The Crumbling Myths
Date: 
May 17, 2021

لعل أكثر ما يميز حرب التحرير الدائرة اليوم في فلسطين، هذا إذا ما توخينا التعمق في مغزاها ورمزيتها وأبعادها النظرية، هو تهافت العديد من الأساطير التي صاغتها المنظومة الدعائية الإسرائيلو - أميركية (كما منظومة السلطة وبعض المثقفين) بشأن ما جرى ويجري في فلسطين.

وأولى هذه الأساطير مقولة اليمين واليسار في إسرائيل والموقف تجاه فلسطين وحقوق أهلها؛ فقد استبان اليوم، وفي خضم الحرب، أن الأغلبية الساحقة في إسرائيل تعتنق، وبشكل جليّ، موقفاً رافضاً لأي شكل من أشكال التعايش مع الشعب الفلسطيني. لقد سقطت أسطورة التعايش والحوار، إذ يقود إسرائيل اليوم مستوطنون لا غاية لهم سوى اقتلاع الفلسطينيين وتهجيرهم من وطنهم، أمّا مَنْ كان منهم يسارياً ينادي بالتعايش فقد غادر إسرائيل منذ زمن بعيد. ولا فارق أيضاً في عملية الاقتلاع هذه بين المستوطنين والأثرياء، فكلاهما يقتلع؛ الأول ليسكن والثاني ليحول البيوت العربية التراثية إلى ملاه ومراقص ومطاعم بداعي الاستثمار.

والأسطورة الأولى أسقطت في طريقها الأسطورة الثانية، أي أسطورة أوسلو والتفاوض السلمي لنيل الحقوق؛ فالتفاوض اليوم ليس ممكناً مع الطرف الذي لا يؤمن بأن الفلسطينيين يملكون أي حقوق، أو حتى أي وجود إنساني؛ الفلسطيني «يدنّس» الأرض الموعودة ولا طريق أمامه سوى الهجرة. وأسقطت معها أيضاً أسطورة التمييز بين المقاومة السلمية والعنف، إذ لا يوجد اليوم بين الإسرائيليين من يؤمن بالسلم والحوار مع الآخر، وهذا متصل بالأسطورة التي تعتبر أن النكبة هي حدث من الماضي وانتهت سنة 1948. ما نراه اليوم لا يؤكد فحسب أن النكبة مستمرة من خلال أعمال التطهير الإثني والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وأملاكهم، بل يؤكد أيضاً مقاومة فلسطين لهذه النكبة المستمرة.

أمّا الأسطورة الثالثة فهي أسطورة إسرائيل كمجتمع ديمقراطي، والتي تهافتت مع إعلان إسرائيل نفسها أنها دولة يهودية، وهو الحدث الذى نراه اليوم كأحد أسباب انطلاقة حرب التحرير. لقد ألغى هذا الإعلان «القانوني» كل المزاعم الديمقراطية التي تروج لها ماكينات الدعاية في إسرائيل وأنصارها في الغرب. وهذا الأمر يتماشى مع مقولة تفوق البيض على السود كما روجها ترامب، ويعتنقها الملايين من أنصاره. إن أوجه الشبه عديدة بين اقتحام رعاع ترامب مبنى الكابيتول في ٦ كانون الثاني/يناير الماضي واقتحام المستوطنين البيوت الفلسطينية، فكلاهما هجوم بربري على القانون والحق اللذين يشكلان أساس أي ديمقراطية في العالم.

والأسطورة الرابعة هي الزعم الذي تنسجه الدعاية الإسرائيلو - أميركية وبعض المطبّعين، والداعي إلى فصل ما يجري في غزة عما يجري في القدس وسائر فلسطين، على اعتبار أن غزة هي بمثابة «جيب إرهابي» يقصف المدنيين اليهود كلما استطاع، أمّا القدس وسائر البلاد فهي شأن إسرائيلي داخلي يُدار بالحوار والحكمة وبموجب «القوانين». لم تصمد هذه الأسطورة طويلاً، ذلك بأننا في زمن العيون والآذان الإلكترونية التي توثق عمق واتساع حرب التحرير هذه والتناسق والترابط بين أرجاء فلسطين التاريخية كافة. إن أقرب الأمثلة لهذه الحرب في التاريخ الحديث هو ثورة فلسطين ١٩٣٦-١٩٣٩، حيث عمت الثورة البلاد من أقصاها إلى أقصاها. لقد تهافتت أسطورة الفلسطيني ألف والفلسطيني باء والفلسطيني جيم والفلسطيني دال، وإذ بنا نشهد اليوم فلسطيناً واحدة تدفع بشبابها وشاباتها إلى الحرية أو الموت. أمّا غزة هاشم «الإرهابية» فإن أطفالها «الإرهابيين» فلذات أكبادنا هم الذين شاء القدر أن يجعل منهم شهوداً على «إنسانية» إسرائيل في حربها على فلسطين.

والأسطورة الخامسة هي أسطورة وجود أشكال متعددة من النظام الكولونيالي بين الضفة وغزة والقدس وفلسطين المحتلة منذ عام ١٩٤٨. فقد أنار لهيب هذه الحرب حقيقة ساطعه وهي أن النظام الكولونيالي الإسرائيلي هو نظام واحد يهدف إلى مسح كل فلسطين من الوجود، أو إخضاعها للعبودية الدائمة. لكن الجميع خرجوا إلى الحرية فتبددت تلك الأسطورة وأذهلت من روّج لها.

والأسطورة السادسة هي أن العرب نسوا فلسطين، لكن ما يجري من تظاهرات وقلاقل في كل أرجاء الوطن، من مغربه إلى عراقه، يشي بعمق المشاعر العربية تجاه تحرير فلسطين، بل واتساعها من يوم إلى آخر. هذا الأمر يقلق السلاطين والمتنفذين وأصحاب القناطيرالمقنطرة فيلجأ بعضهم إلى فكرة «الإبراهيمية» لتبرير استسلامهم المشين لإسرائيل وأميركا. هلمّوا إذاً وطالبوا شركاءكم باستلهام «الإبراهيمية» اليوم لتحقيق العدالة في فلسطين إن كنتم صادقين!

ومع تهافت هذه الأساطير برزت إلى الوجود لغة جديدة يصوغها قادة فلسطين الجدد، أي هؤلاء الشبان والشابات الذين يلهبون حرب التحرير. هؤلاء صنعوا لغة جديدة تسمي الأمور بأسمائها، أي الاستعمار الاستيطاني والتطهير العرقي بدلاً من التهجير أو الإخلاء، وفلسطين بدلاً من الضفة وغزة ومناطق ١٩٤٨، وفلسطين المحتلة بدلاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والشعب الفلسطيني بدلاً من عرب ١٩٤٨ أو الأقلية العربية. هذه اللغة الجديدة تحمل في طياتها نفحة التحرير: فلسطين حرة!

Read more