المعتقلين الذين فارقوا الحياة تحت وطاة وشدة التعذيب، ومنهم على سبيل المثال الشهيد إبراهيم الراعي، أبو المنتصر، الذي كان مسؤولاً عن مجموعتنا حينها.

 لقد كان لعملية التثقيف السياسي والفكري والتحصين الأمني الذي مارسه التنظيم حينها، دور كبير وتأثير مهم في رفع معنوياتنا وصلابة إرادتنا في التحقيق، إذ كانت معرفتنا بأساليب التعذيب تسهّل علينا اجتيازها ومواجهتها، هذا إلى جانب إيماننا بشرعية وصدقية قضيتنا، إذ عمدت أجهزة الاستخبارات إلى استخدام التعذيب والترهيب في آن معاً، فحوصِر البيت بأعداد وعتاد كبيرين، قيدوا يديّ من الخلف ووُضع كيس من القماش على الرأس والعينين حتى الرقبة. وما إن وصلنا إلى المسلخ (المعتقل) في الجلمة حتى بدأ الضرب المبرح ينهال من أكثر من عنصر، وعلى كل أجزاء الجسم، كما تم انتزاع القميص والبنطال عن جسدي، لأبقى بملابسي الداخليه مكبّلاً على الأرض، عارياً، مرمياً على مربع من الأسمنت الخشن.

كان ذلك في جو بارد في شهر آذار/مارس، فتعمّدوا "نسياني" مكبّلاً ليومين من دون طعام، وذلك لإيهامي بأن حياتي غير مهمة، سواء متُّ أو بقيتُ لا فرق. كل ذلك لزرع الشعور في ذهني بأنني أضحيت وحيداً أواجه مصيري الفردي. وهي محاولة لإفقادك اتزانك وتركيزك جرّاء الجوع والبرد والضرب، أملاً منهم بأن تشعر بأنك منفصل عن قضيتك التي تدافع عنها، وتذهب للبحث عن سلامتك الفردية والصحية، أي الاعتراف. وبعد اجتياز هذه الجولة تبدأ عملية "الشبح"، إذ يتم ضغط القيود على معصميك بوحشية، فتنتفخ يداك لتغور القيود حول المعصمين، معلَّقاً على باب حديدي في أعلاه، إلى أن تشعر بأن كتفيك قد اقتُلعا من مكانيهما، وتدخل في حالة ما بين الغيبوبة والصحو، كل هذا من دون أن تنال فسحة صغيرة من الوقت للنوم أو الاستراحة، ويتابعك فريقان من المحققين، يتولى أمرك فريق في النهار وآخر في الليل، وما إن تنتهي هذه الجولة تنتقل إلى جولة الخنق بالماء، فيشد المحقق الكيس على رقبتك ويضعك تحت صنبور المياه، فتحاول التنفس بالقوة وتستنشق الهواء المخلوط بالماء فتشعر بالغرق والاختناق، وبما أن الطقس كان بارداً، كان يتم إدخالنا شبه عراة ونحن نرتجف إلى غرفة المحقق الذي كانت أمامه مدفأة، فيقربها كثيراً باتجاهك وبعدها يقوم بإبعادها ليسكب عليك كوباً من الماء وُضِع خصيصاً أمامه، هذا ناهيك بالزنزانة المظلمة التي لا يوجد فيها لا ورق تواليت، ولا استحمام، ولا فرشة على السرير الحديدي، ولا وسادة أو غطاء، ويقوم برشها بالماء كي لا تتسنى لك الراحة أو النوم.

 يبدو أن الخبراء أو المختصين وجدوا أن التحقيق عبر التعذيب الجسدي لا يؤدي إلى نتيجة أمام إرادة المناضلين فاستبدلوه بآلية الضغط النفسي على المعتقل من خلال عدم إعطائه أية فرصة للنوم من أجل شلّ ذهنه وتركيزه، والإلحاح الدائم المستمر والممل عليه، ظناً منهم أنه قد يوصِل إلى الهدف. إلاّ إن الصراع الذي يدور بين العدل  والظلم، وبين الحق والباطل، سيبقى محتدماً إلى أن ينتصر الحق والعدل مهما تغيرت الأساليب، ومهما طال الزمن.

From the same blog series "Bronze Sculpture by Serwan Baran: International Day in Support of Victims of Torture"
بوستر، الاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين، ١٩٨٥، موقع بوستر فلسطين
Mousa Khoury
بوستر للفنان اللبناني إميل منعم، 1978، من موقع بوستر فلسطين
Issa Qaraqe
بوستر للفنان كامل المغني، ١٩٧٧، من موقع بوستر فلسطين
Khaled Farraj
بوستر لفنان غير معروف، 1983، من موقع بوستر فلسطين
Ameer Makhoul
بوستر لـ أسامة حجاج، ٢٠٠٨، من موقع بوستر فلسطين
Lama Khater
بوستر لـ محمد أبو عفيفة، ٢٠٠٨، من موقع بوستر فلسطين
Ismat Mansour
بوستر للفنان الاردني غازي نعيم، ١٩٨٧، من موقع بوستر فلسطين
Hassan Fatafta

Read more